14 تشرين‌الثاني 2018م
آخر تحديث: 13 تشرين‌الثاني
 
  رقم الخبر: 13676       تاريخ النشر: 21 محرّم الحرام 1440









 









 

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يؤكّد:
الأورع يعني مصداق (منّا أهل البيت)


تقرير: علاء الكاظمي

ألقى المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله كلمة قيّمة بجمع من أساتذة وطلبة العلوم الدينية من مدرسة العلاّمة ابن فهد الحلّي قدّس سرّه العلمية القادمين من مدينة كربلاء المقدّسة، خلال زيارتهم لسماحته مساء يوم السبت التاسع عشر من شهر محرّم الحرام للسنة الهجرية الجارية 1440 الموافق للتاسع والعشرين من شهر أيلول سبتمبر 2018 للميلاد، إليكم نصّها الكامل:

حضر جماعة عند الإمام الصادق صلوات الله عليه، وكانوا من أصحابه ومن المقرّبين عنده، وفيهم من الخواص من أصحابه صلوات الله عليه أيضاً. قال الإمام صلوات الله عليه كلمة صعبة جدّاً وفي الوقت نفسه مهمّة جدّاً، وهي: ِ (لَيْسَ مِنَّا وَلَا كَرَامَةَ مَنْ‌ كَانَ‌ فِي‌ مِصْرٍ فِيهِ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ أَحَدٌ أَوْرَعَ مِنْهُ) أصول الكافي: ج2، باب الورع. وهذا الحديث يعني انّه يجب على كل واحد منكم أن يكون هو الأورع في بلده.

وبيّن سماحته: الأهمية والصعوبة أمران متلازمان، فالشيء بمقدار ما يكون مهمّاً هو صعب، والشيء بمقدار ما يكون صعباً هو مهمّ. هذا أولاً.

ثانياً: من البلاغة أن لا يكون ابتداء الكلام بالسلب، ولكن أحياناً ولأن الأمر في غاية الأهميّة، والأئمة صلوات الله عليهم سادات البلغاء، فمن اللازم أن يبدؤوا بكلمة سلبية حتى تهزّ الطرف المقابل، وتؤثّر فيه. فكلمات المعصومين صلوات الله عليهم كالقرآن الحكيم، والقرآن يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي أثنائه توجد الكلمات السلبيات، وهكذا هم الأئمة صلوات الله عليهم، فلاحظوا خطب الرسول الكريم صلى الله عليه وآله، كخطبة الغدير وخطبه الأُخَر، وخطب أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ولكن أحياناً، ولأن المسألة مهمّة جدّاً، والمخاطبون شيعة ومن أصحاب الإمام صلوات الله عليه، فهذا بحاجة إلى إحداث هزّة فيهم تخلّدهم وتخلّد من يتعلّم منهم.

وأضاف سماحته: وهكذا نجد، قبل الإمام الصادق صلوات الله عليه، في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين صلوات الله عليه بعد خطبته صلى الله عليه وآله في استقبال شهر رمضان، حيث دعا صلى الله عليه وآله إلى أمور كثيرة في خطبته الشريفة، ومنها الإطعام وقراءة القرآن وغيرها من الأمور. وبعد أن أكمل خطبته الشريفة، سأله الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ذاكراً غير الذي ذكرها في خطبته الشريفة: الورع عن محارم الله. والإمام الصادق صلوات الله عليه هو حفيد رسول الله صلى الله عليه وآله.

وأوضح سماحته: بلى إنّ الورع ليس بالأمر السهل، والأصعب جدّاً منه هو أن يكون المرء هو الأورع في بلده، ولكنه بنفس النسبة هو مهم. واعلموا انّ أساس كل موفقية هو العزم والإرداة والتصميم، ويقول القرآن الكريم: (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) سورة الشورى: الآية43.

وخاطب سماحته الضيوف مشدّداً بقوله: أنتم تعيشون في أفضل بقعة على وجه الأرض، وهي أرض كربلاء المقدّسة، وهذه الأرض لا تكون من ضمن الجنة فقط بل هي أفضل ترعة في الجنّة. وأنتم ولله الحمد قد وفّقتم لدراسة علوم أهل البيت صلوات الله عليهم، وكل واحد منكم يسعى إلى أن يكون من الهداة إلى طريق أهل البيت صلوات الله عليهم، حاولوا أن لا تكونوا ممن يشمله قول الإمام الصادق الذي مرّ ذكره آنفاً، أي (ليس منّا ولا كرامة) فهذا الحديث الشريف موجّه إليكم أيضاً. وإلاّ فإن كان في مدينتكم من هو أورع منكم، فيعني أنتم ممن يشمله قول الإمام الصادق صلوات الله عليه (ليس منّا). علماً انّ هذا الكلام من الإمام صلوات الله عليه هو إشفاق. فاكتبوا هذا الحديث في قلوبكم، حتى توفّقوا، وإلاّ ولا سمح الله، فالشيطان قوّي ولا يترك الإنسان إبداً.

وأردف سماحته: إنّ بإمكان الإنسان أن يكون أقوى من الشيطان، فالقدرة موجودة مع وجود الصعوبة في هذا الأمر لا شكّ، ولكنه يمكن. وكذلك وجود النفس الأمّارة بالسوء. فهذه النفس الأمّارة بالسوء جعلت من أبي جهل أبا جهل، ومن أبي سفيان أبا سفيان، ومن ابن ملجم ابن ملجم، ومن شمر شمراً. وهذه النفس الأمّارة بالسوء كانت موجودة أيضاً في حبيب بن مظاهر سلام الله عليه أيضاً. وكان حبيب سلام الله عليه زميلاً لشمر تحت راية الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وكلاهما من أهل الكوفة، ولكن إلى ماذا صار حبيب، وإلى ماذا صار شمر بن ذي الجوشن. وكان لحبيب سلام الله عليه العقل، وهكذا لشمر، ولكن الأخير اتّبع النفس الأمّارة بالسوء، واتّبع حبيب بن مظاهر سلام الله عليه العقل الذي منحه الله إيّاه.

وقال سماحته: فحاولوا واعزموا، فالموفقيّة في العزم والمحاولة، واستفيدوا من قصص العلماء الماضين، فالقرآن الكريم يقول: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ) سورة يوسف: الآية111.

وفي سياق حديثه ذكر سماحته نموذجاً ممن تحلّى بالورع من العلماء الماضين قدّست أسرارهم، وقال: أنقل لكم قصّة أتصوّر أنّ الميرزا النوري رحمه الله تعالى قد نقلها في خاتمة مستدرك الوسائل، وهي عن أحد العلماء، وهو الشيخ محسن خنفر قدّس سرّه. وابحثوا عن تاريخه، لأنّي أذكر لكم نقطة من تاريخه. وقد وجدت في تاريخ هذا العالم ما لم أجده في تاريخ أحد من المراجع، وهي أنّه كان يدرّس الخارج ويقرأ الأحاديث والروايات في الوقت نفسه بأسانيدها عن ظهر القلب!

كان الشيخ خنفر في يوم من الأيام شابّاً متعلّماً ثم أصبح أستاذاً ثم عالماً ومرجعاً للتقليد. ومرض في أخريات حياته مرضاً أجلسه في البيت وألزمه الفراش، بحيث لم يستطع مزاولة شؤون المرجعية من التدريس، وتحقيق المسائل، والإجابة على الأسئلة الشرعية وغيرها، وطال به المرض إلى أن توفّي قدّس سرّه عام 1270 للهجرة، وتوفي الشيخ صاحب الجواهر قبله بأربع سنوات أي عام 1266 للهجرة، وفي الفترة ما بين وفاة صاحب الجواهر إلى وفاة الشيخ خنفر صارت المرجعية للمرحوم الشيخ مرتضى الأنصاري قدّس سرّه الشريف.

نقلوا أنه جيء للشيخ الأنصاري بكيس كبير مملوءاً بالليرات الذهبية وكان الكيس يسع لمئة كغم، وبدون أن يفتحه الشيخ الأنصاري قال: احملوه إلى الشيخ محسن خنفر. فأتوا به إلى الشيخ خنفر فقال: ما هذا؟ قالوا: الشيخ الأنصاري يبلّغكم السلام ويقول هذا لك. فسأل عمّا فيه؟ قالوا: ليرات ذهبية. فجلس الشيخ خنفر وفتح الكيس وأخذ ليرة واحدة وكسر منها كسرة وأخذها وأرجع المتبقي منها في الكيس وقال: ارجعوا به إلى الشيخ الأنصاري، فهذا المقدار الذي أخذته يكفيني حالياً.

عندما أرجعوا الكيس إلى الشيخ الأنصاري قام بتوزيع ما فيه على الفقراء والأيتام وعلى المساجد والحسينيات وعلى مجالس أهل البيت صلوات الله عليهم وعلى المشاريع الخيرية الأخرى.

بعد أيام توفّي الشيخ خنفر وتبيّن أنّ المقدار الذي أخذه من الليرة كانت حاجته وحاجة عائلته للأيام المتبقّية من حياته.

وختم سماحة المرجع الشيرازي دام ظله كلمته القيّمة مخاطباً الضيوف: كل واحد منّا ومنكم يمكنه أن يكون الأورع، إذا عزم، واستعان بالله عزّ وجلّ وتوسّل بأهل البيت صلوات الله عليهم.

أسأل الله سبحانه، الذي وفّقكم لجوار الإمام الحسين صلوات الله عليه، ووفّقكم لتعلّم علوم أهل البيت صلوات الله عليهم وتعليمها اليوم وفي المستقبل، أن يوفّقكم للصعود في مراتب الورع، يوماً بعد يوم.
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG