22 آب 2017م
آخر تحديث: 22 آب
 
  رقم الصفحه: 229       تاريخ النشر: 29 كانون‌الثاني 2012م









 
 









 


تقرير عن حوزة كربلاء المقدسة (مدرسة العلاّمة ابن فهد الحلّي قدس سره)

في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ازدحمت مدينة كربلاء المقدسة بقوافل الزائرين والوافدين من كل حدب وصوب لزيارة مرقدي الإمام الحسين وأخيه العباس سلام الله عليهما، والسكنى على أرضها المقدسة، بقصد التبرك بترابها الطاهر.
وكان السادة العلويون من ذرية الإمام موسى الكاظم سلام الله عليه في طليعة النازحين والمجاورين للحائر الحسيني سنة 247 هـ أي بعد مقتل المتوكّل العباسي الذي كان حجراً عائقاً في طريق الوافدين، حيث منح ولده المنتصر حرية الزيارة للزوار بعد مقتل أبيه.
ومنذ ذلك الحين صارت كربلاء المقدسة تُسكن، وتتضح معالمها الدينية والاجتماعية والاقتصادية، فاتسعت تجارتها وأينعت زراعتها وازدهرت العلوم والآداب فيها، بفضل نبوغ المؤسس الأول للحوزة في كربلاء وهو الزعيم الديني حميد بن زياد المتوفى سنة 310هـ، حيث إنه تبنى موضوع تدريس الفقه والمسائل الشرعية لأبنائها، فاتسعت الحركة العلمية فيها وصار طلاب العلم يقصدونها من مختلف المدن.
عضد الدولة البويهي وتعظيم الشعائر
وفي سنة 371 هـ اتسع عمران كربلاء، وكان أول من عظم شعائر الحائر هو عضد الدولة البويهي، ثم سار البويهيون على نهجه حيث اعتنوا بكربلاء فازدهرت في عهدهم وتحسّن حالها، وزارها كبار رجال الحديث والسير، وقصدها الناس وأهل النفوس الظمأى للفضيلة من مختلف البلاد الإسلامية لينهلوا العلم من منهلها العذب.
ومن ثم انتقلت الحركة العلمية والدينية إلى النجف الأشرف حيث وفدها الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي من بغداد وذلك في أواسط القرن الخامس الهجري أي في سنة 443 هـ، وبثّ الحركة فيها، وفي هذا القرن بالذات نبغ في كربلاء الشيخ هشام بن الياس الحائري صاحب (المسائل الحائرية) المتوفى في حدود سنة 490 هـ، وابن الحمزة عماد الدين الطوسي صاحب كتاب (الوسيلة).
وكانت مدينة الحلة آنذاك عاصمة للعلم محتفظة بزعامتها العلمية والدينية، وقد برز فيها علماء كثيرون يشار إليهم بالبنان، أمثال ابن إدريس والمحقق وأسرته الكرام من بني سعيد وابن عمه يحيى بن سعيد صاحب كتاب (الأشباه والنظائر)، وآل طاووس، وآل المطهر كالعلامة وأبيه سديد الدين وولده فخر المحققين وغيرهم من الأساطين.
تطور الحركة العلمية في كربلاء المقدسة
وفي القرن السادس الهجري ظهر في كربلاء المقدسة رعيل من أهل الفكر والأدب وروّاد الحقيقة كابن المشهدي صاحب (المزار) المولود سنة 510 هـ، وتأسست فيها مدارس علمية تحت رعاية العلماء الزاهدين العاملين في مرضاة الله عزّ وجلّ.
أما في القرن السابع الهجري فقد لمعت في سماء كربلاء نجوم عديدة بهرت بنورها الأبصار، وكان من أشهر أعلامها السيد فخار بن معد الموسوي الحائري المتوفى سنة 630 هـ، والسيد عميد الدين عبدالمطلب بن السيد مجد الدين أبي الفوارس، وابن قمرويه الحائري وأمثالهم. ثم انتقلت الحركة العلمية إلى النجف الأشرف، وما لبثت أن رحلت إلى الحلة.
وفي منتصف القرن التاسع الهجري هبت نسمات الحركة العلمية على سماء كربلاء بسبب انتقال الزعيم الديني الشيخ أحمد بن فهد الحلي إليها، وفي ذلك الوقت بالذات برز فيها علماء انحنت لهم رقاب العظماء إجلالاً، منهم الشيخ إبراهيم الكفعمي المتوفى سنة 900 هـ والسيد حسين بن مساعد آل عيسى المتوفى سنة 910 هـ وغيرهما.
وقد استمرت الدراسة العلمية فيها حتى القرن الثاني عشر، وفي هذا القرن كانت كربلاء عاصمة للعلم ومنتجعاً لطلاّب المعرفة، إذ تعهدها وتبناها السيد نصر الله بن حسين الحائري الموسوي مدرّس الطفّ الذي استشهد في اسطنبول سنة 1168 هـ والشيخ مهدي الفتوني العاملي المتوفى سنة 1183 هـ والشيخ يوسف البحراني المتوفى سنة 1186 هـ، والوحيد الأغا باقر البهبهاني مؤسس الأصول والاجتهاد المتوفى سنة 1207 هـ، والسيد علي الطباطبائي صاحب (الرياض) المتوفى سنة 1231هـ . فكانت هذه المرحلة هي عصر للأغا باقر حيث انتهت إليه زعامة الحوزة، وكان يُعدّ المجدد للمذهب في القرن الثالث عشر، وفي زمانه ازدهرت العلوم والآداب وأثمرت دوحة العلم برعايته.
وفي القرن الثالث عشر أيضاً شهدت كربلاء المقدسة ظهور ثلة من فحول العلماء وأساطين الشيعة أمثال شريف العلماء وصاحب الفصول والسيد المجاهد والقزويني صاحب الضوابط والبرغاني، وامتد الحال حتى القرن الرابع عشر حيث لم تخلُ كربلاء المقدسة من العلماء الأعلام ومنهم السيد هاشم القزويني والميرزا جعفر الطباطبائي والسيد باقر الحجة الطباطبائي وصاحب ثورة العشرين الشيخ محمد تقي الشيرازي.
وفي العهود الأخيرة كانت الحوزة العلمية في مدينة كربلاء المقدسة أيضا تؤوي العديد من الفقهاء والعلماء أمثال السيد ميرزا مهدي الشيرازي والآقا حسين القمي والسيد الميلاني وغيرهم ممن آثروا جوار سيد الشهداء سلام الله عليه وحملوا أعباء الحوزة في مدينة كربلاء المقدسة.
ومن بعد هؤلاء الصفوة الأعلام تصدى المرجع الراحل سماحة آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي قدس سره لرعاية شؤون الحوزة في كربلاء وسعى كثيراً في تقوية الحركة العلمية فيها فأسس المدارس العلمية وحثّ رجال العلم على الاستيطان في هذه المدينة المقدسة، وبذل قصارى جهوده لحفظ الحركة العلمية في كربلاء المقدسة وتطويرها، فوفّق إلى حدّ ما في ذلك، إلا أن البعثيين لم يرق لهم ذلك فعمدوا إلى مضايقته بشدة حتى ألجأوه إلى مغادرة مدينة كربلاء والهجرة إلى الكويت.
الحوزة العلمية بعد البعثيين
وبعد سقوط حزب البعث في العراق وعودة كثير من المؤسسات الدينية إلى ممارسة نشاطاتها في العراق شهدت مدينة كربلاء المقدسة حركة علمية جديدة حيث بذل بعض أهل العلم ومن شهد لهم بالفضل جهودهم المباركة من أجل إعادة الحوزة والدراسة العلمية في كربلاء.
وفي طليعة الحوزات العلمية التي شهدت حركة علمية في العراق هي الحوزة العلمية الرائدة المجاورة لمرقد العالم الجليل النحرير ابن فهد الحلي قدس سره، وذلك بفضل العلامة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ عبد الكريم الحائري (حفظه الله) ومجموعة من رجال الدين ممن نذروا أنفسهم لنصرة العقيدة ونشر العلم في العراق بلد المقدسات المباركة.
ونظراً لأهمية هذه الحوزة المباركة ودورها الفاعل في تطوير الحركة العلمية في العراق وفي مدينة كربلاء المقدسة بالذات، آثر مسؤولو مجلة النفحات اللقاء بمسؤول الحوزة المجاورة لمرقد العالم الجليل ابن فهد الحلي قدس سره (سماحة العلامة الشيخ عبدالكريم الحائري) فأهلاً وسهلاً بك سماحة الشيخ في هذا اللقاء، وشكراً جزيلاً لكم على إتاحتكم الفرصة في هذا اللقاء كي ننقل للإخوة العاملين نبذة مختصرة عن نشاطاتكم في الحوزة العلمية في مدينة كربلاء المقدسة.
الشيخ الحائري: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله أجمعين، في البدء أقدّم جزيل الشكر والامتنان للإخوة العاملين في مجلة النفحات على هذه الضيافة وأسأل المولى تعالى أن يوفقهم لخدمة الدين ونشر معارف أهل البيت سلام الله عليهم في العالم.
س: قبل الحديث حول نشاطاتكم في إعادة الحركة العلمية في مدينة كربلاء المقدسة لا بأس أن تذكروا لنا نبذة مختصرة حول سيرتكم الذاتية؟
الشيخ الحائري: اسمي عبدالكريم الحائري من مواليد مدينة كربلاء المقدسة، وقد هُجّرنا على يد النظام البعثي البائد إلى إيران، ومنها بدأت مسيرتي العلمية في الدراسة الحوزوية المباركة حيث شرعت في الدراسة سنة أربعمئة وألف في مدينة قم المقدسة فتتلمذت على يدي الأعلام فيها في مختلف العلوم إلى أن وفقت للمشاركة في بحوث خارج الفقه والأصول.
أما الأساتذة الأعلام الذين تتلمذت عليهم فهم كثرة منهم سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي دام ظله، والمرجع الديني آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله، وآية الله العظمى الشيخ الميرزا جواد التبريزي قدس سره، وآية الله الشيخ الهرندي وغيرهم من الأعلام.
س: ماذا عن تدريسكم في الحوزة العلمية؟
الشيخ الحائري: ابتدأت بحمد الله وفضله التدريس في سنة اثنتين وأربعمئة وألف، أي بعد سنتين من دخولنا الحوزة العلمية المباركة بالتدريس، وشرعت بتدريس الرسالة العملية ثم كتاب الشرائع للمحقق الحلي ثم بعض أجزاء كتاب اللمعة، علماً أنني باشرت بتدريس بعض أجزائها خمس مرات، وبعضها مرتين.
كما درّست كتاب المعالم لابن الشهيد الثاني والقوانين للميرزا القمي قدس سره، والرسائل للشيخ الأعظم قدس سره، والكفاية للآخوند الخراساني قدس سره، فضلاً عن كتاب المكاسب حيث درست المكاسب المحرمة منه خمس مرات تقريباً.
س: هل كانت لكم نشاطات أخرى غير الدرس والتدريس؟
الشيخ الحائري: نعم بعض النشاطات التبليغية، ففي بعض السنين ذهبنا إلى التبليغ في المناطق المحرومة خلال شهري محرم وصفر وشهر رمضان المبارك، وقد منَّ الباري تعالى علينا بتوفيقنا في المساهمة في نشر معارف أهل البيت سلام الله عليهم وإيصال صوتهم إلى بعض المحرومين في هذه المناطق النائية.
س: لماذا اخترتم مدينة كربلاء المقدسة دون بقية المدن الأخرى وسعيتم فيها إلي إحياء الحركة العلمية الدينية؟
الشيخ الحائري: هناك عدة أمور دعتنا إلى ذلك منها:
1- الجميع يتمنّون أن يوفّقوا لمجاورة أبي الأحرار وريحانة الرسول صلّى الله عليه وآله أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه.
2- إن مدينة كربلاء المقدسة محلّ ولادتي ومسقط رأسي، وأنا أعرف بها من غيري.
3-إن الحوزة العلمية في النجف الأشرف قائمة حيث يوجد فيها علماء أفذاذ ومدرسون كبار، أما الحوزة في مدينة كربلاء المقدسة فقد قضي عليها ولم يبق منها إلا بعض أطلال المدارس. فمجمل هذه الأمور دفعتني لاختيار مدينة كربلاء كمقرّ لنشاطاتنا العلمية.
س: لا بأس أن تتحدثوا حول تأريخ الحوزة العلمية في مدينة كربلاء المقدسة؟
الشيخ الحائري: هناك بعض الكتب كتبت في هذا المجال منها تأريخ الحوزات العلمية، ومعالم الجامعتين وغيرهما، وقد أشير فيها أن المؤسس الأول الذي بذر بذرة الحوزة العلمية في مدينة كربلاء المقدسة هو الإمام الصادق سلام الله عليه لما أُبعد إلى الحيرة في عهد العباسيين، وقد بقي الإمام سلام الله عليه فيها مدة سنتين تقريباً.
ويوجد حتى اليوم مقام معروف في كربلاء عند مقام الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف يسمى بمقام الإمام الصادق سلام الله عليه، وكان الإمام الصادق سلام الله عليه ينشر معارف أهل البيت سلام الله عليهم في كربلاء لتلامذته الذين كانوا أخذوا يتقاطرون على درسه من كل حدب وصوب.
وشيئاً فشيئاً وبمرور الزمن تطوّرت الحوزة لما سكن عبد الحميد النينوي كربلاء حيث شكّل له حلقة درس وأخذ الطلاب يجتمعون حوله وينهلون من معارفه، وأخذت الحوزة تتطور بل تزهو في كثير من الأزمنة حتى صارت في بعض العهود مركز الإشعاع العلمي الأول للشيعة في العالم.
ففي عهد الوحيد البهبهاني قدس سره مثلاً صارت حوزة كربلاء المقدسة مركزاً للعلم والعلماء، وكذا في عهد شريف العلماء الذي ذكر في ترجمته أنه كان يحضر درسه تسعمائة مجتهد، وأربعمئة عالم قريبين من الاجتهاد.
وكذا الحال في عهد الآيات العظام أمثال الفاضل الأردكاني والشيخ محمد تقي الشيرازي والآقا حسين القمي والميرزا مهدي الشيرازي (قدّس الله أرواحهم الزكية جميعاً)، ولايخفى أن الحوزات العلمية عادة ما تمر بمراحل مختلفة، ففي بعض العهود لمع نجم الحوزة في النجف الشريف بعد أن قدم شيخ الطائفة الطوسي إليه وشرع بالتدريس واستمدّ العون من بركات مولى الموحّدين وإمام المتّقين أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه.
وفي بعض الأوقات لمع نجم الحوزة في سامراء كما في عهد الميرزا الشيرازي الكبير قدس سره، وفي فترة كانت الحلّة مركزاً للحوزة العلمية وهكذا.
ولا يخفى أن الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة اليوم ليست حوزة مستقلّة لا ربط لها بسائر الحوزات في العالم، بل هي امتداد وحاصل من بركات الحوزات العلمية الأخرى، يشهد لذلك أن كثيراً من مدرسي الحوزة في كربلاء المقدسة إما من خريجي حوزة قم المقدسة أو حوزة النجف الأشرف أو الحوزة الزينبية الشريفة، فالحوزات العلمية الشيعية بعضها يكمل ويسند الآخر. وخير شاهد على ذلك أنها جميعاً تخضع لأنظمة دراسية واحدة وجميعها تنهل من معين واحد.
س: هل للنظام البائد دور في توقّف الحركة العلمية مدينة كربلاء المقدسة؟
الشيخ الحائري: كانت حوزة كربلاء المقدسة قبل مجيء البعثيين زاهرة وزاخرة بالعلماء، نعم لم تكن هي المركز العلمي للشيعة كما في النجف الأشرف ولكنها كانت تعتبر من المراكز العلمية للشيعة حتى جاء البعثيون وتعمدوا في شلّ هذه الحركة العلمية، فقتلوا العلماء وشرّدوا كثيراً منهم، وطاردوهم في كلّ مكان، وخرّبوا المدارس العلمية والتي كانت تبلغ ما يقارب خمساً وعشرين بل ثلاثين مدرسة علمية، لم يبق منها سوى أربع أو خمس مدارس تحوّل بعضها إلى قاعات وحسينيات ومساجد، ولم يبق إلا مدرسة ابن فهد الحلي قدس سره.
س: ماهي المدارس الدينية التي أسست في العراق بعد سقوط النظام البائد؟
الشيخ الحائري: أوّل مدرسة فتحت في مدينة كربلاء المقدسة هي مدرسة ابن فهد الحلي قدس سره، حيث رجعنا بعد سقوط النظام البعثي بعشرة أيام إلى كربلاء وفتحت المدرسة بابها للطلبة، ثم مدرسة القائم سلام الله عليه التي أسست بعد مدرستنا، وبعد سنة تقريباً أُسست مدرسة الإمام الحسين سلام الله عليه، ومدرسة الإمام الرضا سلام الله عليه، ومدرسة دار العلم، وجامعة الصدر (رحمه الله) الدينية، ومدرسة الشهيد الصدر قدس سره، ومدرسة الإمام الصادق سلام الله عليه.
س: هل كنتم متبنين فكرة إعادة الحركة العلمية في مدرسة ابن فهد الحلي قدس سره أم إن الظروف هي التي اقتضت ذلك؟
الشيخ الحائري: في الحقيقة عندما سقط النظام البعثي كنت في جوار عقيلة الهاشميين السيدة زينب سلام الله عليها في الحوزة الزينبية في سوريا، ولم نبق سوى عشرة أيام حتى توجهنا إلى كربلاء المقدسة حاملين مسؤولية إعادة الحركة العلمية في كربلاء المقدسة بعد دخولنا لاجئين على سيد الشهداء سلام الله عليه ومتوسّلين به كي يشملنا برعايته ويوفّقنا في هذه المسؤولية العظيمة.
س: كيف كانت البداية في إعادة الدراسة في مدرسة ابن فهد الحلي؟
الشيخ الحائري: كانت البداية كما في سائر المشاريع الأخرى حيث تبدأ نشاطاتها ببطء وصعوبة إلى أن تستقرّ أمورها وتترتّب أوضاعها، فلما أعلنّا ـ بإعلان صغير جداً ـ عن استعدادنا لاستقبال الطلبة انهالت علينا جموع كبيرة من الناس وكانوا يتوافدون إلينا بشكل جماعات ومن جميع مناطق العراق ومختلف أنحائه، إلا أن عدم توافر الإمكانات في كربلاء خاصة الأساتذة الأكفاء والوارد المالي جعلنا نقتصر في السنة الأولى على قبول مئتي طالب، علماً أنه قد أقبل علينا ما يقارب ألف طالب، وشيئاً فشيئاً وبحمد وعناية أهل البيت سلام الله عليهم هيّأنا الأساتذة الأكفاء.
س: ماهو النظام الدراسي المتبع في مدرسة ابن فهد الحلي؟
الشيخ الحائري: تمتاز مدرسة ابن فهد الحلي بتوافر كافة السطوح العلمية، فيشرع الطالب بالدراسة فيها من المقدمات إلى السطوح ثم السطوح العالية ومنها إلى بحث الخارج، ففي مقدمات العربية يدرس الطالب الدروس البدائية مثل كتاب الاشتقاق والتصريف وشرح الأجرومية وقطر الندى وشرح ابن عقيل.
وفي المنطق يدرس الطالب خلاصة المنطق ثم منطق المظفر وبعده حاشية ملا عبد الله، أما في الأصول فيدرس خلاصة الأصول ثم أصول المظفر ومنه ينتقل إلى الرسائل ومنها إلى الكفاية ثم بحث الخارج، وفي الفقه يدرس أولاً الرسالة العملية ثم كتاب الشرائع وبعده اللمعة ثم المكاسب ويليها بحث خارج الفقه.
س: كم مرحلة يقطع الطالب في مدرسة ابن فهد؟
الشيخ الحائري: في الحقيقة طي مراحل الدراسة في مدرسة ابن فهد بعضها يتعلّق بالطالب نفسه، ومنها ما يتعلق بالمدرسة، فنظام المدرسة هو أن يقضي الطالب عشر سنين حتى يصل إلى بحث الخارج، ولكننا حفزنا بعض الطلبة الأكفاء إلى الدراسة خارج المدرسة لبعض المراحل المتقدمة ثم يمتحنون عندنا.
س: كم هي مدة الدراسة في مدرسة ابن فهد خلال الأسبوع؟
الشيخ الحائري: الدراسة من يوم السبت حتى يوم الأربعاء، وفي المناسبات مثل مواليد الأئمة سلام الله عليهم وشهاداتهم لا نعطِّل بل يدرس الطلبة درسين ثم تحيى المناسبة، وذلك لتنمية طاقات الطلبة إذ إنهم يتكفّلون ببرامج الحفل أو الشهادة من نظم الأشعار والخطابة وإلقاء المدائح وكتابة البحوث حول المناسبة وما شابه ثم يتوجه الجميع في أيام الشهادات نحو حرم سيد الشهداء سلام الله عليه تعزية له بالمصاب.
أما العطل الدراسية فهي: خمسة عشر يوماً في شهر محرم الحرام، وخمسة أيام في شهر صفر بمناسبة زيارة الأربعين، والأيام الثلاثة الأخيرة من شهر صفر المظفر حزناً ومواساة لأهل البيت سلام الله عليهم بالمصاب الجلل الذي وقع في مثل هذه الأيام، كما تعطل المدرسة في الصيف مدة شهرين ونصف، أما في شهر رمضان المبارك فالدروس الأصلية تعطل ويتلقَّى الطلبة بعض الدروس التكميلية مثل تفسير القرآن الكريم والحديث والمعارف وماشابه.
س: كم عدد الدروس التي تدرس في مدرسة ابن فهد؟
الشيخ الحائري: الدروس التي تدرس في المدرسة على نوعين، منها إلزامية للمراحل الأربع الأولى حيث يحضر الطلاب ويلتزمون بنظام الفصول والحصص، وبعدها تكون الدروس اختيارية وهي تبدأ من مرحلة الرسائل والمكاسب والكفاية إلى مرحلة بحث الخارج.
س: كم بلغ عدد الطلبة حتى اليوم في المدرسة؟
الشيخ الحائري: مجموع الطلبة تقريباً مئتان وخمسون طالباً، ثلاثون منهم يشاركون في الأبحاث العالية.
س: كم عدد الأساتذة في الحوزة؟
الشيخ الحائري: خمسة عشر أستاذاً.
س: من هم مدرسو بحث الخارج في حوزة ابن فهد؟
الشيخ الحائري: بحث سماحة الشيخ الفاضل العلامة الشيخ فاضل الصفار (حفظه الله) وهو عالم جليل مقتدر، ولي بحث آخر للخارج، علماً أنه توجد في كربلاء المقدسة بحوث أخرى للخارج.
س: هل المدرسة تقدم للطلبة مساعدات مالية كالشهرية؟
الشيخ الحائري: الرواتب التي تقدّمها المدرسة كانت ضعيفة جداً، ولكن بحمد الله ولصبر الطلبة فقد بدأت تتحسّن إلى حدّ ما حيث إن الطالب اليوم يتقاضى ما يقارب مائة وعشرين ألف دينار وهو مبلغ لا يفي بتكاليف الحياة الكثيرة، ولذا فإننا بين الفترة والأخرى نوزّع على الطلبة بعض المواد الغذائية فضلاً عن المساعدات المالية التي توزّع عليهم في بعض المناسبات، علماً أنه لدينا لجنة خاصة لمساعدة الطلبة في القرض الحسن تقرض الطلبة مقداراً من المال ثم تستقطعه من رواتبهم بالأقساط المريحة.
س: هل يوجد في مدرسة ابن فهد مبيت للطلبة؟
الشيخ الحائري: معظم الطلبة في مدرسة ابن فهد منازلهم في كربلاء، وبعضهم يبيت في الحسينيات، وقد تم تشييد مدرسة سيد الشهداء سلام الله عليه العلمية هذه السنة في حيّ الأطباء وهي تحتوي على سكن للطلبة، وقد نستأجر مكاناً آخر لسكن الطلبة.
س: ما هي علاقة حوزة ابن فهد بالمرجعية الشيرازية؟
الشيخ الحائري: مدرسة ابن فهد من أقدم المدارس وكانت مقرّاً للرابطة الإسلامية ومركزاً لنشر المعارف للعالم الإسلامي، بل كانت مصلَّى المرجع الشيرازي الراحل قدس سره يصلّي فيها أوقات الظهر حيث كانت تدار برعاية وتولية الشهيد السعيد آية الله السيد حسن الشيرازي قدس سره، وفي الوقت الراهن المرجع الشيرازي" له عناية بالمدرسة وهي حتى اليوم تدار تحت رعايته وإشرافه.
س: ماهي المشاكل التي واجهتكم أيام إعادة الدراسة في المدرسة، والمشاكل التي تواجهكم الآن؟
الشيخ الحائري: أهم المشاكل هي ضيق معاش الطلبة، وصغر المكان، علماً أنه لدينا سعي حثيث لتشييد بعض المدارس العلمية، وفي الوقت الراهن لدينا مدرسة قيد البناء باسم المدرسة المهدية لكاشف الغطاء قدس سره، وكذلك هناك مدرسة أخرى باسم المدرسة الهندية، ولنا محاولات لإرجاع بعض المدارس التي تحوّلت إلى قاعات للفواتح أو حسينيات، وإذا تم تشيد هذه المدارس وإرجاع المدارس فسيحّل قسم كبير من مشكلة السكن.
س: هل للأوضاع السياسية في العراق تأثير على الدراسة في كربلاء؟
الشيخ الحائري: الأوضاع السياسية لها بعض التأثير باعتبار أن الطلبة من الشعب العراقي ومن الطبيعي أن يتأثروا بما يجري على العراقيين من مصائب ومشاكل، ومع ذلك فالدراسة وبحمد الله جيّدة وهي مُرضية إلى حدّ ما في العراق.
س: هل هناك من يعينكم في إدارة الحوزة؟
الشيخ الحائري: مدرسة ابن فهد كسائر المدارس الأخرى لها إدارة ومجموعة من الإخوة المشرفين يعينون في إدارة المدرسة، كما توجد لدينا لجنة استشارة تتكون من خمسة أفراد يستشيرون في قضايا المدرسة، وفي القضايا العامة المرتبطة بحوزة كربلاء المقدسة لنا استشارات مع بقية الحوزات الأخرى.
س: ماهي علاقتكم بالمدارس الأخرى في كربلاء؟
الشيخ الحائري: كل المدارس في مدينة كربلاء المقدسة متعاونة فيما بينها خاصة الأساتذة، وبحمد الله هناك تعاون طيب فيما بين المدارس حيث إن كلاًّ من المدارس تعضد الأخرى والأساتذة يشاركون في أكثر من مدرسة ولا يقتصرون على مدرسة خاصة.
ففي درس الأخلاق مثلاً: فإننا نجمع كافة الطلبة في المدرسة وندعو كل أسبوع أحد الأساتذة من المدارس لإلقاء محاضرة، وحتى الآن دعونا كلاً من: حجة الإسلام والمسلمين السيد أحمد الصافي، وحجة الإسلام الشيخ رائد الحكيم فضلاً عن سماحة آية الله السيد مرتضى القزويني (دام عزه)،كما دُعيتُ في بعض المدارس العلمية لإلقاء درس الأخلاق.
س: هل التعاون موجودة بينكم وبين حوزة النجف المباركة؟
الشيخ الحائري: كما أن سيد الشهداء سلام الله عليه امتداد لوجود أميرالمؤمنين سلام الله عليه، كذلك هو الأمر بين حوزة كربلاء المقدسة وحوزة النجف الأشرف، فهي امتداد لها ولنا علاقة وطيدة مع حوزة النجف وبعض الأساتذة في حوزة كربلاء المقدسة من حوزة النجف الأشرف.
س: هل لكم محاولات لتطوير الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة بإدخال المجالات العلمية الحديثة أم أنكم اقتصرتم على الدراسة الحوزوية فحسب؟
الشيخ الحائري: لنا بعض المحاولات للاستفادة من الوسائل الحديثة في حوزتنا ومنها أننا خصصنا دورات خاصة للحاسوب خارج الحوزة العلمية.
س: هل لكم محاولات لتنمية قدرات الطلبة في الحوزة؟
الشيخ الحائري: لدينا في الحوزة لجان متعددة مختصّة بهذا المجال تشرف عليها لجنة طلاب العلوم الدينية، وهي تضمّ كلاً من:
1- لجنة المواكب: المختصّة بنظم مواكب الطلبة في المواسم المختلفة ومنها ذكرى هدم القبور الطاهرة في البقيع، واستشهاد الأئمة الأطهار سلام الله عليهم.
2- لجنة المجالس الحسينية: المختصة بإقامة المجلس الحسيني السنوي خلال شهري محرم وصفر حيث يرتقي المنبر الحسيني أحد الطلبة بعد الدرس الرابع كل يوم.
3- لجنة الاحتفالات والمهرجانات: المختصة بإقامة المواليد ومناسبات الفرح والأعياد مثل عيد الغدير الأغر ويوم دحو الأرض وغير ذلك.
4- لجنة الندوات والمؤتمرات: المختصة بعقد المؤتمرات والندوات الثقافية والفكرية وغيرها في مختلف المناسبات مثل ذكرى رحيل المرجع الشرازي الراحل قدس سره وغيرها.
وفي بعض الأحيان يدعو المسؤولون على اللجان الشخصيات المختلفة الطلبة ليشاركوا في مراسمهم سواء كان ذلك في مراسم العزاء أم مراسم الفرح أو غير ذلك مثل الندوات وماشابه.
س: هل لكم إنتاجات ملموسة خلال المدة التي مضت في حوزتكم؟
الشيخ الحائري: خلال الثلاث سنوات التي مضت وُفّق مجموعة من الطلبة في المدرسة لممارسة الخطابة بشكل جيد، وخطاباتهم جيدة ولله الحمد، كذلك في الكتابة فبعض الطلبة كتاباته موفَّقة، فضلاً عن بعض الطلبة المتفوقين الذين يدرِّسون بعض الدروس التي تلقّوها في المدرسة.
س: هل حاولتم ضمّ المدرسة إلى بقية المؤسسات الرسمية في العراق؟
الشيخ الحائري: تنقسم الحوزة إلى قسمين:
الأول: ما تكون الدراسة فيه كسائر الحوزات العلمية الأخرى وهذا لا حاجة فيه إلى الترسيم.
الثاني: الدراسة التخصصية وهذا القسم يحتاج إلى إعداد وبرمجة جيّدة وكسب الخبرات والتجارب من الآخرين ممن سبقونا في هذا المجال، وهذا القسم ينبغي أن يدرج ضمن المؤسسات الرسمية، وحتى الآن لم نوفّق إلى تأسيس هذا القسم.
س: هل المدرسة مرتبطة بالمرجعية الرشيدة؟
الشيخ الحائري: لنا علاقة جيدة مع المرجعية الرشيدة، وبين الفترة والأخرى يزور بعض الإخوة المراجع العظام ويستفيدون من إرشاداتهم وتوجيهاتهم.
س: هل لكم نية بتأسيس فروع للمدرسة في سائر مناطق العراق؟
الشيخ الحائري: نحن دائماً نحثّ الطلبة والأصدقاء في المناطق الأخرى لتأسيس مدارس علمية في مناطقهم، وبحمد الله توجد اليوم حوزات في عشر مناطق من مناطق العراق، وهذه المدارس وإن كانت بدائية ولكنها بعون الله إذا استمرّت فستكون من الحوزات الجيدة.
س: ما انطباع المرجعية الرشيدة عن الحوزة العلمية في كربلاء المقدسة؟
الشيخ الحائري: لقد بارك المراجع العظام لنا في هذه الرسالة العظيمة.
س: هل لكم كلمة لمن يريدون خدمة التشيع والحوزة العلمية في مدينة كربلاء المقدسة؟
الشيخ الحائري: ربما كان أبرز مصاديق ما نقرأه في سجدة زيارة عاشوراء: «وثبّت لي قدم صدق عندك مع الحسين سلام الله عليه وأصحاب الحسين سلام الله عليه» هو خدمة مدينة سيد الشهداء سلام الله عليه علماً وعملاً.
ومن أفضل الخدمة للإمام الحسين سلام الله عليه أن نخدم الحوزة العلمية في مدينته، لأن خدمة العلم كما في الأخبار له أثره الخاص وهو المصداق الحي للثبات على نهج سيد الشهداء سلام الله عليه.
بالطبع الخدمة عامة سواء أكانت العلم أم الجانب المادي أم غير ذلك.
في ختام هذا اللقاء الشيق سماحة العلامة الحائري نشكركم على ما أفدتموه لنا ونسأل الله تعالى أن يديم عليكم هذا التوفيق لخدمة سيد الشهداء سلام الله عليه ودعم مسيرة العلم والعلماء بحق محمد وآله الطاهرين.
الشيخ الحائري: وأنا أكرر شكري وامتناني للإخوة العاملين في مجلة النفحات وأسأل الله تعالى أن يوفقكم لما يحب ويرضى.



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG