18 تشرين‌الأول 2017م
آخر تحديث: 18 تشرين‌الأول
 
  رقم الصفحه: 243       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


أهمية الخمس

بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
لقد وعدنا في حلقةٍ سابقة من حلقات دروس بحث الخارج التي ألقاها سماحة المرجع آية الله العظمى الحاج السيد صادق الشيرازى دام ظله على العلماء والأساتذه من طلاب بحثه، أن نواصل الكلام حول البحث في كتاب الخمس، فقد ألقى سماحته في بحثه السابق أسئلة عديدة تخصّ الخمس و أحال جوابها إلى البحث القادم.
قال سماحته ما يلي: ـ بقى مطلبٌ تمهيديّ آخر، وهو: الإجابة عن بعض الشبهات التى تطرح حول الخمس، فلنجب عنها أوّلاً ثم لنأتِ إلى شرح ما قاله صاحب العروة وما ذكره من بقية المسائل المتعلقة بالخمس إن شاء الله تعالى.
السؤال الأول: كيف يكون الخمس أهمّ من الزكاة وقد تعرّض القرآن الكريم للخمس مرة واحدة مع أنه تعرّض لذكر الزكاة مرّات عديدة وكرّات كثيرة؟
السؤال الثاني: لماذا لم يعطِ الرسول صلى الله عليه وآله وكذلك لم يعطِ أهل بيته الخمس، مع أنه ورد: «أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة» ولم يرد أنهم أعطَوا الخمس؟
السؤال الثالث: لماذا لم يروَ عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أخذ في زمانه خمساً ـ غير خمس الغنيمة ـ أو أنه أمر بأخذ الخمس من غير غنائم الحرب في خبر ورواية؟ هذا ولا يخفى أنّ هذه الأسئلة وأمثالها إنما يطرحها من لم يراجع الرّوايات في باب الخمس، ولم يطّلع على المعارف الدينيّة عن كثب.
أما الجواب عن السؤال الاوّل وهو (لماذا لم يتعرّض القرآن للخمس إلاّ مرة، بينما تعرّض للزكاة كثيراً؟) فنقضاً تارة وحلاً اُخرى. أما نقضاً: فإن القرآن الحكيم قد ذكر اسم عيسى وموسى مراراً كثيرة بينما قد ذكر اسم النّبي الخاتم صلى الله عليه و آله ثلاث مرّات فقط، وقد ذكر اسم السيدة مريم مرات عديدة ولم يذكر إسم السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ـ قط فإذا كان معيار الذكر وعدمه هو الأهمية وعدم الأهمية لزم ذكر النبي الخاتم صلى الله عليه وآله أكثر من ذكر غيره من الأنبياء لأنه أهمّهم وأشرفهم، ولزم ذكر السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام أكثرمن ذكر السيدة مريم، لأن السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها كما قال في حقّها أبوها رسول الله صلى الله عليه و آله هي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، بينما السيدة مريم هي سيدة نساء عالمها فقط، فما كان جواب السائل عن هذا النقض نجيب به عن سؤاله أيضاً.
وأمّا حلاً: فإن أصل ذكر الشيء في القرآن وعدم ذكره، أو تكرر ذكره وعدم تكراره، ليس تابعاً لأهمية الشيء وعدم أهميته فقط، وإنما ذكره وعدم ذكره تابع لمصالح كثيرة وحِكم بليغة، منها أهمية الشيء، وعليه: فذكر شيء في القرآن وتكرّر ذكره أو عدم ذكره وتكرره ليس دليلاً على أهمية الشيء وعدم أهميته، مثلاً: الصلاة هي عمود الدين، والتي إن قُبلت قُبل ما سواها وإن رُدّت ردّ ما سواها، ومع ذلك لم يتعرّض القرآن الحكيم لعدد ركعاتها للصبح ولا للظهرين ولا للعشائين، بل لم يذكر صلاة الصبح التي يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار إلاّ ذكراً عابراً بقوله تعالى «وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهوداً» ممّا يكشف عن أن القرآن الحكيم كتاب خاص وقد اختار الله تعالى له أسلوباً خاصاً به في ذكر الأشياء وعدم ذكرها.
وعليه، فلا يكون ذكر شيء في القرآن أو عدم ذكره، ولا تكراره أو عدم تكراره ملاكاً لأهمية الشيء وعدم أهميته، بل إن هذا السؤال من أصله وفي نفسه سؤال غير وارد وليس في محلّه، وذلك لعدم وجود ملاك منحصر لبيان أهمية شيء وعدم أهميته في القرآن الكريم.
وأما الجواب عن السؤال الثاني: وهو أنّه لماذا لم يعطِ المعصومون عليهم السلام الخمس ولم يروَ عنهم ذلك مع أنهم كانوا يعطون الزكاة وقد روي عنهم ذلك فهو كما يلي:
أولاً: إنّا لا نسلّم أنهم عليهم السلام لم يعطوا الخمس، وذلك لأنّ الزكاة في اللغة يشمل كل بذل وإنفاق للمال حتى مثل الخمس، مما يصحّح إعطاء الخمس تحت عنوان الزكاة أيضاً.
ثانياً: إن في الروايات ما يفيد: إن على المعصومين عليهم السلام بأمر الله تعالى في مقابل السهم الذي خصّهم الله به من الخمس والمعروف بسهم الإمام، تسديد عوز المسلمين السادة وغيرهم والبذل عليهم من حصّتهم وسهمهم، كما أن لهم عليهم السلام مازاد عن حاجات المسلمين السادة من السهم الخاص بالسادة.
ثالثاً: إنهم عليهم السلام لم يبقوا في ملكهم مالاً حتى يجب عليهم خمسه، بل كانوا يتصدّقون بكلّ ما يملكون، أو يجعلونه وقفاً في سبيل الله، ثم كانوا يقترضون حتى لإمرار معاشهم.
رابعاً: إنهم بأمر الله تعالى وتعيين الرسول صلى الله عليه وآله هم الولاة على المسلمين، وقد فسّر المعصومون عليهم السلام الولاية بأن الله قد جعلها لهم بإزاء بذلهم وإنفاقهم على المسلمين وسدّ عوزهم، فهم واسطة في الأخذ والعطاء وبذل الإموال وإنفاقها على المسلمين دون أن يخصّصوا شيئاً منها لأنفسهم.
خامساً: ـ إنهم عليهم السلام كانوا يعيشون في زمان عصيب، وكانت التقية مفروضة عليهم، وكان حكّام الجور قد منعوهم حقّهم من الخمس وطاردوا السادة من ذرّية رسول الله صلى الله عليه وآله وكلّ من يمتّ إليهم بمحبّة وولاء، فكيف بمن يمدّهم بخمسهم، لذلك كتم الأئمّة المعصومون عليهم السلام ما كانوا يعطونه من الخمس وستروه بغطاء الزكاة ليسلموا على أنفسهم وشيعتهم.
سادساً: سلّمنا أنهم لا يعطوا الخمس، لعدم ما يدلّ على إعطائهم مالاً باسم الخمس، ولقاعدة لو كان لبان، لكن نقول: إنه لم يمكن يجب عليهم الخمس لأن الله تعالى جعل الخمس لهم إما ملكاً وإما واسطة في التوزيع، فهم أرباب الخمس وأصحابه، و مَن هو مالك الخمس وصاحبه لا معنى لأن يعطي الخمس وإلى مَن يعطيه؟
إنطلاقاً من التأكيدات الواردة في الخمس مع ما عليه من الأهمية الكبرى بحيث يزلزل الله تعالى موقف القيامة ويجعلها تضطرب بشدة ويضطرب كلّ ما فيها في فترة معيّنة ووقت معيّن. منها: من أجل الخمس ـ كما هو ظاهر بعض روايات الخمس في الوسائل ـ وذلك بقيام صاحب الخمس ومستحقّه في المحشر وعلى رؤوس الأشهاد ومسائلته عن حقّه، بقوله ياربّ خمسي، وروايات أخرى في هذا المجال.
مع هذه الأهمية الكبيرة للخمس المؤكّد عليها في الروايات في غير غنائم دار الحرب، إذ غنائم دار الحرب مع شروطها ورد ذكرها في القرآن الكريم بالخصوص أو بالعموم، فإنّ «غنمتم» لاخصوصية له بما يحصل عليه في دار الحرب فقط، لأن المورد لا يخصص الوارد. ـ كما يقال ذلك في الموارد الأخرى أيضاً ـ وقد جاء في الروايات الشريفة في تعريف الغنيمة «هي الإفادة يوماً بيوم».
وعليه: فإنّ غنائم دار الحرب هي مورد تسالم الأمّة وإجماع طوائف المسلمين كافّة ولا كلام فيه، وإنما الكلام في غير غنائم دار الحرب، فإنّ الخمس فيها لمّا كان بهذه الأهمية الكبرى، وخاصّة في أرباح المكاسب كما ورد في الروايات «ما أفاد الناس من قليل أو كثير» كان مثار أسئلة عديدة تطرح على النحو التالي.
إن قلت: لعل عدم وجوب إعطائهم الخمس من باب ما جاء في الرواية التى هي مثار بحث العلماء: من إنه لو أعطى الخمس إلى أحد وزاد منه عند رأس سنته شيء، فهل في هذا الزائد من باب أرباح المكاسب خمسُ أم لا؟ قال بعض بوجوب الخمس فيه؛ استناداً إلى إطلاق قوله عليه السلام «إنما هي الفائدة يوماً بيوم»، وقال بعض بعدم وجوب الخمس فيه ـ وهو الأقرب ـ إستناداً إلى ما جاء في رواية تقول في جواب مَن سأل عن وجوب الخمس عليه فيما زاد عن رأس سنته ممّا كان قد حصل عليه من الخمس الذى أعطي أباه لإستحقاقه له: «لا خمس فيما سرّح إليك صاحب الخمس» فمن هذا الباب لم يجب عليهم عليهم السلام الخمس.
قلت: إن هذا أخصّ من المدّعى ولايكفي لرفع وجوب الخمس عنهم، وذلك لأن المعصومين عليهم السلام كانت لهم أموال شخصيّة غير أموال الخمس، إذ كانوا عليهم السلام يزرعون وينشئون المزارع والحوائط ويشغلون أموالهم بالتجارة وما أشبه ذلك، والكلام في الأعمّ.
وأما الجواب عن السؤال الثالث: وهو أنه لماذا لم يروَ عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أخذ خمس أرباح المكاسب، أو أنه أمر بأخذه في خبر ورواية؟ ولعل هذا الإشكال هو عمدة إشكالات المستشكلين هنا.
فأوّلاً بالنقض تارةً وبالحل أخرى.
أمّا نقضاً: فإنّ هناك كثيراً من الواجبات التي لم يتعرّض لها حتى القرآن الكريم، مثل عدد ركعات الصلاة ومثل مقدار نصاب الزكاة، فهل معناه وجوب الصلاة بلا ركعات، والزكاة بلا نصاب؟ فما يكون جواب المستشكل على هذا يكون جوابنا على ذلك.
وأمّا حلاًًّ: فإنّ الواجبات بحاجة في إثباتها إلى ما هو حجّة فيها؛ من قرآن، أو حديث عن الرسول صلى الله عليه وآله ، أو رواية عن وُلاة الأمر من بعد الرسول صلى الله عليه وآله وهم الأئمة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله فكما أن القرآن حجة، وأنّ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله حجّة، فكذلك ما بيّنه ولاة الأمر بعده من الأئمة المعصومين من أهل بيته عليهم السلام حجّة أيضاً، قال الله تعالى: «أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم».
وثانياً: ـ إنّه مضافاً إلى قول الله تعالى في كتابه الحكيم: «واعلموا أنما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه...» الذي لم يكن المغنم فيه مقيّداً بالحرب، وإنما مورده هو الحرب، والمورد ـ كما هو المعروف والمشهور ـ لايخصّص الوارد، ومضافاً إلى اللغة، فإنّ المعنى اللغوي للغنيمة غير خاصّ بغنيمة الحرب، بل هو عامٌّ لكلّ غنيمة حتى أرباح المكاسب، مضافاً إلى كلّ ذلك ورد عن النبى صلى الله عليه وآله متواتراً عند الفريقين، عامة وخاصة أنه قال: «في الركاز الخمس» والركاز هو المال المدفون أي: الكنز.
إن قلت: هذا خاص بالكنز وليس عاماً حتى يشمل أرباح المكاسب.
قلت: هناك نصوص عامة منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وآله قد رواها العامة والخاصة متواتراً، وقال الأخ الأكبر (أعلى الله درجاته): ـ إنه جمع في بعض كتبه سبع عشرة رواية عن النبي صلى الله عليه وآله في عموم الخمس رواها العامة في كتبهم وذلك مثل ما جاء في كنز العمال، ج 3، ص 501 عن النبى صلى الله عليه وآله أنه كتب كتاباً مفصلاً إلى بني جهينة، وقد جاء فيه: «هذا كتاب من الله العزيز على لسان رسوله ـ إلى أن قال ـ صلى الله عليه وآله ـ : إن لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها، على أن تؤدّوا الخمس وتصلّوا الخَمس...» ولفظ الخمس هنا مطلق غير مقيّد بشيء، مما يعمّ أرباح المكاسب أيضاً.
ومثل ما جاء في البخاري في عدة أمكنة منه، منها في ج 1، ص 133 عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لوفد عبدالقيس فيما قال لهم: «... آمركم بأربع، إلى أن قال صلى الله عليه وآله : وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدّوا إليّ خمس ما غنمتم» ولفظ الغنيمة هنا مطلق وغير مقيّد بشيء مما يدلّ ولقرائن أخرى بأنّ الغنيمة هنا عامّة لكلّ شيء حتى أرباح المكاسب وليست خاصّة بأمر خاصّ.
هذا عن روايات العامة، وأما عن روايات الخاصة: فما ورد في الوسائل، الأنفال الباب 4 ح21 من أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لأبي‌ذر وسلمان والمقداد: «أشهدوني على أنفسكم بشهادة لا إله الا الله... وإخراج الخمس من كلّ ما يملكه أحد من الناس، حتى يدفعه إلى وليّ المؤمنين وأميرهم».
إذن: فالخمس وبشكلٍ عام يشمل حتى أرباح المكاسب، قد ورد في القرآن الكريم وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وعن أهل بيته الطاهرين عليهم السلام بلاشك ولاريب، وإنما علينا أن نبحث عن الحجة الواردة في بيان موارد الخمس، ومصارفه ومسائله.
هذا ولايخفى أن العامة لهم إختلاف عظيم في الخمس وفي موارده ومسائله، كما يدل عليه: الفقه على المذاهب الأربعة وكذلك البحر الزخّار، رغم أنهم رووا ذلك في كتبهم عن النبي صلى الله عليه وآله .



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG