07 حزيران 2020م
آخر تحديث: 06 حزيران
 
  رقم الخبر: 11149       تاريخ النشر: 12 محرّم الحرام 1435









 









 

دم الحسين في ذمّة العالم


محمد علي جواد تقي

شبكة النبأ: في هذا العالم الذي نعيشه، نشهد هنالك حرصاً واضحاً من لدن منظّمات و مؤسسات دولية على تفهيم الشعوب بقيم ومفاهيم إيجابية عامة عليهم الالتزام بها، مثل السلم، والتعاون، والصحّة، وحقوق الإنسان.. وأيّ تجاهل أو انتهاك لهذه المفاهيم، نرى الجهات الدولية، وكذلك بعض الدول المتنفّذة تلقي اللوم والتقريع على ذلك البلد أو الشعب الذي تهاون في الالتزام بها، وما يستتبع الأمر نشوب صراعات وحروب وكوارث تدفع ثمنها الشعوب نفسها، وربما تتسع الإفرازات لتصيب بلدان وشعوب أخرى.

هذا في حال تعلّق الأمر بمفهوم معين، مثل السلم، أو الصحّة، لكن ما بالنا وبال العالم، بمنظومة متكاملة لقيم ومفاهيم يعتمد عليها الإنسان في حياته، كلها تنتهك وتداس تحت الأقدام في يوم واحد، بل في ساعات معدودة على أرض كربلاء سنة (61) للهجرة..؟ في ذلك اليوم الفجيع، انتهكت جميع المفاهيم الإنسانية والقيم الأخلاقية التي حملها الإمام الحسين عليه السلام، الأمر الذي يستدعي وقفة تأمّل، ليس في العالم الإسلامي فقط، إنما في العالم بأسره.

وهذا ما يدعو إليه سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في إحدى كلماته العاشورائية الأخيرة، عندما سلّط الضوء على جملة وردت في إحدى زيارات الإمام الحسين عليه السلام، يرويها ابن قولويه القمي في كتابه (كامل الزيارات)، عن الإمام الصادق عليه السلام، مخاطباً جدّه الحسين عليه السلام: (..وضمّن ـ الله ـ الأرض ومن عليها دمك وثأرك).

هذه الجملة، استوقفت العلماء والفقهاء، إذ كيف تكون الأرض ومن عليها، مسؤولة عن دم وثأر الإمام الحسين عليه السلام، بينما أريق دم الإمام عليه السلام، في بقعة صغيرة من الأرض، والمسؤول عن دمه وقتله أناس معروفون، وقد لاقوا جزائهم بعد فترة من الزمن..؟ بل إنّ سماحة المرجع الشيرازي يشير إلى هذه الحيرة التي انتابت بعض العلماء، ومنهم العلاّمة المجلسي في موسوعته الكبيرة (بحار الأنوار)، حتى انه ذهب إلى أن المقصود بـ(من عليها) هم الملائكة والجن.

ثم هنالك مسألة تشريعية، وهي مسألة العقاب والجزاء لمن تقع عليه مسؤولية قضية كبيرة وخطيرة مثل دم الإمام الحسين عليه السلام، في حين ان الأجيال المتعاقبة من البشر لم يشهدوا الفاجعة، وربما يجهلون الكثير من المعلومات عن الواقعة، بل هم بعيدون كل البعد عن القضية. وإذن؛ يحصل هنا نوعاً من التعارض مع العدل الإلهي..

سماحة المرجع الشيرازي يزيل الغموض ويوضّح العبارة بشكل رائع، حيث يقول: هناك فرقٌ بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي في الأحكام الشرعية، فإذا جاءت صيغة الأمر لمسألة أو حكم معين، فإنّ الواجب هو التنفيذ، وإلاّ ترتب عليه العقاب، ودون ذلك، فإنّ المقصود هو المعنى المجازي، وذلك حتى لا نصطدم بقاعدة (العدل الإلهي). وعندما يحمّل الله تعالى، مسؤولية دم الحسين وثأره على الأرض ومن عليها ـ يقول سماحته ـ فليس المقصود فقط، أن البشر يجب أن يبحثوا دائماً عن قتلة الإمام أو السائرين على نهجهم، إنما المقصود؛ التفاعل التكويني الذي يتمثّل في الإنسان بتحمّله مسؤولية النهضة الحسينية ورسالتها إلى الإنسانية والعالم أجمع. وهذه المسؤولية موجّهة بالدرجة الأولى إلى الموالين والمحبّين للإمام الحسين عليه السلام، ومن ثم إلى كل إنسان منصف باحث عن الحقيقة، وهذا ما يدعو إليه سماحته، بأن يكون الجميع مستعدّون (لنصرة الإمام الحسين عليه السلام، وقضيته المقدّسة بكل ما لدينا من إمكانات وقدرات، باللسان والجوارح، وبالقلم والمال والفكر والعقل، وبالحضور والمشاركة في الشعائر الحسينية المقدّسة والتشجيع على إقامتها، ونحو ذلك. كل حسب ما يستطيع، وحسب قدرته).

لكنّا نسأل عن سبب إلقاء هذه المسؤولية الكبيرة والخطيرة على العالم كلّه، وليس فقط المسلمين وأتباع أهل البيت عليهم السلام..؟

لنأت إلى اللحظة التي وقع فيها الإمام الحسين عليه السلام، من على ظهر جواده وتكالب السهام والسيوف عليه، ومن ثم استشهاده وإراقة دمه واحتزاز رأسه، والقيام بممارسات جاهلية مقيته، بطواف رأسه ورؤوس بقية أصحابه وأبنائه، وسبي نسائه وتعريضهم للتعذيب النفسي والجسدي. ما الذي تحقّق على صعيد الواقع؟ هل شهد الناس الفضيلة والقيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية، وكل ما يبحث عنه الإنسان ويحتاج إليه العالم للعيش الكريم والأمن والسلام؟

ربما لم يع سكان الكوفة وسائر الأمصار حقيقة ما جرى في ذلك اليوم الرهيب وتداعياته على العالم والأجيال والحضارة، بسبب قلّة الوعي والثقافة السطحية، لكن بعد فترة من الزمن، وبفضل الراية التي حملها الإمام زين العابدين وعمّته زينب الكبرى سلام الله عليهما، في نشر القضية الحسينية، عرف الناس أنهم سكتوا عن حاكم ارتكب جريمة قتل الحسين عليه السلام، وهو يمارس كل أشكال الانحراف الأخلاقي والديني والسياسي، حتى لم يبق له أية منقبة لا في الدين ولا في الحكم. لذا شهدنا وشهد التاريخ اندلاع الثورات والانتفاضات بوجه الحكم الأموي استلهاماً من دروس النهضة الحسينية في الدفاع عن القيم والمبادئ التي يبحث عنها الإنسان في كل مكان وزمان.

ونقول باختصار: إذا انتفض الشيعة بعد واقعة كربلاء مستلهمين دروس الإصلاح والتغيير من الإمام الحسين عليه السلام، وقدّموا على هذا الطريق آلاف الشهداء والتضحيات الجسام، وكسبوا من وراء هذه المسيرة النضالية الكثير من حقوقهم، وما نراه اليوم هو الشيء اليسير منه، فإنّ العالم بإمكانه الاستلهام من تلكم الدروس لتحقيق كل المفاهيم والمبادئ الإنسانية التي يبحث عنها ولا يجدها ناصعة ومفيدة رغم التضحيات والجهود المضنية، بل نجده اليوم يتخبّط في الأزمات والمشاكل على شتى الأصعدة، فهنالك الأمراض الفتّاكة، والمشاكل الاقتصادية من فقر ومجاعة وتضخّم مالي، وخسائر فادحة لشعوب وبلاد بأكملها، كما هناك المشاكل الاجتماعية والسياسية والفتن والحروب وغيرها. كلها بسبب أن إنسان اليوم في العالم لم يكتشف ذاته وحقيقته بعد، وأهم قضية واستحقاق أمامه، (الحريّة) التي طالما يدّعيها الكثير، لكنها مفقودة في العالم، فمعظم سكان العالم لا حريّة لهم، في أموالهم وعقيدتهم ومصائرهم.

من هنا نعرف أن التفريط بدم الإمام الحسين عليه السلام، من أي كان في العالم، يعدّ خسارة فادحة وكبيرة للإنسان أينما كان، وهذا ما يجب أن يعرفه الجميع، ابتداءً من المؤمنين والمسلمين القادرين على إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، وعدم التنكّر له والتقليل من أهميته، ومن ثم نشر هذه الرسالة والراية إلى أنحاء العالم. والدليل على ما نذهب إليه؛ الشعور الذي ينتاب المستبصرين في بلاد الغرب والشرق، وكيف أنهم يتمنّون لو أنهم تعرّفوا على الحسين صلوات الله عليه من زمان بعيد.
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG