22 تموز 2019م
آخر تحديث: 22 تموز
 
  رقم الخبر: 14483       تاريخ النشر: 8 رمضان المبارك 1440









 









 

التقرير الكامل للجلسات العلمية الرمضانية 1440 للهجرة
الجلسة الثانية ـ 1 شهر رمضان العظيم


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

* تنجّز احتمال الضرر:

في هذه الجلسة قام سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله بشرح وتبسيط أكثر للمسألة التي نُوقشت في الليلة الماضية، وكانت: تنجّز احتمال الضرر. فقال سماحته: هذه المسألة كانت محلّ الابتلاء كثيراً، وقليلاً ما طرحت. وكلّ موضوع من الموضوعات التي رتّب عليها الشّارع أحكاماً، لابدّ أن تكون لها فعليّة حتّى يترتّب عليها الحكم، وأمّا في الضرر فاحتماله أيضاً منجّز ومعذّر، لأنّ دفع الضرر المحتمل عند العقل والعقلاء واجب، ولو في الجملة.

في الموارد الأخرى ليس كذلك، أي أنّ الفقهاء لا يقولون بأنّ احتمال الوجوب وجوب، أو أنّ احتمال الحرمة حرمة، وكلّ حادثة نشكّ في تحقّقها، الأصل عدمها، فالموضوع يجب أن يتحقّق حتى يترتّب عليه الحكم، ولكن في الضرر دفع محتمله أيضاً واجب.

ثم ما هي خصوصيّة هذا الضرر؟ حتى يكون في جميع موضوعات الأحكام احتماله أيضاً منجّز ومعذّر أيضاً. وأحياناً ذكر الفقهاء في مورد الضرر وعبّروا عنه بالخوف، واعتبروه منجّزاً، ولكن للخوف أيضاً ذلك الاحتمال.

* آيات الخوف:

أشار القرآن الكريم مرات عديدة إلى موضوع الخوف، وقد رفع الحكم الشّرعي لموضوعه. ونذكر هنا عدّة نماذج من هذه الآيات، ومع أنّ المحتمل لم يكن مهماً في تلك الموارد، ولكن مع ذلك ومع وجود الخوف فإنّ الحكم الشّرعي قد ارتفع:

1- (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ).

إذاً تبديل الوصية مهما كانت حرام، ولكن هذه الحرمة ترفع مع الخوف، ثمّ تقول الآية: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ).

2- (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاّ أَنْ يَخَافَا أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ)، وإن لم يكن الخوف ملاكاً فكان لابدّ أن تقول الآية: «إلاّ أن يخافا».

3- (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً).

4- (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً)، وفي هذه الآية والآيات السّابقة تعلّق الحكم على الخوف، وإن كان من الممكن ألاّ يكون نشوزاً أو إعراضاً في الواقع، ولكن مع خوفه يترتّب الحكم.

* موارد خارجة عن البحث:

طبعاً لابدّ أن يكون معلوماً بأنّ ثلاثة صور هي خارجة عن محلّ البحث، وهي:

أ - المحتمل المهم والاحتمال غير المهم: وفي هذه الصورة وإن كان الاحتمال ضعيفاً فإنّ الاعتناء يكون لازماً له.

ب - الاحتمال مهم والمحتمل غير مهم: على سبيل المثال يحتمل بقوّة إذا توضّأ أو اغتسل سوف يُصاب بالحمّى، ففي هذه الصورة أيضاً يُعتنى بهذا الاحتمال.

ج - المحتمل والاحتمال كليهما مهمّان: وفي هذا المورد أيضاً يُعتنى به.

* الموارد الواردة للبحث:

مورد البحث الفقهي في غير هذه الصّور الثّلاثة بحث في المكان الذي يكون فيه المحتمل من قبيل الدّماء والنّفوس والأعراض، والاحتمال أيضاً غير قوي، ولم يصل إلى حدّ الظنّ. فماذا قال الفقهاء في هذا المورد؟ ولأجل المثال نذكر موارد، ومنها:

* كلام صاحب (العروة):

يقول المرحوم صاحب (العروة) في فصل من شرائط صحّة الصوم: «السادس: عدم المرض أو الرّمد الذي يضرّه الصوم، لإيجابه شدّته أو طول برئه أو شدّة ألم أو نحو ذلك، سواءً حصل اليقين بذلك أو الظنّ، بل أو الاحتمال الموجب للخوف».

* كلام صاحب (الجواهر):

يقول صاحب (الجواهر) في ج16، ص346 بحث الصوم: «بل قد يقوى الاكتفاء بالخوف الذي لا يعتبر في صدقه عرفاً حصول الظنّ».

ثمّ بعد ذلك يتطرّق سماحته إلى موضوع آخر ورد في موارد أخرى، فكيف إذا كان هو رافضاً له، فيقول: «نعم يعتبر فيه» أي: في الخوف «كونه معتداً به لا على نحو النّاشئ من الأوهام السّوداوية». والأوهام السّوداوية على حدّ تعبير اليوم هي: ضعف الأعصاب.

لكن ما هو الدّليل على هذا الكلام أن يكون الاحتمال عقلائياً؟ أليس الضّرر والحرج شخصياً؟ فالشخص الذي لديه ضعفاً في الأعصاب إذا كان يخاف واقعاً سيتضرّر من أجل الصوم لم لا نقول أنّ الملاك هو نفسه، وإن كان هذا على خلاف رأي العقلاء.

* مسألة تخلية السّرب:

كذلك يقول صاحب (العروة) في باب الحج في مسألة خلو السّرب: «وإن اعتقد المانع من العدو أو الضرر أو الحرج فترك الحجّ فبان الخلاف، فهل يستقرّ عليه الحجّ أم لا؟ وجهان، والأقوى عدمه». وأغلب محشّي (العروة) قد قبلوا هنا، ولم يحشّوا حاشية عليها.

ثمّ بعد ذلك يقول صاحب (العروة) في مقام التّحليل: «لأنّ المناط في الضرر الخوف وهو حاصل».

إذاً... لم يقبل صاحب (العروة) بأنّ نفس الضّرر ملاك بل اعتبر بأنّ خوف الضرر ملاك ومناط، مع أنّ الشارع قال: «لا ضرر في الإسلام»، ولم يقل: «لا خوف الضرر».

* مسوّغات التّيمم:

كذلك المرحوم صاحب (الجواهر) في (رسالة نجاة العباد)، وعندي نسخة منها محشّاة بحاشية أحد عشر من أعاظم الفقهاء، ومنهم: الشيخ الأنصاري، الميرزا الشيرازي الكبير، الميرزا محمّد تقي الشيرازي، صاحب (العروة)، الآخوند الخراساني، الحاج آقا رضا الهمداني، الميرزا النائيني، شيخ الشريعة، الشيخ عبد الله المازندراني، السيد إسماعيل الصدر، الشيخ محمد طه نجف.

قال في بحث مسوّغات التيمم، التي ذكرت الآية: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا): في التيمم لا يكون فقد الماء شرط، فمع وجود الماء إذا كان مضرّاً، بل من غير اللازم أن يكون الضرر محرزاً ويستطيع أن يتيمّم مع خوف الضرر، فقال: «ومنها: الخوف ولو جبناً من اللص أو السبع أو الضياع أو نحو ذلك مما يصل مع خوف الضرر على النفس أو العرض أو المال المعتدّ به». ولأنّه ذكر كلمة «ولو جبناً»، فيُعلم أنّ الخوف وإن كان غير متعارف فإنّ الجبن خوف غير متعارف، وأياً من هؤلاء الأعاظم لم يحشوا هنا حاشية.

* قيد «المعتد به»:

قيل: قيد «المعتد به» الوارد في كلامه هل هو نفس الاحتمال العقلائي؟

فقال سماحته: كلا، «المعتد به» تعني: قابلاً للاعتناء، وعلى سبيل المثال: 1% أو 2% أو 5%، أي كان نفس المحتمل معتداً به، وأمّا أنّ الخوف لابدّ أن يكون عند العقلاء معتنىً به فما الدّليل على ذلك؟

* نتيجة البحث:

بناءً على هذا نصل إلى نتيجة: فعليّة الضّرر وإحراز الضّرر في ارتفاع الحكم ليس ملاكاً، بل إنّ الضّرر من المواضيع التي يكون فيها احتماله أيضاً رافعاً للحكم. والدّليل على ذلك:

الأول وجوب دفع الضرر المحتمل، والآخر لجهة إذا كان إحراز الضرر شرطاً في ارتفاع الحكم لوقع كثير من الكلّفين في الضرر، مع أنّ هذا الخلاف غرض الشّارع من تشريع «لا ضرر»، وكان نقضاً غرضياً ولو بالنّسبة، ولم يكن كلياً فإنّه لا يصدر من الحكيم.

* تضارب تشخيص الشخص مع تشخيص الطبيب:

قال بعض الحاضرين: إذا كان تشخيص الشّخص نفسه يتعارض مع تشخيص الطبيب، فكيف؟

فقال سماحته: ناقش هذه المسألة صاحب (العروة) وقال: أنّ الملاك رأي الشّخص نفسه. فقد وردت في (العروة): «السادس من شرائط الصّوم: إذا حكم الطبيب بأنّ الصوم مضر، وعلم المكلّف من نفسه عدم الضرر، يصحّ صومه، وإذا حكم بعدم ضرره وعلم المكلّف أو ظنّ كونه مضراً وجب عليه تركه ولا يصحّ منه».

* شمولية مسألة احتمال الضرر:

مسألة احتمال الضرر ليست فقط حول الصيام، بل هي مسألة سيّالة، وهي تجري في موارد مختلفة من الفقه.

على سبيل المثال: إذا كان الأبناء أغنياء، وكان العمودان فقيرين، فيجب على الأبناء النّفقة على العمودين. والحال إذا كان من يجب عليه النّفقة يخاف إذا أعطى نفقة أولئك أن يصبح هو بعدها فقيراً ومحتاجاً، ولو كان هذا الخوف جبناً فإنّ التّكليف ساقط.

أو مثلاً قالوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنّ احتمال الضرر كاف ويرفع وجوبه.

الخلاصة: أنّ الملاك في مختلف المسائل الفقهية خوف الضرر لا إحرازه، علماً أنّ الاحتمال ضعيف أن لا يكون معتداً به وهو خارج عن البحث في الجملة.

* الخوف في حجّة الإسلام:

سأل أحد الحاضرين: إذا كان الشخص لديه خوفاً جبنياً وليس عقلائياً، إذا ذهب للحجّ يقع في الخطر، وطبق المعيار المذكور هل يرتفع وجوب الحجّ عنه، وإذا ذهب للحجّ هل يكتفي من حجّة الإسلام؟

فقال سماحته: هذه المسألة خلافية، فقال جماعة ومنهم صاحب (العروة): كلا لا تكفيه، ولكن جماعة قالوا: حجّه تكفي من حجّة الإسلام، ويبدو أنّ الثاني أقرب.

* فدية صيام الشيوخ:

في نهاية الجلسة، سُئل: بالنسبة إلى الشيخ والشيخة، قال الفقهاء: إذا أفطرا يجب عليهما الفدية، وإذا لم يستطع الشيخ والشيخة بعد ذلك من القضاء، وعلى سبيل المثال كان فصل الشتاء سهلاً عليهما، فهل وجوب الفدية تبقى على حالها لجهة إفطارهما في شهر رمضان؟

فقال سماحته: نعم، ومقتضى إطلاق الآية الشّريفة هي هذه (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، و(فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) مطلقة وهي لم تتقيّد لأنّه من الممكن ألاّ يستطيعا القضاء بعد شهر رمضان.

وصلّى الله على محمّد وآله الطّاهرين.
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG