18 تشرين‌الأول 2017م
آخر تحديث: 18 تشرين‌الأول
 
  رقم الصفحه: 245       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


وجوب الخمس ومعناه

:: لماذا حصروا الخمس في سبعة أشياء؟
:: الغنيمة ماهي؟ وماهي شروطها؟
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 

تقدم بعض الكلام في مباحث تمهيدية للخمس، والآن يكون الكلام بإذن الله تعالى في المباحث
قال في العروة: (فصل فيما يجب فيه الخمس: وهو سبعة أشياء).
أما قوله قدس سره: (يجب) فالظاهر أنه ليس مقابل يستحب لأنه لايحضرني ولم أعثر على موارد يستحب فيها الخمس، مع أنه يوجد في الزكاة موارد يستحب فيها الزكاة، كاستحباب الزكاة في الخيل.
نعم، هناك في بعض مسائل الخمس كمسائل باب الهدية حيث أفتى المشهور بوجوب الخمس فيها، إحتاط البعض فيها إحتياطاً إستحبابياً، وليس معني الإحتياط الإستحبابي أنه مستحب بالمعنى الخاص للإستحباب، بل معناه: أنه إحتياط تورّعي من الفقيه الذي لم يتم عنده دليل الوجوب إما بلحاظ الواقع، أو بلحاظ الشهرة، أو بلحاظ مختلف الأمور على سبيل البدل، فيحتاط، واحتياطه هذا ليس وجوبياً، بل استحبابي من باب التورّع.
ثم إن الخمس بما أنه -على المشهور- متعلق بالعين فالوجوب فيه يكون وجوباً تكليفياً تابعاً للحكم الوضعي، أو وجوباً لغوياً بمعنى الثبوت والتحقّق، وليس وجوباً تكليفياً أصلياً، يعني إنّا إذا لاحظنا الأدلة لرأيناها غالباً تقرر الخمس في الأشياء نفسها، مثل قوله تعالى: «واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأن لله خمسه» ومثل قوله: «ففيه الخمس» أو «فيه الخمس» وغيرها مما تدلّ بنصّ على أن الخمس في الشيء نفسه، فلو اشترى - مثلاً- من أرباحه أرضاً، أو استفاد من متجره ألف دينار ربحاً، فإن خمس الارض نفسها وخمس الألف دينار نفسه، ليس له، وما ليس له وجب أداؤه إلى أصحابه المذكورين في الآية الكريمة وهم: الله تعالى والرسول صلى الله عليه وآله وذو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فالوجوب هذا تكليفي تابع للحكم الوضعي، أو بمعني الثبوت، مثل قوله تعالى: «فإذا وجبت جنوبها» أي ثبتت.
نعم، هناك في بعض الروايات النص بمفردة الوجوب مما ظاهرها الحكم التكليفي الأصلي مثل صحيحة علي بن مهزيار: «يجب عليهم الخمس» ـ (الوسائل كتاب الخمس الحديث -3) لكن لا مناص عن اعتبار المراد من «يجب» في هذه الروايات ـ على قلّتها وندرتها ـ هو أيضاً نفس ما قلناه من الوجوب الثبوتي، والوجوب التبعي لسنخيته مع التعليق بالعين، هذا هو بعض الكلام في البحث الفنى في قوله: يجب.

الخمس في سبعة
وأما قوله قدس سره: (وهو سبعة أشياء) أي: أن ما يجب فيه الخمس فهو سبعة أشياء وليس ستة ولا ثمانية، فهو حصر عددي. ومن المعلوم أن الحصر العددي حصر إستقرائي عادة ، يعني: بحسب تتبع الأدلة واستقراء الروايات التي ذكرت عناوين ما فيه الخمس نتوصل إلى أن العناوين سبعة وليست أقلّ ولا أكثر،‌ إذ هناك رواية تذكر عنواناً واحداً وتقول: لاخمس إلا في الغنيمة، ورواية تذكر عنوانين، ورواية تذكر ثلاثة وأكثر وهكذا، فيكون مجموعها بالتتبع والإستقراء سبعة أشياء.
إذن: فحصر العدد هو حصر إستقرائي وليس حصراً عقلياً. ولا بأس بمراجعة روايات الخمس في الوسائل وغيرها للوقوف عليها، والإستيناس بها فإن الإستيناس بكلمات المعصومين سلام الله عليهم تساعد الإنسان في أقل تقدير على الإستنباط الأجود.

إشكال وجواب
إن قلت: كيف يجزم صاحب العروة بكون ما فيه الخمس سبعة أشياء وليس أقل من ذلك ولا أكثر مع أن هذه السبعة لم تذكر في دليل واحد، بل قد يستفاد من الحصر الموجود في بعض أدلة الخمس ورواياته أنها أقل؟
قلت: وهذا يجاب بجوابين: نقضاً وحلاًّ:

الجواب نقضاً
أما الجواب نقضاً: ففي كثير من مسائل الفقه عبادات وغير عبادات مما يشترك في حكم واحد أمور وعناوين متعددة، نرى أن هناك أدلة تذكر عناوين مختلفه من حيث العدد، وليس هناك دليلٌ واحد يجمع كل تلك الأمور والعناوين إلا نادرا لولم نقل إنه معدوم الوجود، فمثلا جاء‌ في باب الصوم: «لايضر الصائم إذا اجتنب ثلاث خصال: الأكل والشرب والجماع» ولم يشر الدليل هذا إلى بقية‌ المفطرات التي يصل مجموعها إلى عشرة عناوين جاءت في روايات متعددة، وكذا في باب الصلاة ومبطلاتها وواجباتها، وفي باب الحج وأركانه وكفاراته، وهكذا، فليس هذا الأمر خاصّاً بباب الخمس، بل هو عامّ لكل أبواب الفقه.

الجواب حلاًّ
وأما الجواب حلاًّ: فإنّ ذكر بعض العناوين التي تشترك في حكم واحد وعدم استيعاب جميع العناوين فيه، هو أمر عرفي، جرى عليه العرف السائد في كلّ المجتمعات، وتداول عند جميع أهل المحاورات، مثلاً عندما يراجع المريض الطبيب ويسأله عما يحتمي من الطعام في أكله؟ فإن الطبيب لايذكر له الحمية الا عن بعض الأمور دون أن يستوعب ذكر جميعها حتى ما لم يكن الآن فصله من الفواكه وغيرها ومالم يكن محل ابتلائه.
وكذا لوجاء‌ شخص مؤمن إلى أحد العلماء مثلاً وقال له: كيف أعمل حتى أكون متّقياً؟ فإنّ ذلك العالم لايقول له فيما يقول له: لاتشرب الخمر ولا تقرب الشطرنج ضمن ما يذكره له من أمور لاتجوز له مما لا تحتمل في حقه.
ومن الواضح أن عدم ذكره له ترك الخمر والشطرنج لايدل على أنه يجوز له ان يرتكبهما، وذلك لأن تعداد الأشياء بملاحظات مختلفة يكون مختلفاً، حيث قد يكون محتملاً في حقّ أحد، ولا يكون محتملاً في حقّ غيره، وقد يستوعبه ويتحمّله أحد ولا يتحمّله ولا يستوعبه غيره.
كما لوجاء إلى رجل الدين مثلاً شخص يسأله عما عليه في إفطاره العمدي مما يحتمل أنه لايطيق معرفة جميع ما يجب عليه من قضاء وكفارة تجاه كل يوم أفطره عمداً فيما مضى، فإنّه إذا اطمأنّ إلى أنه التزم بالصوم وأحكام الصوم كله، عند ذلك يبيّن له بقية ما يجب عليه.
وهكذا يكون شأن المعصومين سلام الله عليهم في كلامهم مع الناس وذلك من باب «كلّم الناس على قدر عقولهم»، ومن باب «ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه»، فإن اللسان ليس معناه فقط اللغة العربية أو الفارسية وأمثالها، بل هو أيضاً محاورة كلّ شخص بحسب حاله، فهو من قبيل ما ورد في الحديث الشريف: «من كان له صبي فليتصابى له».
و من ذلك: بيان بعض الأمور والعناوين المشتركة في حكم واحد، لا كلّها كما نحن فيه من الخمس، فإن من يسأل عن الخمس وفي مايجب فيه الخمس وهو تاجر مثلاً يبيع ويشتري في السوق، فإن مقتضى طبيعة شغله أن نذكر له خمس ما يحصل عليه من أرباح التجارة دون أن نذكر له خمس غنائم دارالحرب، أو خمس الغوص والكنز، أو ما أشبه ذلك مما ليس محل ابتلائه.
إذن: فذكر بعض العناوين المشتركة في حكم واحد دون استيعاب الجميع هو مما لاإشكال فيه لأنه أمر عرفي وعقلائي أيضاً.
نعم، لو أراد الفقيه أن يكتب ما فيه الخمس و يضعه للاستفادة بين أيدي الناس ولدي مختلف الأصناف، وجب عليه الاستقضاء والاستعياب.

الحل العلمي
وأما حله برهانياً وعلمياً فهو أنه يجري فيه حكم سائر الظهورات المتعارضة من قاعدة تقديم الأقوى ظهوراً حسب المشهور.
إذ هناك كلام في الأصول في أنّ ملاك التقديم هل هو الأخصية أو الأقوائية؟ فبناء على تقديم الأقوى ظهوراً الذي هو المشهور- مثل تقديم النص على‌ الظهور والأظهر على الظاهر- يكون ذلك ملاك تقدم الخاص على العام،‌ فإذا قال المولى: أكرم العلماء، ثم قال: لاتكرم فسّاقهم، فالعلماء في أكرم العلماء يشمل العدول والفساق، فإذا كان العلماء وهو الموضوع يشمل الجميع عدولاً وفسّاقاً، فالحكم أكرم وهو المحمول يعمّ الجميع عدولاً وفسّاقاً ويشملهم أيضاً، فيجب لأجله إكرام حتى الفساق، لكن حيث إن دليل «لاتكرم فسّاقهم» هو أقوى ظهوراً، إذ دائرته الفسّاق فقط، فيكون ظهوره في الفسّاق أقوى من ظهور العلماء في الفسّاق فيقدّم عليه ويرفع اليد من تكريم الفسّاق من العلماء.
وهكذا ما نحن فيه من تعارض دليل مفهوم الحصر مع منطوق الدليل الآخر، فإذا قال الدليل الحاصر في باب الصوم مثلاً: لايضرّ الصائم إذا اجتنب ثلاث خصال: الأكل والشرب والجماع كان مفهومه أنه لا يضرّ الصائم غيرها، فلا يضره الكذب على الله والرسول، ولا الغبار والدخان الغليظ، ولا يضرّه الإرتماس في الماء، ولا الإصباح جنباً، وهكذا، بينما منطوق الدليل الآخر الذي يقول إن الكذب على الله والرسول مثلاً من المفطرات وأنه يضرّ الصائم، يخصّص ذلك المفهوم، فيكون مفهوم الحصر أنه لا يضرّ الصائم غيرها، فلا يضره الكذب على الله والرسول، ولا يضره الغبار والدخان الغليظ، ولا يضره الإرتماس في الماء، ولا يضره الإصباح جنباً، وهكذا، بينما منطوق الدليل الآخر الذي يقول إن الكذب على الله والرسول مثلاً من المفطرات و أنه يضر الصائم، يخصص ذلك المفهوم،فيكون معني مفهوم الحصر:أنه لا يضر الصائم مائة شيء مثلاً، وهذا المنطوق يأتي فيستثني من تلك المائة الكذب على الله والرسول، ثم الارتماس في الماء، ثم الإصباح على الجنابة وهكذا.

نتيجة الحل
إذن: فالمنطوق حيث إن ظهوره في مورده أقوى من ظهورالمفهوم في شموله لهذا المورد، فيقدم المنطوق لأجل ذلك على المفهوم في هذا المورد.
وعليه: فالتعبيرات المختلفة من حيث تعداد العناوين في الروايات، وكذلك اختلاف تعبير الفقهاء السابقين (رضوان الله عليهم) في بيان تعداد ما فيه الخمس أو مايجب فيه الخمس، ليس هو إختلاف في النظر وإن كان هناك أحيانا إختلاف، لكن هذا بما هو، ليس عائقاً في طريق الإستنباط وفي الجزم بكون ما فيه الخمس محصورا في سبعة أشياء على ما تبيّن.
ثم إن من العبارات المشيرة إلى هذا المعنى هي عبارة الشهيد الأول قدس سره في البيان ص 213 قال: الخمس وهو الحق الواجب في الغنيمة، وهو بشهادة الإستقراء سبعة، داخلة في إسم الغنيمة أحدها: غنائم دارالحرب يعني: أن الخمس واجب في الغنيمة، أما أن الغنيمة ما هي؟ وأين تكون؟ فيقول قدس سره: لقد استقرأنا وتتبعنا الروايات والأدلة، فرأينا أن هناك سبعة‌ موارد، يستفاد من الإستقراء في الروايات أن فيها الخمس، فهذه الموارد السبعة كلها من مصاديق الغنيمة والإغتنام.
هذا على نحو الإجمال بعض الكلام حول حصر العدد، وإن ما فيه الخمس هو سبعة أشياء، ليس أقل ولا أكثر.

الأول: خمس الغنائم
ثم بدأ صاحب العروة في ذكر الأشياء السبعة التي فيها الخمس واحداً بعد آخر وقال: (الاوّل: الغنائم المأخوذة من الكفار، من أهل الحرب قهراً بالمقاتلة معهم، بشرط أن يكون بإذن الإمام سلام الله عليه).
نعم، لقد ذكر صاحب العروة موضوعا هو الغنائم، ثم ذكر لهذا الموضوع خمسة قيود، وهي كالتالي:
1. أن تكون الغنائم مأخوذة من الكفار.
2. أن يكون الكفار من أهل الحرب.
3. أن يكون الأخذ منهم بالقهر والغلبة.
4. أن يكون الأخذ ذلك بسبب الحرب والمقاتلة.
5. أن تكون الحرب والمقاتلة بإذن من الإمام المعصوم سلام الله عليه.
فلو لم تجتمع هذه القيود الخمسة كلها في الغنيمة، بأن افتقدت ولو قيداً واحداً منها، لم يتحقق موضوع الغنيمة ولم يكن الخمس فيها خمس غنيمة، بل كان من خمس أرباح المكاسب علي ما سيأتي إن شاء الله تعالى بحثه.
ثم إن هذه القيود الخمسة التي ذكرها صاحب العروة للغنيمة، فقد ذكرها بعناية خاصة ودقة كاملة، تستدعي الوقوف عندها، والتأمل فيها، لنرى هل هناك قيد آخرغيرها أم لا؟ وما هو وجه التقييد بهذه القيود؟
وهذا ما نترك الكلام حوله إلى حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.




الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG