21 تشرين‌الأول 2017م
آخر تحديث: 21 تشرين‌الأول
 
  رقم الصفحه: 246       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


الغنائم وقيودها الخمسة

بسم الله الرحمن الرحيم
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 

ذكرنا فيما سبق أن صاحب العروة‌ بعد أن دخل في بحث كتاب الخمس و فرغ من المقدمة، بدأ بذكر الأشياء السبعة التي يجب فيها الخمس وعدّها مع أحكامها ومسائلها واحداً تلو الآخر وقال: «الأول: الغنائم، المأخوذة من الكفار، من أهل الحرب، قهراً، بالمقاتلة معهم، بشرط أن يكون بإذن الإمام سلام الله عليه...»، ثم قلنا بأن صاحب العروة‌ قد تعرض ـ في كلامه هذا ـ لذكر موضوع من مواضيع الخمس السبعة، ألا و هو: الغنائم، ثم ذكر لهذا الموضوع خمسة قيود، مما يدل على أنه لابد من اجتماع هذه القيود الخمسة في تحقق موضوع الغنيمة حتى يصدق كون الخمس فيها خمس غنيمة، وإلا فإن افتقد الموضوع ولو قيداً واحداً من القيود الخمسة كان الخمس فيها من خمس أرباح المكاسب و ليس من خمس الغنيمة.
هذا وقد وعدنا بالتأمل والتدبر في هذه القيود، التي ذكرها صاحب العروة، لأنه ذكرها بدقة كاملة وعناية خاصة منه بها، لننظر ماهو وجه التقييد بها، وما هو وجه حصرها في خمسة، وهل هناك قيد آخر غيرها؟
فنقول: أمّا وجه هذه القيود ـ التي يتم بها عند اجتماعها إحراز موضوع الغنيمة ويكون الخمس فيها حكماً هو خمس الغنيمة ـ فإنه كما يلي:

القيد الأول: الأخذ من الكفار
أما القيد الأول وهو قيد: «المأخوذة من الكفار» فهو و سائر القيود الأخرى بحث من بحوث الجهاد، وقد بحثها الفقهاء مفصلاً في كتاب الجهاد، ونحن لانتعرض لها هنا إلاّ بمقدار ما يختص ببحثنا من الخمس إن شاء الله تعالى.
و عليه: فقيد الأخذ من الكفار، يعني: أنه لو كانت الحرب بين طائفتين من المسلمين، كما اتفق بعد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله للطائفة المحقّة بإمامة أميرالمؤمنين علي ابن ابي طالب سلام الله عليه مع الطائفة المبطلة بقيادة الناكثين للبيعة، طلحة و الزبير كما في حرب الجمل، والقاسطين: بني أمية و معاوية ابن أبي سفيان كما في حرب صفين، و كانت هناك لإحداهما غلبة على الأخرى، كما حصل للطائفة المحقّة على المبطلة، فإنه لا غنائم بينهما ولا خمس باسم خمس الغنيمة عندما تضع الحرب أوزارها، وذلك حسب ما قاله الإمام أميرالمؤمنين سلام الله عليه وحسب ما طبّقه عملياً على أرض الواقع.
هذا و إن كان قد يستفاد من بعض الأدلة وبحسب بعض الروايات بأن قول الامام أميرالمؤمنين سلام الله عليه وكذلك تطبيقه العملي لما قاله في هذا المجال كان من باب العنوان الثانوي، وليس من باب العنوان الأولي، ولكن رغم ذلك، فإن الوظيفة الشرعية والحكم الشرعي لغنائم دار الحرب بين طائفتين من المسلمين هو ذلك.

نموذج ومثال
ولنقرّب هذا المعنى ـ نفياً لما يتراءى فيه من الاستبعاد هنا بالمثال التوضيحي التالي:
روي مستفيضاً ـ وكما تعلمون ـ : أن مقام إبراهيم الموجود حالياً على بُعد عدة أمتار من الكعبة المشرفة، كان في الأصل لاصقاً بالكعبة وعلى مقربة منها، لأنه كان الحجر الذي يرتقيه إبراهيم الخليل سلام الله عليه لبناء الكعبة، ثم إن الجاهليين رأوه معارضاً لطوافهم ومزاحماً له، فأزالوه عن مكانه، وأبعدوه عن الكعبة بمقدار ستة وعشرين ذراعاً، فلما بعث الله تعالى النبي الكريم صلى الله عليه وآله بالرسالة وقوي أمره ردّه إلى مكانه الذي كان زمن إبراهيم الخليل سلام الله عليه فيه وجعله على ما كان عليه لاصقاً بالكعبة داخل المطاف، كما قال الله تعالى: «واتخذوا من مقام إبراهيم مصلًى» (البقرة ـ125) حيث كان الحاج يصلون عنده حال كونه لاصقاً بجدار الكعبة، وبقي كذلك لاصقاً بالكعبة بقية حياة النبي الكريم صلى الله عليه وآله، وفي كلّ زمان أبي بكر، وفي قسم من زمن عمر بن الخطاب أيضاً، حتى نقله الأخير ـ بزعم أنه يزاحم الطواف وبحسب العامة أنفسهم أيضاً ـ إلى ما كان عليه زمن الجاهلية وقال حين أراد نقله متسائلاً: من منكم أيها المسلمون يعرف مكان الحجر (مقام ابراهيم) بدقّة قبل أن ينقله النبي ويجعله لاصقاً بالكعبة؟ فقام أحد المسملين وقال: إني أعلم ذلك، قال: و كيف؟ قال: لقد قدّرت الفاصل بين الكعبة والمقام حين أراد الرسول الكريم صلى الله عليه وآله نقله بخيط كان معي يوم ذاك فكان المقدار ستة وعشرون ذراعاً، فقال عمر: وهل ذلك الخيط موجود عندك؟ قال: نعم، قال: فجئني به، فجاء به و كان كما قال ستة وعشرون ذراعاً، فنقل المقام إلى حيث كان قد نقله الجاهليون وعلى ما هو عليه اليوم من المكان.

الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف, إذا ظهر
وفي الحديث الشريف أن الامام المهدي سلام الله عليه وعجل الله تعالى فرجه الشريف إذا ظهر ونشر العدل في البلاد و بين العباد وقوي أمره أرجعه إلى أصله وجعله في مكانه الذي كان عليه في زمن إبراهيم الخليل سلام الله عليه. ولكن رغم هذا التحول في مكان المقام، هناك في روايات الائمة المعصومين من أهل البيت سلام الله عليهم ما يأمروا بوجوب الصلاة خلفه و عنده، و في نفس المكان الذي هو عليه الآن، وهذا الحكم إنما هو بالعنوان الثانوي، وطبقاً للمصالح العامة والجهات المسوغة التي يرونها له، وبحسب الحق الذي جعله الله تعالى لهم وفوّضه اليهم، فقد ثبت ـ بالقطع واليقين وحسب الأدلة والبراهين ـ أن لهم سلام الله عليهم كجدهم الرسول صلى الله عليه وآله مضافاً إلى الولاية التكوينية، الولاية التشريعية أيضاً، مع فارق واحد وهو: أن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله هو صاحب الشريعة السمحاء ومؤسسها، وهم سلام الله عليهم مروّجو الشريعة الغرّاء وحافظوها.

العنوان الثانوي والقيد الأول
وعليه: فإن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم يحكمون أحياناً ولمصالح يرونها، بحكم من باب العنوان الثانوي، وذلك كما نحن فيه من مسألة غنائم دار الحرب بين طائفتين من المسلمين، فان الإمام أميرالمؤمنين سلام الله عليه في حرب الناكثين والقاسطين والمارقين قال بعدم أخذ الغنائم فيها، وطبّق ذلك عملاً أيضاً بإعفائها وتركها لأهلها وإعفاء الخمس عنها، وقد نقل الفقهاء الذين تعرضوا لبحث خمس الغنائم ذلك وقالوا به ـ طبقاً للروايات الموجودة فيه ـ رغم كون هذا الحكم من الإمام أميرالمؤمنين سلام الله عليه ولمصالح رآها فيه كان بالعنوان الثانوي، ولكنه هو الوظيفة الشرعية والحكم الشرعي للعمل في مجاله، نظير قول الإمام أميرالمؤمنين سلام الله عليه: «مننت على أهل البصرة، كما منّ رسول الله صلى الله عليه وآله على أهل مكّة»، فإن مننت كان بالعنوان الثانوي، يعني: كان إعمالاً للولاية التشريعية، واستفادة من حق التشريع الذي فوّضه الله تعالى إليه.

تأييد وتأكيد
ومما يؤيد كون ترك الغنائم فيما نحن فيه من باب العنوان الثانوي، خبر عبدالله بن سليمان: «قال: قلت لأبي عبدالله سلام الله عليه: إن الناس يروون أن عليّاً سلام الله عليه قتل أهل البصرة وترك أموالهم، فقال: إن دار الشرك يحلّ ما فيها، وإن دار الاسلام لا يحلّ ما فيها، فقال إن عليّاً سلام الله عليه إنما منَّ عليهم كما منَّ رسول الله صلى الله عليه وآله على أهل مكة، وإنما ترك علي سلام الله عليه لأنه كان يعلم، أنه سيكون له شيعة وأن دولة الباطل ستظهر عليهم، فأراد أن يقتدي به في شيعته، وقد رأيتم آثار ذلك، هو ذا يسار في الناس بسيرة علي سلام الله عليه ولو قتل عليٌّ سلام الله عليه أهل البصرة جميعاً واتخذ أموالهم لكان ذلك له حلالاً، لكنه منّ عليهم ليمنّ على شيعته من بعده» (وسائل الشيعة: الباب25 من أبواب جهاد العدو، الحديث 6).
وكيف كان: فقيد كون الغنيمة مأخوذة من الكفار، الذي قيّدها صاحب العروة به، يُخرج غنائم دار الحرب بين طائفتين من المسلمين عن كونها غنيمة، وهو بحث مفصّل ذكره صاحب الجواهر وغيره في محله من كتاب الجهاد، ونحن نشير إليه هنا إشارة عابرة و بقدر حاجة البحث اليه:

قول العلاّمة في المختلف
قال العلاّمة في المختلف: (الجزء الرابع من الطبعة الجديدة آخر الصفحة 449) ما يلي:
«ومرجع الناس في ذلك كله إلى ما قضى به أميرالمؤمنين سلام الله عليه في محاربي أهل البصرة، فإنه منع من غنيمة أموالهم وقسمتها، كما تقسّم أموال الحرب، ولا أعلم خلافاً من الفقهاء في ذلك، ولمّا رجعوا إلى أميرالمؤمنين سلام الله عليه في ذلك قال: أيّكم يأخذ عائشة في سهمه؟»
وهذا كما يقال جواب إسكاتي منه سلام الله عليه للمعترضين على عدم أخذ الغنائم وعدم توزيعها عليهم، ومعناه: إنه لو جازت الغنيمة وجاز تقسيمها فمن الغنائم الأسرى والسبايا، فيلزم أيضاً جوازها وتقسيمها بينهم، وفي السبايا عائشة وقد حرّم الله نساء النبي الكريم على المؤمنين من بعده؛ قال الله سبحانه: «ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً» (الأحزاب ـ53).

كلام الشيخ في المبسوط
وقال الشيخ في المبسوط بنقل من العلامة في المختلف أيضاً: «فإذا انقضت الحرب بين أهل العدل والبغي، نظرتْ فكل من وجد عين ماله عند غيره كان أحقّ به سواء كان من أهل العدل أو أهل البغي» أي: ليس هناك في دار الحرب بين الطائفتين من المسلمين غنائم ولا خمس للغنائم فيها.

مع روايات المسألة في الوسائل وغيرها
وفي الوسائل في كتاب الجهاد قال: «إن الناس اجتمعوا إلى أمير المؤمنين سلام الله عليه يوم البصرة فقالوا: يا أميرالمؤمنين! إقسم بيننا غنائمهم. قال سلام الله عليه: أيكم يأخذ أُمّ المؤمنين في سهمه؟» وغير ذلك من الروايات العديدة الموجودة في الوسائل، وفي المستدرك وفي غيرهما من كتب الحديث، وقد بحثها الأصحاب مفّصلاً كصاحب الجواهر في الجواهر و غيره مما حاصله: أنه لا غنائم ولا خمس للغنائم في الحرب الدائرة بين طائفتين من المسلمين، فيكون قيد صاحب العروة للغنائم بكونها مأخوذة من الكفار تاماً و في محله وعليه قامت الشهرة العظيمة، نعم لم يقم عليه الإجماع ولم يتسالم الجميع عليه لوجود بعض المخالفين في ذلك.
هذا بعض الكلام حول القيد الأول من القيود الخمسة التي قيّد بها صاحب العروة حكم وجوب الخمس في موضوع الغنائم المختصة بدار الحرب، وأما الكلام حول بقية القيود فهو ما سنوكله إلى بحث قادم وفرصة ثانية إن شاء الله تعالى.




الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG