26 أيلول 2020م
آخر تحديث: 26 أيلول
 
  رقم الخبر: 15307       تاريخ النشر: 6 ربيع الثاني 1441









 









 

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله بكلمته القيّمة بذكرى استشهاد النبيّ 1441 للهجرة:
اضمحلّ الخير كلّه في الدنيا والرفاه بعد رسول الله


تعريب: علاء الكاظمي

النصّ الكامل للكلمة القيّمة للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، التي ألقاها بمناسبة ذكرى استشهاد أشرف الأولين والآخرين، أفضل الأنبياء والمرسلين، حبيب إله العالمين، سيّدنا نبيّ الإسلام محمّد المصطفى صلى الله عليه وآله، بجموع المعزّين، في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، عصر يوم الأحد المصادف للثامن والعشرين من شهر صفر الأحزان 1441 للهجرة، الموافق للسابع والعشرين من شهر تشري الأول/اكتوبر2019م.

تعازي ودعاء

أرفع التعازي للمقام الرفيع والمنيع والعظيم صاحب العصمة الإلهية الكبرى مولانا بقيّة الله الإمام المهديّ الموعود صلوات الله عليه وعجّل الله تعالى في فرجه الشريف. وهكذا أعزّي جميع المؤمنين والمؤمنات وكل المظلومين والضعفاء في كل العالم بمناسبة استشهاد أشرف الأولين الآخرين نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، وبناء على قول، ذكرى استشهاد سبط النبيّ الأكبر الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه، مع انّ الرواية الأصح لاستشهاده صلوات الله عليه هي في السابع من صفر الأحزان. وكذلك أعزّي بمناسبة أيّام ذكرى استشهاد الإمام الرؤوف مولانا الرضا صلوات الله عليه. وأسأل الله عزّ وجلّ أن يعجّل في ظهور مولانا الإمام المهديّ عجّل الله تعالى في فرجه الشريف حتى تزول المشاكل التي لفّت الكثير من العالم، وابتلي بها الناس وخصوصاً في البلاد الإسلامية، وأن يمنّ عليهم بالنجاة.

خطبة عالية المضامين

بالنسبة إلى استشهاد نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، عبّرت السيّدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها في خطبتها العظيمة والعظيمة جدّاً، التي ألقتها بحضور المهاجرين والأنصار، بتعابير عالية المضامين جدّاً. وقد قلت سابقاً وأكرّره مرّة أخرى أنّه على الشباب الأعزاء أن يقرأوا هذه الخطبة ويتأمّلوا فيها، وفي كل جملة منها، وفي كل كلمة منها، وكذلك على أولياء الشباب كالآباء والمعلّمين أن يشجّعوا الشباب على معرفة كلام السيّدة الزهراء صلوات الله عليها وخطبتها التي بيّنت فيها خلاصة كل شيء في الإسلام، ومنها تبيّنيها عظم استشهاد نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، وأن يعرفوا ماذا وقع وحصل بعد حادثة قتل واستشهاد النبيّ صلى الله عليه وآله.

اضمحلّت الآمال

قالت السيّدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها في خطبتها العظيمة: (وأكدت الآمال). والمقصود من (أكدت) يعني اضمحلّت وزالت وفنيت. و(الآمال) هو جمع أمل، ويعني ما يتمنّاه المرء، وعندما يكون الجمع بالألف واللام فهذا يعني كلّ ما يأمله المرء، أي كل الآمال. فيكون المقصود من كلام السيّدة الزهراء صلوات الله عليها هو انّ ما وقع بعد استشهاد النبيّ صلى الله عليه وآله قد أزال جميع الآمال وقضى عليها. وهذا الكلام هو من السيّدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها التي هي صاحبة العصمة الإلهية الكبرى، وهي معصومة بالعصمة العظمى، وأقوالها دقيقة جدّاً كأقوال النبيّ والإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما.

دور الإنسان الصالح بالمجتمع

إنّ الإنسان الصالح والجيّد، يكون لما يصدر منه من حسن وجيّد، الدور المؤثّر في العائلة والأقارب، ويترك أثراً بينهم، وقد لا يتعلّم الكل منه، ولكن من الممكن أن يتأثّر به ثلاثة أو أربعة منهم أو أكثر. وكان النبيّ صلى الله عليه وآله هو الإنسان الحسن الجيّد الذي لن يخلق الله تعالى نظيراً له، لا في الماضي، ولن يخلق مثله في المستقبل، سوى استثناء واحد وهو الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، الذي عدّه القرآن الكريم بأنّه نفس النبيّ صلى الله عليه وآله، ولا شكّ يأتي من بعد الإمام باقي المعصومين صلوات الله عليهم في المرتبة والمقام. وتبيّن السيّدة الزهراء صلوات الله عليها من قولها (وأكدت الآمال) انّه باستشهاد النبيّ صلى الله عليه وآله زال واضمحلّ كل ما هو حسن وجيّد، وهو المقصود نفسه الذي بيّنه الأئمة صلوات الله عليهم أيضاً، فهم صلوات الله عليهم كلّهم نور واحد. والمقصود من كلامهم صلوات الله عليهم أنّه: لو رجع الناس إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعد النبيّ صلى الله عليه وآله لما أريقت قطرة دم واحدة، من ذلك اليوم وإلى يوم القيامة. ولكن كم من الدماء أريقت على الأرض وتراق؟ وكذلك لو رجع الناس إلى الإمام عليّ صلوات الله عليه من بعد النبيّ صلى الله عليه وآله لم ينم حتى شخص واحد ليلته وهو جائع، أي لأكل الناس من فوقهم ومن تحت أرجلهم. ولما ظلم أحد، أي لم يظلم الزوج زوجته، ولا الحكومات تظلم شعوبها، ولا الشعوب تظلم حكوماتها، ولا الآباء يظلمون أبناءهم، ولا الأبناء يظلمون آبائهم، ولا الغنيّ يظلم الفقير، ولا الفقير يظلم الغنيّ. فبعد استشهاد النبيّ صلى الله عليه وآله لو لم يمنعوا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه من قيادة الأمّة، لأكل الناس كلّهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم. وقالت السيّدة الزهراء صلوات الله عليها أنّ كل هذه الآمال أزالوها واضمحلّت. فماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله، وكيف كان قوله وتعامله حتى تقول بحقّه هكذا السيّدة الزهراء صلوات الله عليها؟

لقد كانت كلمة الحسن وأحسنها وأفضلها وأسماها معنى متجسّدة في شخصية نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، في نظراته وفي كلامه وفي استماعه وفي تعامله وفي زواجه وفي حروبه الدفاعية وفي أخذه للأموال وفي إعطائه للأموال، وفي تحمّل المشكلات.

شكراً للمحيين لشعيرة الأربعين الحسيني

هنا أود أن أقول: أنا وبعنوان الوظيفة الشرعية وبالنسبة لشعيرة الأربعين الحسيني المقدّسة، أشكر الجميع، سواء من وفّق لزيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه في كربلاء، ومن ذهبوا عبر وسائط النقل، ومن ذهبوا مشياً على الأقدام، ومن أعانوا الزائرين في توفير مياه الشرب والطعام واللباس والأموال والسكن ووسائط النقل وغيرها من الخدمات المختلفة، أشكرهم جميعاً، وأسأل الله عزّ وجلّ أن يوفّقهم ويوفّق الجميع أكثر وأكثر. وليعلم الذين بذلوا خدمات أكثر أنّ أجرهم أكثر، وكذلك الذين تعبوا أكثر، والذين أنفقوا أموالهم أكثر. علماً أنّ مسألة إنفاق الأموال فيها أمرين يجب الانتباه إليهما، وهما: مقدار الأموال المنفوقة ونسبة ما أنفقه المنفق مما يمتلكه ومن أمواله. فقد يمتلك المنفق كيلو غرام واحد من الذهب وينفقه في سبيل الأربعين الحسيني، ومنفق آخر يمتلك عشرة كيلو غرام من الذهب فينفق كيلو غرام واحد، وآخر يمتلك مئة كيلو غرام من الذهب فينفق كيلو غرام واحد من الذهب، وقد يكون الشخص قد استأجر سيارة واحدة لنقل الزائرين بالمجان، وآخر استأجر عشر سيارات، فلا شكّ انّ الأجر بالنسبة لهؤلاء ليس متساوياً. وفي هذا الخصوص أذكر لكم الرواية التالية:

الأجر بقدر المشقّة

ورد في الحديث الشريف عن مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِي مِائَةُ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَهَذِهِ عَشْرُ أَوَاقٍ مِنْهَا صَدَقَةٌ، وَجَاءَ بَعْدَهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِي مِائَةُ دِينَارٍ فَهَذِهِ مِنْهَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ صَدَقَةٌ، وَجَاءَ الثَّالِثُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِي عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَهَذَا دِينَارٌ مِنْهَا صَدَقَةٌ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: كُلُّكُمْ فِي الأجْرِ سَوَاءٌ، كُلُّكُمْ تَصَدَّقَ بِعُشْرِ مَالِهِ. ومعنى هذا أنّ الإنسان يحصل على الأجر بمقدار ما يعطي في سبيل الله تعالى من نسبة ما يملكه، سواء أعطى من فكره أو طاقاته أو نشاطه أو ماله. وهكذا قد يخدم أحد الأشخاص عشر ساعات، وآخر يخدم مئة ساعة، ولكن الفرق بينهما هو في نسبة التعب، أي قد يكون الأول تعب وبذل من الخدمات أكثر من الثاني، فالنسبة هي المهم.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبّل من الجميع فهو وليّ القبول ولا شكّ في ذلك. فالبنسبة إلى هذه الشعيرة المقدّسة وهي الأربعين الحسيني المقدّس، كل من يمكنه وبقدرته أن يفعل ويخدم ولا يقوم بذلك، فهذه ستكون مدعاة تأسّف له. فكل ما يقوم به الإنسان من خدمة فهو جيّد، فأحدهم قد ينفق واحد بالمئة مما يمتلك، وثان ينفق واحد من ألف مما يملك، وثالث ينفق واحد من مليون مما يملك، فهذا كلّه جيّد، وكلّهم لهم الأجر، ولكن المهمّ هو نسبة ما ينفقه الإنسان مما يمتلكه.

فضيلة الاستقراض لإقامة الشعائر

بالنسبة إلى زيارة الأربعين الحسيني المقدّس، هنالك حاجتين لم تقضى بعد أي لا تزال بحاجة إلى العمل. ففي مجال الطعام والشراب والمنام، ولله الحمد، وفّق الكثير في توفيرها للزائرين، ولكن لا يزال هذا الأمر بحاجة إلى بذل المزيد من العمل والخدمة، وبالأخص من قبل الشباب، حتى الذين لا يمتلكون الأموال منهم، أو ليست له شخصية اجتماعية أو سياسية، فبإمكانهم أن يبدأوا من الصفر، وأن يشجّعوا الآخرين أيضاً. فالأنبياء عليهم السلام لم يكونوا أثرياء أو أصحاب أموال، ولكنهم قاموا بالمسؤولية. ففي الحديث الشريف عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال: (أُمرت أن آخذ وأعطي). وهذا الأخذ والعطاء هو للمجتمع وللفقراء وللمحرومين وللشعائر الإسلامية. وكان هذا الأمر، أي الأخذ والعطاء، واحدة من أعمال رسول الله صلى الله عليه وآله التي اضمحلّت بعد استشهاده. فقد ذكر التاريخ انّ النبي صلى الله عليه وآله كان يعطي لكل من يأتيه ويسأله الحاجة. وإذا لم يك عنده صلى الله عليه وآله المال حينها، كان يستقرض ويستدين ويعطي للسائل. فمن سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله هو الاستقراض لأجل مصالح الإسلام وللفقراء وللمحرومين. وهذا العمل لم نر مثله إلاّ القليل والقليل ومن معدودين. فالكثير من الأشخاص يستقرضون المال لأجل أعمالهم ولأجل عوائلهم ولغيرها من الاحتياجات الخاصّة بهم والشخصية، ولكن يندر أن ترى من يستدين لغير أموره الشخصية أي لمصلحة الإسلام وللشعائر. فيجب أن نذكر مثل هذه السنّة من رسول الله صلى الله عليه وآله ونقولها ألف مرّة وألف مرّة، حتى تصبح من البديهيات في المجتمع. وكذلك ذكرت الروايات الشريفة انّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يستقرض لأداء قرضه ودَينه السابق، يعني كانت الديون تتراكم عليه. فمن يقوم بمثل هذا العمل؟ وهذا مما أشارت إليه السيّدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها بأنّه اضمحلّ من بعد النبيّ صلى الله عليه وآله.

الكل مسؤول

إنّ أي تلكؤ أو عرقلة أو توقّف أن صحّ التعبير، نراه في المجتمع فهذا من مسؤولية الجميع، كل حسب قدرته واستطاعته، أي علينا رفع ذلك حتى بالتشجيع. فاليوم نرى في الكثير من المجتمعات مساوئ عديدة، وعمل كبير للضلال، ولكن بالمقابل كم تبذل من الجهود والأعمال في سبيل أهل البيت صلوات الله عليهم؟ وللجواب أقول: قد تكون النسبة هي واحد بالعشرة أو أقلّ. ففي السابق كانت الوسائل وبالأخص الإعلامية قليلة ولكن اليوم ليست بقليلة ومتوفّرة فلماذا لم يتمّ العمل بشكل لائق ومناسب؟ وهكذا الأموال، إن لم تتوفّر فعلينا أن نستقرض، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله. ويجب أن نكرّر قول هذا الأمر وندعو إليه حتى يُعمل به في المجتمع، فالتكرار ضروري، كما نجده في القرآن الكريم، حيث كرّر قوله تعالى (ياأيّها الذين آمنوا) وكرّر القول حول الصلاة والزكاة وحول النبيّ موسى على نبيّنا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام، وحول بني إسرائيل، وحول النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله. فالإنسان يكرّر أكل الطعام كل يوم، وذلك لحاجته إلى الطعام، جسماً وعقلاً.

الملاك هو القرآن والعترة

قبل قرابة ثمانين سنة، قال أحد الأشخاص في فلان الدولة وكان حاكمها، انّ القرآن الكريم فيه تكرار كثير، فقام بحذف ثمانية عشرة جزء من أجزائه وقال المتبقّي يكفي! والتكرار لا يفيد. وهذه الأفعال هي فعل غير عاقل أو بعبارة أخرى فعل مجنون. وحينها جاءني شخص وحدّثني عمّا قام به ذلك الشخص، وقال لي هل تعرفه؟ قلت نعم إنّه مجنون، فهل هذا الشخص يفهم ويعقل أكثر من الله عزّ وجلّ حتى يحذف التكرار من القرآن ويلخّصه؟! فقال لي، وكنت حينها خارجاً من زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه وسيّدنا العباس سلام الله عليه: تعال نذهب معاً إلى بيتي لأريك انّ هذا الشخص قد كتبوا عنه قرابة ألفي كتاب. فقلت له: إنّ القرآن الكريم يقول: (أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) سورة العنكبوت: الآية63. فالكثرة ليست هي الملاك، لأنّه إذا كانت الكثرة هي الملاك فهذا يعني، والعياذ بالله، أنّ الأنبياء لم يقوموا بالجيّد ولا الصحيح. فالأنبياء جاؤوا وقسّموا الناس إلى فئتين، فئة جيّدة وفئة سيّئة، كما في قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) سورة البقرة: الآية213. فالجيّد جيّد سواء كان بكثرة أو بقليل، وهكذا السيئ. وإنّ التكرار هو أصل وأساس، وهو في فطرة البشر. فالأمر الذي نجده جيّداً علينا أن نلقّن أنفسنا به ونشجّع عليه الآخرين، ونكرّره عليهم. فهل من غير الجيّد أن تهدي لصديقك أو لشخص ما باقة من الورد في فلان مناسبة، وتكرّر هذا الإهداء في أيّام أخرى أيضاً؟ وهل من غير الجيّد أن يُسلّم الزوج على زوجته كلما دخل البيت؟ أو تُسلّم الزوجة على زوجها كل يوم؟

من الأمور التي اضمحلّت بعد النبيّ صلى الله عليه وآله هو الملاك. وإنّ الملاك الذي أسّسه النبيّ صلى الله عليه وآله وعمل به الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه هو: (كتاب الله وعترتي أهل بيتي). ولكن الملاك اليوم في الدنيا هو غير ذلك، وجعلوه في غيره كالشخص، أو التيار والجماعة. ولذا علينا أن نقرأ ونطالع تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله كلّه.

ليكن العمل لله ولأهل البيت

أتاني رجل كبير السن وهو اليوم من المتوّفين رحمه الله، وقال لي انّه بعد أربعين سنة من العمل الديني مع أحد الأصدقاء، قام الأخير بخيانتي في الأمور المالية، وأنا مستاء جدّاً وقرّرت ترك العمل بهذا المجال. قلت له: هل في طول هذه السنين كان عملك معه لله تعالى أم للشخص نفسه؟ فإن كان لله تعالى فلا تستاء لأنّ الله تعالى يحفظ لك ما عملته، وأما إن كان عملك للشخص المذكور فأنت تستحقّ وهذا جزاؤك. فاغرورقت عيناه بالدموع، فقلت له هذا الواقع بيّنته لك ولا أقصد غيره. فأمثال هذه الأمور هي امتحان من الله تعالى، وهذا الامتحان يجري على الجميع، لي ولكم.

قبل قرابة خمسين سنة قرأت في مجلّة حول شخصية سياسية كان قد مات لتوّه، أنّه كتبوا عنه أكثر من مئة كتاب، وكان هذا الشخص قد قام بعمل سياسي واحد فقط عُرف في وقته. واليوم يمرّ على استشهاد النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله أكثر من ألف وأربعمئة سنة، فكم كتاب كُتبه عنه وحوله صلى الله عليه وآله؟ ومن الذي يقوم بهذا العمل؟

لنكتب ولنبلّغ

إنّ هذا العمل هو مسؤولية الجميع، فحتى غير المثقّفين الذين لا يمكنهم التأليف والكتابة عليهم أن يشجّعوا الآخرين على الكتابة والتأليف حول رسول الله صلى الله عليه وآله. وحتى المثقّفين إن لم يتمكّنوا من الكتابة لوحدهم عليهم أن يتعاونوا مع مجموعة ويقوموا بالتأليف والكتابة. فبإمكان الإنسان أن يستفيد من لسانه الكثير والكثير. ولا تستاؤوا ولا تملّوا من العمل إن أكل بعضهم، أي من ضمن المجموعة، أموالكم في هذا العمل، أو اتهمكم بعضهم وغيرهم، أو سخر منكم بعضهم وغيرهم أو ذمّوكم، وغيرها من المشكلات التي تتعرّضون لها. فمن سنن رسول الله صلى الله عليه وآله التي قلّت وقلّ العمل بها هو تحمّل المشكلات.

من الخلق النبويّ العظيم

من إحدى فضائل ومكارم مولانا النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله هو ما ذكرته الروايات الشريفة، وذكرته جوامع الأحاديث، كالوسائل وغيره، وهو انّ إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وآله اتّهمته بالفاحشة، فماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله معها؟ إنّه لم يضربها ولم يتكلّم عليها بكلام غير جيّد ولم يحبسها ولم ولم من غيره من التعامل والتصرّف. فكم عندنا مثل هذا النوع من التعامل في مجتمعاتنا الإسلامية؟ فما نراه في مجتمعاتنا انّ الرجل عندما يطلّق زوجته، مثلاً، يتكلّم عليها بكلام ناب أو بذيء، وبمثل هذا الكلام تتكلّم الزوجة إن تطلّقت من زوجها أو بعد طلاقها. وبهذا الخصوص أذكر لكم انّه زارني أحد الرجال وكان بعمر التسعين سنة رحمه الله، وقال: في الاسبوع الأول من زواجي خرجت كذا كلمة من فمي وقلتها بحقّ زوجتي، ومنذ ذلك الحين وإلى اليوم كلما يحدث شيء بيني وبينها تقول لي أنت ممن تكلّمت عليّ بتلك الكلمة. وهذا يعني إنّ هذه الزوجة لم تنس تلك الكلمة ولازالت ترتّب الأثر عليها ولم تعفو عن زوجها. وهذا النوع من التعامل والأخلاق هو من قول السيّدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها: (وأكدت الآمال).

إذن، أليس من الجدير بالمجتمع أن يتعلّم من أخلاق رسول الله صلى الله عليه؟ ويتلاحم مع بعض؟ وأن يتحمّل الزوج زوجته، وتتحمّل الزوجة زوجها؟ وهكذا يتحمّل الآباء أبنائهم، والأبناء يتحمّلون آبائهم، وتتحمّل الحكومات شعوبها، والناس يتحمّل بعضهم بعضاً.

أهمية المداراة بالمجتمع

إنّ المنافقين بين أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله كانوا بأعداد كبيرة وكثيرة، وذكرهم القرآن الكريم كثيراً، بل أنزل سورة كاملة بحقّهم. والمنافق يختلف عن الكافر، فالمنافق هو من ينطق بالشهادتين ويصلّي ولكن يظهر الإسلام ويبطن الكفر. فعاملهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالمداراة مع انّهم قد آذوه كثيراً، سواء بالكلام غير الجيّد وجهاً لوجه أو بغيابه، وسبّبوا له المشكلات، ولكنه صلى الله عليه وآله عفا عنهم. وبالنسبة لمثل هذا التعامل يُشكل بعض الناس ويقول بأنّ العفو يربّي المسيئ تربية غير صحيحة. وأنا أقول هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يعرف مثل هذه الأمور؟ وهل كان لا يعلم بما تقولون؟

لقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله هو العقل كلّه، والفهم كلّه، والإنسانية كلّها، والفضيلة كلّها. بلى إنّ المسيئين قد يستغلّون التعامل الحسن والجيّد، ولكن هل هذا يعني أن لا نقوم بالعفو وبالحسن والجيّد؟ فهل يجدر بنا نحن أن نتعلّم الجيّد أم السيئ؟ فالتعامل الحسن من رسول الله صلى الله عليه وآله جعل أن يخرج من بين أصحابه مثل عمار وسلمان والمقدار وأبي ذر وعثمان بن مظعون وغيرهم من الصحابة الصالحين.

بعض الأزواج يقول: إن أتغاضى عن زوجتي وأتساهل معها فهذا الأمر سيجرّؤها عليّ. أقول: أنت عليك أن تقوم بالتعامل الحسن حتى لعشر مرّات وأكثر لعلّ زوجتك تتغيّر، فلماذا تسلب منها مثل هذه الفرصة؟ ومثل هذا الرأي نراه من بعض الزوجات أيضاً. وهذا من: (أكدت الآمال) أيضاً.

إذن على الجميع أن يتعلّموا من رسول الله صلى الله عليه وآله وأن يقوموا بتبليغ سيرته المشرقة ويوصلوها للعالمين. فالمسلم يؤمن بالنبيّ بأنّه نبيّه ويتعلّم منه، وغير المسلم يرى هذا الأمر حسناً وجيّداً فيسلم.

لا لتلف الوقت بالسلبيات

في عشر سنوات من زمن رسول الله صلى الله عليه وآله، أي من بعد البعثة الشريفة وإلى استشهاده، حدثت مشكلات كثيرة للنبيّ صلى الله عليه وآله، منها أكثر من ثمانين حرب دفاعية وإرسال سريّة، ولكن الذي جعل الناس يسلمون ويدخلون في الإسلام هي أخلاق النبيّ صلى الله عليه وآله. علماً انّ الأخلاق الحسنة لا تنحصر في التعامل الحسن فحسب، بل منها أن لا تردّ على من يتهمّك، وتتحمّل ولا تتلف وقتك في الجواب والردّ عليه، وأن تتحمّل ولا تردّ إن كذب عليك أحدهم. فقد ذكر العلاّمة الأميني رحمه الله في موسوعة الغدير انّه أكثر من سبعين ألف منبر وعشرة منابر ولسنين عديدة كانت تسبّ الإمام عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، في كل اسبوع، وكان الردّ من الإمام صلوات الله عليه هو: (أمّا السبّ فهو لي زكاة)! ولهذه الأخلاق للإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، يتّضح لنا سبب قول المعصومين صلوات الله عليهم: (لأكل الناس من فوقهم ومن تحت أرجلهم)، لو كانوا قد أعطوا الحقّ له صلوات الله عليه من بعد النبيّ صلى الله عليه وآله، ولأن الإمام أمير المؤمنين هو نفس رسول الله صلوات الله عليهما وآلهما، أي أخلاق أمير المؤمنين هي أخلاق رسول الله صلوات الله عليهما وآلهما. وهذا ما يجب أن تعرفه البشرية ويصل إليها.

لننصر رسول الله

رأيت في كتاب تاريخي مفصّل لشخص غير مسلم أنّه قد كتب عن نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله خمسة أسطر فقط! في حين انّ مجموع ما كتبه في كتابه تتعدّى أو أكثر من سبعين ألف سطر! ولا عجب من هذا الأمر لأن المؤلّف ليس بمسلم، ولكن ما بنا نحن المسلمون بأنّ لا نهتمّ بالكتابة حول سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله بالتفصيل؟

إنّ الدنيا اليوم باتت متّصلة كلها وعلينا أن نكون أصحاب همّة، وأن نصمم على عدم خذلان رسول الله صلى الله عليه وآله. فإن نتمكّن أو كان بإمكاننا أن نقوم بالعمل، فعلينا أن نقوم به، حتى وإن تكلّموا علينا بفحش أو اتّهمونا أو سبّبوا لنا المشكلات، فعلينا أن نتحمّل. وعلينا أن نوصل سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله للعالم حتى تتمّ الحجّة ويهتدي من يهتدي، فالدنيا فيها الكثير من القاصرين أي من الذين لا يعرفون ولا يعلمون، سواء في البلاد الإسلامية وغير الإسلامية. فمن المشاكل الموجودة اليوم في المجتمع التي هي بحاجة إلى العمل والاهتمام والتثقيف والتبليغ والإرشاد، هي قضية هدر الشباب وضياعهم. فعلى من تقع مسؤولية هدرهم وضياعهم؟ بعض المسؤولية في هذا المجال تقع على من تعامل أو يتعامل بشكل سيئ، وبعض المسؤولية على من كان بإمكانه أن يقوم بالتبليغ والتثقيف ولكنه لم يقم به، لوجود المشكلات مثلاً أو لفقدان المال ولكي لا يضطرّ إلى الاستقراض والاستدانة من الآخرين، ولم يعمل. فالقيام بالعمل ممكن في كل الأحوال حتى في البدء به من الصفر.

الهمّة أساس التوفيق

جاء شخص إلى زيارة المرحوم أخي (آية الله العظمى السيّد محمد الحسيني الشيرازي قدّس سرّه الشريف) فسأله: هل يوجد حسينية في منطقتكم؟ قال: كلا. قال: لماذا؟ قال: عدم وجود المال لبناء حسينية. فأعطاه الأخ ورة نقدية من فئة ألف ريال إيراني وكان هذا المبلغ قليل جدّاً، وقال له: بهذا المبلغ اشرع في بناء حسينية. فقال له الشخص: هذا مبلغ قليل جدّاً فكيف يمكن بناء حسينية به؟ قال أخي: بهذا المبلغ مع الهمّة يمكن بناء حسينية. وبعد سنين جاء الشخص عند أخي وقال له: كان المبلغ الذي أعطيتني إيّاه فاتحة لحملة تبرّعات قمت بها لبناء حسينية، ولله الحمد تمّ جمع الكثير من التبرّعات التي تمكّنا بها من بناء حسينية.

بلى، يمكن القيام بمثل هذا الأمر بالنسبة لكل شيء ولكل عمل. فالعمل للإمام الحسين صلوات الله عليه يعني لرسول الله صلى الله عليه وآله، وكذلك باقي الأئمة والمعصومين صلوات الله عليهم، فعلينا أن لا نخذل رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن بإمكاننا أن نعمل، بل علينا نصرته صلى الله عليه وآله.

لإنقاذ البشرية

لماذا الدنيا اليوم غارقة في الوحل والمستنقعات؟! فكلها حروب وعراك ونزاعات، هنا وهناك، وفي هذه الدولة وفي تلك الدولة ومنها الدول الإسلامية. وهذا ما يوجب علينا أن نعرّف وننشر ونوصل سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وهي سيرة خلت حتى من قتيل سياسي واحد، بينما تشهد الدنيا اليوم وشهدت في السابق ولاتزال تشهد يومياً وفي كل يوم، العديد من القتلى السياسيين! في دول المسلمين وفي دول المسيح وفي دول اليهود وكذلك في دول البوذيين وغيرهم، لا فرق.

إذن على الجميع أن يبدأوا بالعمل من الصفر ويتحمّلوا المشكلات كما كان يتحمّلها رسول الله صلى الله عليه وآله الذي يدعونا القرآن الكريم إلى التعلّم منه بقوله عزّ من قائل: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) سورة الأحزاب: الآية21. فالنبيّ صلى الله عليه وآله حكم عشر سنوات، وفي طول هذه السنين اتّهموه وكذبوا عليه وآذوه، ولكن لم تجد في طول هذه الفترة من حكومته صلى الله عليه وآله حتى سجين سياسي واحد، وهذا ما يجب أن تعرفه الدنيا كلّها. بلى إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يُحاسب ويُعاقب من يجرم بحقّ الآخرين، ولكن كان يعفو عمّن يجرم بحقّه هو صلى الله عليه وآله ويعفو عنه. وكذلك إن كان يحدث نزاعاً بين شخصين مثلاً، كان صلى الله عليه وآله يسعى إلى حلّ النزاع بالصلح، وإن لم ينفع الصلح كان يقضي بينهما.

حكومة الخير والرفاه

كذلك لم نجد في طول حكومة رسول الله صلى الله عليه وآله موت حتى شخص واحد بسبب الجوع، ولكن انظروا في التاريخ، أي تاريخ من حكموا باسم الإسلام كذباً مثل بني أميّة وبني العباس وأمثالهم وغيرهم، ستجدون كم وكم إنسان مات من الجوع في حكومتهم، ومنهم الصحابي الجليل أبو ذر الغفاي رضوان الله تعالى عليه الذي مات في زمن حكم أحد الذين حكموا باسم الإسلام.

في زمن حكومته لم يقم رسول الله صلى الله عليه وآله ببيع حتى شبر واحد من الأرض وكان يقول: (الأرض لله ولمن عمّرها). وكان يقول أيضاً ما مضمونه الأرض أرض الله والعباد عباد الله. وبهذا المجال يجب على الحاكم أو الحكومة أن يقوما بدور المراقبة والإشراف على الناس حتى لا يظلم بعضهم بعضاً، ولا يتعدّى أحدهم على أحد. وحول الاستفادة من الأرض وعمارتها، قال لي أحد الأشخاص الذي كان قد تجوّل في أربعة دول أجنبية وغير مسلمة: رأيت هذه الدول كلّها خضراء. إذن، لماذا تفتقر دولنا إلى مثل هذا الأمر؟

إنّ إيصال سيرة وتعامل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الدنيا هي مسؤولية العلماء والمثقّفين والجامعيين وأهل العلم في كل مكان، فعليهم أن يطالعوا هذه السيرة وهذا التعامل، ويكتبوا عنه وينشرونه، وخصوصاً عبر القنوات الفضائية التي باتت اليوم متوفّرة وبيد المسلمين.

الواجب تجاه القضية الحسينية

أما بالنسبة إلى القضية الحسينية المقدّسة، وبالأخص شعيرة الأربعين الحسيني المقدّس، على كل واحد منّا أن يبذل كل ما في وسعه، لتوسيع رقعة هذه الزيارة، وأن تقام بأحسن ما يمكن، وأذكر عدّة أمور بهذا الخصوص، كنت قد ذكرتها مسبقاً وأكرّر ذكرها، وهي:

الأول: توفير السكن للزائرين في مدينة كربلاء المقدّسة وفي أطرافها. فهل من اللائق أن ينام زائر الإمام الحسين صلوات الله عليه على الأرصفة وفي الشوارع، وفيهم كبار السنّ والنساء والأطفال والصغار، وذلك بسبب عدم توفّر ما يكفي من أماكن الاستراحة والمنام؟ وهذه المسؤولية هي بالدرجة الأولى تقع على عاتق الحكومات، وثانياً على عاتق التجّار الكبار، وثالثاً على عاتق الفقراء. وبإمكان الفقراء أن يقوموا بهذا العمل بشكل جماعي، إذا لم يتمكّنوت مالياً من القيام به بمفردهم، أي يتعاونوا مع عشرة وأكثر وأكثر، وهكذا.

أحد الأشخاص ممن قام بالخدمة في أيّام الزيارة الأربعينية الحسينية المقدّسة في السنة الماضية، زارني بعد موسم الزيارة الأربعينية، وقال لي: لقد استقرضت ستين مليون (من العملة الإيرانية) لأجل الأربعين. فقلت له: أحسنت وبارك الله بك وإن شاء الله تتمكّن من تسديد المبلغ كلّه. فجاءني في السنة التالية وقال: لقد وفّيت الدين كلّه.

الثاني: توفير وسائط النقل بالمجان، كاستيجار السيارات والطائرات وغيرها، حتى وإن استفاد من هذه الوسائط الأثرياء والمتمكّنين مالياً، فليس الأساس هو أن يكون هذا المجاني للفقراء فحسب، بل هو للجميع، لأنّ من خصائص هذا العمل هو التبرّك. فنبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله كان يعطي الصدقات المستحبّة للفقراء وللأغنياء أيضاً، باستثناء الزكاة والخمس، حيث بيّنت الروايات الشريفة موارد صرفهما ولمن يستحقّها.

هنا أأكّد على الجميع، بالخصوص الشباب، وأقول: أيّها الشباب! اقرأوا تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله وأوصلوه إلى العالم، فمن تعامل رسول الله صلى الله عليه وآله، أنّه ذات مرّة أعطى لثلاثة من المنافقين، ثلاثمئة بعير، أي لكل واحد منهم مئة بعير، وذلك ليألفهم ولا يقوموا بالتخريب والمشاكسات كما ذكرت الروايات الشريفة. وكان البعير حينها يعادل سيارة في عصرنا الحالي!

هذه الأمور وهذا النوع من التعامل النبويّ الشريف، يجب أن يصبح ويكون ثقافة في المجتمع حتى يمكن تحقيق الآمال التي قالت عنها السيّدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها بأنها (أكدت). وعلينا أن لا نكون في عداد أو في صفّ خذلان رسول الله صلى الله عليه وآله وخذلان الإمام الحسين صلوات الله عليه. علماً أنّ النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله قد قال بحقّ الإمام الحسين صلوات الله عليه وهو في عمر السنتين: (اللهم انصر من نصره، واخذل من خذله). فليس الخذلان هو أن لا يقوم الشخص المتمكّن وصاحب المال وصاحب القدرة والإمكانية بالخدمة فحسب، بل يشمل حتى من لا يمتلك المال والقدرة ولكنه بإمكانه أن يشجّع ويرغّب الآخرين على الخدمة ويحثّهم عليها، ولكنه لا يقوم بهذا الأمر.

علماً أنّ المسؤول الأول عن الأمرين اللذين مرّ ذكرهما هي الحكومات لأنّ تحت قدرتها الكثير والكثير من الأموال. والمسؤول الثاني هم التجّار الكبار.

الأمر الثالث: حول الأشهر المتبقّية من السنة، أي الأشهر العشرة الباقية. ففي شهري محرّم الحرام وصفر الأحزان، نال الكثير من المؤمنين والمؤمنات، المعنويات والفضائل، فليحاولوا إلى المحافظة عليها والاستمرار بها إلى شهري محرّم وصفر الآتيين في السنة المقبلة.

أهمّ قضايا المجتمع تزويج الشباب

في الختام لابدّ أن أتحدّث عن قضية لا يمكن المرور منها أو عليها مرور الكرام، وهي قضية زواج الشباب، بنين وبنات. فهذه القضية مهمّة جدّاً، بل تكاد تغطّي على باقي القضايا المهمّة فلا يمكن أن لا نبالي تجاهها أو لا نجعلها نصب العين. فعلى الآباء والأمّهات، أن يسعوا إلى تسهيل أمر زواج أبنائهم، سواء كانوا بنين أو بنات، وطلبة حوزة أو جامعة أو مدرسة، حتى وإن تعرّضوا في سبيل هذه القضية إلى بعض المشكلات، فعليهم أن يتحمّلوها. فمن أرقى قضايا المجتمع ومن قضاياه الضرورية جدّاً هي المشاركة في تسهيل زواج الشباب في المجتمع. ولذلك يجدر أن يشارك الجميع في تقبّل تكاليف زواج الشباب، بنين وبنات، وأن يشاركوا في هذه التكاليف، كلها أو بعضها.

كما على النساء والبنات المكرّمات، وبعد زواجهنّ، أن يصمّمن على تحمّل أزواجهنّ، وأن يقلّلن من توقّعاتهنّ من أزواجهنّ، فالتحمّل والصلح من مسؤوليات الزوجين. فعلى الزوجين أن يسعيا إلى تسهيل أمور الحياة والمعيشة وإلى توفير واستقرار الهدوء والطمأنينة في العائلة، حتى يمكن عبر هذا الطريق، أن تكون مجتمعاتنا، مجتمعات سليمة وراسخة ومستقرّة. وبغير هذه الأمور، وبغير هذا النوع من التعامل والأخلاق، لا يمكننا أن نخرج بسلام وبسلامة اليوم من زماننا الراهن المليئ بالمشكلات والأزمات.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG