09 تموز 2020م
آخر تحديث: 08 تموز
 
  رقم الخبر: 15917       تاريخ النشر: 10 رمضان المبارك 1441









 









 

في ليالي شهر رمضان العظيم 1441 للهجرة
الكلمة الثانية لسماحة المرجع الشيرازي دام ظله: الصوم الرفيع


تقرير: علاء الكاظمي
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
بالنسبة للصيام، ورد عن أهل البيت صلوات الله عليهم أحاديث متواترة، ومن ذلك، حديث سيّدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، قالت: (ما يصنع الصائم بصيامه إذا لم يصن لسانه وسمعه وبصره وجوارحه).

مراتب قبول الصيام

كل الصيام، وبالخصوص صيام شهر رمضان الذي له فضائل خاصّة وأجر خاص ودرجات خاصّة، يكون هناك مفطرات توجب بطلان الصوم، وتوجب قضاؤه إذا كان الصوم واجباً. وهذه المفطرات العشرة المذكورة في الكتب الفقهية والرسائل العملية، إذا أتى الصائم بأحد هذه المفطرات، لا عن نيسان، بل عمداً، يبطل صومه.

أما هناك مراتب القبول للصيام، ومراتب تسجيل هذا الصيام والثواب على هذا الصيام، يوم القيامة. والقبول بحاجة إلى ترك لكل المحرّمات، حتى لغير المفطرات العشرة.

كل المحرّمات توجب حبط الصوم، وحبط ثواب الصوم، (إنّما يتقبّل الله من المتّقين). فإذا أتى الإنسان بحرام في حال الصوم، وإن لم يك مفطراً، ولكن هذا يوجب حبط صومه إذا لم يترك.

كما هناك مرتبة عالية جدّاً، وهي ترك المكروهات حال الصوم. فبعض الأشياء التي لا يستحقّ الإنسان عليها العقاب، وبعض الأشياء لم يحرّمها الله عزّ وجلّ، وإنّما يكره الله تلك الأشياء، ويعبّر عنها في الروايات والكتب الفقهية بـ(المكروهات). فإذا ترك الإنسان كل المحرّمات وترك كل المكروهات، في وقت الصوم وفي طول لحظات الصوم، فهذا الصوم يكون له درجة رفيعة.

ملكة ترك المحرّمات والمكروهات

يمكن للإنسان أن يحصل على هذه الملكة، أي ترك كل المحرّمات وكل المكروهات، بأن يلزم عليه أن يعلم ما هي المحرّمات، وما هي المكروهات. ومن جملة ذلك الروايات الشريفة، ومنها الرواية المرويّة عن مولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله عليها التي ذكرناها آنفاً، حيث كان مما قالته صلوات الله عليها: (ما يصنع الصائم بصيامه). فالذي يصوم، ويترك الأكل والشرب وسائر المفطرات، ولكن يأتي ببعض المحرّمات، فما يصنع بهذا الصيام؟ وما الفائدة من هذا الصيام؟ وهذا النوع من الصيام هو يسقط التكليف عنه فقط، ولا يجب قضاؤه.

(فما يصنع الصائم بصيامه إذا لم يصن) ومعنى يصن يحفظ، أي لم يحفظ لسانه وسمعه وبصره وجوارحه. فإذا لم يأتي بمحرّمات اللسان مثل الكذب والغيبة والتهمة والنميمة ولم يؤذي الآخرين بلسانه، ويحفظ لسانه عن المحرّمات وعن المكروهات، ويحفظ سمعه عن المحرّمات والمكروهات، ويحفظ بصره عن المحرّمات والمكروهات، أي لا ينظر إلى ما لا يجوز وما يحرم عليه النظر، ويحفظ جوارحه، أي يحفظ كل أعضائه، ولا يأتي بشيء من المحرّمات والمكروهات.

الصوم الرفيع

في الوقت الذي يصوم فيه الإنسان ويمتنع عن الأكل والشرب وسائر المفطرات، فليجعل هذا الصوم صوماً له مرتبة رفيعة، بترك المحرّمات وترك المكروهات. وهذا الشيء قد يصعب، ولكن عندما ينتهي شهر الصيام، يكون هذا الإنسان قد أدّى ما عليه بمرتبة رفيعة، وفي الآخرة لا يحزن كثيراً، أو لا يحزن أصلاً، إذا كانت مراقبته ومحافظته جيّدة وجامعة.

إنّ كل أعضاء الإنسان، من بصره وسمعه واستشمامه وفمه وجلده ويده ورجله، معرّضة للمحرّمات، كأن يأخذ شيئاً من الحرام بيده، وهذا لا يجوز إذا كان في حال الصوم، وهذا يحبط عمله، لأنّ المتّقي يتقبّل منه، وهذا ليس متّقياً. وكذلك الذي يسرق، والذي يضرب غيره بغير حقّ، والذي يمارس بعض المحرّمات بيده، والذي يذهب إلى الحرام برجله. وعن هذا قالت السيّدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها: وجوارحه، أي كلّ الأعضاء.

لتنبيه الناس

في زمن الإمام الحسين صلوات الله عليه، وكان الإمام موجوداً في مكّة المكرّمة حيث قد ذهب إلى الحجّ أو العمرة، وقعت حادثة، وهي أنّه كان مجموعة من الناس يطوفون، وفي حال الطواف، وكانت امرأة تطوف وخلفها شابّ، فنظر إلى ذراع المرأة ووضع يده على ذراعها. وبمجرّد أن وضع الشاب يده على ذراع المرأة، التصقت يده بذراعها، وكلما أراد أن يفصل يده لم يتمكّن، وكلما أرادت المرأة أن تفصل ذراعها لم تتمكّن هي أيضاً. فأخبروا الإمام الحسين صلوات الله عليه، وأخذوهما إليه، فدعا الإمام الحسين صلوات الله عليه فانفصلت يد الشابّ وذراع المرأة.

هذا الأمر لا يكون دائماً، لأنّ الله تعالى يريد أن يختبر العباد. فالله تعالى أراد أن يترك الناس باختيارهم المعاصي، وأن يأتون بالواجبات باختيارهم. فأحياناً يكون أمثال ما حصل للشابّ وذلك لتنبيه الناس. ومن معاصي اليد أنّ الشخص الرجل يضع يده على يد امرأة ليست محرّما له، أو يضع يده بريبة على يد أمرأة هي محرم له كأن تكون أخته أو أمّه.

يجب صوم الجوارح

إذن، في حال الصوم، على اليد أن تصوم أيضاً، أي تجتنب المحرّمات، بل والمكروهات. وكذلك العين تجتنب عن النظر إلى الحرام، ويجتنب اللسان عن قول الحرام، وهذا الصوم يكون صوماً جيّداً. فما دام الإنسان يصوم فليلاحظ في أيّام الصيام أن تكون أعضاءه وجوارحه، كلّها مصونة عن المحرّمات، وكذلك يحاول أن يصونها عن المكروهات بالمقدار الذي يمكنه.

بالنتيجة: يأتي الأرحام والزملاء والأصدقاء، في الدراسة ومحلّ العمل، يأتون يوم القيامة تتفاضل أعمالهم. فأحدهم يكون صومه صوماً في درجة رفيعة، وآخر صومه في درجة أقلّ، فيتحسّر. فعندما ينتهي شهر رمضان، فإنّ الذي أدّى ما عليه في المرحلة العالية، بترك كل المحرّمات وكل المكروهات، هذا يكون أكثر موفّقاً، حتى في الدنيا.

ما دام الإنسان قد عزم على الصوم، فيصوم ويمتنع عن اللذّات من الأكل والشرب وغيرهما من المفطرات، فليمتنع عن اللذّات المحرّمة في غير المفطرات العشرة.

دقّة الإسلام في حقوق الناس

في حديث شريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أنّه قال: (ألا وأنّ الله عزّ وجلّ سائلكم عن أعمالكم حتى عن مسّ أحدكم ثوب أخيه بأصبعه أو بين إصبعيه)، أي من يضع قطعة من قماش قميص أخيه الذي جالس عنده بين إصبيعيه ويريد، مثلاً، أن يعرف هذا الثوب خشناً أو ليّناً، أو لكي يقتني مثله، فإذا كان صاحب الثوب والقميص لا يرضى بأنّ يمسّ ثوبه، فالله تعالى يسائل من مسّه في يوم القيامة. ولذا لا يجوز لشخص في أن يتصرّف في مال أخيه إلاّ برضاه، حتى بهذا المقدار من التصرّف الذي لا يضرّ الشخص، لأنّه بالنتيجة هو ماله، وتصرّف غيره في هذا المال يحتاج إلى رضا.

بلى، إنّ الإسلام دين سمح، ولكن في الوقت نفسه، وبالنسبة إلى الأمور الاجتماعية وغيرها، هو دقيق. فمسّ ثوب الشخص يكون حراماً من المحرّمات إذا لم يرض الشخص صاحب الثوب.

إذاً، ما دام الإنسان في شهر الصيام، ويصوم، فليعزم على ترك المحرّمات وترك المكروهات، وقبل ذلك يعرف ويتعلّم من الرسائل العملية ومن غيرها من الكتب المؤلّفة لذلك الأمر، أي أنّه ما هي المحرّمات، حتى يجتنبها.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّق الجميع للمراحل الرفيعة من الصوم.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG