21 أيلول 2019م
آخر تحديث: 21 أيلول
 
  رقم الخبر: 14734       تاريخ النشر: 7 ذو القعدة الحرام 1440









 









 

هندسة «حرية الاختيار»
بحثه نجل سماحة المرجع الشيرازي دام ظله بجلسته الفكرية الخامسة عشرة


تطرّق نجل المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، حجّة الإسلام والمسلمين السيّد حسين الشيرازي، في جلسته العلمية الفكرية الخامسة عشرة، ضمن سلسلة جلساته الموسومة بمعهد الانضباط وقهر المستحيل، إلى موضوع: هندسة «حرية الاختيار».
عقدت الجلسة، عصر اليوم الخميس المصادف للسابع من شهر ذو القعدة الحرام 1440 للهجرة، في مكتب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، بمدينة قم المقدّسة.
حضر هذه الجلسة، جمع من أعضاء المكتب، وضيوف، وطلبة العلوم الدينية.
فيما يلي رؤوس نقاط عن موضوع الجلسة:
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعترته الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين
 
ـ قال تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يوْمِ يبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيتَنِي لَأُزَينَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِينَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» (الحجر/28ـ40).
ـ قال تعالى: «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ» (لقمان/20).
وقال تعالى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ» (الحج/65).
وقال تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا» (الجاثية/13).
ـ الانسان فاعل مختار و«حرية الاختيار» هذه ابرز سمات الانسان التي ورثها من الله تعالى حيث أنه الفاعل المختار، وهي ابرز مظاهر هويتنا التي تؤهلنا لأن نكون سادة مواقفنا ومصائرنا.
ـ الاحساس والشعور بحرية الاختيار يمكننا لهندسة حياتنا ومقدراتنا واهدافنا بل يمكننا من هندسة الحياة كلها وهندسة مستقبل الكون والكائنات فضلاً عن حاضره فالإنسان خليفة الله.
ـ اكثر شيء نجيده في حياتنا ونقوم به باحتراف ومهارة تضييع «حرية الإختيار» فالانسان يهندس ببراعة واتقان وتضلع، عملية سحق حرية الاختيار لديه وابادة المخزون الهائل اللامتناهي للخيارات والاختيارات وتفتيت وتمزيق منابع ومستودعات هذه الحرية التي تعتبر اغنى ثروات الحياة واثمنها على الاطلاق، ويستمر هذا لاستنزاف مدى الحياة.
ـ تراجيديا الكونية تحاكي بشكل مستمر تصرفات وسلوكيات البشر السفهية وكما انها تحاكي النتائج المأساوية الفضيعة والكوارث العظيمة الحاصلة نتيجة سوء فهم البشر وسوء تصرفاتهم واختياراتهم فانهم سيؤون للغاية في تقييم قراراتهم وفي تقدير العواقب المترتبة على مبادراتهم واندفاعاتهم وفي توقع الاثار السلبية الكارثية لتصرفاتهم وسلوكياتهم.
ـ متوسط عمر الانسان في الدنيا هو ثمانية وعشرين ألف يوم، ويقدر عمر الكون مما يقرب من اربعة عشر مليار عام.
عن اميرالمؤمنين عليه السلام: «اتزعم انك جرمٌ صغير وفيك انطوى العالم الاكبر».
ـ لا سبيل الى الفوز بهذه العظمة عبر امتلاك حرية الإختيار، الا عن طريق الاستعداد للتخلّي عن الاسلوب الذي خططناه لحياتنا في جميع الأبعاد واعتماد وتبنّي هندسة جديدة قائمة على الموازين.
ـ الآلية: تحصل كارثة فقدان «حرية الاختيار» بشكل ممنهج وآلي ضمن خمس مراحل، كما يلي: 1) اختيار رقمٍ ما لخلق الموضوع، مثلاً رقم عشرة 2) اختيار عددٍ من المراحل في سياق وبهدف تكوين الرقم المزبور، مثلاً: ثلاث مراحل 3) اختيار جزء من الرقم المزبور لبعض المراحل، كإختيار الاثنين للمرحلة الاولى، أو كإختيار الاثنين والثلاث للمرحلتين الاولى والثانية، فقد يتحقق ضياع الإختيار بشكل مطلق للمرحلة الثالثة وبشكل اجمالي للمرحلتين الثانية والثالثة، فالثالثة محسومة على رقم خمسة، وأما الثانية والثالثة فمحسومتان بين عدد قليل من الارقام 4) فيتم اختيار العدد المحسوم بشكل لا اختياري 5) حصول الصدمة بالنتيجة اللا اختيارية (الصدمة النفسية والسلوكية) يؤدّي الى مرحلة جديدة من فقدان الإختيار، وهكذا حصول الصدمة بالصدمة يغضي الى خسارة كل شيء.
ـ تراجيديا طرد ابليس: 1) الاستعلاء والتكبر المستوطن في اعماق النفس 2) أفضى ذلك الاستعلاء لصدور المعصية بعدم السجود 3) صدور فرصة اختيار التنصّل عن المعصية الحاصلة بسبب قوله تعالى: «مَا مَنَعَكَ» فهو تلقين منه تعالى لاختيار العذر والبحث عن وجود مانع صارف عن المعصية 4) تطاول ابليس على الله تعالى: «لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ» 5) حصول الطرد وهو جزء بسيط من كارثة قابل للتدارك كما حصل كثيراً مع الباقي من الملائكة 6) طلب الإمهال والإنظار وتأجيل عقوبة الطرد وهما يفاقمان الكارثة، فتصفية الحساب عاجلاً أهون بكثير من ارجائه الى الآخرة 7) القبول الالهي وحصول الإمهال اميرالمؤمنين عليه السلام: «المدة وان طالت قصيرة» 8) تكرار التطاول على الله تعالى: «رَبِّ بِمَا أَغْوَيتَنِي لَأُزَينَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ»، وهو تحدّى جبّار السماوات والارض 9) الأمل الأخير بعد كل هذه التجاوزات: «قال هذا صراط علي مستقيم».
ـ الأب الرؤوف الرحيم القادر المتمكن يتوق بشدة الى الإحسان لاولاده ولا يشفي غليله هذا حتى اذا اغرقهم وغمرهم بالنعم لكنه يخشى دائماً حصول طبيعة التعجرف والتطاول فيهم جراء عملية مواترة النعم، ففي دعاء يوم عرفة للامام الحسين عليه السلام: «لم ترض يا الهي بنعمة دون اُخرى». لكن قال تعالى: «وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ» (الحجر/14ـ15).
الخوف يحدد حريتنا.
ـ إضاءات عشر: 1) اكثر شيء يقوّض «حرية الاختيار» في الانسان هو ممارسة «حرية الاختيار» فالتحرر في اختيار المقدمات يؤدي الى سلب الاختيار في النتائج والثمرات، ومجانبة هذا التحرر يلازم التحرر في كافة النتائج 2) حرمان حرية الاختيار يؤدي الى الالتزام بالامور الخرافية والاعتقادات الوهمية واعتماد التخرصات والميل الى نظريات المؤامرة وتكون الاضطرابات النفسية 3) فقدان السيطرة يفرض على الانسان العيش تحت رحمة الصِدف وخسارة التدبيرات 4) الاحساس بالعجز عن الاختيار من ابرز عوامل تكون براكين الضغط والغضب المشتعلة بشكل موصول، فهما استجابتان غريزيتان لهذا العجز 5) هذا العجز يقوض الاحساس بالسعادة بلا حدود والسعادة ابرز ما يسعى اليه الانسان بعد البقاء على قيد الحياة 6) الاحساس بالعجز من ابرز العوامل في اخضاع البشر لعوامل الشرّ والجرائم والمفاسد كما انه من ابرز العوامل للخضوع والانهزامية والخور والاحساس بالتفاهة والتعاسة وفقدان الاستقامة والصمود في الحياة 7) انه اسوأ خداع للذات والتدليس عليها وغشها والمكر بها هو الكذب عليها عبر تلقينها المستمر على فقدان الاختيار، بشكل واعي وغير واعي 8) احساس العجز يفرق الانسان في دوّامة من الانفعالات السلبية والقلق والاضطراب والتوتر وانعدام الثقة والاكتئاب والامراض النفسية 9) انه يشعرنا بالخوف والرعب المستمرين من الاقدام والمبادرة وهي أعظم مقوضات الحياة ومتلفات الطاقات ومهدرات المواهب والمقومات 10) نمتلك انحياز شديد ضد الاذعان بحرية اختياراتنا.
ـ أعظم عوامل التفويض لحرية الاختيار هو الانخراط ضمن بروتكلات الحكومات والدول والانظمة والقوى العالمية والجهات والتيارات والاحزاب، فانها تفرض نظاماً صارماً بلا حدود يسلب جميع الحريات حتى الاعتقادات.
ـ وُصف للمتوكل عائشة بنت عمر بن فرج الرخجي، فوّجه في جوف الليل ـ والسماء تهطل ـ الى عمر أن احمل إلي عائشه، فسأله ان يصفح عنها فانها القيمة بأمره، فأبى، فانصرف عمر وهو يقول: اللهم قني شرّ عبدك جعفر، ثم حملها بالليل، فوطئها ثم ردها الى منزل ابيها» (كتاب المحاسن والأضداد، للجاحظ ص118). هذا الانخراط مثل الذهاب والرقود في المستشفى فانه في البداية يكون بكامل الحرية لكن لا يبقى الامر كذلك، فما يجري على الانسان في المستشفى يكون مفروضاً عليه، الى درجة انه لا يستشار في مفردة واحدة، وليس له حق الاعتراض بل ولا حق الاقتراح.
ـ مثالان: الأول: سمعت من رئيس اركان الجيش في الكويت، الأخ على المؤمن كما سمعت الأخ صالح عاشور: كانوا يلقنون الضباط في التدريبات العسكرية في الكويت بان الضابط يجب عليه أن لا يأكل حتى ينتهي جميع الجنود في الجيش من الأكل، وانه يجب على الضابط أن لا يرقد ولا ينام ولا يخلد الى الراحة حتى ينام جميع الجنود، وكان يتم التأكيد على انها تعليمات عالمية وبالفعل انها كانت تعليمات عالمية باستثناء الولايات المتحدة، فبعد اتمام الدورات العسكرية في الكويت قررت المؤسسة العسكرية باقامة دورة نهائية للضباط في الولايات المتحدة، فأول ما تمّ تدريبنا هناك أنهم كانوا يؤكدون علينا بان الضباط يجب ان لا يكترث لظروف الجنود من حيث النوم والاكل بل يهتم بشبعه وباستراحته ونومه، لانّ السلامة والقوة لدى الضابط هما المصدر الاساسي في انتصار الجيش وتحقيق حماية صحيحة وكافية، وتعرض الضابط الى الجوع والنعاس يحدّ من حرية تصرفاته ومبادراته ومخططاته.
الثاني: في جميع رحلات الطيران المدني ودون استثناء يتم اجراء تنبيهات للركاب من قبل طاقم الضيافة عن ما اذا تعرضت الطائرة لنقص فنّي في الجو وكيفية استخدام اقنعة الاوكسيجين، فيتم التأكد على ضرورة تركيب الاقنعة للنفس قبل مساعدة الآخرين، ليس من اجل الانحياز للذات بل لاحتمال تراجع الكفاءة وفقدان الاختيار وحصول الاعاقة والتعثر والتأخر في اجراء العمليات والخدمات التي يسديها للآخرين.
ـ الختام: يجب الحيلولة دون تسرّب ذرة من الاحساس بفقدان حرية الاختيار الى امخاخنا ومنطقة المعتقدات في عقولنا.
 
 
 
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG