رقم الخبر: 12913       تاريخ النشر: 23 ربيع الثاني 1439

بالجلسة العلمية الثالثة والثلاثين
نجل سماحة المرجع الشيرازي يبحث (الديمقراطية)

تناول نجل المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، حجّة الإسلام والمسلمين السيد حسين الشيرازي، في الجلسة العلمية الفكرية الثالثة والثلاثين، موضوع: (الديمقراطية: تأمّلات واستلهامات).
أقيمت هذه الجلسة في مكتب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدّسة، ضمن سلسلة جلسات فضيلته الفكرية العلمية الاسبوعية، عصر اليوم الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الثاني1439للهجرة (11/1/2018م).
حضر هذه الجلسة، أعضاء مكتب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدّسة، والعلماء والفضلاء وأساتذة وطلبة الحوزة العلمية، والشخصيات الاجتماعية والثقافية، وضيوف من العراق وسوريا وأفريقيا.

كان مما ذكره نجل سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في هذه الجلسة، النقاط التالية:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وعترته الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

قال تعالى: «قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ» (الأعراف/12ـ13).

ـ قال تعالى عن لسان ابليس: «قَالَ فَبِمَا أَغْوَيتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِينَّهُمْ مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ» (الأعراف/16ـ17).

ـ قال تعالى عن لسان ابليس: «قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيتَنِي لأُزَينَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلأُغْوِينَّهُمْ أَجْمَعِينَ» (الحجر/39).

ـ قال صلى الله عليه وآله في وصيته لأبي ذر الغفاري: «ثم يرجع إلى نفسه فيكون هو أحقر حاقر لها».

نهج البلاغة: «بينكم وبين الموعظة حجابٌ من الغِرَّة / اغفر زلّة اخيك ليوم يركبك عدوّك / من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته / ازهد في الدنيا يبصّرك الله عوراتها» جمع مضاف.

ـ الكافي الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام: «ما قدّست اُمة لم يؤخذ لضعيفها من قويّها بحقّه غير متَعتَع».

ـ ليس مستوى الشخصية في الإنسان بأمرٍ ثابت ولا جامد بل هو دائماً منشّطٌ من الداخل بشكل أساسي ومن الخارج بفعل الغير وبشكل اكتسابي، وهذا النوع من أبرز المرديات للإنسان.

ـ ينمو مستوى الشخصية من الداخل بسبب عوامل خمسة ثلاثية الركائز، وهي:

الأول: المواهب، اذا تمّ تفعيلها وتنشيطها، عبر: 1) الإيحاءات 2) الحاجات 3) التأكيدات.

الثاني: القيم والمبادئ العُليا، اذا تمّ تبنّيها واحتذائها واتباعها، عبر: 1) الوعي بها 2) قطعها على النفس 3) المراقبة والمحاسبة.

الثالث: الفُرص، اذا تمّ اقتناصها وصيدها بل وخلقها، عبر: 1) تحيّنها 2) احتضانها 3) التمسّك والتشبّث بها بإحكام.

الرابع: الجُهد والسعي والتعبّ، اذا تمّ تركيزها وترسيخها، عبر: 1) حشرها وصهرها 2) ضغطها وتكديسها وتراكمها 3) توجيهها نحو مخرج خاص.

الخامس: المهارات والاحترافات، اذا تمّ تضلّعها وإتقانها، عبر: 1) الارهاص 2) الارهاق 3) الارهاب. تم تفصيل هذا العامل في درس سابق.

ـ هذا النمو في مستوى الشخصية يرافق لا محالة اكبر عجز في الإنسان، وهو فيما يخصّ التنازل عن الشأن الذي يحسبه لنفسه والمنزلة والجاه والمقام والرفعة والمكانة التي يراها لذاته في قبال الآخر.

ـ هذا العجز هو الأساس في تضييع حقوق الآخرين والاعتداء عليها والاستهانة بها وسحقها، ولا يقوّض الديمقراطية في العالم إلاّ هذا العجز الذي لا يكاد يتفك عن الطبيعة «النرجسية» الحاصلة من المغالات في حبّ الذات والثقة بالنفس والاعتماد عليها، لا يشيد الديمقراطية إلاّ الطبيعة «المثلبية» الحاصلة بالمغالات في نكران الذات والتواضع والإحساس بالدونية في قبال الآخر.

ـ الثقة بالنفس والاعتماد عليها، على مستويين: 1) سطحية ضحلة خاوية 2) عميقة متينة رصينة.

المستوى الأول: تحصل الثقة من منابع الغرور والكبرياء، فهذه النوعية تكون رديئة جدّاً بسبب ردائة منبعها ومصدرها، ولذا فإنّها تكون مهزولة ومهزوزة وزوّالة تتلاشى لأدنى العوامل المادية التافهة، مثلاً في مواجهة السلطان القاهر والطغاة، وفي مواجهة سطوة النفس وشهواتها وميولاتها ونزواتها.

والمستوى الثاني: تحصل الثقة من منابع التواضع والنفس السلمية وقبول الآخر، فتكون أهم عوامل جلب السعادة التي لا تكاد تعكر ولا تكدّر ولا تخدش بفعل سلطان قاهر ولا ظروف قاهرة، بل تنطوي على التصلّب الشديد الذي يحول دون حدوث عوامل ثلاث، وهي: 1) انتزاع السعادة 2) فرض القيم القذرة 3) فرض الكف عن القيم النبيلة التي قطها على نفسه.

ـ «الديمقراطّية» أشد المفاهيم المُستعصية المتصلّبة والمتعنّدة في الحياة، التي لن تقبل ولن تستجيب لأي استثناء بوجه من الوجوه، لا من حيث الزمان والمكان ولا الظروف ولا الأشخاص ولا غير ذلك، كما أنها أشد المفاهيم في الحياة، التي يتم اعاقتها وتزييفها وسحقها والافتراء عليها وتزويرها وتلفيقها وتضليلها، ويتم ذلك التزييف والتزوير في أغلب الأحيان بعمليات بالغة الدقة تفوق عمليات السحر الفائقة الدقة، ويبدو لي، أن التزييف بأعلى مستوياته يحصل في الأنظمة الغربية التي تعتبر اليوم مهد الديمقراطية، ويظهر ذلك عند المقايسة مع حكومة اميرالمؤمنين عليه السلام.

ـ هذا التزييف والتزوير في الأنظمة القائمة في بلادنا وفي المؤسسات الدينية والمجتمعات الايمانية، يتم عبر ممارسة ذات جانبين متزامنين وهما:

1) قهر واحتقار واستخفاف الكل وفي كل المجالات.

2) التزلّف والتملّق والملاطفة والمجاملة والميوعة مع بعض النُخبة والشخصيات والزُّبدة ومراكز القوى ومصادر الأموال، فيتم التذرّع بنكران الذات من أجل مواراة الاستبداد.

ـ تأملاتي في الديمقراطية، هناك عشرة عناوين في الديمقراطية يشكل منظومتي الفكرية الأساسية، استلهمتها من النصوص المقدسة وسيرة أميرالمؤمنين عليه السلام وبعض تجارب الإدارة:

الأول: الديمقراطية ممارسة وسلوك وليست نظرية ولا فكر يتم التفلسف والسفسطة حولها في الأندية العلمية والجلسات الفكرية النظرية والدواوين والمقاهي والكازينوهات و...

الثاني: الديمقراطية، ضرورة للغاية وليست نافلة في الحياة بل وليست ضرورة ابتدائية ولا وقتية ولا مرحلية، بل هي إلى الأبد وفي جميع الأبعاد ولكافة الناس.

الثالث: الديمقراطية قواعد وضوابط وپروتكلات، وليست مفاهيم عدمية نظير غض الطّرف وترك المحاسبة والمؤاخذة وترك الملاحقة والمطالبة، ولا كالصبر والحلم والعفو.

الرابع: الديمقراطية تُصنع وتخلق، ولا تستعمل، أي: ليست بحيث تُضاغ من قبل الآخرين ثم تنقل لعامة الناس أو للمدراء من أجل التطبيق والإنفاذ أو تدريب وتمرين دون مخالفة ونقض.

الخامس: الديمقراطية تُفرض ولا تمنح، مثل الحق الذي يؤخذ وليس يعطى أبداً، فيجب أن يفرض الإنسان قواعد الديمقراطية بالقوّة، فلولاها يستحيل ان يتم منحها من قبل الحُكام.

السادس: الديمقراطية قانون (كالجاذبة) وليست أخلاق ولا آداب، وليس هذا الكلام استهانة بالاخلاقيات والآداب والمكرمات، بل تأكيد على أرقائية مبادئ الديمقراطية.

السابع: الديمقراطية شرٌّ لابد منه، لأنها أهم عوامل كرامة الإنسان، بالرغم من أنها أساس جملة من الافرازات السلبية التي لا تكاد تُعد ولا تحصى، بل تسبّب مفاسد بلا حدود.

الثامن: الديمقراطية، لابدية عقلية، وليست خيار، يفضّله الإنسان أو يفضّله العقل أو العقلاء أو الأعراف والعادات، وليست منفعة للحياة ولا هي من قبيل الإحسان والتفضّل.

التاسع: الديمقراطية، تفريط بالمصالح الشخصية من أجل تحقيق وضمان المصالح العامّة الأساسية، فالتعريض للمنافع الشخصية للهتك والهدر بسبب الديمقراطية يكون باستمرار دون توقف.

العاشر: الديمقراطية، غاية في الوجود وليست حاجة مُلحة، كالهواء والاوكسيجين، والطعام، مهما كانت دخيلة في استمرارية الحياة إلاّ انها ليست غاية في الحياة ولا من أجلها تم خلقنا.