18 تشرين‌الأول 2017م
آخر تحديث: 18 تشرين‌الأول
 
  رقم الصفحه: 244       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


أسئلة حول الخمس؟

:: هل مستحلّ الخمس منكر للضروري ؟
:: هل يجوز التصرف في الأموال قبل إخراج خمسها؟
:: بحث حول الروايات في ( من لا يحضره الفقيه ) للصدوق قدس سره.
 
بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
سبق أن تحدّثنا باختصار حول كلام صاحب العروة في أوّل كتاب الخمس، حيث قال: (و هو من الفرائض، وقد جعلها الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله و ذريته عوضاً عن الزكاة إكراماً لهم) وقد أجبنا هناك أيضاً عن شبهات حول الخمس و بقي الكلام حول بقيّة كلامه وهو: «ومن منع منه درهماً أو أقلّ كان مندرجاً في الظالمين لهم، والغاصبين لحقّهم، بل من كان مستحلاً لذلك كان من الكافرين:
ففي الخبر عن أبي بصير قال: «قلت لأبي جعفر عليه السلام: ما أيسر ما يدخل به عبد النار؟ قال عليه السلام: من أكل من مال اليتيم درهماً ، ونحن اليتيم»(1).
وعن الصادق عليه السلام: «إن الله لا إله إلا هو لمّا حرّم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، والخمس لنا فريضة، والكرامة لنا حلال»(2).
وعن أبي جعفر عليه السلام: «لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل إلينا حقّنا»(3).
وعن أبي عبدالله عليه السلام: «لايعذر عبد اشترى من الخمس شيئاً أن يقول: يا رب اشتريته بمالي، حتى يأذن له أهل الخمس»(4).
فالكلام هنا في عدة مطالب:
1. قول صاحب العروة «ومن منع منه» أي منع من الخمس في صورة تعلّق الخمس بماله «درهماً أو أقل، كان مندرجاً في الظالمين لهم والغاصبين لحقهم» وهذا هو ما نطقت به الآية الكريمة من سورة الأنفال ودلّت عليه الروايات في باب الخمس واقتضت مسألة جعل الخمس لهم، فإن من له الاعتبار وهو الله تبارك وتعالى قد اعتبر هذا المقدار ـ وهو عشرون بالمائة من المنافع والأرباح ـ في هذا المال لهم عليهم السلام فيكون المانع لحقّهم غاصباً، والمال الممنوع عنهم غصباً.
2. قوله: «بل كان مستحلاً لذلك» أي مستحلاً لمنع الخمس، بأن قال: لم يجب الخمس في شيء، وأنه حلال أكله «كان من الكافرين» وهذا هو بحث المنكر للضروري، وليس خاصّاً بمستحل الخمس ومنكر وجوبه، ولم يكن محل بحثه بالتفصيل هنا ، ولذا نحن أيضاً نشير إليه إشارة عابرة ونقول كما قال الأصحاب: إن كل من ينكر ضرورياً من ضروريات الدين ويراه حلالاً يعدّ كافراً، ومحل بحث منكر الضروري بالتفصيل في باب النجاسات من كتاب الطهارة، وذلك عند الكلام في نجاسة الكافر وأنه من هو الكافر، حيث قال صاحب العروة هناك : بأن منكر الضروري في حكم الكافر.
وعليه: فإذا كان وجوب الخمس ضرورياً، كان المستحلّ له في حكم الكافر؛ لتمامية الصغرى وانطباق الكبرى عليه، علماً بأن الحكم بكفر أحد من المسلمين يكون لأحد أمرين ـ كما قال صاحب العروة في كتاب الطهارة ـ وذلك لأن الكافر هنا على قسمين:
1. من أنكر واحداً من أصول الدين الخمسة: التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة والمعاد في يوم القيامة.
نعم، حيث إن العامة لايرون العدل والإمامة أصلين من أصول الدين، لذلك لايعدّون لإنكارهم ذلك كفّاراً.
2. من أنكر ضرورياً من ضروريات الدين، والضروري هو اصطلاح منطقي مقابل النظري.
فكما أن في الأمور الخارجية أموراً ضرورية وبديهية مثل كون الشمس مضيئة، حيث لايختلف فيه إثنان ولايحتاج إلى استدلال وبرهان، وأموراً نظرية وفكرية مثل كون هذا العالم حادث وليس قديماً، حيث يختلف فيه الناس ويحتاج إلى برهان وإستدلال، فكذلك في الأمور الاعتبارية.
ففي أمور ضرورية وبديهية كوجوب الصلاة والصوم، والزكاة والخمس، وأمور نظرية وفكرية كبعض مراحل البرزخ والآخرة، وتفصيلات الجنة والنار، وكبعض مايجب فيه الخمس من أرباح المكاسب والصنائع وما أشبههما، لا أصل الخمس، فإنّ العامّة مثلاً لايرون غالباً وجوب الخمس في أرباح المكاسب فلا يعدّون بإنكاره من جملة الكافرين لأنهم لايرونه واجباً ناهيك عن كونه ضرورياً.
هذا وقد أطلق صاحب العروة القول بكفر من استحلّ الخمس هنا، ولكنه قيّد كفر منكر الضروري في باب النجاسات بكونه ملتفتاً إلى أنه يؤدي إنكاره ذلك لإنكار الرسالة.
وكيف كان فإن منكر الضروري إنما يحكم بكفره ويلحق بزمرة الكافرين فيما إذا كان ملتفتاً إلى أن ذلك يؤدي إلى إنكار النبوة، أو إنكار صدق النبي صلى الله عليه وآله أما إذا لم يكن ملتفتاً إلى ذلك، فإن غير الملتفت إلى أن إنكاره للضروري ـ كإنكار وجوب الخمس فيما نحن فيه ـ في معنى إنكاره للنبوة، أو إنكاره لصدق النبي صلى الله عليه وآله لايحكم بكفره ولا يعدّ في زمرة الكافرين.
أما إنه من أين هذا القيد مع أن البعض قد أطلق القول بكفر منكر الضروري و لم يقيّده بقيد الإلتفات؟ فقد مرّ بحثه العلمي في كتاب الطهارة وقد قيّده صاحب العروة هناك بالقيد المذكور.
وعليه فإن صاحب العروة وإن أطلق كفر المستحلّ للخمس هنا ولم يقيّده بقيد الإلتفات المذكور، لكنه حيث قيّد منكر الضروري مطلقاٌ بهذا القيد هناك في كتاب الطهارة، إنكشف أن مراده هو المقيّد، في كل مورد قال فيه بالإطلاق، وإنه ليس بنحو مطلق.
قال في العروة في باب النجاسات: الثامن: الكافر بأقسامه إلى أن قال: «أو ضرورياً ـ أي منكراً لضروري ـ من ضروريات الدين مع الإلتفات إلى كونه ضرورياً بحيث يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة» ثم قال بعد ذلك: «والأحوط الإجتناب عن منكر الضروري مطلقا وإن لم يكن ملتفتاً إلى كونه ضرورياً» وهذا الإحتياط حيث إنه جاء عقيب الفتوى مقيداً بقيد الإلفتات يكون إستحبابياً، فالإجتناب عن منكر الضروري مطلقاً مستحب عند صاحب العروة، ولم يعلّق على تقييد صاحب العروة كفر منكر الضروري بالإلتفات، غالب المحشين البالغ عددهم أكثر من أربعين حسب ما رأيت حواشيهم إلا واحداً أو إثنين، بل كفر المنكر للضروري مع قيد الإلتفات هو المشهور، كما وقد نسب ذلك إلى المشهور أيضاً، وكذلك هو رأي الأصحاب قبل صاحب العروة مثل النراقي في المستند، وصاحب الجواهر في الجواهر، وصاحب مفتاح الكرامة والشيخ الأنصاري و غيرهم، وهو بحث قد أطنب فيه الأصحاب النقض والإبرام من جهة وجوب التقييد بقيد الإلتفات وعدمه. ولكن الذي يبدو للنظر أن الأصحّ هو تقييد كفر منكر الضروري بقيد الإلتفات إلتفاتاً من غير شبهة، إذ مع حصول الشبهة حتى في الضروري لا يبقى إلتفات إلى كونه ضروريا لأنه قد يكون الشيء ضرورياً، لكن شخصاً عالماً أو مقلّداً ينكر ذلك لشبهة عرضت له فلا إلتفات له مع وجود الشبهة إلى ضرورية ذلك الشيء.
إذن، فقيد الإلتفات ولو جزئياً هو شرط في القول بكفر منكر الضروري على الأصح.
هذا بعض الكلام بالنسبة إلى قول صاحب العروة في المستحلّ للخمس، ثم تعرّض صاحب العروة لذكر بعض الروايات في هذا الباب وهو في محلّه، لأن دفع المال عند البعض صعب وشاق، ولهم فيه امتحان كبير، وكلامهم عليهم السلام نور يضيء الدرب، ويسخي النفس، ويقوّي الغزيمة على البذل والعطاء، وإخراج الخمس والزكاة إلى أهله وأربابه، بكل جود وسخاء، فإلى تلك الروايات.
3. قول صاحب العروة: «ففي الخبر» وقبل ذكر روايات العروة لا بأس بذكر روايتين كان من حقهما أن يذكرهما صاحب العروة لأهميتهما، وهما:
الف ـ رواية محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام وهي رواية معتبرة بناء على قول جمهرة من الأعاظم والمحققين من الفقهاء والأصوليين والرجاليين حيث قالوا باعتبارها وتصحيح من فيها من رجال السند، وهي: «إن أشد ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب خمسي...» (الوسائل، ج9 / ص 545 آخر كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4 الحديث 5).
والمراد من صاحب الخمس: إما رسول الله صلى الله عليه وآله أو الأئمة المعصومون من أهل البيت عليهم السلام أو كل أرباب الخمس من باب إرادة الجنس من صاحب الخمس، فيقومون ويطالبون بخمسهم، وعند مطالبتهم بحقهم ترتج عرصات القيامة أشد ارتجاج، وتضطرب أشد اضطراب، وتقوم الملائكة بمؤاخذة مانعي الخمس ومطالبتهم، وإجراء مقدمات صعبة في حقّهم لمحاسبتهم ومجازاتهم مما يعكس أشديّة قضية الخمس من سائر القضايا.
ب ـ رواية محمد بن زيد الطبري عن الامام الرضا عليه السلام قال:
كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا عليه السلام يسأله الإذن في الخمس (ظاهرها أنه يستوهبه الخمس الذي له عليه السلام في ماله) فكتب عليه السلام اليه: إن الخمس عوننا على ديننا... فلا تزووه عنا، ولا تحرموا أنفسكم دعاءنا... (الوسائل، ج9 / ص 538 / ح2 آخر كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 3) ودعاء الأئمة المعصومين من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله مستجاب في حق من يدعون له ، وهو فوز عظيم يحرم منه مانعو الخمس والبخلاء به.
ج ـ وأما الروايات التي ذكرها صاحب العروة فهي: عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام ما أيسر مايدخل به عبد النار؟ قال عليه السلام «من أكل من مال اليتيم درهماً، ونحن اليتيم». وقوله عليه السلام نحن اليتيم من باب زيد عدل و ليس من باب الذي فقد أباه في الصغر، بل هو كفاية عن أنهم عليهم السلام كاليتيم الذي لايستطيع المطالبة إذا أكل ماله، فأموال اليتيم في عرضة التلف والسرف، إذ لايمتنع من أكل مال اليتيم إلا صلب الايمان، وراسخ الإعتقاد، والأئمة عليهم السلام لظروفهم القاسية، ولمصالح خاصة بهم، لم يقوموا في مقام المطالبة بخمسهم ؛ لذلك شبّهوا أنفسهم باليتيم، آو هو كفاية عن إبلاغ شدة تحريم أكل مال اليتيم الذي توعّد عليه القرآن الحكيم النار بقوله: «إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً»(5) فمن باب التعبير عن شدة العذاب لمن منع الخمس، كنّوا عن أنفسهم باليتيم.
د ـ و عن الصادق عليه السلام وقد ذكر هذه الرواية متعددون، منهم الشيخ الصدوق في كتابه «من لايحضره الفقيه» وقال فيه: ـ قال الصادق عليه السلام وهناك بحث في الدراية وقول بأن روايات الصدوق في «من لايحضره الفقيه» كلها معتبرة وحجة إلا إذا كان لها معارض أو إشكال من جهة أخرى، وقول آخر بأن الصدوق لو قال في «من لايحضره الفقيه» روي، فالرواية مرسلة ومراسيل الصدوق لااعتبار لها وإن كانت في «من لايحضره الفقيه» وحتى مع ضمانة باعتبارها فيه، وإن نسبها إلى المعصوم وقال: قال الصادق عليه السلام كما في هذه الرواية فهي معتبرة وحجة وقد صرّح بذلك والتزم به صاحب الجـواهـر وغيره من الأعاظم وهو كلام جيد ولا بأس به، قال الشيخ الصدوق: قال الصادق عليه السلام ثم قال: «إن الله لا اله إلا هو» وهذا في مقام التعظيم لبيان أهمية المطلب الذي يتلوه وهو: «حيث حرّم علينا الصدقة، أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، والخمس لنا فريضة» أي: الخمس لنا على الناس فريضة واجبة «والكرامة لنا حلال» كناية عن أن الخمس كرامة ومنحة لهم من الله تعالى. وهذه الرواية معتبرة السند رغم أنّ فيها علي بن أبي حمزة، وهو مشترك بين الثمالي والبطائني، ورغم صعوبة التمييز بينهما حيث إن الثمالي ثقة دون البطائني، إلا أن الطائفة عملت بروايات البطائني خاصة التي رواها قبل إنحرافه كهذه الرواية التي نحن فيها وهو كلام جيد، فهي إذن على هذا التقدير معتبرة السند.
هـ ـ وعن أبي جعفر عليه السلام: «لايحل لأحد أن يشتري من الخمس (أي من المال الذي فيه الخمس، ويستفاد ذلك من مناسبة الحكم والموضوع) شيئاً حتى يصل إلينا حقنا»، وهذه المسألة هي محل خلاف و يأتي في العروة الكلام حولها في المسألة السادسة والسبعين إن شاء الله تعالى. وصاحب العروة هو مخالف فيها، ولكن يبدو للنظر وفق هذه الروايات وغيرها، أنه هو الصحيح، وذلك كما لو فرضنا أن لشخص ألف دينار، منها مائتان خمس، فهل يحق له التصرف في الثمانمئة دينار الباقية أو لا؟ وإذا أعطى لأحد من هذه الثمانمئة دينار شيئاً، فهل يحق له الأخذ منه أو لا؟ قال صاحب العروة وجماعة بجواز التصرف إلى حد الثمانمئة، وقيده بعض بأن يكون له نية إعطاء الخمس كالأخ الأكبر، ولكن أفتى بعض لهذه الرواية وغيرها بعدم جواز التصرف مطلقاً حتى يعطي الخمس أولاً، وهذا تابع لمسألة وهي: هل أن الخمس في المال من قبيل الكلي في المعيّن، أو على نحو الإشاعة، ويأتي الكلام حوله إن شاء الله تعالى.
و ـ عن أبي عبدالله عليه السلام «لايعذر عبد اشترى من الخمس (أي: من المال الذي فيه الخمس) أن يقول: يا رب اشتريته بمالي، حتى يأذن له أهل الخمس» وهي تعكس واجهة من واجهات القيامة، وتصوّر كيفية مناشدة الله تعالى الإنسان ومساءلته عن تصرفه في المال الذي لم يخرّج خمسه، وعدم قبول إعتذاره بأنه ماله، حتى يأذن له أهل الخمس، والإذن يكون في الدنيا وقد انقطع عن الدنيا، ولا طريق في الآخرة إلى تحصيل إذنهم ممّا ينتج مؤاخذته ومجازاته بالنار ـ والعياذ بالله ـ.

_______________________

1. وسائل الشيعة / ج9 / أبواب ما يجب في الخمس ـ باب وجوبه / ص 483 / ح1.

2. المصدر نفسه / ح 2.

3. المصدر نفسه.
 
4. المصدر نفسه / باب 3 وجوب إيصال حصة الإمام من الخمس و.. / ص 542 / ح 10.
 
5. سورة النساء ، الآية 10.



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG