رقم الخبر: 10007       تاريخ النشر: 7 شعبان المعظّم 1432

القادة وإيثار الشعب علي النفس ... طرق إلي الخلود

شبکة النبأ: السلطة تقود السلطان إلي طريقين، إما طريق الخلود، وإما طريق السقوط في قعر الحضيض، هذا ما يخبرنا به التأريخ، وتخبرنا به الوقائع الراهنة التي اجتاحت معظم حکومات ودول الشرق الأوسط.

فالحاکم يمکنه أن يسلک أحد هذين الطريقين، لکن لکل من الطريقين فوائد وتضحيات، فمن يختار طريق الخلود، عليه أن يضحي بمزايا السلطة وتجنيدها لتحقيق أهواء النفس، التي تدفع بصاحبها إلي النزوات والغرائز، إذا لم يکن متحکّماً بها، أما من يختار طريق السقوط، فهو الحاکم الذي يضعف أمام نفسه، ورغباتها، وغرائزها، فتدفعه نحو اللهاث لتحقيق رغائبها، حتي لو تم ذلک علي حساب الشعب والفقراء، فتبدأ سلسلة ارتکاب الجرائم والقتل، وسحق کل من يعترض طريق الحاکم، أو کل من يرفع صوته مطالباً بحقوقه التي تُستلَب منه أمام عينيه.

التأريخ يذکر لنا حکّاماً عظماء اختارو الطريق الأول، طريق الخلود، وآثروا کسب الناس، بعد رضا الله تعالي أولاً، ودحروا النفس ولم يستجيبوا لها، إلاّ بما يحقق نجاحه في الوصول إلي الخلود.

الإمام علي ابن أبي طالب صلوات الله عليه، مثال حي لا يتجاوزه أحد إذا أراد أن يعرف کيفية الفوز بطريق الخلود.

في کتابه القيّم الموسوم بـ«السياسة من واقع الإسلام»، يوضّح لنا سماحة المرجع الديني آية الله العظمي السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، هذا الأمر بجلاء، مستشهداً بسيرة الإمام علي صلوات الله عليه، وأسلوبه في إدارة قيادة الأمة، يقول سماحة المرجع الشيرازي بهذا الخصوص:

(أربع سنوات أو أکثر قضاها الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بين الکوفة والبصرة، وهو الرئيس الأعلي للبلاد الإسلامية الواسعة الأطراف. خلال هذه المدة الطويلة لم يشتر من مال المسلمين ثياباً لنفسه، ولم يأخذ من أموال البصرة والکوفة شيئاً لذلک. بل ظل علي ثياب المدينة کل هذه المدّة الطويلة، إلاّ إذا اشتري من عطائه الخاصّ کأضعف مستضعف من مسلم آخر في طول البلاد الإسلامية وعرضها).

إن قائداً من هذا الطراز، لابد أنه کبحَ رغبات النفس کلياً، وآثر طريق الخلود علي غيره، وصمم علي أن يکود القدوة التي ينبغي أن يقتدي بها الشعب، فالناس تقرأ شخصية قائدها، وتتفحص حکومتها، وتدرس أفعالهم وأقوالهم وطبيعة سلوکهم، وتتأثر بهم کنماذج، فأما من ينجح بکسب الناس نتيجة لمراعاة حقوقهم، فذلک هو الحاکم والمسؤول الذي يسلک طريق الخلود، وأما من يسلک الطريق الآخر فقد فضّل طريق السقوط بثمن بخس، تقدّمه له الغرائز والرغبات التي ضعف إزائها.

يقول سماحة المرجع الشيرازي في کتابه نفسه: (القائد تکون أعمالُهُ درساً للشعب، ومنهاجاً للأجيال، ولذلک کان القائد متحملاً لما يمارسه الشعب نتيجة تعلمه منه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. والحياة الشخصية للقائد أدق مدرسة للأجيال المتمسّکة بذلک القائد، ولهذا کان من سياسة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بناء حياته الشخصية علي الإيمان والزهد).

ويضيف قائلاً أيضاً في هذا الصدد: (کان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه لايأکل اللحم في السنة إلاّ مرة واحدة، في يوم عيد الأضحي وذلک لأنّ هذا اليوم هو اليوم الذي يأکل فيه کل المسلمين اللحم، من وفور لحم الأضاحي.. فلکي يواسي إمام الأمة أضعف الأمة، يأکل اللحم في ذلک اليوم فحسب. هذا في أيام خلافته الظاهرية التي کانت مسؤولية الأمة برمتها عليه).

إن قادة اليوم ربما يتحججون بتعقيد الحياة الراهنة وتشعبها، لکن الأمر يبقي مرتبطاً بالذات، أي بمعني أن هناک قادة عاشوا أيضاً في حياة معقّدة، وتنطوي علي الملذات والجاه والنفوذ وما شابه، لکنهم مع ذلک تساموا إلي مرتبة أعلي وأعلي، فخلدوا في عقول وضمائر أمتهم کما حدث مع (غاندي) الهند، الذي لم يکن يفرق بين هندوسي ومسلم وبوذي وغيره.

وکان الإمام علي صلوات الله عليه ينظر إلي الجميع سواسية، فالمسيحي لديه مواطن له حقوقه المعروفة، والمکفولة والمتساوية مع حقوق المسلم، طالما أنه تحت رعاية الدولة الإسلامية، واحد مواطنيها، يقول سماحة المرجع الشيرازي بهذا الخصوص:

(الإمام علي أمير المؤمنين صلوات الله عليه لا ينظر إلي أهل المدينة فحسب، الذين يجدون غالباً اللحم فيأکلونه، ولا ينظر إلي أهل الکوفة فقط التي تتوفر فيها اللحوم من کل الأنواع، من الغنم، والبقر، والإبل، والدجاج، والطيور، والأسماک. وإنما ينظر إلي أقاصي بلاد الإسلام، وأهل الأرياف البعيدة، والفقراء الذين يسکنون الأخبية، فکلهم لا يجد اللحم کل يوم ليقتات به. وما دام عليّ صلوات الله عليه إمامهم جميعاً. فکما عليهم أن يقتدوا به في أفعاله، يحتم علي نفسه أن يقتّر علي نفسه في مطعمه وملبسه ـ بل ومسکنه ـ کأضعف رعيته. عظيم جدّاً هذا الإنسان. وعظيمة جداً هذه السيرة. وعظيم جداً الإسلام الذي يربّي هکذا قائد).

ولن تتحقّق مثل هذه القدرات العظيمة، التي تسيطر علي النفس، إلاّ إذا کان صاحبها عظيماً حقّاً، وتأتي عظمة القائد الإنسان من بساطته في العيش، ومن تقديمه النموذج الأفضل للشعب، سلوکاً، وأفکاراً، وأسلوب حياة، لذا يؤکد سماحة المرجع الشيرازي في هذا الصدد، قائلاً في کتابه «السياسة من واقع الإسلام»: (البساطة في الحياة الشخصية مما عرف بها الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فکان لايعبأ بالتجمّلات إطلاقاً، ولا يصرف ثواني من وقته في سبيلها. وهکذا ينبغي أن يکون القائد الإسلامي لکي يصرف أوقاته کلها في أمور المسلمين والمستضعفين).

ومثلما يحدث دائماً مع القادة والحکّام، أنهم يحصلون علي الهدايا المتنوعة، ومن مصادر لا تُحصي، ومنها ما يکون ذا قيمة عالية جداً، وهذا ما درج عليه الحکّام منذ القدم وإلي الآن، ولکن هناک من تتضخم ذاته بسبب الهدايا والجاه، وتُخرَّب نفسه ويتعالي، ويفقد توازنه، ويسيء استخدام السلطة مع الشعب، وهناک ـ العظماء ـ وهم من يتقاسموا الهدايا مع شعبهم من الفقراء، بل ربما يقدّمونها لمن يستفيد منها، مترفعون بذلک علي متع الدنيا أياً کان نوعها أو حجمها، لذا يقول سمحاحة المرجع الشيرازي:

(کان من عادة الإمام أمير المؤمنين عليّ صلوات الله عليه التي عرفت فأثرت عنه أنّه لم يکن ليحتکر الهدايا الشخصية التي تهدي إليه لنفسه فقط، بل کان يوزّعها علي المسلمين أحياناً، أو يشرکهم مع نفسه فيها).

ويضيف سماحته قائلاً أيضا: (کان الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه کأقل الفقراء مالاً، يستقي الماء من البئر بنفسه، ويحتطب بيديه الکريمتين، ليکون أسوة حسنة لعامّة المسلمين عبر التاريخ الطويل، وقدوة عملاقة لزعماء المسلمين.. وکذلک کان يقوم بسائر شؤونه الشخصية بنفسه).

هذا هو المثال الحي لحکّام اليوم، في الدول الإسلامية والعربية أولاً، ولحکّام العالم أجمع، أمامکم هذا النموذج من السلطة، التي اختارت أن تکون طريقاً لخلود حاکمها علي مر التأريخ والوجود برمته.. فيا حکام اليوم والغد.. هل أنتم آخذين بسيرة هذا النموذج العظيم؟