15 كانون‌الأول 2017م
آخر تحديث: 14 كانون‌الأول
 
  رقم الصفحه: 247       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


خمس الغنيمة وقيوده الخمسة

بسم الله الرحمن الرحيم
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
القيد الأول
ذكرنا فيما سبق ان صاحب العروة‌ قيّد موضوع الغنيمة بقيود خمسة حتّى يصدق كون الخمس فيها خمس غنيمة لا خمس الأرباح والمكاسب، فقال: «الغنائم المأخوذة من الكفار، من أهل الحرب قهراً، بالمقاتلة معهم، بشرط أن يكون بإذن الإمام عليه السلام» ولقد مضى الكلام في القيد الأول وهو قيد: «المأخوذة من الكفار» بتفصيل وإسهاب، حيث استخلصنا القول فيه بأن تقييد صاحب العروة الغنائم بهذا القيد تام وفي محلّه، وقد قامت الشهرة العظيمة من الفقهاء عليه والقول به.
 
القيد الثاني
وأما القيد الثاني من القيود الخمسة المحققة لموضوع الغنيمة فهو قيد: «كون الكفار من أهل الحرب» وهذا قيد إحترازي لإخراج بقيّة أصناف الكفار منه، إذ الكفار على أقسام وأصناف: الذمي، المعاهِد، المستأمَن، الحربي، كما ان الحربي من حيث الحكم على قسمين: الحربي حال الحرب، والحربي في غير حال الحرب، والغنيمة إنما تكون من الكافر الحربي في حال الحرب فقط، دون الحربي الذي هو في غير حال الحرب، ودون سائر الكفار من الأقسام والاصناف الأخرى، ولذلك كان من اللازم تقييد صاحب العروة القيد الثاني وهو: الكفار من أهل الحرب،‌ بتتمة وهي: حال الحرب ـ كما قيّده به غير صاحب العروة ـ من الفقهاء، لإخراج الحربي في غير حال الحرب، فانّ أموال الحربي في غير حال الحرب خارجة من موضوع الغنيمة ولا يتعلّق بها خمس الغنيمة.
 
نموذج ومثال
مثلاً: مشركو مكة قبل فتح مكة في عام الفتح كانوا كفاراً محاربين، وكانوا يحاربون المسلمين بشتّى أنواع المحاربة: من حصار إقتصادي، وحصار إجتماعي، ومصادرة حقوق، وهدر كرامات، وسلب أموال منقولة وغير منقولة، وكانوا يجيّشون الجيوش لمحاربة‌ المسلمين والقضاء عليهم، كما في حرب بدر وأحد والأحزاب وما إلى ذلك، فالغنيمة تصدق على ما أخذه المسلمون منهم حال إحدى هذه الحروب، وأما لو أخذ أحد المسلمين من أحد هؤلاء الكفار مالاً- خدعة وغيلة مثلاً - في غير حال الحرب، فهل يعدّ ما أخذه في هذه الحالة غنيمة أيضاً؟ وهل فيه خمس الغنيمة أي: الخمس فوراً ومن دون مؤونة السنة، أم لا؟ وإنما فيه خمس المكاسب والأرباح وهو بعد مؤونة السنة؟
أجل، إنّ المأخوذ من الكافر الحربي في غير حال الحرب فاقد لشرط من شروط الغنيمة، والمشروط عدم عند عدم الشرط، ومعه فلا يتعلّق به خمس الغنيمة، لانتفائه بانتفاء موضوعه.
 
أقسام الكفار
ثم إن الكافر الذمّي هو الذي يعيش في بلاد المسلمين وفي ذمتهم وطبق شروط الذمة التي يلتزم بها الذمي تجاه المسلمين الذين يعيش في كنفهم، بينما الكافر المعاهِد، أو المستأمَن هو الذي ليس في بلاد المسلمين ولا في ذمتهم، وإنما يعيش في بلاد الكفر وعلى أراضيهم أنفسهم، علماً بأن المعاهدين هم: الكفار الذين لهم معاهدة سلام مع المسلمين، كما قال الله تعالى: «إلاّ الذين عاهدتم من المشركين... » (التوبة: 4) فيلزم على المسلمين معاملتهم طبقاً للمعاهدة، وأما المستأمن فهو الكافر الذي أعطاه أحد المسلمين الأمان، كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وآله «يسعى بذمّتهم أدناهم» فلو أعطى أحد المسلمين ـ وإن كان داني المنزلة والرتبة ـ الأمان لأحد من الكفار الحربيّين سمّي ذلك الكافر: المستأمَن، ولزمهم الأمان له وإن كان قد انفصل عن الكفار المحاربين في ساحة الحرب وطلب الأمان من أحد المسلمين.
 
مع كلام كاشف الغطاء
قال العلامة كاشف الغطاء في كتابه «كشف الغطاء» ج 2، ص 359 ـ مايلي: «غنائم دار الحرب: كل ما أخذ من الكفار الحربيين... ولم يكن مغصوباً من مسلم أو ذمي، أو معاهد، أو معتصم بأمان، ففيه الخمس» فقد عرّف غنيمة دار الحرب والتي فيها خمس الغنيمة بكونها مأخوذة من الكفار المحاربين، وفي حالة الحرب،‌ وكونها أموالاً خاصة‌ بهم، غير مغصوبة أو مسروقة من محترمي المال: من مسلم، ولا ذمي، ولا معاهد، ولا مستأمن، فإنه لو ثبت أنها سرقت أو غُصبت بسببهم من أحد هؤلاء المحترمي المال والعرض، وجب ردّها إليهم، إذ هي ليست في عداد الغنيمة ناهيك عن وجوب خمس الغنيمة فيها.
هذا هو بعض الكلام في القيد الثاني من القيود الخمسة ‌المحققة لموضوع الغنيمة وهو قيد: «كون الكفار من أهل الحرب» وفي ساحة الحرب وحالها.
 
القيد الثالث
وأما القيد الثالث من القيود الخمسة المحققة لموضوع الغنيمة، فهو قيد: «كونه مأخوذاً قهراً» وهو لإخراج المأخوذ طوعاً، كما لو كان بالتبايع ـ مثلاً ـ أو بالهبة، أو التصالح، أو ما أشبه ذلك، فإن ما أخذ من الكافر الحربي بغير قهر ولاغلبة لم يكن غنيمة، ناهيك عن تعلق خمس الغنيمه به.
 
القيد الرابع
وأما القيد الرابع من القيود الخمسة المحققة لموضوع الغنيمة، فهو قيد: «كونه بالمقاتلة معهم» وهو لإخراج المأخوذ منهم بلا مقاتلة، فإنه ليس غنيمة ولا يتعلق به خمس الغنيمة، وحيث إنه ياتي الكلام فيه عن المصنف فنوكل التفصيل إلى ما يأتي إن شاء‌ اللّه تعالى.
 
القيد الخامس والأخير
وأما القيد الخامس والأخير من القيود الخمسة ‌المحققة‌ لموضوع الغنيمة، فهو قيد: «كونه بإذن الإمام المعصوم سلام الله عليه» ومن يقوم مقامه، ويكون في حكمه من المتفق عليه والمتسالم فيه وهو النائب الخاص، أو المختلف فيه وغير المتفق عليه، بل على قول في النائب العام، وهو يرجع إلى مسألة الولاية وأنه هل للفقيه ولاية أم لا؟ وهي مسألة خلافية بحثها الفقهاء في كتاب الجهاد، وقد بحثها الشيخ الانصاري بمناسبة في كتاب البيع، فإذا لم تكن الحرب بإذن الإمام المعصوم، أو من يكون إذنه في حكم إذن الإمام المعصوم، يكون المأخوذ فيها كله للإمام المعصوم سلام الله عليه إذ لا يتحقق في غنائمها موضوع الغنيمة ولا يترتب فيها خمس الغنائم، بل تكون كلها سهم الإمام وجميعها فيء راجع إلى المعصوم، فلا تحلّ لأحد بأن يدفع خمسها و يأخذ الأخماس الأربعة منها.
هذا هو إجمال ما يرتبط بالقيود الخمسة بالنسبة إلى تحقق موضوع الغنيمة ليتم فيها وجوب خمس الغنائم بحسب قول المصنف صاحب العروة.
 
مطلب لابدّ منه
وهناك مطلب لا بأس بالتعرض له والتوجه إليه، وهو: أن القرآن الحكيم قد ذكر الخمس في مكان واحد وهو خمس الغنيمة حيث قال: «واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن للّه خمسه...» (الأنفال: الآية 41) وعندنا في هذا المجال رواية صحيحة السند متّفق على صحّتها وقد حصرت الخمس في الغنيمة أيضاً وهي صحيحة عبداللّه بن سنان عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنه قال: «ليس الخمس إلا في الغنائم خاصة» ـ (الوسائل أبواب ما يجب فيه الخمس الباب الثاني الحديث الأول) ـ هذا مع أن هناك روايات كثيرةً في كتب الخاصة وكذا في كتب العامة مثل البخاري وغيره تقول بالخمس في غير الغنائم أيضاً مثل ما عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في وجوب الخمس في الركاز وهو الكنز أو الأعم منه، وغير ذلك حتى عدّ فقهاؤنا الخمس في سبعة أشياء.
وعليه: فما هو وجه صدور هذه الرواية الصحيحة وما هو وجه الحصر فيها؟ هل هو كما حاول البعض من توجيهها بأنها صدرت تقية لوجود من يُتقى منهم في ذلك المجلس مما دعا الإمام الصادق سلام الله عليه إلى التقية منهم، أو هو غير ذلك من التوجيهات الأخرى، وذلك ليتسنّى الجمع بينها وبين الروايات الأخر؟
 
مفاد الصحيحة والآية الكريمة واحد
أقول: إن مفاد الصّحيحة هو مفاد الآية الكريمة، فما يقال في الآية يقال فيها أيضاً، ومعه لا حاجة للجمع بينها وبين سائر روايات الخمس إلى تأويلها وتوجيهها. والذي يبدو للنظر من الآية الكريمة هنا هو مايلي:
 
هنا دليلان:
الدليل الاوّل
أولاً: إنه لو لم يكن لنا أيّ دليل يدل على وجوب الخمس سوى هذه الآية الكريمة، فهل كان يصح لنا حسب الموازين العلمية والأصولية تقييد الخمس فيها بغنائم دار الحرب فقط، دون غيرها من الغنائم والأرباح بحجة أن مورد الآية الكريمة هي غنائم دار الحرب؟ الجواب: كلا لم يصح لنا ذلك:
أـ لأن الآية الكريمة ليس فيها ما يحصر الخمس بغنيمة دارالحرب.
ب ـ لأن الآية الكريمة تقول: ما غنمتم من شيء ففيه الخمس، وإن مما غنمتم هي غنيمة دار الحرب.
نعم، هناك قرينتان تساعد على القول بالحصر قد يستند إليهما من يزعم الحصر بغنيمة دارالحرب وهما:
 
قرينتان إدّعائيتان:
القرينة الأولى
مورد الآية الكريمة. حيث أنها نزلت في غزوة بدر بعد انتهاء الحرب بحسب بعض الروايات والأدلة.
وفيه: أن من أُسس الفقه والأصول عند الخاصة والعامة هو: أن الاعتبار بعموم أو اطلاق الوارد دون خصوص المورد، و بعبارة أخرى: أن المورد لا يخصّص الوارد، فإن من يخصّص الوارد بالمورد كان عليه أن يخصّص غير الخمس بمورده أيضاً، كنزول آية وجوب الزكاة في مورد كذا، ووجوب الحجاب على النساء في مورد كذا، ونزول آية تحريم الخمر في مورد كذا، ‌وتحريم الزنا في مورد كذا، وهكذا بقية الأحكام الشرعية التي ورد كل منها في مورد خاص ومناسبة معينة استدعت نزول الحكم في تلك المناسبة وذلك المورد، وهذا ما لا يقول به أحد.
مضافاً إلى أن من يخصّص الوارد بالمورد عليه أن يخصّص الخمس في غنائم حرب بدر فقط، دون غنائم الحروب الأخرى، إذ كيف يصحّ إطلاق المورد لموارد أخرى ولا يصحّ إطلاق الغنائم لغنائم أخرى؟
 
القرينة الثانية
قال بعضهم: إن الغنيمة وإن كان لها اطلاق يشمل الأرباح والمكاسب، إلاّ أن في نفس الآية الكريمة‌ قرينة تدل على أن الغنيمة فيها خاصة بغنيمة دار الحرب، وهي قوله تعالى في الآية ‌الكريمة بعد ذلك: «يوم الفرقان يوم التقى الجمعان» قال: هذه الجملة من الآية الكريمة قرينة تخصّص الغنيمة بدار الحرب.
 
مناقشات
وفيه: إنه قبل أن نجيب الجواب العلمي والفني على هذه القرينة، نستعرض الآية الكريمة وهي في سورة الأنفال (الآيه 41): بسم الله الرّحمن الرّحيم: «واعلموا أنما غنمتم من شيء، فأن للّه خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان واللّه على كل شيء قدير» لنرى هل للآية ظهور في هذه القرينة؟ وكيف يكون لهذه القرينة ظهور أقوى من ظهور عموم الغنيمة حتى يُخصّص بها عموم الغنيمة؟
قال مدّعي القرينة: إن «يوم الفرقان» ظرف متعلق ـ بحسب التفسير الذي هو إشارة إلى حرب بدر ـ بكلمة : «غنمتم» أي:‌ {واعلموا انما غنمتم يوم الفرقان فان لله خمسه...} وعليه: فتكون القرينة مخصصة لعموم الغنيمة.
وفيه: إنه لا ظهور للآية الكريمة في هذه القرينة، بل إن ظهور الآية في كون اليوم متعلق بكلمة: «وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان» فإنه مضافاً إلى أن «ما أنزلنا» أقرب إلى «يوم الفرقان» و التعلق بالأقرب أولى وأفصح: إن الله أنزل آلاف الملائكة لنصرة النبيّ في حرب بدر أولاً، كما أخذ النبي الكريم كفاً من التراب ورمى به في وجوه المشركين وقال: شاهت الوجوه فدخل التراب عين كل واحد منهم فلم يقدروا على القتال ثانياً، وقد نصر الله المسلمين وهم عُزّل وقليل على جمع مسلّح وكثير‌ ثالثاً، فهذه المعجزات هي التي اختصت بها حرب بدر، وليس خمس الغنيمة، وهو واضح لكل من له إلمام باللّغة العربية.
 
ادعاء‌ قرينة ثالثة
هذا وإن بعض العامة إدعّى قرينية اليوم أيضاً وقال: إن «يوم الفرقان» ظرف مستقّر متعلق بثابت، الذي هو من ألفاظ العموم و«إن لله خمسه» متعلق به أيضاً، فيكون قرينة على تخصيص خمس الغنيمة بغنائم دار الحرب.
وفيه: أنه لا ظهور في هذا المدّعى مضافاً إلى أنه يقتضي تخصيص ذلك بغنيمة حرب بدر فقط مع أنه لا يقول به أحد.
وعليه: فإن «يوم الفرقان» متعلق بكلمة: «وما أنزلنا على عبدنا» وظاهر فيه ظهوراً عرفياً وواضحاً، وذلك لقرب الظرف منه، ولمناسبة الحكم والموضوع أيضاً.
 
الدليل الثاني
وثانياً: أن الغنيمة من حيث اللّغة تشمل كل مغنم ومكسب عموماً، و«ما غنمتم من شيء» في الآية الكريمة لها اطلاق فتشمل كل المكاسب والارباح .
إن قلت: إنها مقيدة. قلت: إن تقييد الغنيمة بدار الحرب دليل على أن الغنيمة لها اطلاق، لأن هناك قاعدة مذكورة في الأصول وتعرضوا لها في الفقه أيضاً وهو: مفهوم القيد، وإنه يكون للاحتراز لا للتوضيح، ومعناه: إن الأصل العقلائي ـ الذي مثبتاته حجة ـ هو أن القيد إنما يكون للاحتراز عن الأقسام الأخرى، مما يكون مفهومه: إن للَّفظ إطلاقاً فجيء بالقيد لتحجيم إطلاقه.
هذا هو بعض التفصيل في الجواب عن الحصر الموجود في الصحيحة وكيفية الجمع بينه وبين روايات الباب، وأما المباحث الأخرى فنوكل الكلام حولها إلى بحث قادم إن شاء اللّه تعالى.



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG