23 حزيران 2017م
آخر تحديث: 22 حزيران
 
  رقم الصفحه: 241       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


العلماء أمناء الرسل

بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
الخمس في الإسلام هو أحد الموارد المالية والضرائب الرسمية التي لها دور العمود الفقري بالنسبة إلي الاقتصاد الإسلامي، علماً بان نظام الاقتصاد الإسلامي هو أفضل النظم الاقتصادية ألتي عرفها العالم وجرّبها في حياته الطويلة، فهو ليس كالنظام الاقتصادي الرأسمالي، كما أنه ليس كالنظام الاقتصادي الاشتراكي، بل هو نظام يجمع كل محسنات الأنظمة الاقتصادية المعروفة وغير المعروفة، ويخلو من جميع مساوئ الأنظمة الاقتصادية المعروفة وغيرها.
نعم، النظام الإقتصادي في الإسلام نظام مستقلّ، منسجم مع الفطرة الإنسانية، ومتكيّف مع تطوّر الزمن ومستجدّات الساحة العالمية. إنه كفيل بنفي الفقر والحاجة، وضامن لتوفير الرزق والرفاه.

إن من مميزات النظام الإقتصادي في الإسلام: توزيع الثروة في الناس، والعمل علي تأمين الحاجات الأولية لكل إنسان، ومن أجل ذلك حرّم الربا بكلّ أشكاله تحريماً باتّاً، فلم يسح بأخذ الفوائد علي القروض، ولم يأذن بفرض الضرائب المالية تحت أيّ إسم كان غير الضرائب الأربعة ألتي عيّنها الإسلام تعييناً واضحاً، وحدّدها تحديداً دقيقاً ومتقناً، ألا وهي: الخمس والزكاة والجزية والخراج.

وهذه الضرائب الأربع مورداً أو أخذاً، وكذلك صرفاً وانفاقاً، نظّمت بصورة يستلزم تطبيقها تنظيم العلاقة الاقتصادية في المجتمع الإسلامي وخاصة الخمس، حيث إنّه يؤخذ من كلّ مال يحصل عليه الإنسان ويفيض من نفقات سنته، ومصروفات عامه من أكل وشرب، وملبس ومنكح، ومسكن ومكسب، وحجّ وعمرة، وسفر وزيارة، وغير ذلك، ويُصرف في كلّ ما يسدّ حاجات الفرد والمجتمع من صغيرة وكبيرة، وإسعاف وترفيه، وعلم وثقافه، وتقدّم ورقيّ؛ وذلك كما قال تعالي: «واعلموا أنما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربي واليتامي والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله...» الأنفال: 41. كما قال سبحانه: «ما أفاء الله علي رسوله من أهل القري فللّه وللرسول ولذي القربي واليتامي والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عينه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب» الحشر:7.
فلأهميّة الخمس وأهمية دوره في الاقتصاد الإسلامي، وكبير تأثيره على تقدّم المجتمع ورقيّه، ونموّه وازدهاره، إختار سماحة السيد المرجع دام ظله تقديم بحث الخارج في كتاب الخمس من العروة الوثقي، علي غيره من الكتب الفقهية الأخري.

فابتدأ سماحته أولاً وفي أول السنة الدراسية للحوزة المباركة في قم المقدسة البحث عن قول صاحب العروة: كتاب الخمس، فقال: هنا عدة مطالب تمهيدية:

1- التمهيد الأول: الخُمْس بسكون الميم والخُمُس بضمّه كلاهما ورد في اللغة، والقرآن الكريم عبر عنه بالضمّ. كما عبّر بالضم عن الثلُث والربُع والسدُس والثمُن، وهو الأبلغ.
ثم ذكر سماحته قول الشيخ الأنصاري في أول كتاب الخمس: من أن الخمس لغة: رابع المكسور، وشرعاً: إسم لحق في المال يجب للحجة (عليه السلام) وقبيله، ونقده: بأن هذا التفسير والتفريق بين المعني اللغوي والشرعي للخمس يشبه تفسير صاحب الشرايع للزكاة وتفريقه بين معناه اللغوي والشرعي وهو في الزكاة في محلّه، لأن الزكاة لغة غيرالزكاة شرعاً، فالزكاة لغة: النموّ، وشرعاً: إعطاء شيء من المال ونقيصة فيه؛ بينما الخمس متّحد من حيث المعنى لغة وشرعاً، فالآية الكريمة التي تقول: «فأن لله خمسه» أي: إن واحداً من خمسة يكون لله سبحانه، وليس معناه: إسم للحقّ الواجب في المال. وعليه، فالأفضل أن نقول: الخمس لغة وشرعاً وعرفاً: هو رابع الكسور، جعله الله تعالي حقاً وحكماً في المال بشروط معيّنة للأصناف الستة، كما قال تعالي: «فأنّ لله خمسه وللرسول، ولذي القربي، واليتامي، والمساكين، وابن السبيل».

2- التمهيد الثاني: ثم تعرّض سماحته لتقييد الشيخ الأنصاري الخمس عند تعريفه له: بكونه حقّاً في المال، وقال: هو نظير تعبير المحقق في الزكاة، والكلام في أنه هل هو كذلك مجرّد حقٍ، أو هو حكم أيضاً؟ ثم أجاب: الظاهر: أنه حكم أيضاً، فهو حق وحكم معاً، أي: هو حق لأرباب الخمس من الأصناف الستة، وهو حكم من الله واجب او مستحب ايضاً.

3- التمهيد الثالث: ثم تطرّق سماحته لقول الشيخ الأنصاري: يجب (في تعريفه للخمس بكونه إسم لحق في المال يجب للحجة عليه السلام وقبيله) وقال: إنّ مراد الشيخ قدس سره من الوجوب هو الغلبة، وذلك لوجود موارد يستحبّ الخمس فيها.

4- التمهيد الرابع: ثم إنتقل سماحته إلي كلام صاحب العروة وقوله بعد ذلك: «وهو من الفرائض» قائلاً: إن الفريضة على ما في قواميس اللغة كمجمع البحرين على معنيين:
أ ـ بمعنى التقدير وجعل المقدار ب ـ بمعني طرفي القوس الذي يتصل الوتر بهما.
ثم علّق سماحته عليه بقوله: والظاهر: إن المعني الثاني ليس هو معنى آخر، وإنما هو مصداق للمقدار، اذ القوس هو الآلة المحدودة التي ينتهي (حدود) بها عند طرفيها. فهو نوع مقدار، وكذا يكون ـ أي: مصداقاً للمقدار ـ المعني الشرعي للفريضة، إذ الفرض شرعاً: هو ‌ إمّا الواجب مقابل الندب، وإما فرض الله كركعتي الصلاة لليومية مقابل فرض الرسول كالركعات المضافة إلي ركعتي الظهرين والعشائين، و واضح أن كلاً منها نوع مقدار. 

ثم إن سماحته ذكر بعد لفظ الفريضة أموراً تالية:
الأمر الأول: إن جعل الخمس للنبي صلي الله عليه وآله وذريته لايتنافي مع قوله تعالي: «قل لا اسألكم عليه اجراً» فان الله سبحانه لم يجعل للنبي صلي الله عليه وآله اجراً مادياً وإنما جعل له أجراً معنوياً كما قال عزوجل: «إلا المودة في القربي» وذلك لأن الخمس ليس أجراً للرسالة، بل هو لمصلحة الإسلام والأمة الإسلامية، ففي الحديث الشريف: إن الخمس عوننا علي ديننا، وعليه: فهو ليس عوضاً بل هو عون على الدين وسدّ خلّة للفقراء السادة من اليتامي والمساكين ولابن السبيل.
الأمرالثاني: ثم تعرض سماحته لقول صاحب العروة: «وقد جعلها الله تعالي لمحمد صلي الله عليه وآله وذريته عوضاً عن الزكاة» وقال: إن فيه اشارة إلى أن أصل التشريع في الصدقات هو: الزكاة، ثم اضاف قائلاً: وهو في نفس الوقت لايدل علي أن الزكاة أهم إذ هما جعلان مستقلان، فإن للخمس أوّلاً: تشريعاً مستقلاً، وثانياً هو في نفسه أكبر أهمية لما يترتب عليه من آثار كبيرة.
الأمر الثالث: ثم تطرق سماحة دام ظله لما قاله صاحب العروة بعد ذلك وهو: «إكراماً لهم» واضاف قائلاً: إن الخمس جعله الله إكراماً للنبي صلي الله عليه وآله وذريته، إذ في تخصيص التشريع بهم هو نوع إكرام وإن لم يكن فرق في المورد والمتعلق، فكيف والحال أنه يختلف مورداً ومتعلقاً مع الزكاة.
الأمر الرابع: إن المراد من جعل الخمس للنبي وذريته عوضاً عن الزكاة، إنما هو علي الأصل الأولي وعلى نحو في الجملة، وإلا فإن للسيد ان يعطي صدقاته الواجبة من زكاة ماله وزكاة فطرته للسيد مطلقاً علي المشهور وكذا الصدقات المستحبة، وعلي غير المشهور لغير السيد اعطاء حتى الصدقات الواجبة للسيد ايضاً.
الأمر الخامس: إن ما جاء في الروايات الصحيحة سنداً من وصف الزكاة بأنه أوساخ الناس، فهو نظير قوله تعالي في وصف المتصرفين في الخمس بلا إذن شرعي فيه – كما جاء في تفسير أهل البيت عليهم السلام وتأويلهم للآية الكريمة – :«الذين يأكلون أموال اليتامي ظلماً، إنما يأكلون في بطونهم ناراً» فللظالم يكون ناراً، ولمانع الزكاة يكون وسخاً، وهذا التعبير في الروايات الشريفة كالتعبير في الآية الكريمة هو من البلاغة ونوع من الحجاز.
ثم طرح سماحته عدة أسئلة وأحال الجواب عنها الي درس قادم وحلقة قادمة باذن الله تعالي.




الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG