23 آب 2017م
آخر تحديث: 22 آب
 
  رقم الصفحه: 248       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


مفهوم الغنيمة

بسم الله الرحمن الرحيم
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
 

• مفهوم الغنيمة بين الإطلاق والتقييد.
• تعريف أهل البيت سلام الله عليهم لمفهوم الغنيمة يغني عن تعاريف اللغويين.
 

آية الخمس وإطلاق الغنيمة
تحدثنا سابقاً عن إطلاق الغنيمة في آية الخمس الكريمة، وأنها لا تختصّ بغنيمة دار الحرب، بل تشمل كلّ فائدة وربح، حتى مثل أرباح المكاسب، وكذلك الفوائد التي يحصل عليها الإنسان بمشقّة أو بغير مشقّة، ونضيف إلى ماسبق: أنّ الشريف الرضي نقل في كتابه {المجازات النبوية} الكلمة 191 ص 236 عن النبي الكريم صلى الله عليه وآله أنه قال: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» مقابل الغنيمة الحارّة. فالتعبير من سيد الفصحاء وأعظم البلغاء وأفصح من نطق بالضاد عن الغنيمة بالباردة، دليل على أن الغنيمة لها إطلاق تشمل الباردة وغير الباردة، وإلا لما صح تقسيمها. وفي تاج العروس في شرح القاموس ج 2، ص 301 قال في تفسير الحديث الشريف: {والباردة: الغنيمة الحاصلة بغير تعب} وذلك في قبال الغنيمة الحربية الحاصلة بتعب ونصب. وفي كتب الفقه خاصة وعامة عند ما يتطرقون في الحديث عن الغنائم، يقيّدونها غالبا بكلمة: {دار الحرب} مما يكشف عن إطلاق الغنيمة وشمولها لغير دار الحرب من أرباح المكاسب والفوائد الحاصلة بمشقّة أو بغير مشقّة أيضاً.
 

التقييد من علائم الإطلاق
وعليه: فذكر الغنيمة مقيدة بدار الحرب، أو ذكرها موصوفة بالباردة كما في بيان الرسول الأكرم، ولسان أهل بيته الطاهرين، وكتب الفقهاء واللغويين -على ما جاء في الأصول والمنطق- دليل إطلاق الغنيمة وشمولها لكل ما يحصل عليه الإنسان من فائدة وربح بتعب وغير تعب، وإلاّ لما صح تقييدها، كما أن الأصل العقلائي في القيد هو: الإحتراز -لا التوضيح- والتوضيح بحاجة إلى قرينة، وكشاهد على ذلك نذكر ما قاله الوحيد البهبهاني في حاشيته على {مجمع الفائدة والبرهان} للمحقق الأردبيلي ص 304: {مفهوم القيد حجة قطعاً، لأن القيد للاحتراز، فكيف لايكون مفهومه حجة؟}
إذن: فإطلاق الآية الكريمة كلمة {الغنيمة} وعدم تقييدها بشيء كدار الحرب وغيرها دليل عدم اختصاصها بشيء وعمومها لكل ما يطلق عليه الفائدة والربح.
هذا بعض ما كان يرتبط بالبحث السابق.
 

الغنيمة في تفسير أهل البيت سلام الله عليهم
ثم إن هنا مطلبا آخر وهو: أنه لو كنا نحن وكلمة {الغنيمة} وأردنا أن نعرف معناها فإلى من كنا نرجع؟ كان علينا أن نرجع إلى الفصحاء من العرب، أي: إلى المخاطبين والمشافهين بآية الخمس الكريمة حتى نسألهم عن معناها، وحيث إنا لم ندرك المشافهين بالآية الكريمة حتى نرجع إليهم، نرجع إلى من شافههم وأخذ منهم وروى عنهم وهم اللغويون مثل صاحب العين: الخليل بن أحمد الفراهيدي وغيره، وذلك إما من باب الإنسداد في اللغة كما هو قول الشيخ الأنصاري، أو من باب كونهم أهل خبرة كما هو قول المشهور والمنصور، ولكن لو ساعدنا الحظ وعاضدنا التوفيق بالتعرّف على أفصح العرب وأبلغهم و هم الرسول الأعظم وأهل بيته المعصومون سلام الله عليهم فإن أفصح العرب هم قريش، وأفصح قريش هم بنو هاشم، وأفصح بني هاشم هم أهل البيت سلام الله عليهم وذلك من غير نكير ولا تشكيك حتى من جهة أعدائهم، إذ لم يستطع أحد من مناوئيهم ولا من العامة ولا غيرهم إنكار كونهم أفصح العرب، كيف لا وهم أصول العرب، ومعدن الفصاحة وأساس البلاغة والبيان.
 

أهل البيت سلام الله عليهم المرجع في كل شيء
وعليه: فإنهم سلام الله عليهم لو بيّنوا لنا معنى {الغنيمة} أغنانا عن الرجوع إلى غيرهم من أهل اللغة واللغويين ومن سائر العرب والناس أجمعين، وذلك لا من باب أنهم سلام الله عليهم خلفاء الله في أرضه وحججه على عباده، فإنهم كذلك وهم أئمتنا وحجة الله علينا في كل شيء،‌ ولكن من باب أنهم سلام الله عليهم لبّ العرب ولبابهم، فإذا قالوا شيئاً كان قولهم وبيانهم حجة ودليلاً قاطعاً، وقد بيّنوا لنا معنى {الغنيمة} وقالوا: أن {الغنيمة} تعني الأعم من غنيمة دار الحرب. ومعه، فلا شك في شمول الغنيمة لكل فائدة، فإنه حتى على فرض التعارض مع تفسير غيرهم ـ ولا تعارض ـ يكون المقدّم قولهم دون قول غيرهم، لأنهم مضافا إلى كونهم أفصح العرب أعرف بما جاء به القرآن الحكيم.
 

آية الخمس وصحيح ابن مهزيار
ففي صحيح علي بن مهزيار عن أبي جعفر الجواد سلام الله عليه أنه كتب إليه: «... وقال الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} والغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء، والفائدة يفيدها، والجائزة من الإنسان للإنسان...» الوسائل/ كتاب الخمس/ أبواب ما يجب فيها الخمس/ الباب 8/ ح 5. فلقد فسّر الإمام الجواد سلام الله عليه معنى الغنيمة بما يغنمها المرء، ثم أوضحها بالعطف التفسيري بأنها هي الفوائد الشاملة حتى لمثل الجوائز والهدايا، والمنح والهبات، فأفاد العموم من جهتين: الغنائم والفوائد.
خبر حكيم وآية الخمس
وفي خبر حكيم مؤذن بني عبس أو عيس قال: «قلت له (أي: للإمام الصادق سلام الله عليه) {واعلموا أنما غنتم من شيء فأنّ لله خمسه وللرسول...} قال سلام الله عليه: هي (أي: الغنيمة) والله الإفادة يوماً بيوم».
فإذا فسّر المعصومون سلام الله عليهم {الغنيمة} وهم أفصح العرب وأبلغهم، فقد أغنونا عن المراجعة إلى اللغة واللغويين، إذ مع تفسيرهم سلام الله عليهم ينتفي الموضوع فينتفي الحكم وهو وجوب الرجوع إلى كتب اللغة واللغويين لمعرفة معنى الكلمة.
 

إشكال وجواب
وهنا إشكال لا بأس بطرحه وإن لم أر مَن طرحه في الكتب الفقهية وغيرها، بل قد طرحه بعض الفضلاء في المباحثات الشفهية والحوارية وهو كما يلي:
إن قلت: الصحيحة حجة تعبّداً، وعباراتها الفصيحة تدلّ على صدورها عن المعصوم سلام الله عليه ولكن لو غضضنا الطرف عن هذه الصحيحة وفرضنا عدم وجودها وبقينا نحن وخبر حكيم المرسلة وغير الحجة، فكيف يصح لنا الإعتماد على ما جاء فيه من معنى {الغنيمة} مع أنه لا علم وجداناً ولا تعبّداً به، ومعه فلا ضمان بصحّة هذا الخبر وصدوره عن المعصوم سلام الله عليه؟
قلت: 1. هل هناك -حيث لا علم لنا وجداناً ولا تعبّداً- عندما نرجع إلى كتب اللغة واللغويين لمعرفة معنى كلمة ما، ضمان بصحّة معنى هذه الكلمة وصدورها عن العرب الفصحاء؟
2. إنه لم يكن من بناء العقلاء في معرفة معاني كلمات اللغة أن يكون ذلك قد رواه اللغوي بسند معتبر و صحيح.
3. إنه لا يقصر ما روي من المعنى اللغوي عن المعصوم سلام الله عليه عمّا رواه سائر اللغويين، بل يزداد عليه أنّ النقل عن المعصوم مضمون الأفصحية، بينما النقل عن غير المعصوم مزعوم الفصاحة لادّعاء اللغوي أنه أخذ المعنى من العرب الفصحاء مع أنه لم ير العرب الفصحاء وإنما أخذ منهم بالواسطة.
وعليه: فالخبر غير المعتبر والمرسل لو نقل عن المعصوم معنىً لغويّاً لكلمة من الكلمات العربية، صحّ الإعتماد عليه بالأولوية القطعية، وذلك فنيّاً و علمياً وليس من باب أنّ قول المعصوم حجة يجب اتباعه وإن كان تفسيراً لُغويّاً لمعنى كلمة من الكلمات العربية.
 

الأرجح من التفسيرين
 ومعه فلو لم يتوافق تفسير اللغويين مع تفسير الإمام المعصوم سلام الله عليه لمعنى {الغنيمة} وإنما انفرد المعصوم بكون الغنيمة هي مطلق الفوائد والأرباح حتى مثل الهدايا والهبات، واجتمع اللغويون على أنها خاصّة بدار الحرب، لوجب اتباع المعصوم وترك غيره من سائر اللغويين، فكيف وقد اتفق اللغويون مع المعصوم في ذلك.
 

الرجوع إلى أصل البحث
إذا اتضح ذلك نرجع إلى أصل البحث ونواصل كلام صاحب العروة في الغنائم. فإنه بعد أن قيّدها بقيود خمسة قال: {من غير فرق بين ما حواه العسكر وما لم يحوه} أي ما كان موجوداً في ساحة الحرب وما لم يكن موجوداً فيها بل كان موجوداً خلف ساحة الحرب ووراء المعسكر فإن في جميعها الخمس، وهذا حكم يدلّ عليه إطلاق الغنيمة في الآية الكريمة، وهو من اليقينيات ومن مسلّمات الفقه. وهو أيضاً إجماعيّ قد اتفق عليه المسلمون جميعاً بلا خلاف ولا إشكال فيه، ولذلك نقتصر الكلام حوله بهذا القدر.
 

الخمس في المنقولات وغيره
ثم نأتي إلى بقية كلام صاحب العروة، فإنه قال: {والمنقول وغيره، كالأراضي والأشجار ونحوها} أي: أنه لا فرق في الغنيمة ووجوب الخمس فيها بين ما حواه العسكر وما لم يحوه وبين ما كان من الأموال المنقولة وما لم يكن من الأموال المنقولة، وكان هذا أيضاً كسابقه مما أجمع عليه الفقهاء في أكثر من ألف عام حتى زمان صاحب الحدائق فإنّ قبله لم ينقل أحد خلاف ذلك، وحتى مثل صاحب المدارك على دقّته لم يخالف ولم يتخلّف عمّا عليه الفقهاء الذين كانوا قبله من وجوب الخمس فيها جميعاً.
 

تفصيل صاحب الحدائق
وأما صاحب الحدائق فقد قال بالتفصيل في خمس الغنائم بين ما كان منقولاً فأوجب فيه الخمس وبين ما لم يكن منقولاً ‌فنفى عنه الخمس، ولكن بعد صاحب الحدائق لم يتبعه أحد في هذا التفصيل، بل ردّوا عليه غالباً، فصاحب الجواهر قد ردّه في خمس جواهره، والشيخ الأنصاري ردّه في كتاب خمسه، وهكذا غالب مَن بعده، مثل صاحب العروة وغالب المحشّين على العروة، فإنهم لم يعلّقوا على إطلاق عبارته مع أنهم يُعَدّون بالعشرات، وفي رسالة صاحب الجواهر: {مجمع الرسائل} ما ترجمته: {سواء كان من المنقولات أم غيرها} وهناك ثمانية من أعاظم الفقهاء ومحققيهم قد علّقوا على هذه الرسالة وهم: الشيخ الأنصاري، والشيرازيّان: الميرزا محمد حسن والميرزا محمد تقي، الكاظمان: الآخوند الخراساني واليزدي الطباطبائي، والميرزا النائيني، والمحقق العراقي، والمؤسس الحائري، ولم يعلّقوا رضوان الله عليهم جميعاً على {سواء} بشيء وأنما وافقوا عليه بصورة جازمة، وسلّموا له بضرس قاطع، مع اختلاف مشاربهم الفقهية والأصولية. وهكذا لم يعلّق على إطلاق العروة غالب محشّيه، كالنائيني والحائري والبروجردي والوالد والسيد عبد الهادي الشيرازي وكاشف الغطاء، نعم العراقي قد أشكل ولكن من جهة أخرى لا من جهة الإطلاق. ومن الذين علّق هنا هو المرحوم السيد الأخ وقال: {فيه إشكال} لكنه في موسوعته الفقهية لم يتعرّض إلى هذا الإشكال بصورة صريحة، وإنما وافق صاحب العروة في إطلاقه بصراحة واستدلّ له على ذلك مع أنه قد ذكر لصاحب الحدائق بعض ما يمكن الإستدلال له على تفصيله مضافاً إلى أدلّته ثم ردّها جميعاً.
إذن: فالشهرة العظمية من المتقدّمين والمتأخّرين قائمة على وجوب الخمس في غير المنقولات من الغنائم أيضاً كما هي قائمة على وجوب الخمس في الأموال المنقولة من أصل الغنائم.
 

أدلّة قول المشهور
هذا بعض الكلام في أقوال المسألة، وأما الكلام في الدليل على ذلك، فمع رعاية الإختصار للعبور سريعاً والوصول إلى أرباح المكاسب التي هي محل الإبتلاء حاضراً، نقول ما يلي:
إنّ عمدة أدلة المشهور اثنان، كما أن عمدة أدلة صاحب الحدائق اثنان أيضاً، وقد بحث الأدلة بصورة مفصّلة وبشكل مسهب صاحب الحدائق في حدائقه لأنه صاحب فكرة التفصيل، وكذلك صاحب الجواهر في جواهره، وهكذا المرحوم السيد الأخ في موسوعته الفقهية، وعلى من أراد التفصيل مراجعتها.
أما دليلا المشهور فأوّلهما: الإطلاقات من آية ورواية، مثل «واعلموا أنّما غنمتم من شيء» أي: منقولاً كان أو غير منقول، ومثل: {في الغنائم الخمس} فإنها مطلقة غير مقيّدة. وثانيهما: الروايات الخاصّة وقد أنكرها صاحب الحدائق وقال بأنه ليس عندنا روايات خاصة، ولكن المشهور قالوا بوجودها وقبلوها دليلاً لقولهم.
 

صاحب الحدائق ودليل تفصيلة
وأما دليلا صاحب الحدائق فهما عبارة عن:
1. إن روايات خمس الغنائم ليس فيها ظهور يشمل وجوب الخمس في غير المنقول، كما يشمل الخمس في المنقول.
2. إن روايات الأرض المفتوحة عنوة أيضاً كذلك.
وعليه: فكلتا الطائفتين منصرفتان عن وجوب الخمس في غير المنقول مع أنهما في مقام البيان من هذه الجهة.
ثم إنه مِن ضم القاعدة {لو كان لبان} إلى عدم وجود رواية خاصة تقول بوجوب الخمس في غير المنقول، قال صاحب الحدائق إعتماداً على هذا الظهور بتخصيص إطلاق الآية والرواية وتخصيص خمس الغنائم بالأموال المنقولة فقط، أما نقد كلام صاحب الحدائق والتعليق على استدلاله فهو ما نوكله إلى بحث قادم إن شاء الله تعالى.




الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG