07 حزيران 2020م
آخر تحديث: 06 حزيران
 
  رقم الخبر: 10472       تاريخ النشر: 16 رجب المرجّب 1433









 









 

التوازن النفسي وسلامة البناء المجتمعي


شبكة النبأ: الصحّة النفسية لا تقلّ أهمية عن الصحّة الجسدية، لكن قلّة الوعي في المجتمعات المتأخّرة، تجعلهم يتعاملون مع الجانب النفسي بحالة مستديمة من عدم الاكتراث واللامبالاة، بل يدفعهم الجهل فيما يتعلّق بخفايا النفس إلى إهمالها تماماً، ومنهم من ينظر إلى علاج النفس وكأنّه من العيوب التي تسيء للإنسان ولمكانته بين الآخرين، لكن في الحقيقة من أهم الأمور التي ينبغي على الإنسان مراعاتها والسعي لتحقيقها، هو(التوازن النفسي) الذي وصفه سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في كتابه القيّم الموسوم بــ(حلية الصالحين)، قائلاً في هذا الخصوص: إن (التوازن في النفس مهمّ جدّاً، كما هو مهمّ في كلّ شيء؛ وكما أنّ أدنى اختلال في توازن الأشياء قد يؤدّي إلى تحطّمها أو خرابها، فكذلك الحال مع النفس).

دقّة النفس الإنسانية

إن حالة التوازن هي الإيقاع الطبيعي الذي يحكم العلاقات القائمة بين الطبيعة والإنسان من جهة، وبين الإنسان ونفسه من جهة ثانية، من هنا تتأكد أهمية التوازن للأشياء وللإنسان معاً، وأن أيّ اختلال في هذا الجانب سينعكس على سلوك الفرد ثم المجتمع برمّته، لهذا يدخل جانب التوازن النفسي بوضوح في البناء المجتمعي السليم، من هنا ظهرت الأصوات والأقلام المعنية التي تطالب بضرورة التنبّه للجانب النفسي ومراعاته كما هي الحال مع مراعات الجانب المادي تماماً، وذلك بسبب دقّة النفس، كما يؤكد ذلك سماحة المرجع الشيرازي بقوله: (إنّ النفس الإنسانية دقيقة جدّاً وسريعة التأثّر إلى درجة كبيرة، فهي كالنابض الذي يهبط لأدنى ضغط ويرتفع بارتفاعه بسرعة. مثاله: لو تبسّمتَ في وجه شخصٍ ما، فسوف تنبسط أساريره ويتعامل معك باتّزان، ثمّ لو عبّست في وجهه بعد ذلك، تراه يفقد وعيه ويختلّ توازنه ولا تعود معاملته لك كما كانت آنفاً، ولا يعذرك أو يحتمل وجود سبب ما لعبوسك).

ولا ينحصر التوازن في جانب محدّد، بشري أو سواه، بل هناك حالة من التناغم والانسجام ينبغي أن تسود بين الإنسان ونفسه من جهة، وبين الإنسان وما يقع خارجه من كائنات أو أشياء أخرى، لأن الاختلال في عملية التوازن تقود إلى نتائج مؤسفة بل ومدمّرة أحياناً، ليس على مستوى الأفراد فحسب وإنما على مستوى المجتمعات أيضاً، من هنا تأتي أهمية صيانة النفس ومراقبتها ودفعها دائماً نحو التوازن وعدم الاختلال، علماً أن عوامل الاتزان كثيرة وقد تكون متعدّدة، لذا على الإنسان أن يراقب نفسه من خلال كل ما يشترك في دفعها نحو الأفضل، ويضرب لنا سماحة المرجع الشيرازي مثالاً حول هذا الجانب يقول فيه: إن (الطائرة التي تحلّق في الفضاء ربما ساهم في توازنها اجتماع آلاف العوامل على نحو الأمر الارتباطي - على حدّ تعبير الفقهاء- . فما أكثر الأجزاء والعوامل والشروط التي لابدّ من توافرها، وما أكثر الموانع والمخلاّت التي لابدّ من رفعها، حتى تستطيع أن تحلّق هكذا في الفضاء ولا تهوي، ولو اختلّ جزء واحد من تلك الأجزاء أو حصل مانع ما فربما تفقد الطائرة توازنها وتسقط).

التوازن التكويني والنفسي

وهناك نوعان من التوازن بشكل عام، التوازن التكويني وهو ما يتعلّق بالجسد المادي الملموس، فإذا حدث خلل في هذا الجانب سيتعرض بدن الإنسان إلى ضرر بحجم الخلل التكويني الذي يتعرّض له، ولكن هناك ضرر كبير تتعرّض له النفس في حالة حدوث عدم التوازن المعنوي، وهو أمر يضرّ النفس ويصيبها بحالة من عدم الاتزان، وبالتالي ينعكس هذا الضرر على عموم حياة الإنسان، ويؤدّي به في مسالك ربما لم يحسب لها حساب، إذ يقول سماحة المرجع الشيرازي بهذا الخصوص بكتابه المذكور نفسه: فكما تشير كثير من الأمور (إلى أهميّة التوازن في الأمور التكوينية، وهذا ما يلمسه عامّة الناس عادة ويدركونه بسهولة. فكذلك التوازن مطلوب في النفس وباقي الأمور المعنوية، بل هو أهمّ، لأنّ فقدان التوازن في المادّيات قد يؤدّي إلى تلف الأبدان، أمّا في المعنويات فيؤدّي إلى تلف النفوس).

وكلنا نفهم أن تلف النفوس يؤدي إلى خراب شامل في الجانبين المادي والمعنوي، وهو ما ينعكس حتماً على التكوين الفردي ثم على البناء المجتمعي، حيث يتعرّض المجتمع عموماً إلى اهتزازات نفسية تُسهم في تراجعه وتخلّفه وتكريس حالات الجهل والمرض بين عموم أفراد المجتمع، لهذا ينصح سماحة المرجع الشيرازي بضرورة التنبّه إلى الجانب المعنوي بدقّة، فكما يُسرع الإنسان لمعالجة الخلل المادي الذي يصيب جسده، عليه أن يتعامل مع الخلل النفسي بدرجة الاهتمام نفسها أو أكبر، لأن النفس تتقدّم على المادة، من حيث أسبقية الاهتمام والعلاج، وهو ما يدفعنا جميعاً إلى خلق حالة مستديمة من التوازن النفسي الفردي ثم الجماعي، حيث يتعلّق الأمر بصيانة البناء المجتمعي من الضرر الذي قد يتعرّض له في حالة إهمالنا لتوازن النفس. لاسيما ما يتعلّق بحالة التعالي والغرور التي قد يصاب بها الإنسان إذ يقول سماحة المرجع الشيرازي في هذا الصدد: (إن الإمام السجاد عليه السلام، هنا يخبرنا أنّ الرفعة التي تحصل للإنسان بين الناس قد تصيبه بالغرور ولابدّ له من أن يوازنها بأن لا يستعظم نفسه بل يستصغرها ويطلب من الله أن يعينه على ذلك).

الدنيا دار لاختبار الإنسان

وهكذا لابد أن يكون هناك سعي متواصل نحو بناء النفس والمجتمع، فكما يسعى الإنسان لتحصيل رزقه من خلال الجهد المادي، عليه أن يبذل الجهد نفسه في تحصيل الرزق المعنوي، لأن الدنيا تبقى دار اختبار للإنسان، كما نقرأ قول سماحة المرجع الشيرازي بهذا الخصوص: (لقد خلقنا الله في هذه الحياة الدنيا ليختبرنا ويبلونا سواء في سعينا لتحصيل الرزق المادّي أو الرزق المعنوي، فعلينا أن نبذل ما منحنا الله تعالى من طاقات للاستفادة منها في كلّ المجالات المباحة).

ومع الإنسان بحاجة دائمة لله تعالى كي يساعده على النجاح في مسعاه الدائم نحو الصلاح ونبذ العزّة والغرور وما شابه، لكن تبقى مسألة المبادرة الفردية على قدر كبير من التأثير والإسهام في دفع الإنسان نحو التوازن السليم، بمعنى بالإضافة إلى حاجة الإنسان لدعاء ربّه، لكن ينبغي أن يكون لدى الإنسان نفسه الاستعداد اللازم دائماً، كما نقرأ ذلك في قول سماحة المرجع الشيرازي بكتابه القيّم نفسه: (صحيح أنّ الإمام السجاد سلام الله عليه يعلّمنا أن نطلب الموازنة من الله تعالى فنسأله أن يحطّنا في أنفسنا مثلاً، أو أن يحدث لنا ذلّة باطنة كلّما رُفعنا في أعين الناس وأعززنا، ولكن مفتاح هذا الأمر بأيدينا أيضاً، وما لم نصمّم على أن نكون كذلك فإنّ الله تعالى لا يعيننا).
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (1 التعليق)
09 حزيران 2012م ساعة 17:19
السلام عليكم أيها الاخوة الاعزاء ورحمة الله وبركاته.
ارجوا من الله الخير والصحة لنا ولكم على الأخص الصحة والعافيةلسماحة المرجع الأمام السيد صادق الشيرازي.ادام الله عزه الشريف.أفيضونا الكثير ,يرحمكم الله.والسلام عليكم.
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG