06 تموز 2020م
آخر تحديث: 06 تموز
 
  رقم الخبر: 16043       تاريخ النشر: 2 شوال المكرّم 1441









 









 

في ليالي شهر رمضان العظيم 1441 للهجرة
الكلمة الحادية والعشرون لسماحة المرجع الشيرازي دام ظله: منطق الإسلام في الحرب


تقرير: علاء الكاظمي
 

بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
من روائع التعامل مع المنهزم بالحرب

بعد نهاية حرب الجمل، وانتصار الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وانكسار أصحاب الجمل، قتل جماعة من الطرفين وجرح آخرون وفرّ بقيّة الباقين من أصحاب الجمل، أمر الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعدّة أمور، منها، أن ينادوا:

أولاً: لا تجهّزوا على جريح.

ثانياً: لا تتبعوا مدبراً.

ثالثاً: من وجد ماله فليأخذه.

هذه الجمل الثلاث من الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، لا نظير لها في تاريخ الحروب، لا في ماضي الدنيا ولا في حاضرها، أي اليوم. فعادة في الحروب عندما ينتصر أحد الطرفين في الحرب، لا يحترم الطرف الآخر المنكسر، خصوصاً إذا كان المنكسر هو الذي أوجد الحرب. وكان موقف الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في حرب الجمل وغيرها من الحروب، موقف الدفاع فقط، وقد فرضت عليه حرب الجمل، وكما ذكرنا، بعدما هدّدوا الإمام وقتلوا من أصحابه، عدّة مرّات، وكان الذي بدأ بالحرب هم أصحاب الجمل، فأذن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه حينها بالدفاع فقط. ولما انتهت حرب الجمل، انتهى موضوع الدفاع، ولذا أمر أمير المؤمنين صلوات الله عليه أن ينادى بتلك الأمور الثلاث.

لا يُقتل الجريح

كان المراد من قول الإمام صلوات الله عليه: (لا تجهّزوا على جريح) أي لا تقتلوا من جرح واُصيب بالمعركة من جيش الجمل ممن سبّ الإمام وجاء لحربه وكان يأمل إن أمكنه أن يقتل الإمام ويقتل أصحابه، وربما الجريح قد قتل مجموعة من أصحاب الإمام ولكنه صار جريحاً. وعادة في الحروب يقتلون الجرحى من الطرف المقابل، لكن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه أمر بأن لا يقتلوا جريحاً كما كان يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع حروبه الدفاعية، وأمير المؤمنين هو نفس رسول الله صلوات الله عليهما وآلهما.

لا يُعقّب المنهزم

ثم المقصود من كلام الإمام صلوات الله عليه: (لا تتبعوا مدبراً) أي لا تتبعوا الذين لم يقتلوا من أصحاب الجمل ولم يصابوا وجعلوا ينهزمون ويفرّون. وعادة في الحروب، يعقب الطرف المنتصر الأفراد الذين ينهزمون ويفرّون من الطرف المنكسر، وإما يأخذهم أسراء أو يقتلونهم. لكن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه أمر بأن لا يتبعوا ولا يعقّبوا كل من فرّ وانهزم. وهذه فضيلة أخرى لا نظير لها إلاّ في تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله.

إرجاع أموال خاسر الحرب

أما معنى قول الإمام صلوات الله عليه: (من وجد ماله فليأخذه) هو مال أصحاب الجمل الذين فرضوا الحرب على الإمام، وقتلوا مجموعة من أصحاب الإمام. فأمر الإمام انّه إذا فرّوا وانهزموا ووجد بعضهم مالاً له باقياً في المعركة أن يأخذه. وهناك عدّة مفردات فريدة النظير في تاريخ الحروب التي وقعت في حرب الجمل، ومنها انّ واحداً من أصحاب الجمل جاء ووجد قدراً له بيد بعض أصحاب الإمام، فقال هذا لي، وأخذه، ولم يمانع أصحاب الإمام من ذلك، مع انّ أصحاب الإمام كان لهم أقرباء وأرحام وأصدقاء قد قتلهم أصحاب الجمل، وبعض من أصحاب الإمام قد اُصيب وجرح، ومع ذلك لم يمتنعوا، لأن الإمام أعلن بإرجاع المال إلى صاحبه. ومفردة أخرى انّ شخصاً جاء وادّعى بفرس له قد استعاره شخص منه، ولعل ذلك المستعير قد قتل أو فرّ، وبقي الفرس، فقال الإمام إذا أثبت انّ الفرس له فليأخذه. ومفردة أخرى: يقول عمّار بن ياسر الذي كان مع الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في حرب الجمل: شهدنا مع عليّ الجمل، فلما ظفرنا، فجعلنا نمرّ بالذهب والفضّة، أي الدنانير والفضّة، فلا نتعرّض لها. فهل يوجد لهذا نظير في تاريخ الحروب بالعالم؟

نبل لا نظير له

هذه الفضائل من الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهذا الخلق الرفيع، وهذا النبل الذي لا نظير له في التاريخ، يجب أن يُنشر في العالم، ويجب أن يحمل المؤمنون، وخصوصاً الشباب الغيارى، هذه الفضائل إلى الآخرين، سواء في البلاد الإسلامية أو في البلاد غير الإسلامية، حتى يعرف البشر الذين ليسوا بمسلمين، هذه الفضائل أيضاً، ولعلّ بعضاً منهم يتعلّمها.

إنّ الحرب ليست لإبادة الناس، بل هي في منطق القرآن الكريم وفي منطق الإسلام، وفي منطق رسول الله والعترة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين، هي دفاع عن النفس وعن العرض والمال وعن الأرض والوطن، أي مجرّد الدفاع. فإذا كان مجرّد الدفاع فلماذا يأخذون من أموال وممتلكات الطرف المقابل، وخصوصاً أنّ حرب الجمل كانت بين المسلمين الذين كانوا يصلّون ويصومون.

يجب على من يشعر في نفسه بالإنسانية أن ينقل هذه الأمور وينشرها، فإذا انتشرت الفضائل فبالنتيجة هناك من يعملون بها، وتكون الدنيا أقلذ مشاكل في المستقبل مما هي في الحاضر.

لردع الناس عن الرذائل

لو كان الناس المسملون يعملون بإسلام رسول الله وإسلام القرآن الكريم وإسلام العترة الطاهرة الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله باتّباعهم، ما كنّا نشهد المشاكل التي تعيشها البشرية كلّها اليوم، وخصوصاً المسلمون في بلاد الإسلام. فمنذ أكثر من نصف قرن، وأنا أتذكّر حرباً بعد حرب، وحرباً بعد حرب، وانقلاباً عسكرياً بعد انقلاب، في البلاد الإسلامية مع شديد الأسف، وذلك لأنّ الفضائل لم تُنشر بالمقدار المناسب والكافي، لردع الناس عن الرذائل.

إذن، يجب على الجميع نشر ذلك، ليصل إلى الناس بالبلاغ المبين أي الواضح، حتى بهذه النسبة وبهذا المقدار تقلّ المشاكل في المستقبل، إن شاء الله تعالى. وصلّى على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG