26 حزيران 2017م
آخر تحديث: 25 حزيران
 
  رقم الصفحه: 227       تاريخ النشر: 29 كانون‌الثاني 2012م









 
 









 


نشاطات ثقافية تبليغية في أوروبا

من الأمور المعروفة في سيرة أهل البيت عليهم السلام كثرة تتبعهم لأحوال شيعتهم ومعايشتهم لمسراتهم ومضراتهم عبر العصور المختلفة، والشواهد على ذلك كثيرة، منها: ما ورد عن رميلة ـ أحد صحابة أميرالمؤمنين سلام الله عليه ـ قال: «وعكت وعكاً شديداً في زمان أمير المؤمنين سلام الله عليه فوجدت من نفسي خفة في يوم الجمعة وقلت: لا أعرف شيئاً أفضل من أن أفيض على نفسي من الماء وأصلّي خلف أمير المؤمنين سلام الله عليه، ففعلت ثم جئت إلى المسجد، فلما صعد أمير المؤمنين المنبر عاد عليَّ ذلك الوعك، فلما انصرف أمير المؤمنين سلام الله عليه ودخل القصر دخلت معه، فقال: يا رميلة! رأيتك وأنت متشبك بعضك في بعض، فقلت: نعم وقصصت عليه القصة التي كنت فيها والذي حملني على الرغبة في الصلاة خلفه. فقال: يا رميلة ليس من مؤمن يمرض إلا مرضنا بمرضه ولا يحزن إلا حزنّا بحزنه، ولا يدعو إلا أمّنا لدعائه، ولا يسكت إلا دعونا له. فقلت: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك، هذا لمن معك في القصر، أرأيت من كان في أطراف الأرض؟ قال: يا رميلة، ليس يغيب عنا مؤمن في شرق الأرض ولا في غيرها». بحار الأنوار ج26 ص140.
 
وعن أبي الربيع الشامي قال: «قلت لأبي عبدالله سلام الله عليه: بلغني عن عمرو بن الحمق حديث، فقال: إعرض، قال: دخل على أمير المؤمنين سلام الله عليه فرأى صفرة في وجهه، فقال: ما هذه الصفرة؟ فذكر وجعاً به، فقال له علي سلام الله عليه: إنا لنفرح لفرحكم، ونحزن لحزنكم، ونمرض لمرضكم، وندعو لكم، وتدعون فنؤمّن. قال عمرو: قد عرفت ما قلت ولكن كيف ندعو فتؤمّن؟ فقال: إنا سواء علينا البادي والحاضر فقال أبو عبدالله سلام الله عليه: صدق عمرو». بحار الأنوار ج26 ص140-141.
وقد أكد أهل البيت عليهم السلام على شيعتهم خاصة أن يتحلّوا بهذه الخصلة المهمة بأن يهتموا في حلّ مشاكل الآخرين ويتفقدوا أحوالهم وأوضاعهم ويعايشوهم أفراحهم وأتراحهم، ولقد جرت سيرة علمائنا الأبرار على هذا، والشواهد على ذلك كثيرة يطول المقام بذكرها، حيث حرص العلماء الأعلام وفي مقدمتهم المراجع الكرام على تفقد المسلمين في مختلف أنحاء العالم حيث إنهم يرسلون الوفود والوكلاء إلى شتى أنحاء العالم ليتفقدوا أوضاع الناس ويشاركوهم أفراحهم وأتراحهم ويحلوا مشاكلهم.
وفي العصور الأخيرة وعلى أثر هجرة كثير من المسلمين إلى بلاد الغرب بادرت المرجعية الرشيدة إلى إرسال الوكلاء والوفود وحثّت العديد من العلماء والمبلّغين إلى السفر للغرب للاطلاع على أوضاعهم والتبليغ الديني ونشر معارف أهل البيت عليهم السلام بين أوساطهم، ومن المبلغين الذين زاروا الدول الغربية للتبليغ ونشر معارف أهل البيت عليهم السلام وتفقّد المسلمين فيها فضيلة الخطيب حجة الاسلام والمسلمين الشيخ جلال معاش ـ دام عزّه ـ الذي زار أكثر من دولة غربية بإيعاز من المرجع الديني آية الله العظمى السيدصادق الحسيني الشيرازي دام ظله وحثّه الدائم على تفقد المسلمين في العالم.
ونظراً لأهمية النشاطات التي قام بها فضيلة الشيخ جلال معاش، حرصت مجلة (النفحات) على استضافته في حوار صريح حول أوضاع المسلمين في الغرب وطبيعة الواقع الإسلامي هناك وغير ذلك من الأمور الأخرى، فأهلاً وسهلاً بسماحة الشيخ في هذا اللقاء.
الشيخ جلال: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين، في البدء أقدم جزيل الشكر والامتنان للإخوة في مجلّة النفحات على إتاحتهم هذه الفرصة كي أنقل بعض التجارب التي عشتها في فترة تبليغي، وأسأل الله تعالى أن يوفّقنا لمزيد الخدمة من أجل نشر مذهب أهل البيت عليهم السلام والسعي من أجل تثبيت عقائد الموالين في مختلف بلاد الغرب.
س: لا بأس أن تذكر لنا نبذة مختصرة حول سيرتكم الشخصية؟
الشيخ جلال: ولدت في مدينه كربلاء المقدسة في العراق، ودرست الدراسة الأكاديمية فيها إلى أن اعتقلت ضمن الذين اعتقلوا في مسيرة وعزاء (الركضة) يوم عاشوراء عام 1400 للهجرة، ثم هاجرت إلى إيران فالتحقت بحثٍّ من سماحة المرجع الشيرازي الراحل قدس سره بالحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة سنة 1402 هجرية، فدرست فيها وأكملت دراستي من المقدمات إلى السطوح حتى البحث الخارج، وكان اهتمامي بالتبليغ الديني منذ بدايات دراستي الحوزوية، حيث سافرت إلى بعض الدول للتبليغ الديني فيها.
ثم هاجرت إلى سوريا في جوار عقيلة الهاشميين السيدة زينب سلام الله عليها حيث أسسنا مؤسسة الإمامة الثقافية للطباعة والتحقيق ونشر الكتب الإسلامية، وشاركنا في مشاريع مختلفة منها السعي في تشييد المؤسسات والمشاريع الدينية كالمساجد والحسينيات والمكتبات، خاصة في الجمهورية العربية السورية بالتنسيق مع مؤسسات عديدة منها: هيئة محمد الأمين صلّى الله عليه وآله ولجنة سيد الشهداء سلام الله عليه ومؤسسة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله.
إضافة إلى ذلك كان لنا دور في القضايا والبحوث العقائدية، حيث كنا نعتني بقضايا التشيع ونشر عقائد أهل البيت عليهم السلام وإرسال المبلّغين للقرى المختلفة في سوريا.
وكان لنا أيضاً دور أيّام النظام الطاغوتي البائد في العراق، حيث كنّا نرسل الكتب المتنوّعة لإخواننا العراقيين داخل العراق، وغير ذلك من النشاطات التبليغة.
وقد وُفّقنا بحمد الله تعالى لتأليف أكثر من مؤلف منها: كتاب«666 مسألة في بلاد الغرب»؛ «الحسين والوهابية»؛«وفاجعة البقيع».
س: هل للمرجعية الرشيدة دور في نشاطاتكم؟
الشيخ جلال: في الحقيقة إن لتوجيهات المرجعية الرشيدة الأثر الأكبر في توجّهنا نحو التبليغ في بلاد الغرب، فهي التي حثّتنا باستمرار إلى العمل والخدمة إلى جانب طلب العلم، ودائماً كانت تدعونا إلى التبليغ الديني والسعي لإنقاذ المسلمين في شتى أنحاء العالم خاصة الذين يقطنون في الغرب.
وعلى أثر هذا الحثّ الشديد لنشر التشيّع سافرت عام 1994م إلى بريطانيا، ودعيت إلى هولندا _ أيام محرم الحرام _ في عام 1999م، وأتذكّر أنني اتصلت بالمرجع الشيرازي الراحل قدس سره هاتفياً من السويد وطلبت منه أن يرشدني ويتحفني بنصائحه، فأوصاني بنشر فكر أهل البيت عليهم السلام في الغرب، وقد حدَّثتُ بعض المراجع العظام والعلماء الأعلام إثر رجوعي من هناك عن تعطّش الناس في تلك البلاد لفكر أهل البيت عليهم السلام.
كذلك سافرنا أخيراً في جولة تبليغية إلى الغرب إستجابة لأمر سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، وتفقّدنا أوضاع الشيعة هناك، وزرنا كثيراً من وكلاء المراجع والشخصيات الدينية والمؤسسات والمراكز الإسلامية، ونقلنا لهم وصايا سماحة المرجع وحثّه الشديد على نشر معارف أهل البيت عليهم السلام.
س: كيف رأيتم الغرب إثر جولاتكم التبليغية إليه؟
الشيخ جلال: هناك جوانب مهمة في الغرب، منها: حالة الحكومات الغربية، وحالة المسليمن المقيمين فيه، فضلاً عن الجمهور الغربي.
أما الحكومات الغربية فأول ما راع انتباهي حقيقةً هو كيفية تقدّمهم علينا بعد أن كنّا نحن المتقدمين والأسياد، وقد حرصت كثيراً على معرفة النقاط الأساسية في تقدمهم وتفوّقهم علينا.
أمّا الجمهور الغربي فرغم طيبته وبساطته إلا أنه يغلب عليه شدة الفراغ الروحي والعقائدي والثقافي والأخلاقي، وهوجمهور متنفّر من الإسلام بسبب الحرب الإعلامية التي شنّت هناك ضد الإسلام والمسلمين، والتي ساعد على إذكائها المنهج السلفي الوهابي هناك.
أما المسلمون في الغرب فيمكن تقسمهم إلى ثلاثة أقسام:
1. المنغلقون: وهم الذين انغلقوا على أنفسهم كي لا يتأثروا بالغربيين، فلا يختلطون بالمجتمع الغربي ولا يحتكّون به، وكثير منهم يعاني من مشاكل مختلفة.
2. المتأثرون بالغرب: حيث تأثر كثير من المسلمين المهاجرين بالمجتمع الغربي وحصل لهم حالة من الذوبان يسبب الحرية النسبية التي حصلوا عليها بعد سنين من الحرمان والمعاناة من الحكومات الظالمة في بلادهم الأصلية.
3. المتعقّلون: وهم قلّة، حيث توجد هذه الشريحة من المسلمين في الغرب وتستفيد من الفرص المتاحة لها وحصل لها، حالة مانسمّيه بالاندماج مع المجتمع الغربي دون الذوبان فيه، والشواهد على ذلك كثيرة منها: إقامة بعض المسلمين علاقة مع الأحزاب في الدول الغربية التي عانى المسلمون منها كثيراً من المضايقات على أثر مقاطعتهم لها خصوصاً المتطرفة التي انطلت عليها خدعة: أن الإسلام دين الإرهاب، وأخذت تحارب المسلمين وتضيّق عليهم عيشهم، وذلك بعد تنفّذها ووصولها إلى مراكز القرار الرفيعة في السلطات، ما جعل بعض المسلمين في الغرب يعيد النظر في علاقاته مع أمثال هؤلاء وبكلّ تعقل، وكذا الاستفادة من المجالات العلمية كالدخول في الجامعات والحصول على الشهادات العليا والاستفادة من القوانين الغربية لخدمة الإسلام بتأسيس المؤسسات وباقي الخدمات الاجتماعية والإنسانية و... .
س: على أيّ المجالات اعتمدتم في نشاطاتكم التبليغية في الغرب؟
الشيخ جلال: كانت سفرتي الأولى إلى الغرب سفرة استطلاعية، وقد شرعت العمل مع الشيعة الموجودين في البلاد الغربية التي زرتها، بعد ملاحظتي لقلّة المؤسسات الدينية فيها وضعف الموجودة منها، فشجّعت بعض الأصدقاء على تأسيس المؤسسات الفاعلة والقوية في تلك المناطق ولقد استجابوا لذلك والحمد الله.
س: ماهي المراكز أو المؤسسات التي كانت لكم يد في تأسيسها أو تفعيلها؟
الشيخ جلال: بالنسبة لسفرتي الأولى كانت نشاطاتي مقتصرة على تفعيل الأجواء وتحفيز المؤمنين نحو العمل الديني، فعقدت من أجل ذلك العديد من الندوات والجلسات المختلفة فضلاً عن مجلس العزاء الذي كنت أرتقي منبره في هولندا خلال العشرة الأولى من شهر محرم الحرام، وأما في سفراتي الأخيرة فقد ركّزت على بعض النشاطات الدينية و الثقافية منها:
*زيارة المراكز الثقافية الإسلامية والاطلاع على برامجها.
*إلقاء المحاضرات الدينية الثقافية في هذه المراكز.
*عقد جلسات الحوار والتصدي للإجابة على أسئلة الموالين المتنوعة، وقد عرضت بعضها على سماحة المرجع الديني السيد صادق الشيرازي دام ظله وأجاب عليها وطُبعت بشكل كتاب تحت عنوان: ستمائة وستة وستين مسألة في بلاد الغرب.
بالإضافة إلى ذلك كله كنت دائماً أبلّغ الموالين في الغرب إرشادات ووصايا سماحة المرجع الشيرازي دام ظله من الإخلاص لله تعالى ونشر مذهب أهل البيت عليهم السلام، والأخلاق الحسنة، وغير ذلك، وحقيقة كنت ألمس إثر نقلي للمؤمنين وصايا المرجعية تفاعلهم واعتزازهم بالمرجعية الرشيدة التي لم تغفل عنهم رغم بعد المسافة، وبالمقابل كنت أحمل تحيات وأشواق وشكر الموالين في الغرب لسماحته على الاهتمام البالغ بهم.
س: ماهي المراكز والمؤسسات التي زرتموها في تلك البلاد؟
الشيخ جلال: لقد زرت الكثير من المراكز الدينية في مختلف بلاد الغرب منها: بريطانيا وهولندا وبلجيكا وألمانيا وفرنسا والسويد والنرويج والدانمارك وفلندا و...، ولكن كان التركيز على الحسينيات والمراكز الإسلامية ومنها: حسينية الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه وحسينية الزهراء سلام الله عليها في السويد ـ استكهولم ـ ومركز الهدى الثقافي في النرويج، ومصلَّى الإمام الحسين سلام الله عليه في مدينة مالمو السويدية، والجمعية العراقية في هلسنيوري، وجمعية أهل البيت عليهم السلام في الدانمارك، وحسينية الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله في بريطانيا ـ لندن ـ وغير ذلك من المؤسسات والمراكز وهي كثيرة جداً إذ تعدّ بالعشرات، والتقيت بالعديد من الشخصيات المختلفة في تلك البلاد منها وكلاء سماحة المرجع الشيرازي دام ظله الذين يبذلون جهوداً كبيرة ومساعي طيبة من أجل التشيع هناك.
وقد نقل لي بعض المؤمنين هناك أنهم في بداية مجيئهم للغرب كانوا يشعرون بالغربة في هذه البلاد، وذلك لفقد المراكز والمؤسسات التي تحفظ لنا الأجواء الدينية والثقافية، أما اليوم فلم نعد نشعر بهذه الغربة بسبب كثرة ما شيّد من مراكز ومؤسسات إسلامية، قد يبلغ عددها خمسين مركز حسينية أعادت علينا تلك الأجواء المفقودة.
س: ما هي رسالة المرجعية للمؤمنين في الغرب؟
الشيخ جلال: إن من أخلاقيات المرجع الشيرازي دام ظله متابعة الموالين في العالم، ودائما يحثّنا على تفقد المؤمنين وحلّ مشاكلهم وتشجيعهم على العمل الديني وحمل رسالة أهل البيت عليهم السلام للعالم الأكبر، وقد ذكرت وصاياه المعروفة من الإخلاص لله تعالى وخدمة الناس والأخلاق الحسنة وغير ذلك آنفاً.
س: نقلتم بعض الشيء حول انطباع الموالين عن رسالة المرجعية الرشيدة إليهم، فيا حبذا لو تفضلتم بنقل المزيد عن هذا الانطباع؟
الشيخ جلال: نقلت لكم بعض الصور عن تقدير الناس في الغرب إزاء اهتمام المرجعية الرشيدة بهم، ولكن يبقى أن أشير إلى قضية مهمة وهي حضور المرجعية الشيرازية في الغرب بمؤسساتها ومراكزها وما شابه؛ الأمر الذي جعل كثيراً من الموالين يعتزّ بهذه المرجعية التي تسعى بشتى الطرق إلى حفظ عقائدهم وتنمية ثقافتهم الدينية وتقوية علاقتهم بأهل البيت عليهم السلام. فمن يزور الغرب يلاحظ ـ إلى حدّ ما ـ خدمات متنوعة من مؤسسات ومشاريع ثقافية وخدمية للطبقات كافة وللجميع سواء أكانوا رجالا أم نساء أم أطفالاً، فيكنّ بالغ الاحترام لمثل هذه المرجعية التي تعتني بهم بهذه الكيفية.
س: ما هي مشاكل الشيعة في الغرب كما رأيتموها؟ وكيف يمكن حلّها بنظركم؟
الشيخ جلال: أتصور أن الوصايا التي طالما أكّدها المرجع الشيرازي تحلّ مشاكل المسلمين في الغرب بمستوى كبير، إذ تتمثل مشاكلهم في:
• مشكلة المرأة، خاصة الزوجات والفتيات.
• معاناة الشباب.
• معاناة الأسرة.
• مشكلة التعايش والإندماج مع المجتمع الغربي.
ففي الغرب وبعد أن خرج الموالون لأهل البيت عليهم السلام من الأجواء التي كانوا يعيشونها في البلاد الإسلامية وانخرطوا في أجواء غير دينية، أصبحوا بحاجة إلى تحصّن ديني قويّ يحميهم من الانحراف والتأثر بمثل هذه الأجواء الفاسدة، فمثلاً النساء والفتيات وجدن الدعم التام من الحكومات في كل أعمالهن ولهن الأولوية في كثير من الأمور مما يجعلهن عرضة للخطر الكبير.
فالمرأة في الغرب يمكن أن تقوم بما تريد والحكومة تدعمها بقوة في ذلك، وهذا ما يجعلها عرضة للانحراف ودخول أجواء الفساد الموجودة هناك بكلّ بساطة وسهولة من دون رادع يذكر.
وكذا الحال بالنسبة للفتيات والشباب والعوائل التي أصبح الكثير منها يعاني من مشاكل الاختلاط بالمجتمع الغربي والتأثر بما عنده من أخلاقيات وعادات بعيدة عن الإسلام وتعاليمه.
ومجمل هذه الأمور تستدعي أن نؤمّن للمسلمين في الغرب الأجواء الإسلامية البديلة كي ينشغلوا بها ويبتعدوا عن الأجواء غير الدينية، وهنا تتجلى فائدة وصايا المرجع الشيرازي دام ظله التي يحثّ فيها بإستمرار على خلق الأجواء الإسلامية في الغرب بتأسيس المؤسسات والمراكز الدينية التي تساهم بقوة فاعلة في إيجاد أجواء مناسبة لمحافظة على الأسرة المسلمة المغتربة من التفسخ والتحلل بالاندماج مع تلك المجتمعات اللادينية مع التأكيد بأن يمارس جميع أفرادها دورهم الاجتماعي في الإطار الشرعي خصوصاً المرأة، فتأكيد المرجعية الرشيدة حول شغل الأسر في الغرب بالأجواء الدينية ومحاولة الإتصال الدائم بالمراكز الإسلامية يهدف إلى حفظ الأسرة المسلمة في البلاد الغربية.
س: هل للمراكز الدينية في الغرب دور في حلّ هذه المشاكل؟
الشيخ جلال: نعم، ولكنه دور ضعيف نظراً لانشغال الشباب بالعمل، والفتيات بالدراسة والمدرسة وعدم إتاحة الفرصة لهم كي يزوروا هذه المراكز الدينية إلا في أيام العطل الرسمية التي عادة ما يؤثرون فيها الاستراحة، ناهيك عن تأثر الأبناء باللغة الأجنبية بشكل كبير وإتقانهم لها وعدم إتقان الوالدين لها مما يخلق فجوة كبيرة بينهم، فالأبناء يفضّلون الثقافة الغربية التي يستلهمونها من المدارس الأجنبية بينما يخاطبهم الآباء بلغة وثقافة أخرى تختلف تماماً عن هذه اللغة وهذه الثقافة، مما يخلق بوناً شاسعاً ومشاكل كثيرة وكبيرة بين الوالدين وجيل الأبناء، فهذا الاختلاف في لغة الخطاب بين الوالدين وأبنائهم، وعدم وجود من يخاطبهم بلغة العصر وأسلوب جديد سبَّب كثيراً من الإشكالات المستعصية، ولم يقتصر هذا على الآباء فقط بل حتى الخطباء والمبلغون سقطوا فيه، لذا ينبغي أن يتقنوا لغة العصر ويخاطبوا الناس في الغرب بلغة عصرهم الذي يعيشون فيه، إذ لايجيد أكثر أبنائنا المغتربين _ خصوصاً الذين وُلدوا في الغربة _ اللغة العربية لغتهم الأم، لذلك تجدهم لا يتفاعلون مع الخطاب بها أبداً.
س: ما هي المشاكل التي واجهتكم في العمل التبليغي؟
الشيخ جلال: أكبر مشكلة واجهتُها هي مسألة الانقطاع عن المسلمين، فالمهاجرون يعيشون في عالم ونحن نعيش في عالم آخر، ولذا عانيت في البداية من مشكلة التأقلم معهم ودرك أجوائهم ومشاكلهم، الأمر الذي أوجب وجود الفاصلة بيني وبين المجتمع الذي أبلّغ فيه، فركّزت في خطابتي على مخاطبة الناس بلغة سهلة مبسطة علَّني أوفَّق لتجاوز هذه المشكلة ووُفِّقت في ذلك؛ إذ ليس من الصحيح أن يخاطب المبلّغ الناس في الغرب بلغته التي أخذها من بلاده.
من هنا يجدر بكلّ من يذهب للعمل الديني هناك إتقان لغة المخاطبين والاطلاع جيداً على أجوائهم وظروفهم ليتمكّن من مخاطبتهم وجذبهم والتأثير عليهم، وإلا لو خاطبنا المؤمنين في بلاد الغرب بلغتنا وثقافتنا وطريقتنا الخاصة في بلادنا، لما تفاعلوا معنا أصلاً.
س: هل لكم مقترحات لحلّ قضية ابتعاد المقيمين في هذه البلاد عن لغتهم وثقافتهم الدينية؟
الشيخ جلال: دائماً كنت أحثّ الآباء والأمهات ـ حفظهم الله ـ بأن يسجلوا أبناءهم في مدارس إسلامية دينية، وأن يحرصوا على مشاركتهم في الدورات الدينية التي تقام هناك أيام العطلة الصيفية ويومي السبت والأحد من كل أسبوع، فضلاً عن زيارة البلاد الإسلامية، خاصّة التي فيها أماكن مقدسة ومراقد الأئمة الأطهار عليهم السلام والذهاب إلى حج بيت الله الحرام أو أداء العمرة بين فترة وأخرى.
س: هل توصون بالهجرة إلى الغرب؟
الشيخ جلال: إن سماحة المرجع الراحل أعلى الله درجاته هو أوّل من حث على الهجرة إلى بلاد الغرب، ولكنه أجاز الهجرة بشروط؛ منها: أن تكون لتبليغ التشيع ونشر ثقافة أهل البيت عليهم السلام وحفظ عقيدة المسلمين هناك والتمسّك بثقافة الإسلام، أما إذا كانت الهجرة على حساب العقيدة ومفضية إلى فساد الثقافة والذوبان في ذلك المجتمع فلا يشجِّع عليها ولم يجزها، والفقهاء ومراجع الدين حفظهم الله يحرمّون مثل هذه الهجرة.
س: سمعنا أنكم شاركتم في المؤتمر الإسلامي الذي عُقد في أوربا أخيراً، حبّذا لو تحدثتم لنا عنه بعض الشيء؟
الشيخ جلال: لا يخفى أن العالم الغربي قائم على المؤسسات وعقد المؤتمرات، لذا حثّ المرجع الشيرازي الراحل قدس سره في كتاباته حول الغرب على عقد المؤتمرات فيها وأشار إلى فوائدها المختلفة، ولكن مع الأسف الشديد مشكلة مؤتمراتنا أو مؤتمرات المسلمين هي: أنها تحتاج إلى المتابعة والتنفيذ لتكون قراراتها فاعلة ومنتجة... .
وعلى كلٍّ فقد عقدنا عدة مؤتمرات في بلاد الغرب بمساعدة الأصدقاء والإخوة المؤمنين منها مؤتمران في بريطانيا عُقد أحدها تحت عنوان (النهوض الشيعي المعاصر.. دراسة وتقييم)، ومؤتمران في دولة السويد بمدينة استكهولم، حيث أقيم مؤتمر تحت عنوان (الغرب _ العراق _ المرجعية) وغيرها من المؤتمرات، وقد خرجنا من المؤتمرات بنتائج جيدة حيث بحث الإخوة المشاركون الذين قدموا من عدة دول قضية علاقة المهاجرين بالمرجعية الرشيدة ومشاكل ومعاناة المراكز والمؤسسات الإسلامية في بلاد الغرب، والانقطاع بعضها عن بعض وعدم التواصل، وغير ذلك من القضايا.
س: على نطاق الغربيين هل لديهم توجّه نحو الإسلام؟
الشيخ جلال: ذكرت آنفاً أن غالبية المجتمع الغربي مجتمع طيّب. نعم، الحكومات الغربية تختلف بعض الشيء عن شعوبها...، وأما عدم توجه الغربيين نحو الإسلام فإنما يعود لضعف وسائل الإعلام والتبليغ لدينا رغم توافر الحرية النسبية وكثرة الإمكانات، بخلاف الآخرين كالحركة الوهابية والمنظمات المسيحية، فهم يستخدمون أفضل الوسائل والأساليب المتطورة لجذب الناس إليهم والتأثير عليهم.
بل إن كثيراً من الغربيين يعانون من الفراغ الروحي والمشاكل الأخلاقية الكبيرة وحتى العقائدية التي لم تحلّها لهم المسيحية ولا غيرها ولا يمكن أن يتخلّصوا منها إلا بعد تعرفهم بالتشيع وإرشادهم إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فلو دخلنا الغرب من بوابة الأخلاق والبرنامج الروحي لأقبل الغربيون نحو التشيع ودخلوا الإسلام أفواجاً.
هذا مع العلم أن سلوك وتصرفات بعض المسلمين له دور كبير في إعراض الغربيين عن التوجه نحو الإسلام، حيث إن كثيراً منهم يخالفون تعاليم الإسلام جهاراً ويرتكبون كثيراً من المخالفات البعيدة عن تعاليم الرسالة المحمدية، الأمر الذي نفّر الآخرين من الإسلام؛ أضف إلى ذلك أن التبليغ الإسلامي الضعيف بأساليب بسيطة لا تناسب ثقافة الغربيين وتختلف عن أجوائهم جعلهم لا يتفاعلون مع الأجواء ويُعرضون عن التوجه نحو الإسلام، لاسيما تصرفات من يدَّعون الإسلام كالوهابية الذين رسموا صورة سلبية عن رسالة الإسلام والمسلمين.
س: ماذا عن سفركم إلى تركيا؟
الشيخ جلال: تركيا من الدول الإسلامية المهمة تاريخياً وحضارياً، وفيها من الشيعة والعلويين زهاء ثلاثين مليون نسمة، ونسبة المسلمين في هذا البلد 98 0/0 تقريباً، وقد شاهدت شخصياً أن كثيراً من الإخوة الأتراك بعيدون عن حقيقة الإسلام، وذلك لتركيز الحكومات على إقصائهم عن الإسلام، فضلاً عن جهلهم باللغة العربية لغة القرآن والأحاديث الشريفة بشكل كامل.
وقد لاحظت تعطّش الناس في تركيا للتشيع والتعرف على مذهب أهل البيت عليهم السلام رغم وجود المراكز الشيعية في المناطق المختلفة، ومن خلال استطلاعي الذي قمت به بتنسيق مع الإخوة في لجنة سيد الشهداء سلام الله عليه في الكويت وبإيعاز وإرشادت المرجع الديني السيد صادق الشيرازي دام ظله، ووجدت أيضاً أن الناس في تركيا عندهم توجه خاص نحو التشيع، وتأثير بعض الكتب الموزَّعة من قبل بعض الأصدقاء وسائر المؤسسات الإسلامية هناك له دوره في هذا التوجّه، ناهيك عن بعض المؤسسات الدينية التي شيدت على يد بعض المؤمنين.
الجدير ذكره أنني عندما كنت أتحدث لهم عن معاناة الشيعة في العراق من التهجير والقتل والذبح والتفجير بسبب ولائهم لعلي بن أبي طالب وسائر أئمة أهل البيت عليهم السلام كانوا يصرحون قائلين: إننا نتألم ونبكي لما يجري على الشيعة في العراق .... وفي سفرتي الأخيرة إلى تركيا مع أخي العزيز الرادود الحسيني الحاج باسم الكربلائي والشاعر الأديب جابر الكاظمي شاهدنا تفاعل الجمهور التركي مع الكلمات التي ألقيت حول أمير المؤمنين سلام الله عليه في ذكرى ميلاده الأغرّ، ولكن مع ذلك فإن المراكز والمؤسسات الموجودة في تركيا قليلة جداً في مقابل العدد الهائل المتعطش للتشيع، لذا ينبغي أن نضاعف اهتمامنا بقضايا تركيا المسلمة ونحرص على إيصال صوت أهل البيت عليهم السلام بشكل أكبر وأوسع.
س: إذا كانت لكم كلمة أخيرة فتفضلوا بها؟
الشيخ جلال: أرجو من الإخوة العاملين في مجال التبليغ الديني أن لا يقيّدوا أنفسهم بمناطق معيّنة أو بلاد خاصة، بل ينبغي أن يجوبوا العالم وينشروا فكر أهل البيت عليهم السلام، فإن هناك تعطّشاً شديداً للتشيع في العالم أجمع، حتى أن أحد المثقفين في سوريا خاطبني قائلا: أنتم ظالمون!، ولما سألته عن السبب؟ قال: لأنكم لم توصلوا إلينا هذا النهج القويم، فنحن لا نعرف شيئاً عن أهل البيت عليهم السلام، ثم أطلب من المرجعيات الدينية المباركة والمؤسسات الإسلامية العامة في البلاد الإسلامية كافة الاهتمام بالجاليات الإسلامية في بلاد الغرب ودعمهم ثقافياً ودينياً... .
س: في الختام نشكركم سماحة الشيخ جلال على هذا اللقاء ونسأل الله تعالى أن يوفقكم لما يحب ويرضى.
الشيخ جلال: وأنا كذلك أشكر الإخوة المسؤولين في مجلة النفحات المباركة على إتاحتهم لي هذه الفرصة كي أنقل بعض تجاربي في العمل الديني وأرجو لكم دوام التوفيق والنجاح، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أهل بيته الطاهرين.



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG