23 تموز 2019م
آخر تحديث: 23 تموز
 
  رقم الخبر: 10206       تاريخ النشر: 12 محرّم الحرام 1433









 









 

عبقات عاشورائية ( 11)
الثقة بالله


يقول المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله:

على كل فرد منّا أن يمضي في طريق الأهداف التي بذل الإمام الحسين صلوات الله عليه مهجته في سبيل تحقيقها، وأن ننتخي جميعاً لتلبية النداء الذي أطلقه. لقد قال سلام الله عليه في يوم عاشوراء:

«اللهمّ أنت ثقتـي في كلّ كرب».

إن للفظة «ثقة» هنا مفهوم عميق، ولربّما نستطيع أن نبيّن معنى قول الإمام هذا في ضوء المعنى العميق الذي تكتنزه لفظة (ثقة) على النحو التالي: «اللهمّ أنت سندي واطمئناني وإيماني واعتمادي».

و«للكرب» أيضاً معنى دقيق وقد اختير من بين المفردات التي تعني الانكماش والاضطراب والحزن. وفي تقديم الضمير هنا دلالة خاصة تتمثّل في الحصر والتخصيص، فيكون المعنى الإجمالي للعبارة: إلهي أنت وحدك مدعاة سكوني واطمئناني عند عظيم الكربة وفرط الغمّ، وأنت من يهدّئ خاطري ويسكّن روعتي.

الحقّ أنّ فصحاء العرب لم يشهدوا من قبل مثل هذا البيان والترتيب الباهر للألفاظ لتفيد هذه المعاني الراقية والغايات السامية.

إنّها مسألة في غاية الأهمية أن يثق الإنسان بالله ويعتمده، وهي في ذات الوقت صعبة المنال لكنّها ليست بالمستحيلة فهي ممكنة بالجدّ والاجتهاد. فلو وثق الإنسان بربّه، سيبلغ لا محالة مرحلة التكامل ويحلّق في رحبة الآفاق الروحية.

لقد أطلق الإمام الحسين سلام الله عليه، نداءه هذا في لحظات عصيبة افتدى فيها بكلّ ما يملك في الظاهر من هذه الدنيا من إخوة ومال وبنين، وكلّ شيء، وكان هو نفسه مثخناً بالجراح وملقى على الرمال الحارقة في أرض كربلاء التي عفّرت جسده الطاهر وهو ينزف دماً زكياً، في تلك البرهة التي سقط إخوته وأبناؤه وجميع أصحابه الأوفياء مضرّجين بالدماء، ولم يتبقّ إلاّ أهل بيته وعياله الذين كانوا يتابعون المشهد المأساويّ بصبر وألم، في هذا الخضمّ الهائج من البلايا وأمواج المصائب العاتية يتوجّه الإمام سلام الله عليه إلى الله ليؤكّد ثقته به: «اللهمّ أنت ثقتـي في كلّ كرب»، إنّها حقّاً تُبرز أنّه صلوات الله عليه كان ممسوساً في ذات الله تعالى حين يطلق هذا القول وسط غبار المعركة المتصاعد واشتداد أوارها، وهو ما دعا أحد الرواة الشهود على واقعة كربلاء لأن يصف رباطة جأشه وقوّة عزمه سلام الله عليه بما يلي: «... فو الله ما رأيت مكثوراً قطّ قد قُتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشاً منه ...»

إنّ عبارة «اللهمّ أنت ثقتـي في كلّ كرب» لا تعني بأيّ حال من الأحوال أن يترك الإنسان العمل والمثابرة ويركن إلى الكسل، بل أن يعدّ لكل شيء في هذه الدنيا عدّته ويهيّئ أسبابه، وأن يسعى في حلّ المسائل بالطرق المشروعة، دون أن يستغني عن التوكّل على الله وأن ينيب إليه في جميع أموره وأن يلجأ إليه وحده دون غيره.

 
 

الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG