25 آب 2019م
آخر تحديث: 25 آب
 
  رقم الخبر: 14504       تاريخ النشر: 14 رمضان المبارك 1440









 









 

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في كلمته بالتجمّع النسوي السنوي يبيّن
سبل موفقية الإنسان وسعادته بالدارين


كالسنوات السابقة، وبمناسبة شهر المغفرة والرحمة، شهر رمضان العظيم، شهد بيت المرجعية في مدينة قم المقدّسة، حضور المئات من النساء من مختلف المستويات، في مساء يوم الأحد الثالث عشر من شهر رمضان العظيم 1440 للهجرة، الموافق للتاسع عشر من شهر أيّار/ مايس سنة 2019 للميلاد، واستمعن إلى الكلمة القيّمة للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، أدناه نصّها الكامل:

بسم الله الرحمن الرحيم

تهاني

أقدّم التهاني والتبريكات إلي مقام الإمامة الكبرى والعصمة العظمى الشامخة والمنيعة لمولانا بقيّة الله المهديّ الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف بمناسبة ذكرى ميلاد السبط الأكبر الإمام المجتبى الحسن بن علي صلوات الله عليهما. وكذلك أبارك جميع المؤمنين والمؤمنات في مختلف أنحاء العالم، وأرجو من الله عزّ وجلّ، بفضله ورحمته أن يعجّل في ظهور مولانا بقيّة الله عجّل الله تعالى فرجه الشريف لينجو جميع المؤمين والمؤمنات بل وجميع البشر من المشاكل المفجعة التي حلّت بهم.

وصايا قيّمة

لقد أوصى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بوصايا لأبي ذر رضوان الله تعالى عليه، وهذه الوصايا ليست خاصّة بأبي ذر فحسب بل هي للجميع. فكلّ شخص يطلب السعادة في الدنيا والآخرة، عليه العمل بهذه الوصايا.

بداية أوصي الجميع بأن يأخذوا بالوصايا التي أوصاها النبيّ صلى الله عليه وآله لأبي ذر، وأرجو منهم أن يطالعوها، خاصّة الشباب ومن هم أصغر منهم، وهكذا النساء، بالأخصّ الشابّات منهنّ وغيرهن، لا سيّما في هذا الشهر العظيم، شهر رمضان، الذي إذا قرّر الإنسان أن ينال به سعادة الدنيا والآخرة للعمل بتلك الوصايا فإنّ هذه الوصايا هي مجموعة توصيات مهمّة ورفيعة وذات فائدة كبيرة، فيجب أن نأخذ جميعاً بها، حتى كبار السنّ، من الرجال والنساء. فعليهم أن يطالعوا تلك الوصايا، لأنّه حقّاً يبعث على الأسى أن يمرّ علينا شهر رمضان العظيم ولا نستفيد أكثر من تلك الوصايا التي هي كنزٌ عظيم نحتاجه في سعادة دنيانا وآخرتنا.

احرص على عمرك

كان مما أوصى به النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله لأبي ذر، هو: يا أبا ذر كن على عمرك أشحّ منك على درهمك ودينارك. وإذا أردنا ببيان المعنى اللفظي لهذه العبارة فمعناها هو: كما انّ الإنسان لا ينفق درهمه وديناره في مواضع لا فائدة منها أو لا قيمة فيها فعليه أيضاً أن يكون حريصاً بالنسبة إلى عمره. فالدرهم والدينار كان العملة السائدة في الأزمنة الغابرة، فقبل مئات السنين كانت هذه العملة تستعمل في المعاملات، أي الدينار من ذهب والدرهم من الفضّة. فكان الدينار الشرعي هو ثلاثة أرباع مثقال الذهب الخالص من العيار الأربع والعشرون. ومثل هذه المصكوكات التي كانت تُصاغ آنذاك أو الذهب الذي كان يستعمل في ذلك الزمان كانت من الذهب والفضة الهشين، القابلين للكسر. واليوم يضاف للذهب شيء من النحاس ليصبح قويّاً، ولهذا يُسمى اليوم بالذهب ذات العيار اثنان وعشرون ومعنى ذلك أنّ فيه شيء من النحاس. ويوجد من العيار عشرين وتسعة عشر وثمانية عشر أيضاً، وكلّ ذلك من أجل أن تكون العملة غير قابلة للكسر، ففي السابق ولأنهم كانوا يتعاملون بالذهب والفضة وكانوا يشترون بهما لذلك لم يكونوا يضيفون إليهما النحاس، وعندما كانوا يريدون أن يشتروا شيئاً بالعملة الذهبية وكان ذلك الشيء أرخص من مصكوكة واحدة، كانوا يقتطعون جزءاً من الذهب ويزنوها بالميزان الذي كان لديهم آنذاك. وإذا كانوا يريدون شراء أرض أو بيت أو بستان وغيرها من المعاملات الكبيرة كانوا يعطون مجموعة من المصكوكات الذهبية، لكنهم إذا كانوا يريدون شراء شيء بسيط من الطعام أو الخبز أو اللحم وكان يساوي أقلّ من العملة الذهبية، فكانوا يقطعون جزءاً من تلك العملة، وهذا يدلّ على أنّ الذهب كان خالصاً ومن عيار أربع وعشرون ولذلك يمكن القول أنّ الذهب والفضة كانا هما العملة السائدة في ذلك الزمان فكانت العملة الذهبية تساوي ديناراً وهو الدينار الشرعي الذي يساوي ثمانية عشر مثقال (قيراط) فكان المثقال أربع وعشرون قيراطاً بمعنى أنّ ثلاثة أرباع المثقال كان ديناراً واحداً.

في بداية الإسلام ضربوا المصكوكات بالدرهم والدينار وكان ذلك أيضاً في زمن حكومة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وقبل ذلك كان التعامل بالدرهم والدينار في زمن الكفر والجاهلية أيضاً، لكنه بعد الإمام أمير المؤمنين وفي زمن الإمام الباقر صلوات الله عليها، تقول الرواية كان هناك دينار ودرهم بمصكوكات إسلامية، ولذا يمكن القول أنّ أول مصكوكة إسلامية كانت في زمن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وكانت العملة الفضية آنذاك تُعدّ درهماً وهي من عيار أربع وعشرون، فكان الدرهم إثنا عشر وستة أعشار القيراط من الفضّة الخالصة، فكانت المعاملات في جميع الأمور تأتي بالدينار والدرهم، من السجّاد والأرض وحتى مسائل الزواج والمهور كلّها كانت إما ديناراً أو درهماً.

من البديهي أن نجد العقلاء يتعاملون بدقّة في الشراء والبيع فلا يشترون بضاعة سعرها دينارين بثلاثة دنانير أو بضاعة سعرها خمسة دنانير من فضة يشترونها بستة دنانير، فلا نرى أحد يتعامل بهذه الطريقة، كما أنّنا لا نرى شخصاً يبيع بضاعة ثمنها خمسة دراهم بأربعة دراهم، فليس هناك من يبيع بضاعة بأقلّ من قيمتها وثمنها ولا يشتري بضاعة بأغلى من قيمتها إلاّ الذين يخدعون ويغشّون. فجميع الناس والبشر يتعاملون بالدرهم والدينار ويعلمون قيمة وسعر ذلك وهم على حساسية كاملة في ذلك التعامل، بمعنى أنّهم لا يرغبون في شراء بضاعة أغلى من ثمنها وسعرها ولو بمقدار بسيط، ولا يرغبون في بيع بضاعة بأقل من ثمنها.

لا للتفريط بالعمر

في وصيّته الآنفة الذكر أكّد النبي صلى الله عليه وآله على سعادتنا في الدنيا والآخرة بأن يكون تعاملنا مع السعادة كتعاملنا مع أمورنا الدنيويّة التي تكون بالدرهم والدينار. فأشار صلى الله عليه وآله إلى العمر الذي ينقضي وإلى الليالي والأيام في هذا الشهر، وفي هذه السنة وكذلك الساعات والدقائق التي نمضيها، ليقول لنا أنّها كلّها ذات أهمية وقيمة كبيرة، أكبر وأهمّ من الدينار والدرهم. فكما نحن لسنا على استعداد أو لا نقبل بأن نشتري بضاعة أغلى من ثمنها وسعرها أو نبيع أخرى بأقلّ من ثمنها وسعرها، فيجب أن نكون كذلك بالنسبة للعمر، أي لا نبيعه بقيمة رخيصة، فالعمر يمرّ والساعات تنقضي والليالي تنصرم وكذلك الشهور والأسابيع تنقضي، فيجب أن يسأل الإنسان نفسه ماذا حصّل مقابل هذا العمر الذي قضاه، هل باعه رخيصاً؟ فكما نحن نحتاط في البيع والشراء وفي التعامل بالدرهم والدينار عندما نشتري البستان أو نبيع السجّاد أو أي معاملة أخرى ونحاول ألاّ نخسر فيها، كذلك يجب أن نتعامل مع عمرنا وحياتنا كما قال النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله، أي نكون على عمرنا أحرص وأشح من دراهمنا ودنانيرنا.

العمر أغلى من الدينار والدرهم

لقد عبّر النبي صلى الله عليه وآله بكلمة (شّحّ) وهذه قمّة البلاغة. فالشّح في اللغة العربية بمعنى البُخل، وهو شيء منبوذ وسيّئ كما عبّر القرآن الكريم (ومن يوق شحّ نفسه). وقد عبّر النبي صلى الله عليه وآله بالبخل لكي نكون على عمرنا أبخل من الدرهم والدينار. فيجب أن يكون الإنسان بخيلاً وحريصاً على عمره، وهذه فضيلة. فإذا كان الإنسان بخيلاً في ماله فإنّ ذلك سيئاً كمن يأتي إليه شخص محتاج ويريد أن يشتري بضاعة تستطيع أن تبيعها بقيمة أقلّ أو يشتري بضاعة من شخص محتاج بسعر أغلى لينفعه، فإذا لم يقم بذلك يعتبر هذا العمل من البخل. وقد أشار النبيّ صلى الله عليه وآله بكلمة البخل ليستفيد منها في عمر الإنسان وليبيّن أنّ هذا العمل له أهمية خاصة.

إنّ مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله هو أشرف الأولين والآخرين، لم يكن يقيم لحطام الدنيا وزناً، ولم يك لديه شيء من حبّ الدنيا، بل أنّ توجهه صلى الله عليه وآله واهتمامه كان للآخرة، ولذلك استعمل عبارة الشحّ وهو البخل ليبيّن أهمية الآخرة، بمعنى أنّ عمر الإنسان له من الأهمية الكبرى، مما تستدعي البخل فيها. وأراد بذلك أن يوصينا بأن نبذل المزيد من البخل في عمرنا لكي يكون لعمرنا قيمة أكبر من الدرهم والدينار.

أوصي الشباب والشابّات والنساء المحترمات بأن يهتمن بلحظات عمرهنّ وبمستقبلهنّ كما يهتمن بمستقبل دنياهنّ. وعليهنّ أن لا يقصّرن في هذا المجال، وأرجو ألاّ يسبقهنّ غيرهنّ في نيل الموفقية. فعليهنّ أن يسعين إلى المزيد من التوفيق في هذا المجال، وهذا بحاجة إلى أمرين مهمين. وقبل أن أذكر ذلك، أقول على سبيل المثال:

حاجة الروح أهمّ من حاجة البدن

يحتاج كلّ إنسان يومياً إلى الطعام، ولذلك تجد كل إنسان وفي كل يوم يداوم على الأكل، طيلة الأشهر والسنوات، والسبب هو لأن الجسد يحتاج إلى الطعام. ولكن أليس الروح بحاجة إلى الطعام أكثر من الجسد أيضاً؟ فالروح يحيط بها ذئبين عظيمين الأول هو الشيطان والثاني هي النفس الأمّارة بالسوء التي هي في داخل الإنسان (أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك) كما ورد في الرواية. فإذا لم يكن الإنسان بصحّة جيّدة فسيتمكّن الذئبان بأن ينهشاه. وكما أنّ الإنسان يحتاج في كل يوم إلى طعام، كذلك الإنسان يحتاج إلى الموعظة في كلّ يوم وفي كلّ ساعة. ومن هنا كان واجباً عليه أن يصلّي يومياً، لأنّ الصلاة فيها مواعظ كثيرة ونصائح كثيرة تجنّبنا من الذئبين أي الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء التي هي الأخطر والأفتك. فهذه النفس تدفع بالإنسان إلى ارتكاب الرذائل والظلم والبخل والتكبّر والحسد وغيرها، كما يقول القرآن الكريم (إنّ النفس لأمّارة بالسوء) وهي في باطن وداخل الإنسان. وكذلك يوجد عدوّ آخر وهو الشيطان الذي يأتي الإنسان من الخارج.

امنع نفوذ الشيطان

في مضمون رواية عن المعصوم صلوات الله عليه أنّ الإنسان إذا أغلق باب داره لما استطاع السارق أن يدخل بيته، أما إذا لم يغلق الباب وقصّر في ذلك فإنّ السارق يستطيع الدخول. وكذلك أنّنا إذا تركنا باب النفس مفتوحاً فإنّ الشيطان كالسارق يأتي إلى داخل الإنسان، لكنه إذا أغلق الإنسان الباب لما استطاع الشيطان أن يصل إلى عقل الإنسان وروحه. فقد ورد في الرواية عبارة أغلق بابك، إنّ الشيطان لا يستطيع أن يتفح باباً، فإذا أغلقنا الأبواب أمام الشيطان فإنّ الأخير ليس لديه مفتاح للدخول. بمعنى أنّنا لو أغلقنا قلوبنا وعقولنا بوجه الشيطان لما استطاع الدخول إليها. ولكن إذا كان الباب مفتوحاً ولو بشكل جزئي فإنّ الشيطان يدخل من ذلك المكان. ولذا أعود وأقول كما أنّ الجسم يحتاج إلى الغذاء، كذلك الروح تحتاج إلى الموعظة، ووصية نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله لأبي ذر التي ذكرناها، إذا تأمل الإنسان بها في اليوم بضعة دقائق فإنّ ذلك سيؤثر حتماً عليه إيجابياً وسوف تتغذى الروح بغذائها. وأنا هنا أوصي الشباب الأعزّاء والنساء المؤمنات، في هذا الشهر الفضيل، بأن يتأمّلوا في وصايا نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وأن يقرأوها، فإذا كانت هناك كلمة غير مفهومة عليهم أن يسألوا الآخرين عنها ليفهموا ماذا أراد النبيّ من ذلك، ثمّ يطبقوا ما عرفوه في حياتهم.

فيم تقضي عمرك؟

بعض الناس، يقضي عمره في انتخاب واختيار كذا من الطعام، ويأكل في إفطاره فلان النوع من الطعام. فلماذا كلّ هذا الاهتمام؟ وما هو الفرق بين كذا الطعام وغيره؟ فعلى المرء أن لا يكون مُقيّداً بمثل هذه الأمور وأن لا يتلف أعصابه إذا لم يحصل على الطعام الذي يريده، إلاّ إذا كان هذا الطعام من أجل العلاج.

المهم هو: في أي شيء يقضي الإنسان عمره؟ وأين يكون للعمر قيمة أكبر؟ وأين يصرف الإنسان عمره؟ هل يقضيه في الدعاء أم في الصلاة أم في الزيارات أم في صلة الأرحام وبرّ الوالدين؟ كلّ هذه الأمور جيّدة وذات قيمة ولكن حتى هذه الأمور القيّمة لها درجات أيضاً.

أمران مهمّان

هناك أمران في غاية الأهمية حتى لو نذكرها ألف مرّة، ومثلهما كمثل الإنسان الذي تكون بنيته ضعيفة، عليه أن يستعمل المقوّيات والمنشّطات للاستمرار في حياته. والأمران اللذين أريد ذكرهما هما من المقوّيات هللروح وللقلب وللعقل:

الأمر الأول: مهما كنت أيّها الإنسان صالحاً فاسعى إلى أن تكون أكثر صلاحاً. ومهما كنت متحليّاً بأخلاق طيّبة وحسنة اسعى إلى أن تكون أخلاقك أفضل، ومهما كنت ورعاً ومتّقياً عليك أن تسعى إلى أن تكون أكثر ورعاً وتقوى. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين صلوات الله عليه: أفضل الأعمال في هذا الشهر المبارك هو الورع عن محارم الله. فرسول الله صلى الله عليه وآله كان يخطب لاستقبال شهر رمضان العظيم في كلّ عام، ومنها الخطبة المعروفة التي نقلها الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وورد فيها أكثر من عشر أو خمسة عشر وصية، منها: صلة الرحم وتلاوة القرآن وبرّ الوالدين. وبعد أن اختتم رسول الله صلى الله عليه وآله خطبته الشريفة، سأله أمير المؤمنين صلوات الله عليه: يا رسول الله ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله تلك الوصايا، بل قال إنّ أفضل الأعمال الورع عن محارم الله، ومعناه أن يتجنّب الإنسان الذنوب والمحرّمات ويبتعد عن المعاصي. ومنها أن يقرّر في نفسه بأن يتجنّب ترك الواجبات في شهر رمضان وأن لا يرتكب أيّ حرام. علماً بأنّ الواجبات هي ليست صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح فقط، ولي الصيام فقط.

اجتناب المحرّمات

أما المحرّمات، فمنها قطع الرحم وعقوق الوالدين، والتقصير في تربية الأولاد، وفي كيفية التعامل مع الجار وفي معاملات، في البيع والشراء. ومن المحرّمات الكذب على الله، والغيبة والتهمة. وأما الورع، فهو أن تقرّر في شهر رمضان بأن لا تترك حتى واجب واحد. وإذا لا سمح الله مارست النفس الأمّارة ضغطاً على الإنسان وساعدها على ذلك الشيطان من الخارج ووقع الإنسان في الحرام أو ترك الواجب فإنّ القرآن الكريم يقول بهذا الصدد: (ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم). أي عليه أن يستغفر الله في الحال، وهذا هو الورع.

إنّ من الأمور المهمّة في شهر رمضان هي كثيرة، ومنها أطعام الإطعام كأن يفطّر صائماً في بيته أو يقدّم المال لإفطار الآخرين. فالنبي أوصى بذلك ولو بشق تمرة (اتقوا الله ولو بشق تمرة). وإذا لم يستطع أن يقدّم ذلك فليقدّم كوباً من الماء لإفطار الآخرين. وهذه من الفضائل، ولكن الأهم في هذا المجال هو أن يسعى الإنسان إلى أن لا يرتكب الحرام في شهر رمضان، وإذا وقع في الحرام فعليه أن يستغفر ربّه سريعاً ليتطهّر من الذنب، وعليه أن لا يترك واجباً.

ثمّة أمر آخر، وهو: إذا لم يك للرجل ورع، أو للمرأة، فهذا لا يعني أن لا يكون للآخرين ورع، فكلّ إنسان يوم القيامة يحاسب بنفسه. ومن مسؤولياتنا تقديم الموعظة. فإذا كان الزوج غير ورعاً فعلى المرأة أن تقدّم له النصيحة، وإذا لم تك المرأة ورعة فعلى الرجل أن يقدّم لها النصيحة، مرة أو مرّتين، وأن تكون هذه النصيحة ممزوجة بالأخلاق الحسنة ليكون أثرها أنفع. والمهم هو القيام بالمسؤولية، فإذا لم يكن لهذه الموعظة تأثير على الطرف المقابل فإنّ ذلك لا يقلّل من ثوابنا بل يُكتب في صحيفة أعمالنا.

التأسّي بالنبيّ الكريم

انظروا ماذا فعل الأنبياء؟ لقد كان لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله العديد من الأصحاب، ولكن لم يك جميعهم من الصالحين ولم يكونوا ليأخذوا بكلام النبيّ، ولذلك نرى في القرآن الكريم سورة كاملة اسمها (سورة المنافقون) فمن هم؟ هم كانوا من أصحاب النبي وكانوا يعبدون الأصنام ثمّ أسلموا، وكانوا يستمعون إلى كلام النبيّ لكنهم تسبّبوا في خلق المشاكل للنبيّ، لكنه صلى الله عليه وآله لم يترك العمل، بل كان يقدّم الموعظة ويسدي النصيحة لهم لأنّه كان يقوم بذلك من باب المسؤولية. وأما غير المنافقين من المؤمنين فكانوا يستجيبون ويكسبون الثواب ومثل هذا الثواب كان يكتب للنبي صلى الله عليه وآله أيضاً. ففي الرواية أنّ أجر صلاة كلّ مصلّي يكتب للنبي صلى الله عليه وآله، لأنّه صلى الله عليه وآله تسبّب في ذلك، وإن كان الله سبحانه وتعالى هو الأصل وهو الذي أرسل نبيّه وجعله سبباً لذلك ولكن بما أنّ الرسول كان سبباً فهو أيضاً ينال من ذلك الثواب. وكذلك نحن إذا تسبّبنا بشي من هذا الثواب للآخرين ففي يوم القيامة يكتب لنا ثواب ذلك العمل. ولذا، أليس من المؤسف أن يترك الإنسان مثل هذه الفرص؟ وأليس من المؤسف أن يكون حظّه من هذه الفرص قليلاً؟

تزكية النفس

إنّ ساعات شهر رمضان العظيم ولياليه لها أهمية خاصة في تزكية النفس التي قال عنه القرآن الكريم: (قد أفلح من زكاها) وقد أورد القرآن الكريم مثل تلك العبارة في آيات عديدة، لأنّ التزكية هي طريق الفلاح. وتزكية النفس بحاجة إلى عملين، أولهما التصميم، والآخر التلقين. فعلى الإنسان أن يقرّر أنّه مهما كان صالحاً أن يكون أكثر صلاحاً. فالكسبة المحترمون اللذين يبذلون جهداً كبيراً من الصباح إلى الليل لتحصيل المال، يسعون إلى ذلك لأنّهم يريدون أن يعيشوا عيشة راضية ويحفظوا ماء وجههم وأن يديروا حياتهم بشكل صحيح، فتراهم كلّما حصلوا على مال يسعون أكثر لتحصيله للحفاظ على ماء وجههم، وهذا يعتبره النبي صلى الله عليه وآله نوع من العبادة، فإذا حصلوا على أموال أكثر عليهم أن يقدموا الصدقة التي منها واجبات كالخمس والزكاة وزكاة الفطرة والفدية والكفّارات وهناك أمور أخرى تعتبر من الواجبات. فمع أنّ الإنسان ليس من الواجب عليه أن يكسب المال الكثير وأن يعطي الخمس أكثر، إلاّ أنّ الواجب عليه أن يقرّر ويلقن نفسه بالورع ليكون تقواه أكبر وأفضل، ولكي تكون أخلاقه أفضل، وهذا الأمر واجب عيني على الجميع. فإذا كان الورع والتقوى والأخلاق من الواجبات فإنّ تزكية النفس هي واجب مهم وفي غاية الأهمية ومن مسؤولية الجميع.

الأمر الثاني: إرشاد الآخرين

أعود وأكرّر وخاصّة للشباب والشابات بأنّ مسألة تقديم الموعظة والإرشاد للآخرين كتقديم الموعظة من الأخت لأخيها ومن الزوجة لزوجها وتقديمها للعمّة والخالة والخال والأخ والأمّ والأب وتقديمها للجار والزميل وزميل الدراسة هي كلها من الأمور الإرشادية التي يجب أن لا نقصّر فيها.

أنتم لديكم مقام كبير في الآخرة لكن عليكم أن تسعوا بذلك للآخرين أيضاً فيما يرتبط بالواجبات والمحرّمات وغيرها بمعنى أنّ كلّ إنسان عليه أن يسعى لنصيحة جاره الذي يترك الواجب أو يرتكب الحرام، ويهديه، وهذا واجب كفائي. وكذلك تجاه الزوجة والأخ والأخت والأمّ والأب وغيرهم من الأرحام. فعليكم أن تسعوا إلى هدايتهم وأن ترشدوهم. فالمهم عليكم هو أداء المسؤولية الشرعية، ولستم مسؤولون يوم القيامة عن عدم قيام الطرف المقابل بما أرشدتموه إليه. ويجب أن لا تقصروا في هذا المجال وأن تقدّموا النصيحة لعشرات بل ولمئات المرّات عسى أن يتأثّروا بكلامكم، ومثل هذا الثواب يوضع في ميزان أعمالكم، (فالدال على الخير كفاعله) ومن سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.

الأجر مضاعف في شهر رمضان

إذن، لماذا يحرم الإنسان نفسه من هذا الأجر. ونحن نعلم أنّ هذا العمل يجب أن يكون طيلة السنة ولكنّ شهر رمضان العظيم هو ربيع هذه الأعمال، فكما أنّنا نختم القرآن الكريم مثلاً في شهر شعبان وشهر شوال فيكتب لنا ثوابه، لكن في شهر رمضان إذا قرأت بسم الله الرحمن الرحيم فستمنح ثواب ختمة كاملة، وإذا قرأت (سورة الإخلاص) فإنّ كلّ آية تعادل ثواب ختمة كاملة للقرآن.

إنّ شهر رمضان ربيع هذه الأمور، ولذا يجدر بالإنسان أن يستفيد من هذه الفرصة. ومن أفضل الأمور في شهر رمضان هو إرشاد الآخرين للأعمال الحسنة والصالحة ولما مرّ ذكره. بلى قد يؤدّي المرء الواجب في شهر شعبان وشوال ولكن هذا الأمر أي الإرشاد يكون في شهر رمضان أكبر ومضاعف بالأجر والثواب. ففي باقي الشهور جعل الله أجراً محدوداً، لكن في شهر رمضان يكون الأجر مضاعفاً وكثيراً. فشهر رمضان هو بورصة هذه الأعمال وبورصة جميع الفضائل.

إنّ تزكية النفس، وكما ذكرنا مسبقاً، غايّة في الأهمية، فعليكم أن تلقنوا أنفسكم وأن تقرّروا للقيام بها وبباقي الأعمال، بلى هي صعبة وليست سهلة، لكن إذا قرّر الإنسان سوف يوفّق لذلك. فبالمتابعة يتم نيل الموفقية. وأما الشخص الكسول في أمور دنياه فهو مجبور والعياذ بالله على أن يستجدي من الآخرين. بلى إذا كان الإنسان لا يملك شيئاً يستطيع أن يستجدي ولا حيلة له، ولكن إذا كان يستطيع القيام بعمل فإنّ الاستجداء لا فائدة به، ومثله الإنسان الكسول في اكتساب الفضائل.

تزكية العقائد

من تزكية النفس، هي التزكية في العقائد وفي أصول الدين. فعلينا أن نفكّر تارة وأن نستمع تارة أخرى وأن نتحدّث مع الآخرين، وخصوصاً الشباب والشابات وحتى كبار السن، عليهم أن يتباحثوا في مثل هذه المسائل، ويسألوا أنفسهم إلى أي درجة هم يؤمنون بالله. ومثاله هو: إذا كان أحدنا في غرفة وفيها كاميرا خفية، فإذا كان لا يعلم بوجودها فإنّه يتصرّف كما يشاء، لكنه أن يعلم بها فإنّ تصرّفاته سوف تختلف، فتراه يدقّق في عمله. وكما إن الكاميرا تراقب الشخص فالله تعالى يراقب أيضاً ويعلم بما تخفيه النفوس. والفرق إنّ الله سبحانه وتعالى إذا رأى في الإنسان مئات المحرّمات وندم الإنسان عليها فإنّ الله يمحوها عنه. فقد ورد في الرواية إنّ الإنسان مهما كان سيّئاً ومهما وقع في شباك النفس الأمّارة بالسوء وفي شباك الشيطان، في أعماله وتصرفاته، ومهما ظلم واكتسب من الموبقات، لكنه إن تاب فإنّ الله عزّ وجلّ يأمر الملائكة بأن يمحو سيئاته، بل ويزيل الذنوب من أذهان الملائكة، ونحن نعلم أنّ الملائكة لا تنسى شيئاً وليس لها أن تنسى شيئاً وتثبت شيئاً، لكن الله سبحانه هو الذي يغيّر في أذهانها. فإذا يندم الإنسان على ما فعله وقرّر أن لا يعود إليه، ترى الملائكة لا تسجّل عليه الذنوب.

التفكّر بالإيمان والعقيدة

لذا علينا أن نجلس ونفكّر هل نحن نؤمن بالله حقّاً؟ وهل هذا الإيمان له جذور في ديننا وفي إسلامنا وله جذور في فضائلنا؟ خاصةً وأنّ إلهنا إله عادل، فالله تعالى لا يظلم مثقال ذرة، بل لماذا يظلم؟ فالذي يمارس الظلم هو إما سيئ أو يحتاج إليه كالشخص الذي يسرق لأنه يحتاج إلى المال والشخص الذي يقتل لأنه يحتاج إلى سرقة مال المقتول. أما الله تعالى فلا يحتاج إلى هذه الأمور فهو العظيم لا يظلم عباده، وهو العادل. فكم نحن نؤمن بمثل هذا الإله؟

علينا أن نتابع درجة إيماننا بالله وبعدالته، وكم نحن نؤمن بنبوّة رسول الله صلى الله عليه وآله وبإمامة الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم؟ وكم نؤمن بالتولّي والتبري؟ وكم نؤمن بهذه الأمور التي هي من أصول الدين وليست من فروعه ولها جذور، وليست مثل الصلاة والصوم. وكم نؤمن بالمعاد؟

إذا كان على فلان الشخص أن يحضر محكمة ولم يعيّنوا له يومها، فمثل هذا الشخص كيف ستكون حياته؟ هل ينام هنيئاً ويعيش مرتاحاً؟ ونحن جميعاً في يوم من الأيام سوف تقام لنا محكمة، وهذه المحكمة شاملة، فكيف لنا أن نتصرّف معها؟

سبيل النجاة

إذن، علينا أن نلقّن أنفسنا بهذه الأمور ليزداد إيماننا، وعلينا أن نقوم بأعمال تساهم في تخفيف عقوباتنا، ففي الواقع أنّ كل شخص عليه أن يسعى إلى نيل التوفيق أكثر في الازدياد بالإيمان بالله وبالمعاد، وشهر رمضان العظيم هو بستان وربيع هذه الأمور، وهو ربيع الموفقية.

كما علينا أن نلتزم بوصايا رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي ذر، ومنها ما ذكرناه في بادئ الكلام، وهي: كن على عمرك أشحّ منك على درهمك ودينارك. يجب علينا أن نقوم بذلك وننتهز ما بقي من شهر رمضان العظيم. وعلينا أن نطالع ونتأمّل ونقرّر ونعمل، ونلقّن أنفسنا بتزكيتها، وأنّه مهما كانت التزكية كبيرة إلا أنّنا نحتاج للمزيد منها، وأكثر وأكثر، وهذا الأمر يتحقق بتقديم الموعظة للآخرين أيضاً.

أسأل الله عزّ وجلّ أن يمنح الجميع التوفيق في العمل بذلك.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG