16 نيسان 2021م
آخر تحديث: 15 نيسان
 
  رقم الخبر: 17285       تاريخ النشر: 15 رجب المرجّب 1442









 









 

الإمام علي عليه السلام منهج الحق والعدل والمساواة


شبكة النبأ: (كان الإمام علي صلوات الله عليه يوصي ولاته بعدم التدخّل في عمليات البيع والشراء، ويجعلوا الاقتصاد حرّاً للجميع) سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

هناك من يتحامل على الماضي بحجة كونه إرث ثقيل، لكنه يتناسى عن جهل أو عمد أن التجارب الناجحة التي غالبا ما يكون الماضي مصدرا لها، بحيث لا يصح إهمالها، بل يجب أن يتخذ منها أصحاب الشأن نماذج ودروسا تطبيقية عميقة، يتعلموا منها طرائق الإدارة والسياسة وغيرهما من مجالات الحياة.

يُجمع المختصون أن منهج الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، يقوم على ثلاث ركائز مهمة هي الحق، العدل، المساواة، وبالتالي هي من ألَّبت عليه الأعداء، وحاولوا جاهدين البحث عن الثغرات لكي يطعنوا بسياسته وإدارته القائمة على الحق وإحقاقه، وصيانة العدل ونشره، وتعميم المساواة بين الجميع.

فلا محاباة في سياسة وإدارة الإمام علي صلوات الله عليه، ولا محسوبية ولا مجاملات على حساب العدل، الكفاءة والإخلاص والمؤهلات الجيدة هي الشرط الأول في التفضيل على الآخرين، مع مراعاة الوفرة التامة للعمل في ضوء تكافؤ الفرص بين الجميع.

لذلك يؤيد الأعداء قبل المنصفين بأن تجربة الإمام علي صلوات الله عليه جديرة بالتبصّر والاهتمام، لاسيما أن مساحة دولة المسلمين حينئذ تشمل مناطق واسعة تعادل عشرات الدول الحاليّة، ومع هذه السعة والمصاعب الإدارية الكثيرة، كانت حقوق الناس مُصانة ومحترمة، مع ضمان حياة حرة وكريمة للجميع، كل هذا تحقّق لأسباب يعرفها الأقدمون واللاحقون، حيث الحق والعدل والمساواة معايير تستند إليها إدارة الدولة دون محاباة.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، يشير إلى التجربة السياسية لحكومة الإمام علي صلوات الله عليه فيقول: (لقد سمح علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في أيّام حكومته بالمظاهرات ضدّه بدون أية إجراءات رسمية، وكان يلبّي مطالب المتظاهرين، وهذا ما لا تجده حتى في البلاد الحرّة).

عندما يغمض الحكام أعينهم عن التجارب اللامعة، وتدير الحكومات ظهورها لماضي التجارب الحكومية الناجحة، فأمر طبيعي تظل هذه الحكومات وحكامها يدورون في دائرة (فشل مغلقة)، يحدث هذا على الرغم من التنبيه المستمر (للحكام وحكوماتهم)، على أن السلطة وما تقدمّه من مغريات قد تلوث شخصية الحاكم وتوقِع حكومته في حبائلها، وهذا سوف يطيح بكل من لا يطلع على التاريخ ولا يستعين بتجاربه المتوهجة.

الامتيازات المغرية كالأموال والكنوز والجاه والقوة وكل المغريات الأخرى، يمكن أن يحصل عليها من يصل إلى السلطة هو وذووه ومؤيدوه، لاسيما إذا غابت معايير العدالة في توزيع الثروات، أو في غياب تكافؤ فرص العمل والتعليم والصحة وتطوير المهارات، وحصر ذلك بأبناء السلطة، واعتماد القرابة والمحسوبية والحزبية في منحها للمواطن.

لماذا فشلت حكومات العراق المتعاقبة


هذا للأسف ما حدث في العراق بعد إزاحة الحقبة الدكتاتورية من الحكم، ووصول المعارضين إلى دفة السلطة، فمن دخلوا في الميدان السياسي ونشطوا فيه على وفق الأسس الديمقراطية الجديدة، لم يستفيدوا من تجربة الإمام علي صلوات الله عليه، ولم يطّلعوا على تفاصيلها، وعلى سلسلة الخطوات الإدارية التي اتبعتها تلك الحكومة الناجحة، والتطور القائم على مبدأ العدالة الاجتماعية والمساواة، والأمثلة على ذلك كثيرة، حيث ساوى الإمام علي صلوات الله عليه بين أقرب الناس إليه وبين عامة الناس.

وكان على ساسة العراق لاسيما من امتلك زمام القيادة وإدارة الدولة، أن يأخذوا بالنصائح الكثيرة التي كانت (ولا تزال) تُهدى لهم حرصا على حاضر ومستقبل العراق، لاعتماد الحق والعدل والمساواة، وهي معايير حكومة وسياسة الإمام علي صلوات الله عليه لإدارة الدولة وشؤون الناس، وهي في كل الأحوال تصب في صالح الجميع.

فقد أكد سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) قائلا بأنه (في بداية أوّل حكومة في العراق بعد سنة 2003، قلتُ لبعض المسؤولين العراقيين: الآن لا يوجد علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بيننا، ولكن نهجه موجود فتعلّموا منه).

هذا القول ليس فيه غموض، لكن كان يحتاج إلى تبصّر والتزام، حتى لا تسوء الأمور في العراق، ويعد قول سماحته في أعلاه إشارة واضحة إلى أن المسؤولين بعد 2003 كان عليهم أن يتدبّروا تجارب الحكم السابقة لا تجربة الإمام علي صلوات الله عليه، كونها كانت أقرب من سواها إلى الديمقراطية، فالقائد الأعلى كان يتعامل مع الجميع وفق المبادئ التي تصون حريتهم وكرامتهم، وتمكنهم من قول آرائهم بالحكومة وسياساتها دونما خوف أو تردد.

وعلى الرغم من سعة جغرافية دولة المسلمين في عهد الإمام علي عليه السلام التي شملت منطقة الشرق الأوسط وسواه لتصل إلى أعماق أوربا وأفريقيا، فإن الحقوق السياسية ظلّت محمية، فلم تطارد الحكومة أحدا من مواطنيها، ولم تقبض على أحد ولم تقتل أحدا، كما أن خلوّ سجل الحكومة من سجين واحد، يدل على أن حكومة الإمام علي عليه السلام نموذجا لإدارة السلطة بنجاح، والتعامل مع مصالح المواطنين بمختلف انتماءاتهم.

كلما اتسعت رقعة الدولة وتمددت أطرافها، صار حكمها وإدارتها أصعب، وينطبق هذا على الزيادة في السكان أيضا، وكانت دولة المسلمين في عهد الإمام علي صلوات الله عليه واسعة جدا، بحث تعادل عشر دول معاصرة أو أكثر، ومع ذلك كانت السياسة الرشيدة والحكم الرشيد العادل، تدير شؤون المسلمين بسلاسة وأريحية، على الرغم من وجود المعترضين.

سماحة المرجع الشيرازي (دام ظلّه) يؤكد على أن:

(الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، حكمَ أكبر رقعة على وجه الأرض في زمانه، من خلال العراق والكوفة، في خمس سنوات، وشملت حكومته كل الشرق الأوسط باستثناء الشام التي كانت بيد معاوية، وامتدّت إلى عمق أوروبا وإلى عمق أفريقيا. وفي ذلك الوقت أي قبل (1400) سنة في حكومة علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، لم يوجد حتى قتيل سياسي واحد، ولا سجين سياسي واحد).

وباء الاقتصاد الريعي

المشاكل التي تواجه العراقيين وإدارة الدولة لا تنحصر أسبابها في أخطاء السياسة وحدها، فهنالك الاقتصاد حيث يتعرض هذا القطاع إلى كبوات متلاحقة، فمن المشكلات التي عانى منها العراقيون خلال السنوات الماضية تدخّل الدولة في الشؤون الاقتصادية، وتحويل الدولة إلى النمط الريعي.

لدرجة أصبح المواطن استهلاكيا من الدرجة الأولى، حيث توقفت الصناعة والزراعة، وصارت الدولة تعتمد على النفط كمصدر وحيد حتى شكّلت موارد النفط 90% من الميزانية، بحيث أصبحت الدولة ذات نمط اقتصادي ريعي أحادي يحمل الكثير من مؤشرات الانهيار.

أما أسباب التدهور الاقتصادي فيعود إلى أسباب كثيرة، منها تدخل الساسة في التجارة، والدخول في معاملات البيع والشراء، وإهمال المصانع والمعامل، وإغفال الزراعة والمزارعين، وهذا جعل الدولة مسيطرة على كل شيء، وجعل الحكومة تتحكم بكل شيء، وهو أمر لم يكن موجودا في حكومة الإمام علي صلوات الله عليه.

لذلك يذكّر سماحة المرجع الشيرازي (دام ظلّه) عسى أن تنفع الذكرى، فيقول:

(كان الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يوصي ولاته على الأمصار بعدم التدخّل في عمليات البيع والشراء، وأن يجعلوا الاقتصاد حرّاً للجميع، وكان يوصيهم بالمراقبة فقط).

في ذكرى ولادة الإمام علي صلوات الله عليه، حريّ بجميع قادة المسلمين، أن ينهجوا نهجه، ويطّلعوا على سياسية، ويتخذوا من المبادئ التي قامت عليها سياساته وإدارته، منهجا لإدارة شؤون المسلمين، أما في العراق الذي يعد بلد أئمة أهل البيت عليهم السلام، فلابد من العودة إلى هذه التجربة الغنية وتطبيقها، حتى ينجو العراق والعراقيون من مشكلاتهم السياسية والاقتصادية، وتُبنى دولتهم القائمة على مبادئ الحق، العدل، المساواة.
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG