23 حزيران 2017م
آخر تحديث: 22 حزيران
 
  رقم الصفحه: 172       تاريخ النشر: 04 كانون‌الثاني 2012م









 
 









 


تقريض سماحته على (دائرة المعارف الحسينية)

البادرة النادرة الشريفة

عنوان تـقريظ تـفضّـل به سماحة آية الله الحجة السيد صادق بن مهدي الحسيني الشيرازي




بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده ، والصلاة على من لا نبيّ بعده ، وعلى آله سادات الخلق أجمعين .

 

الإمام الحسين عليه السلام شاءت الإرادة الربانية أن يكون إستـثـناءً في تاريخ البشرية كلها ، بل في تاريخ المخلوقـات بأسرها ، فبالرغم من أن هناك أربعة أشخاص كل واحد منهم أعظم وأفضل من الإمام الحسين عليه السلام ، وهم : جدّه وأبوه وأمّه وأخوه عليهم السلام ، كما قال هو عليه السلام – يوم عاشوراء وهو يخاطب أخته العقيلة زينب الكبرى عليهما السلام - : " جدّي خير منّي .. أبي خير منّي .. أمي خير منّي .. أخي خير منّي " ، إلا أن الله تعالى جعل للإمام الحسين عليه السلام ما لم يجعله لغيره : فقد نعى الله تعالى الإمام الحسين لجبرئيل ، وعبره لأبينا آدم عليه السلام عند بدء خلقه ، وهكذا نعاه سبحانه إلى نوح والى إبراهيم والى موسى والى عيسى والى غيرهم من الأنبياء عليهم السلام ، كل ذلك من قبل أن يُخلق الإمام الحسين عليه السلام بألوف السنوات .

وقد وجّه الله تعالى الآلام والمحن والمصائب لأنبيائه عند ذِكر الإمام الحسين عليه السلام أو عند وصولهم إلى أرض كربلاء المقدسة لمجرد أنه سوف – وبعد ألوف السنين – ستـنزل المحن والمصائب والآلام بالإمام الحسين عليه السلام على هذه التربة .

فهذا آدم أبو البشر عليه السلام لما هبط إلى الأرض وطاف فيها ، فمرّ بكربلاء ، فاغتمّ وضاق صدره من غير سبب ، وعَثرَ في الموضع الذي قُتل فيه الحسين حتى سال الدم من رجله فرفع رأسه إلى السماء وقال : إلهي هل حدث منيّ ذَنْب آخر فعاقبتـني به فإني طفت جميع الأرض وما أصابني سوءٌ مثـل ما أصابني في هذه الأرض ، فأوحى الله إليه : يـا آدم ما حدث منك ذَنْبا ولكن يُقتـل في هـذه الأرض ولدُك الحسين ظلماً ، فـسال دمك موافـقة لدمه .

وهذا نوح نبي الله عليه السلام ، لما ركب السفينة ، فلما مرّت بكربلاء أخذته الأرض ، وخاف نوح الغرق فدعا ربه وقال : إلهي طفت جميع الدنيا وما أصابني مثل ما أصابني في هذه الأرض ، فنزل جبرئيل وقال : يا نوح في هذا الموضع يُقتـل سبط محمد خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء .

وهذا خليل الله إبراهيم عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام ، مرّ في أرض كربلاء وهو راكب فرساً ، فعثرت به وسقـط إبراهيم وشـجّ رأسه وسال دمه ، فأخذ في الاستغفار وقال : إلهي أي شيء حدث مني ، فنزل إليه جبرئيل وقال : يا إبراهيم ما حدث منك شيء ولكن هنا يقتل سبط خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء ، فسال دمك موافقة لدمه .

وهذا نبي الله إسماعيل الذبيح عليه السلام ، ترعى أغنامه بشط الفرات ، فأخبر الراعي أنها لا تـشرب الماء من هذه المشرعة منذ كذا يوم فسأل ربه عن سبب ذلك ، فـنزل جبرئيل وقال : يا إسماعيل سَلْ غنمك فإنها تجيبك عن سبب ذلك ، فقال لها : لِمَ لا تـشربين من هذا الماء ، فقالت بلسانٍ فصيح : قد بَلَغَنا أن ولدَك الحسين سبط محمد صلى الله عليه وآله وسلم يُقتـل هنا عطشاناً ، فنحن لا نشرب من هذه المشرعة حزناً عليه .

وهذا موسى بن عمران عليه السلام يدخل أرض كربلاء مع وصيِّه يوشع بن نون فتـنخرق نعله وينـقطع شراكها ويدخل الحسَك في رجليه ويسيل دمه ، فيقول : إلهي أيّ شيء حدث منيّ ، فيوحي الله إليه أن هنا يقتـل الحسين عليه السلام وهنا يُسفك دمه ، فسال دمك موافقة لدمه .



وهذا نبي الله سليمان بن داود عليه السلام يسير على بساطه في الهواء فيمرّ على أرض كربلاء ، فتدير الريح بساطه ثلاث دورات حتى يخاف السقوط ، فتسكن الريح وينزل بساطه في أرض كربلاء ، فيسأل الريح عن ذلك ، فتـقول : إن هنا يُقتـل الحسين عليه السلام .

ويظهر من العديد من الأحاديث الشريفة أن الله تعالى قلَّب كثيراً من المقايـيس من أجل الإمام الحسين عليه السلام مما لم يجعل نظيراً منها لغيره حتى في مجال التشريع واللغة ، أذكر أنموذجين في هذا المجال :

الأول : ( الأسوة ) في كتب اللغة بمعنى القدوة ، والقدوة تكون عادة من السابق للاّحق ، لا العكس ، ولكن في قصة الإمام الحسين عليه السلام ، انقلب هذا المقياس اللّغوي .

فـفي الحديث الشريف المروي بأسانيد عديدة وفي شتى الكتب المعتبرة عن الصادق عليه السلام أنه قال : إن إسماعيل الذي قال الله عَزَّ و جَلَّ في كتابه " واذكر في الكتاب إسماعيل انه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيّـاً " لم يكن إسماعيل بن إبراهيم ، بل كان نبيّاً من الأنبياء بعثه الله عَزَّ و جَلَّ إلى قومه ، فأخذوه ، فسلخوا فَرْوَة رأسه و وجهه ، فأتاه رسولٌ من ربّ العالمين فقال له : ربك يقرؤك السلام ويقول : قد رأيت ما صنع بك ، وقد أمرني بطاعتك فمُرني بما شئت ، فقال : يكون لي بالحسين بن عليّ أسوة .

الثاني : ذَكر العلاّمـة الأميني رحمه الله – صاحب الغدير – في تعلـيقه على كتاب " كامل الزيارات " للمحدِّث الثـقة الثبت جعفر بن محمد بن قولويه – رضوان الله عليهما - : وذهب غير واحد من الفقهاء والمحققين إلى جواز زيارة الحسين عليه السلام مع أي خوف وضرر لإطلاق النصوص – كما مرّت في بابها – ولعل التاريخ يملي علينا رؤوساً من عمَل الأصحاب على عهد الأئمة صلوات الله عليهم منضمّة بتـقريرهم له ، يؤكد ما اختاره المحققون ، ولقد حمل إلينا عن أولئك أنهم ما صدّهم عن قصد مشهد الحسين عليه السلام ما كابدوه من المُثْـلة والتنكيل والعقوبة بحبس وضرب وقطع يدٍ وهتـك حرمة ، وقابلوها بجأشٍ طامن ولبٍّ راجح وشوق متأكد ، وهذا كتابنا ينطق عليكم بالحق في حديث في زيارة ابن بكير وإتيانه لها من " أرجان " من بلاد فارس خائفاً مشفقاً من السلطان والسُعاة وأصحاب المسالح ، وهو من فقهاء الطائفة – كما في رجال الكشي – وفيما يأتي من حديث زيارة مثل محمد بن مسلم على خوفٍ وَوَجَل وهو أكبر ثـقة في الطائفة ، عدَّه الصادق عليه السلام من أوتاد الأرض وأعلام الدين ، وفي كلا الحديثين فضلاً عن تـقرير الإمام عليه السلام لفعلهما ، بيان ثواب جميل لهما بذلك ونصٌ على أن ما كان من هذا أشدُّ فالثواب على قدر الخوف ، وفي حديث مرّ في زيارة مثل الحسين اللّيثي الكوفي – الذي أطبق الأصحاب على ثـقته وجلالته – في زمان بني مروان ، في الشدّة وخوف القتـل وتـلف النفس – كما صرّح بذلك في حديثه – ويدلّ على مختار المحققين حديث هشام بن سالم ، الثـقة الجليل المروي عن الصادق عليه السلام ، وفيه تـفصيل بيان ثوابٍ عظيم لمن يُقتـل دون الحسين عليه السلام وأجر جميل لا يُستهان به لمن حُبس في إتيـانه وجزاء جزيل لمن ضُرب بعد الحبس في قصد مشهده ، إذن فلا نَدْحَةَ في تعميم الحكم على جميع ما ذكر " .

وهناك الكثير الكثير ، . ، والكثير الكثير ، . ، من أمثال ذلك في حق الإمام الحسين عليه السلام يجدها القارىء في " دائرة المعارف الحسينية " هذه ، وحيث إن الإمام الحسين عليه السلام إستـثـناء في التاريخ وفريد في الخلق ، كذلك ينبغي أن يكون الكتاب عنه استثناءً في قاموس الكتب وفريداً في التأليف .

وإنه لتوفيق عظيم من الله الكريم شمل حال المؤلف الجليل ، والمحقق المجيد سماحة حجة الإسلام والمسلمين الحاج الشيخ محمد صادق الكرباسي خَلَف العَلم الوَرِعْ الزاهد آية الله الشيخ محمد الكرباسي – قدِّس سرّه – على القيام بهذه البادرة النادرة بل الفريدة ، فلله دَرّه وعلى الله أجره ، ومع سيد الكونين الإمام الحسين عليه السلام برّه وحشره ، فهنيئاً له ذلك " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " والله وليّ التوفيق .



 

9/5/1417 هـ 22/9/1996م

ايران – قم المقدسة

صادق الحسيني الشيرازي



 

 



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG