28 أيار 2017م
آخر تحديث: 28 أيار
 
  رقم الخبر: 12557       تاريخ النشر: 25 رجب المرجّب 1438









 









 

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يبيّن:
معالم الدنيا الممدوحة والدنيا المذمومة


قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، جمع من المؤمنين والمؤمنات من دولة الكويت، في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، في يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر رجب الأصبّ1438للهجرة (21/4/2017م)، وألقى سماحته عليهم كلمة قيّمة، إليكم نصّها الكامل:
ذكرت الروايات الشريفة أنه: «عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (الصادق) صلوات الله عليه قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله بِجَدْيٍ أَسَكَّ مُلْقًى عَلَى مَزْبَلَةٍ مَيْتاً فَقَالَ لأصْحَابِهِ: كَمْ يُسَاوِي هَذَا؟ فَقَالُوا: لَعَلَّهُ لَوْ كَانَ حَيّاً لَمْ يُسَاوِ دِرْهَما.ً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا الْجَدْيِ عَلَى أَهْلِهِ».
الجدي: هو المعز الصغير. والأسك يعني ناقص ومعيوب.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله، يستفيد من كل فرصة لتقريب الجنّة إلى الناس، وتقريب الناس إلى الجنّة، وتنفير الناس من جهنم. وينبغي لكل مؤمن ومؤمنة أن يركّزوا على هذه الكلمة من رسول الله صلى الله عليه وآله، يركّزوا على بقائها في أنفسهم، حتى يتقرّبوا إلى الجنّة أكثر، ويبتعدوا عن النار أكثر.
ربّ سائل يسأل: ما هي الدنيا؟
الجواب: الدنيا هي كل ما يمارسه الإنسان في الدنيا، ويعيش فيها، ويستفاد فيها من عمره ووقته، ومن ماله، ومن شخصيته، ومن حكومته، وغيرها، فهذا كلّه اسمه الدنيا، ولا شكّ، إذا لم تُستخدم في سبيل الله، وفي سبيل الخير والفضيلة.
مثلاً: المال الذي يستفاد منه لهداية الناس، فهذا المال ليس دنيا. وكذلك المال الذي يستفاد منه لبناء المساجد والحسينيات والمشاريع التي تنتهي إلى نجاة الناس من المظالم ومن الشهوات المحرّمة، ونجاة الناس من الحروب ومن الرذائل. فالدنيا في منطق الإسلام، ومنطق القرآن الحكيم، ومنطق رسول الله صلى الله عليه وآله ومنطق أهل البيت صلوات الله عليهم هو المال الذي لا يُستفاد منه في سبيل الله، وفي سبيل الخير الذي هو سبيل الله عزّ وجلّ. فالمال الذي يستفاد منه في إشعال الحروب، وقتل الناس ظلماً وظلم الناس وأذى الناس، فهذه دنيا.
قبل سنوات، كنت راكباً في سيارة، ذاهباً إلى مكان فيه مجلس عزاء، بعد صلاتي المغرب والعشاء. فقال أحد من الموجودين معي انّ فلان الشخص قد مات اليوم، وذكر اسمه. وأنا شخصياً كنت غير مرتبطاً بالمتوفّى، فقلت الله يرحمه. فقال آخر من المؤمنين من الجالسين جنبي بالسيارة، قال من أعماق قلبه: الله لا يرحمه! فاقشعّر جلدي من هذه الكلمة، وقلت له: أنا ليست لدي معرفة بالشخص المتوفّى، ولكن بالنتيجة هو واحد من المؤمنين وتوفّي توّاً ومقدم على الله تعالى وعلى عمله، فلماذا هكذا تقول؟ قال: لا تدري ماذا فعل بي، فهذا أخرجني من السوق.
إنّ هذه ألاعيب اقتصادية وتجارية التي يلعب بها الكبار، ويدَعون الصغار يواجهون الخسارة ويخرجون من السوق ويتركونه. وهذا النوع من المال لو لم يكن لكان أحسن. وحقيقة هذا المال هو أسوأ من الجدي الأسك الميّت. لأن الجدي لا يُدخل الشخص إلى جهنم، بل قد يسبّب المرض بسبب تعفّنه، ان اقترب أحد منه، ولكن هذا النوع من المال الذي يخرج المؤمن من السوق، هي الدنيا التي يقول عنها رسول الله صلى الله عليه وآله أهون على الله تعالى من الجدي الأسك.
ومما لا يحسب من الدنيا، هو مثلاً، أن يحكم المرء ويكون في قمّة الحكم أو في مراتب نازلة، ويستفيد من حكمه للخير والهداية ولمعونة الناس والفقراء والمحتاجين، ويستفيد من مقامه لبناء المساجد والحسينيات، وبناء دور الأيتام، والمؤسسات النافعة والمفيدة للمجتمع، ولإصلاح المجتمع. فهذا ليس من الدنيا.
أما من يستفيد من وظيفته وحكومته لقتل هذا، وضرب ذاك، وإيذاء هذا، وإخراج ذاك من المجتمع، فحقيقة ان الجدي الأسك هو أهون على الله من هكذا وظيفة ومال وعمر.
يقول القرآن الكريم: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) سورة يونس: الآية14. أي إنّ الله تعالى جعلكم خلائف من بعد أجدادكم وأبائكم، والماضين منكم ممن عاشوا في الدنيا قبلكم، أي عاشوا الراحة والطاقات والملذّات والوظائف والأموال، ورأينا ماذا عملوا واختبرناهم، وجئنا بكم مكانهم. فقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان، رجل وامرأة، في الدنيا، ليؤدّي هذا الإنسان امتحانه، ثم يذهب، وتكون نتيجة هذا الامتحان في الجنّة، والخلود في الجنّة مع الأنبياء والشهداء والصالحين. وهذا لا يأتي بالمجان. فالله تعالى خلق عباده للاختبار، ويكون هذا الاختبار عادة في الأمور الصعبة، وليس في السهلة. والدنيا اليوم هي بأيدينا، كل في مجاله. والاختبار صعب، فالذي لا يؤدّي الامتحان بالجيّد، يُبتلى بخلود صعب في النار والعياذ بالله. فأهل الجنة فيها خالدون، وكذلك أهل النار في النار خالدون. ولكن الذي يُخلِّد في الجنّة هو نفسه الذي يُخلِّد في النار، مع فارق في التصرّف. فمن يتصرّف تصرّفاً صحيحاً يكون من المخلّدين بالجنّة، ومن يتصرّف تصرّفاً شيطانياً بالنفس الأمّارة بالسوء، يصير مخلّداً في النار.
أذكر لكم في هذا المجال، نموذجاً على ذلك، وهو:
عاش أخَوان في زمان واحد وهما محمد بن الفرج الرخجي وعمر بن الفرج الرخجي. وتربّى الأول عند أصحاب المعصومين فصار من رموز الشيعة الكبار ومن ثقات أصحاب الأئمة الرضا والجواد والهادي صلوات الله عليهم، وبواسطته وصلتنا أكثر الأحاديث الشريفة. ولدرجة ثقة الأئمة صلوات الله عليهم به كانوا يبدون له بعض الأسرار. وأما الثاني فتربّى في أجواء بني العباس فصار فاسداً ومن الظالمين لأهل البيت صلوات الله عليهم وشيعتهم. فقد استعمله المتوكّل العباسي والياً على مكّة والمدينة، وأمره بأن يضيّق على أهل البيت صلوات الله عليهم. فذكر التاريخ أن عمر الرخجي:
(منع آل أبي طالب من التعرّض لمسألة الناس، ومنع الناس من البرّ بهم ، وكان لا يبلغه أنّ أحداً أبرّ أحداً منهم بشيء وإن قلّ إلاّ أنهكه عقوبة، وأثقله غرماً، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلّين فيه واحدة بعد واحدة ، ثم يرقّعنه ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر). والمقصود من (أنهكه عقوبة) كمثل من يأكل اللحم الملصق على العظم، فإن أكله كله ولم يدع أو لم يبق منه شيئاً على العظم حتى بمقدار ذرة يقال أنهكه، يعني أتى عليه كله وأكله. فقد كتبوا انّ عمر الرخجي كان إذا علم أنّ أحداً أعطى هدية لواحد أو واحدة من أهل البيت صلوات الله عليهم، ولو كانت الهدية قليلة، كان عمر الرخجي ينهكه عقوبة وغُرماً. أي كان يودعه السجن ويعرّضه للتعذيب ويصادر كل ما عنده؟
هذا من صنع الدنيا التي كانت عند المتوكّل. وهكذا يفعل المال والحكومة والوظيفة. وهذه هي الدنيا التي يقول عنها رسول الله صلى الله عليه وآله أنّ الجدي الأسك أهون على الله منها. بلى وهكذا يجب أن يكون. لكن انظروا اليوم، أين المتوكّل، وأين عمر الرخجي، وأين سيكونا حتى بعد ألف سنة ومليون سنة. فالله تعالى عادل، ولا يظلم مثقال ذرّة، ولا يظلم المظلوم، فبعدالته يعذّب، وبعدالته يُنعم على أصحاب الفضيلة.
الآن الدنيا بأيدينا نحن البشر، ونحن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، كل في مجاله. ومن الممكن انّ الواحد يشتري الجنّة بالمليارات، وآخر بمال معدود قليل، أي حسب ما عنده. فذات يوم رأيت شخصاً لم أعرفه، فقال لي أحد ممن حولي، وكان يعرفه: هذا الشخص فقير الحال، ولا أموال عنده، ولكنه ولحد الآن (أي لتلك اللحظة التي رأيته فيها) بنى ثمانين مسجداً، وذلك بلسانه. أي بحثّه وتشجيعه وترغيبه. فنحن الآن موجودين بالمختبر الذي يسمّى الدنيا، فلا نقصّر ولا نفرّط على عمل الصالحات والخير.
يقول القرآن الكريم حول النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) سورة الضحى: الآية8، فعمل صلى الله عليه وآله الكثير والكثير من الصالحات والخير بعد أن أغناه الله تعالى. ويقول القرآن الكريم أيضاً: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) سورة الأحزاب: الآية21. أي تعلّموا منه صلى الله عليه وآله.
كل واحد منكم أيّها المؤمنون، وكل واحدة منكنّ أيّتها المؤمنات، في كل مكان، يمكنه مع عدم الإمكانات أن يخرج من الدنيا، يوم يخرج، وقد خلّف وراءه الكثير من الخيرات بلسانه، وبتشجيعه، وبحضوره. وهذا يمكن، فلا تفرّطوا. فالإنسان قد يندم عند الموت على المحرّمات التي ارتكبها في أيّام حياته، وقد يندم المؤمن أو المؤمنة، على الفرص التي كانت في يده وذهبت سدى.
الفرص الآن بأيدينا، ومن الفرص الأخلاق الحسنة مع الكل، وداخل البيت، وخارج البيت، وداخل العائلة والعشيرة وخارجهما، وفي السفر والحضر، ومع الأصدقاء، ومع الأعداء. ومن الفرص المال الذي بيد الإنسان. ومن الفرص الحياة التي يعيشها الإنسان. ومن الفرص شخصية كل إنسان، وبمقدارها يستطيع أن يعمل الخير، وفي سبيل الخير. ومن الفرص مقام الإنسان، وعلم الإنسان، ومهنة الإنسان، طبيباً أو مهندساً، وعالماً، وتاجراً، وموظّفاً كبيراً، أو دون ذلك. فهذه الفرص موجودة الآن، ولكن بعدها تنتهي، وتنتهي إلى الأبد، وتبقى الحسرة، التي ذكرها القرآن الحكيم، بقوله عزّ من قائل: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) سورة مريم: الآية39. أي أنذر الناس جميعاً، وليس للمسلمين فقط، أو المؤمنين.
كما أنه، في الروايات الشريفة حتى المؤمن يتحسّر يوم القيامة، ويندم على أنه كان بإمكانه أن يتسفيد من حياته أكثر، ولكنه لم يستفد، وكان يمكنه أن تكون أخلاقه أحسن أكثر، ولكن لم تك أكثر. وكان يمكنه أن يستفيد من شخصيته ومن لسانه أكثر، ولكنه لم يستفد منهما أكثر. فحاولوا أن تستفيدوا من حياتكم أكثر، ومن كل ما أعطاكم الله سبحانه وتعالى من طاقات. وهذه هي الدنيا الممدوحة، وتكون فضيلة.
إنّ الحرّ بن يزيد الرياحي رضوان الله عليه وسلام الله عليه، رأى نفسه بين الجنّة والنار، فاختار الجنّة، فصار من شهداء كربلاء من أصحاب الإمام الحسين صلوات الله عليه. وصديق الحر، وهو عُبيد الله بن الحر الجعفي، طلب الإمام الحسين صلوات الله عليه منه مباشرة النصرة، ولكنه قال أنا لي أمل بالحياة، وأريد البقاء فيها، ولكن لدي فرس هي من أحسنها ومن جيادها، وهي أسرع فرس، ولا يلحق بها أي فرس. فرفض الإمام الحسين صلوات الله عليه وقال له لا أحتاجها. فترك الجعفي نصرة الإمام الحسين صلوات الله عليه، وبعدها ندم، وندم. وهذه القصة حدثت في زمان واحد، وكان كليهما، أي الحرّ الرياحي وعبيد الله الجعفي من مكان واحد وهي الكوفة.
إذن الدنيا المذمومة كلّها هي أهون على الله تعالى من جدي أسك ميّت في مزبلة، كما قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا ويعينكم، ويعين جميع المؤمنين والمؤمنات على الاستفادة من الحياة أكثر وأكثر. وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG