23 آب 2017م
آخر تحديث: 22 آب
 
  رقم الصفحه: 249       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


خمس الغنيمة ـ الخمس غير المنقول من غنائم دار الحرب

بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 

كان الكلام في الخمس، وفي خصوص خمس غنائم دار الحرب، ووصل البحث إلى أنه يشمل الغنائم المنقولة وغير المنقولة كما قال صاحب العروة في هذا المجال: (والمنقول وغيره: كالأراضي والأشجار ونحوها) وذكرنا أن على ذلك قامت الشهرة العظيمة من القدماء والمعاصرين، غير صاحب الحدائق فإنه قال بالتفصيل بين المنقول فأوجب فيه الخمس، وبين غير المنقول فنفى عنه الخمس، وكان عمدة استدلاله على تفصيله دليلين، ذكرنا هما في البحث السابق، ووعدنا نقدهما والتعليق عليهما في بحث لاحق، وقد آن أوان الوفاء بالوعد فنقول والحمد لله على توفيقه وهدايته إلى ذلك ما يلي:
كلام صاحب الحدائق وعمدة الأدلة على تفصيله
قال صاحب الحدائق قدّس سره في حدائقه (ج 12، ص 325) في جملة ما قال(وقد تتبعت ما حضرني من كتب الأخبار كالوافي والوسائل المشتملة على الكتب الأربعة وغيرها، فلم أقف فيها على ما يدلّ على دخول الأرض ونحوها في الغنيمة التي يتعلق بها الخمس ولم أقف في شيء منها على وجوب إخراج الخمس منها عيناً أو قيمة حتى الأخبار الواردة في تفسير الآية المشار إليها، فإنها ما بين صريح أو ظاهر في تخصيصها بما ينقل ويحول، وحينئذ فيمكن تخصيص الآية بما دلّت عليه هذه الأخبار). وقال في مكان آخر من حدائقه بأنه تتبع روايات الأرض المفتوحة عنوة، فلم يقف على ما يدلّ على وجوب الخمس فيها وتعلّقه بها أيضاً.
ثم استفاد من خلوّ هاتين الطائفتين من الأخبار- بحسب صاحب الحدائق - عن الصراحة أو الظهور في ذلك، انصرافاً بل ظهوراً قام من أجله بتخصيص عمومات الكتاب والسنة، وتقييد إطلاقات أدلة الخمس، وقال بحصر وجوب الخمس في المنقول من غنائم دار الحرب فقط دون غيرها.
نقد كلام صاحب الحدائق ونقض أدلته
إعترض المشهور على تفصيل صاحب الحدائق وقالوا في اعتراضهم عليه ونقدهم لتفصيله ما يلي:
أولاً: في الإطلاقات والعمومات كفاية في شمول الخمس لغير المنقول.
وثانياً: بعدم صحّة ما ادّعاه صاحب الحدائق من الانصراف، كما أنكروا عليه قوله المزبور: (فإنها ما بين صريح أو ظاهر في تخصيصها بما ينقل} بأن عندنا في الروايات ما هو صريح بوجوب الخمس في غير المنقول أيضاً.
روايات الخمس في غير المنقول من الغنائم
من الروايات الصرحة في وجوب الخمس في غير النقول من الغنائم: صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام ـ كما في الوسائل: كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 1، ح 12ـ ولا إشكال في اعتبارها وصحّتها، حيث قد عبّر عنها معظم الأصحاب بالصحيحة، غير صاحب الحدائق فإنه عبّر عنها بالموثقة، وذلك لشبهة إذا سنحت فرصة لبيانها تعرّضنا لها إن شاء الله تعالى.
والصحيحة هي: عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: الفيء والأنفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة الدماء، وقوم صولحوا وأعطوا بأيديهم، وما كان من أرض خربة أو بطون أودية ‌فهو كلّه من الفيء، فهذا لله ولرسوله، فما كان لله فهو لرسوله يضعه حيث شاء، وهو للإمام بعد الرسول، وأما قوله: وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب… قال: ألا ترى هو هذا؟ وأما قوله: «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى» فهذا بمنزلة المغنم، كان أبي يقول ذلك، وليس لنا فيه غير سهمين: سهم الرسول وسهم القربى ثم نحن شركاء الناس فيما بقي.
كلمتا: الفيء والأنفال
وقبل الكلام في الشاهد من هذه الصحيحة، لا بأس ببيان كلمتي: الفيء والأنفال، والفرق بينهما من حيث المفهوم والمعنى، أما الفيء: فإنه يقال للشيء إذا ذهب وفقد ثم عاد ورجع: ‌فاء، ولذلك يقال للظل الحاصل للإنسان - مثلاً- في الشمس من بعد الظهر: فيء. لأن ظل الإنسان الذي كان له قبل الظهر يتقلّص ويذهب بالمرة في بعض المناطق وأحياناً عند الظهر ولدى زوال الشمس، ثم يعود ويرجع إليه ثانية، وبهذا الإعتبار- : الفقدان والذهاب ثم العود والرجوع ـ يقال للظل بعد الظهر: فيء، بينما الظل الذي يحدث للإنسان في الشمس قبل الظهر يقال له: ظل، ولايقال له فيء؛ لعدم ذهابه ورجوعه.
ظرافة بلاغية
ولابأس هنا بذكر موضوع بلاغي أدبي يرتبط بالظل ويتعلق بأكرم الخلق على الله وأشرفهم: الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله فإن من المشهور والمعروف عنه أنه لم يكن له ظل إذا كان يمشي في الشمس وهو من معجزاته المشهودة والمعترف بها، وقد أخذ هذا المعنى أحد أدباء العرب وشعرائهم وجعله في بيت وقال:
 

لاظلّ للـهـــادي أتعلــم ســره
 

شمس كحيدر في ظلال محمد
 

أي: إن فقدان الظل لوجود النبي صلى الله عليه وآله في شمس سماء الدنيا، إنما هو لوجود شمس سماء العلم والفضيلة إلى جنبه صلى الله عليه وآله ألا وهو شمس وجود علي أمير المؤمنين عليه السلام ومن المعلوم: أن الظل من الشمس الأولى فيعدم أشعة نور الشمس الثانية.
تبادل الظل والفيء
وعليه: فإن الشاعر عبّر هنا بالظلّ وقال: (لاظل) ولم يقل لا فيء؛ لأن الظل - وكما قلنا- يطلق على الظل الحاصل من الشمس قبل الظهر، وهو مما يلجأ إليه ويلاذ به دائماً، بينما الفيء وهو الظل الحاصل من الشمس بعد الظهر لايلجأ إليه باستمرار ولا يلاذ به دائماً. لأنه وخاصة في الصيف حار وملتهب من شدة الحرارة بحيث لايفيد اللجوء إليه، مما دعا إلى المثل العربي الدارج ليقول: (شمس الصبح ولا فيء العصر) ولذلك عبّر الشاعر في شعره بالظل دون الفيء. وعبّر القرآن الحكيم وكذلك الروايات الشريفة عن الأراضي التي فتحها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله بالفيء. لأنها عادت ورجعت إلى ملكه بعد أن ذهب بها واستغلّها المشركون والكافرون. هذا والأنفال جمع النفل ويقال للزيادة والإضافة.
مركز الاستدلال في الصحيحة
نرجع إلى الصحيحة وما جاء فيها، فلقد جاء في أولها: (الفيء والأنفال ما كان من أرض) أي: إن مركز الكلام مختص في هذه الصحيحة حول الأرض، ثم جاء في آخرها: (وليس لنا فيه غير سهمين: سهم الرسول وسهم القربى) والسهم هو صريح في الخمس وظاهر في تعلّق الخمس بأراضي الغنيمة، وعليه: فالصحيحة شبه صريحة في وجوب الخمس في الأراضي التي حصلت بأيدي المسلمين غنيمة. كما أن وجوب الخمس في الأموال المنقولة التي حصلت بأيدي المسلمين غنيمة صريحة أيضاً.
صحيحة مسمع بن عبد الملك
وأما الصحيحة الثانية فهي - كما في الوسائل - أيضاً-: كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4، ح 12 - عن أبي سيار: مسمع بن عبد الملك في حديث قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: إني كنت وليت البحرين الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، وكرهت أن أحبسها عنك وأعرض لها وهي حقك الذي جعل الله تعالى لك في أموالنا، فقال: وما لنا من الأرض وما أخرج الله منها إلاّ الخمس؟ يا أباسيار! الأرض كلها لنا، فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا، قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كله؟ فقال لي: يا أبا سيار! قد طيبناه لك وحللناك منه فضم إليك ما لك، وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون، ومحلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم، وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم منها صغرة.
الصحيحة سنداً ودلالة
وهذه الرواية صحيحة بلا إشكال، ومسمع هذا قد وثّقه الكشي توثيقاً صريحاً ولم يكن له تضعيف من أحد، نعم قد تأمّل فيه (الميرزا محمد) صاحب الرجال، ولكن في تأمّله كلام قد نتعرّض له في محلّه إن شاء الله تعالى.
إذن: فالرواية صحيحة من حيث السند، وأما من حيث الدلالة فهي أيضاً كالصحيحة الأولى تدلّ دلالة واضحة على وجوب الخمس في غير المنقول من الغنائم أيضاً.
مع حاكم البحرين وعامله
هذا ولا يخفى أن البحرين كانت في زمان الإمام الصادق عليه السلام وحتى يومنا هذا محاطة بالماء، ومشاع فيها الكسب بالغوص، وكان أبوسيار: مسمع بن عبد الملك من عمّال حاكم البحرين على جانب الغوص، وكان ذلك الحاكم من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام وكان على أقل تقدير ممدوحاً.
ملاحظة أدبية
وهنا في هذه الصحيحة نقطة بلاغية وملاحظة أدبية لابأس بالتعرّض لها في قوله عليه السلام: «وما لنا من الأرض وما أخرج الله منها إلاّ الخمس؟» وهي أن الجملة هذه إنما هي استفهام انكار إبطالي، يعني: ليس فقط حقهم فيها الخمس وحده، بل كل الأرض ملكها الله إياهم، ثم إن استخدام الإمام الصادق عليه السلام الذي هو بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وآبائه المعصومين أفصح العرب كلمة (ما) في الإستفهام الإنكاري، دليل على عدم اختصاص الإستفهام الإنكاري بهمزة الاستفهام - كما ادعاه المغني- بل هو عام لكل أدوات الإستفهام، وقد فهم مسمع هذا المعنى أيضاً من كلام الإمام الصادق عليه السلام ولذلك قال (أنا أحمل إليك المال كله) فأجابه عليه السلام بقوله: «يا أبا سيار! قد طيبناه لك وحللناك منه، فضم إليك مالك».
تحليل الخمس دليل وجوب الخمس...
ثم إنه عليه السلام تعرّض لمسألة تحليل الأرض بقوله: «وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون» فهو سواء على القول بالتحليل المؤقت وهو المشهور المنصور أم التحليل الدائم غير المشهور، فإنه يدلّ على وجود الخمس ووجوبه في الأرض ومن ثم صحّ تحليله مؤقتاً أودائماً.
هل الأصل هو الخمس؟
ويتفرّع على هذه المسألة ما هو محلّ حاجة المؤمنين ومورد ابتلائهم يومياً وهو: إن الأصل في الأشياء - وعند الشك فيها - هل هو وجوب الخمس أو البراءة وعدم وجوب الخمس؟ الظاهر من الأدلة: أن ألاصل هو وجوب الخمس إلاّ ما خرج بدليل، وهذا الأصل دليل ثانوي وحاكم على أصل البراءة هنا، وهذا ما يأتي بحثه في حلقات قادمة وبتفصيل إن شاء الله تعالى.
استنتاج
وعليه: فالروايتان صحيحتان سنداً، وواضحتان دلالة، فإنهما من حيث الدلالة كافيتان على وجوب الخمس في غير المنقول من الغنائم أيضاً، وبهذين الدليلين وهما عمدة أدلة المشهور - أعني: كفاية الإطلاقات للدلالة على شمول الخمس لغير المنقول من الغنائم، ووجود روايات خاصة تقول بوجوب الخمس في الأراضي التي يغنمها المسلمون - رد المشهور تفصيل صاحب الحدائق وأجابوا بهما عن عمدة أدلته، وحيث أن موضوع البحث هذا مما هو ليس محل الإبتلاء فعلاً، نختصر الكلام حوله، ونكتفي بما ذكرناه في هذا المجال للننتقل إلى الموضوع الذي يليه ويأتي من بعده، وذلك في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.




الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG