رقم الخبر: 13290       تاريخ النشر: 25 رمضان المبارك 1439

التقرير الكامل للجلسات العلمية الرمضانية1439 للهجرة
الجلسة الحادية عشرة ـ الحادي عشر من شهر رمضان العظيم

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين.

• قاعدة التسامح:
استمراراً لبحث قاعدة التسامح التي طرحت في الليلة الماضية، قال سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظلّه:
قاعدة التسامح أشهر بل مشهور الفقهاء يقولون بحجيّتها قولاً وعملاً، سواءً بتعبير التسامح أو بفتوى الاستحباب طبق القاعدة. وفي المقابل لم يقبل بها بعض الفقهاء، وقالوا يترتّب الثواب ولكن استفادة الحكم بالاستحباب غير صحيحة.
دلالة أخبار من بلغ:
وبيّن السادة الأعلام بحث: أنّ أخبار (من بلغ) والرواية الصحيحة موجودة أيضاً بينها، كصحيحة هشام بن مسالم، هل تصرّح بالثواب فقط أم أنّها تدلّ على الاستحباب أيضاً؟ والاستحباب كالوجوب حكم شرعي (إنّ الحكم إلاّ لله)، فحينما قلنا مستحب أي إنّنا أسندناه إلى الشارع المقدّس، والآن هل قاعدة التسامح تثبت الحكم بالاستحباب وقد قال المشهور قديماً وحديثاً؟ أم أنّها تبين ترتب الثواب فقط؟
نعم من المسلّم والمفروغ عنه أن قاعدة التسامح لا يمكننا بواسطتها الحكم على شيء بالوجوب والحرمة، لأنّ هذين الحكمين من الأحكام الاقتضائية، وأمّا في باب العبادات كالصلاة والصيام، فإنّ المشهور أفتوا بالاستحباب طبقاً لقاعدة التسامح.
• مستحبّات التشّهد:
من باب المثال، ورد في العروة في بحث التشهّد:
(يستحبّ في التشهّد أمور) وبعض الفقهاء الذين يرفضون قاعدة التسامح قالوا في كلمة (يستحب) التي ذكرها صاحب العروة في حاشيتهم أنّ مستند الاستحباب في أكثر هذه الأمور غير ثابت، لذلك لا يؤدّى بنيّة الاستحباب بل بنيّة الرجاء.
لكن السؤال هنا إذا كانت بعض الأعمال تؤدّى بنيّة الرجاء في الصلاة كيف تكون جائرة؟
على كلّ حال، من جملة الأمور المستحبّة في التشهّد هي:
الخامس: أن يقول بعد قوله: (وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله) أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة. وجملة (أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة) لا هي قرآن، ولا هي ذكر، ولا هي دعاء، ومع ذلك كيف قالوا أنّ هذه الجملة تجوز في تشهد الصلاة؟!
بهذا الشأن هناك رواية سندها محلّ خلاف، أي أنّها تصحّحت بقاعدة التسامح. والرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) وهي أن تقولوا هكذا بعد الشهادة الثانية، والراوي اسمه عبد الملك بن عمرو الأحول وهو غير موثّق، وقد نقل روايتين اثنتين في مدحه هو، وهي لا تكون دليلاً على وثاقته، وطبعاً جعل بعضهم بقرائن عدّة معتمداً عليه.
في هذه المسألة، ومن بين 41 حاشية على العروة، وباستثناء بعض العلماء، فإنّ البقية مع وجود المباني المختلفة الفقهية والأصولية والرجالية الموجودة لديهم، قد قبلوا بالاستحباب الذي صرّح به صاحب العروة، وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدلّ على قاعدة التسامح فقط، وحتّى أولئك الذين لا يعدّون الشهرة جابرة وكاسرة فإنّهم هنا لم يكتبوا حاشية أبداً.
الخلاصة: إنّ قاعدة التسامح ثابتة وتامّة وإن لم تكن قادرة اثبات الاقتضائيات من الأحكام، وأمّا في الصلاة التي لا تجوز فيها غير الذكر والقرآن والدعاء، فإنّ الكلام الذي ليس هو ذكراً ولا دعاءً ولا قرآناً، يجوز فيها، وإذا لم تكن لدينا الرواية فلا يحقّ لنا أن نقول هذا الكلام في الصلاة لأنّه كلام آدمي.
• خمس أرباح المكاسب:
سأل أحد الفضلاء: لقد طرحت العامة شبهة، وبعض العوام الخاصة أيضاً يطرحونها في بعض الأحيان، بأنّ خمس أرباح المكاسب لم يكن موجوداً في عهد النبي صلّى الله عليه وآله، فمن أين تقولون بأنّه واجب؟
قال سماحته: لقد نقل المرحوم الأخ في إحدى كتبه 17 رواية حول وجوب خمس أرباح المكاسب، وبهذه الكمية من الروايات بل أقل من ذلك يحصل التواتر، وخصوصاً إذا أحرز بأنّ رواة هذه الروايات لم تكن لهم علاقة ببعضهم ولم يتواطئوا على الكذب أيضاً.
إحدى الروايات التي في بالي التي ذكرت في كتاب (جامع أحاديث الشيعة) التي كتبت تحت إشراف ورعاية المرحوم السيّد البروجردي، وهي أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله قد قال لبعض أصحابه ومنهم أبو ذر وسلمان، وممّا قاله: (واخراج الخمس من كلّ ما يملكه أحد من الناس). وإن لم يكن سند هذا الحديث صحيحاً ولكنّها معمول بها، ولذلك فهي معتمدة.
إذاً... خمس أرباح المكاسب كانت موجوداً في عهد النبي صلّى الله عليه وآله، ولكنّه لم يكن معروفاً ومشهوراً، لأنّ تفصيل أغلب الأحكام لم يرد في القرآن الكريم، ولكن القرآن يقول: (ما آتاكم الرسول فخذوه)، وقد قال الرسول صلّى الله عليه وآله: (كتاب الله وعترتي)، فإذاً إلى جانب القرآن الكريم فإنّ الرسول والعترة عليهم السلام كلامهم حجّة، فإذا وصل حكم من أحد هؤلاء الثلاثة فيكفي ذلك.
قال بعض الحاضرين من السادة العلماء: إنّ هناك روايات وردت عن الأئمة عليهم السلام أنّهم استشهدوا لخمس أرباح المكاسب بآية (وأعلموا أنّما غنمتم).
قال سماحته: نعم، فقد وردت في الرواية أنّ الإمام عليه السلام قد قال في معنى الغنيمة: (هي والله الإفادة يوماً بيوم).
• من مصاديق المؤونة:
سئل: أحياناً يشتري شخص شيئاً بحيث يستعمل جزءاً منه في هذه السنة ولكن عينه تبقى إلى عدّة سنوات، كالكتب التي يشتريها الطلاب، هل تعدّ من المؤونة التي ﻻ تتعلّق بها الخمس؟
قال سماحته: المؤونة موضوع عرفي يترتب عليه حكم شرعي كبقية الموضوعات، والشارع نفسه لم يعرّف المؤونة، ولهذا السبب يكون الموضوع موضوعاً عرفياً، والدليل يقول: (الخمس بعد المؤونة)، ولكن أيّة مؤونة؟
المؤونة التي:
أولاً: لا تنفق في الحرام.
ثانياً: تكون في حدّ شأن الإنسان الشخصي.
ثالثاً: تكون مؤونة فعلية. وفي حدّ الشأن يعني: إذا أنفق هذا الشخص بهذا المقدار فإنّه في رأي المجتمع لن يكون سبباً لدهشة وتعجّب الآخرين وأولئك الذين من أمثاله.
لكنه إذا أنفق أكثر من شأنه، أو أنفق في الحرام كإنفاق ماله في القمار مثلاً، فيجب عليه حينئذ من أداء الخمس، خمس ما أنفقه في الحرام. وإن أنفق هذا المقدار في الحرام أو كان أكثر من شأنه، فإنّ عنوان المؤونة يطلق عليه، ولكن دليل (الخمس بعد المؤونة) وبمناسبة الحكم والموضوع لا يوجد فيها الظهور والإطلاق حتّى تكون شاملة لمؤونة الحرام وأكثر من شأنه أيضاً.
أي: أنّ المؤونة على لسان الدليل منصرفة في لسان الحرام والأكثر من الشأنية، وعلى الأقل من الشكّ، وحينئذ فإنّ الدليل العام لوجوب الخمس سوف يشمله، والقدر المتيقّن من التخصيص والاستثناء هو في المورد الذي ﻻ يكون الإنفاق حراماً وأيضاً لا يكون أكثر من الشأن أيضاً، وإذا شككنا في شمول الدليل الخاص في مورد فعلينا حينئذ التمسّك بعموم العام.
• شرط فعلية المؤونة:
يذكر الفقهاء: في المؤونة انّ الفعلية شرط، أي يجب أن تكون المؤونة في السنة نفسها حتّى يسقط خمسها، ولكن إذا كانت المؤونة في السنوات التالية وإن كان المتعارف أنّ الشيء الذي اشتراه هذه السنة ولكنه يستفاد منه في السنوات الآتية، كالبيت على سبيل المثال اشتراه هذه السنة ولكنه سوف يستفاد منه حتى 50 سنة بعدها، فهذا مما ليس له خمس، ولكن إذا كان شيئاً ليس من المتعارف كالطعام الذي اشتراه هذه السنة ليبقى إلى السنة التالية، فلابدّ أن يؤدّي خمس ما يزيد منه، لأنّه من غير المتعارف أن يأكل المواد التموينية من الأطعمة في السنوات التالية ويشتريها هذه السنة.
• المؤونة والإسراف في الإنفاق:
وسأل أحد الفضلاء: بأيّ دليل إذا أنفق المؤونة في الحرام، مثلاً قام بالتبذير أو الإسراف، فيجب أن يؤدّي خمسه، علماً انّ هذا المبلغ أنفق وأصبح مؤونة، نعم هو مذنب وعاص في ارتكابه للحرام.
أجاب سماحته: إذا بذّر المال مثلاً قام بحرقه أو ألقاه في البئر، فلا يعدّ هذا مؤونة بالإجماع، وفي حرمة التبذير لا خلاف في ذلك، ولكن الإسراف فيه خلاف هل هو حرام أم ﻻ، والمشهور من الفقهاء يقول: حرام ونحن قائلون به أيضاً.
الاسراف يعني: أن ينفق أكثر من حاجته، فقد ورد في الرواية الشريف: (إنّ من الإسراف صبّ فضل الماء) وطبعاً لأنّ سند الرواية مخدوش وغير معتمد، فقد قال الفقهاء بأنّ هذا الإسراف مكروه.
الخلاصة: وبناءً على أنّ الإسراف حرام، فإذا أنفق ماله في الإسراف، فإنّه غير مشمول لدليل (الخمس بعد المؤونة)، لأنّ المؤونة لابدّ أن تكون مصروفة لأنّ عموم دليل الخمس قد شملها، وسقوط الخمس يحتاج إلى دليل، ودليل الخمس يقول: (هي والله الإفادة يوماً بيوم)، لذلك إذا وصل بيده فائدة فإنّ الخمس سوف يتعلّق بها، ولكن هذا الخمس من الواجب الموسّع.
دليل السنة والعام يقول: له الحقّ في التأخير في تأخير أداء الخمس إلى سنة واحدة أي رأس سنته الخمسية. ومن ناحية أخرى يقول دليل المؤونة: وكلّما أنفق من أجل المؤونة فلا خمس فيه، والآن إذا أنفق في الحرام هل يعدّ هذا مؤونة؟ على الأقل نشكّ هل أنّها مؤونة أم لا؟ لذلك فإنّ دليل المؤونة لا يشمله، وإذا شكّ في مورد أنّ مؤونته 900 ألف أو مليوناً واحداً، فنظرا إلى الدليل العام لوجوب الخمس العموم يجب عليه أن يخمّس المقدار المشكوك.
• أصل الوجوب أو عدمه:
وأشار سماحته إلى بحث آخر وهو محلّ خلاف، هل عند الشكّ في الخمس وعدم الخمس، أنّ الأصل هو الخمس أم عدم الخمس؟
قال المشهور من الفقاء: الأصل عدم الخمس، لأنّ الخمس تكليف، وإذا شكّ فيه فالأصل عدم التكليف.
لكن نظري ورأيي من بحسب عموم الأدلة المختلفة هو أنّ الأصل هو الخمس، ومن تلك الأدلة يقول الإمام: هل تظنون أنّ الخمس لنا فقط، المال كلّه لنا، أو الرواية التي أشرت لها وقد نقلت أيضاً في جامع أحاديث الشيعة أيضاً.
• المؤونة وأداء الدين:
سئل: هل الدين جزء من المؤونة؟
قال سماحته: هذه المسألة محلّ خلاف، يقول صاحب العروة: إذا كان الدين في السنة نفسها فمؤونة، وقال بعضهم: أصل وجود الدين مؤونة حتّى إذا لم يقم بالأداء، ولكن وفاقاً أو تبعاً لجماعة ورأيي أيضاً هو: إنّ أداء الدين مؤونة وليس أصل وجوه الدين.
• خمس الخمس:
سئل: إذا كان شخص معيشته الحياتية من الخمس، هل حين الإضافة يتعلّق بها الخمس؟ أي انّه إذا تملّك هذا المال وهو خمس يجب عليه تخميسه أو لا؟
قال سماحته: بالنسبة إلى المال المخمّس يقول الفقهاء: المخمّس لا يخمّس، أمّا أن الخمس نفسه يخمّس أو لا يخمّس، ففي هذا المجال هناك رواية تقول: (لا خمس عليك فيما سرّح به صاحب الخمس). وهذه المسألة محلّ خلاف بين الفقهاء أيضاً.
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.