23 تموز 2019م
آخر تحديث: 23 تموز
 
  رقم الخبر: 14044       تاريخ النشر: 12 جمادى الأولى 1440









 









 

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يبيّن
معايير الموفقيّة والنجاح بالدنيا والفلاح والفوز بالآخرة


قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، في مساء يوم الخميس العاشر من شهر جمادى الأولى 1440 للهجرة (17/1/2019م) جمع من رجال الدين وطلبة العلوم الدينية من مدينة النجف الأشرف، تشكّل من من مدير وأساتذة وطلبة مدرسة السيّد عبد الله الشيرازي قدّس سرّه العلمية.

بعد أن رحّب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله بالضيوف الكرام، تحدّث أحدهم وأعرب عن شكره وتقديره لسماحة المرجع الشيرازي دام ظله على إتاحة فرصة اللقاء به، وقّدم تقريراً موجزاً وتعريفياً بالمدرسة المذكورة، وبعدها استمعوا إلى توجيهات سماحة المرجع الشيرازي دام ظله القيّمة، التي استهّلها سماحته بالآية الكريمة التالية: (يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) سورة الروم: الآية14، وقال:

منذ أكثر من ألف سنة، ومن يوم تشرّف الشيخ الطوسي رضوان الله عليه بأرض الغري بجوار مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وإلى اليوم، جاء إلى النجف الأشرف الكثير والكثير وبالألوف والألوف من أمثالكم أنتم أيّها السادة والمشايخ والعلماء والأساتذة والطلبة، ودرسوا في النجف وبعدها رحلوا عن الدنيا. واليوم الدور لكم ولأمثالكم الموجودين في النجف الأشرف، يدرسون ويدرّسون. وإن شاء الله تكون أعماركم طويلة في خير وعافية، وأن تكونوا على سبيل من سبقكم، وفي يوم من الأيام تذهبون إلى الله عزّ وجلّ، ونذهب جميعاً، ويقول القرآن الكريم: يومئذ يتفرقون، ويعني كل واحد حسب ما أعدّ لنفسه في الدنيا.

وأوضح سماحته: أنتم اليوم في هذه الفترة من عمركم الشريف تعيشون بجوار أمير المؤمنين صلوات الله عليه، تدرسون وتدرّسون، وتناقشون وتباحثون، اعلموا انّكم لم تخلقوا لهذه الدنيا التي هي قنطرة، فاعبروها ولا تعمروها. والدنيا مزرعة وممرّ، فاخذوا لمقرّكم من ممرّكم، والمقرّ هو في الآخرة. فكل ما تعملونه هنا في الدنيا له كل تأثير في الآخرة.

وأضاف سماحته: لقد عاش في مدينة النجف الأشرف ودرس فيها، في مئات السنين التي مرّت، الكثير والكثير، ولكن كم منهم وفّق وصار كالشيخ الطوسي، أو كالسيد بحر العلوم، وكالمحقّق الأردبيلي، وكصاحب المدارك، وكصاحب الجواهر، ومثل الشيخ الأنصاري، وغيرهم من أمثالهم؟ فلقد ذكر أحد تلامذة الآخوند صاحب الكفاية، وهو السيد الأمين في كتابه أعيان الشيعة، أنّه قام وهو وزميله في الدراسة ذات يوم بإحصاء وعدّ عدد الطلبة الذين كانوا يحضرون درس الخارج للآخوند، فكانوا ألف ومئتين. ولكن اليوم كم نعرف وتعرفون أنتم وغيرنا من اولئك الذين كانوا يحضرون درس الآخوند؟ لا نعرف منهم إلاّ القليل والقليل.

وشدّد سماحته بقوله: فحاولوا أن يكون لكم دور أحسن، وهذا ممكن، حتى يوفّق منكم على الأقل عشرة بالمئة. وهذا الأمر بحاجة إلى ثلاث كلمات، هي صعبة ومتعبة، ولكن الأصعب أن يذهب الإنسان إلى الآخرة فارغ اليدين، أو بزاد قليل. وهذه الكلمات هي:

الأولى: الإخلاص لله تعالى ولأهل البيت صلوات الله عليهم. فقد قال عزّ من قائل: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) سورة البيّنة: الآية5. فاعلموا انّ القرآن الكريم قد نقل عن الشيطان أنّه لا يدع الإنسان لحاله، بل يسعى دائما إلى إغوائه، وقد أقسم على هذا الأمر، حيث نقل القرآن الكريم وقال: (ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) سورة الأعراف: الآية17، ولكن باستطاعة الإنسان أن يتغلّب على الشيطان. فلنحاول إلى أن لا نكون من الأكثر الذين ذكرهم الشيطان.

الثانية: حسن الخلق. فإذا عزم الإنسان على حسن الخلق فستقلّ أخطاؤه، وإلاّ يصدق عليه العكس. وقد روي عن أحد تلامذة الآخوند الخراساني قدّس سرّه، وهو الشيخ محمد رضا الاصفهاني أنّه قال: كنا نحضر درس الشيخ الآخوند وكان يحضر درسه أكثر من ألف شخص، ولم يكن من دأب الآخوند أن يجيب على إشكالات الطلبة خلال الدرس لأنه كان يعتقد بأنّه ربما لا يستفيد سائر الطلبة من هذا الإشكال وجوابه، فكان لا يجيب إلاّ بعد الدرس. وكان يحضر درس الشيخ طالب شاب يمارس مهنة أخرى غير طلب العلم إذ كان يبيع السبح والخواتم بعد الدرس. وفي إحدى الجلسات أشكل هذا الطالب إشكالاً على الشيخ ولكن الأخير لم يجب عليه ـ على عادته ـ فتألمّ الطالب ورفع صوته عالياً وقال: ألم تسمع إشكالي فلماذا لم تجب عليه؟ فاعتذر له الشيخ بمَثل فحواه أنّه (لا يمكن مسك بطيختين بيد واحدة) وكان هذا من باب التعريض. فرفع الطالب صوته وقال للشيخ: لقد أصبحت شيخاً ولكنك لم تصبح آدمياً. فأطرق الشيخ برأسه ولم يقلّ شيئاً. وسكت الطلاب أيضاً وبهتوا وكأنّ على رؤوسهم الطير. وبعد لحظات رفع الشيخ رأسه ومسح على وجه الذي كان محمّراً وقال: صدقت، صدقت.

إن هذا الأسلوب من التعامل يحتاج إلى أرضيّة يبني الإنسان نفسه فيها منذ شبابه حتى يصل إلى هذا المستوى من الأخلاق الرفيعة وأن يتعامل بمثل هذا التعامل الذي صدر من الشيخ الآخوند، والقرآن الكريم يقول: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) سورة فصلت: الآية34. وهذا هو الذي يوفّق الإنسان.

وأردف سماحته: بلى إن الإنسان له رخصة في أن يردّ الإساءة بالإساءة، كما في قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) سورة البقرة: الآية194، ولكن هذه ليست فضيلة، بل هي رخصة. بل الفضيلة هي التي جعلت الآخوند، الآخوند، وواحدة منها هي الأخلاق الحسنة.

الثالثة: النشاط. فأربعة وعشرون ساعة لكل يوم، هو وقت طويل، فلا تضيّعوه، بل عليكم بالدراسة والتدريس والمطالعة والتدقيق والمناقشة والكتابة، حتى توفّقوا. وإلاّ سيكون التوفيق أقلّ، وهذا مدعاة للتأسّف.

وختم سماحة المرجع الشيرازي دام ظله توجيهاته القيّمة، مؤكّداً: حاولا أن تجتهدوا بتلك الكلمات الثلاث، وأن توجّهوا الآخرين من أقرانكم، للعمل بها، من الأساتذة والطلبة الكرام، وأصدقائكم. وأسأل الله تعالى أن يعينني ويعينكم، وأدعو لكم وأسألكم الدعاء، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG