18 تشرين‌الأول 2017م
آخر تحديث: 18 تشرين‌الأول
 
  رقم الصفحه: 250       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


مستثنيات خمس الغنيمة

بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
مستثنيات خمس الغنيمة
مضى الكلام في حلقة سابقة حول شمول خمس الغنيمة للغنائم المنقولة وغير المنقولة، ووعدنا أن ننتقل منها إلى ما يليها من الموضوعات الأخرى، وقد حان الوقت للوفاء بذلك والحمد لله رب العالمين.
قال في العروة: (بعد إخراج المؤن التي أنفقت على الغنيمة بعد تحصيلها بحفظ وحمل ورعي ونحوها منها. وبعد إخراج ما جعله الإمام سلام الله عليه من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح، وبعد استثناء صفايا الغنيمة كالجارية الورقة (أي: النضرة) والمركب الفاره، والسيف القاطع، والدرع. فإنها للإمام سلام الله عليه، وكذا قطائع الملوك فإنها أيضا له سلام الله عليه).
خمس الغنيمة ومستثنياته
بعد أن أبدى صاحب العروة نظره في وجوب خمس الغنمية وعموم الوجوب في المنقول وغير المنقول من غنائم دار الحرب، بدأ بذكر ما يستثنى منها من وجوب الخمس، وهي: أمور عديدة بدأها بالنفقات التي تنفق على الغنائم من أجل حفظها وصونها وحملها ونقلها، وذلك من زمان حصولها إلى زمان إخراج خمسها وتقسيمها بين المقاتلين، فإن كل النفقات التي تنفق في هذا المجال، والمصاريف التي تصرف في هذا الطريق مستثناة من وجوب الخمس، يعني: أنها تؤخذ من نفس الغنائم وتخرج منها أولاً، ثم يكون الخمس في الباقي منها.
المؤونة والمؤن
قبل التوغل في البحث والتوسع في حكم المسألة، لا بأس بالتعرّض لمعنى كلمة (المؤن)، فهي جمع (المؤونة) على وزن (فعولة) من مانهم يمونهم، أي: يتكلف مؤونتهم ويتحمّلها، وتأتي المؤونة بمعنى القوت، وبمعنى التعب والشدّة، وبمعنى الخرج والعدل وذلك بحسب اللغة واللغويين، ولكن المقصود بها هاهنا هو: ما يصرف من الأموال وما ينفق من النفقات في سبيل حفظ الغنائم، أو يبذل في طريق رعايتها وكلاءتها بما فيها من أسرى، أو أنعام، أو خيل وغير ذلك.
مستثنيات سبعة
هناك سبعة أشياء لم تكن لتقسّم بين المقاتلين، وهذا لا كلام فيه، وإنما الكلام في أن هذه الأشياء السبعة هل تخرج من الغنائم أولاً ثم يخمّس الباقي، أم يخرج الخمس من الغنائم أولاً ثم تخرج هذه الأشياء السبعة بعد ذلك؟ اختلف الأصحاب في ذلك مع علمهم بأن بين القولين في النتيجة فرقاً كبيراً من حيث مقدار الخمس و مبلغه.
و هذه الأشياء السبعة هي عبارة عن ما يلي:
الإستثناء الأول
المؤن، وهي النفقات المصروفة على الغنيمة لحفظها ورعايتها.
الإستثناء الثاني
السلب؛ وهو ما يسلب من المقتول من ملابس وأسلحة ونحو ذلك.
الإستثناء الثالث
الصفايا، وهي صفو المال كالسيف القاطع، أو الفرس الأصيل، أو الخاتم الثمين.
الإستثناء الرابع
القطائع، وهي ما اقتطعه الملوك لأنفسهم من أراضي ومنازل وبساتين.
الإستثناء الخامس
الجعائل، وهي جمع جعالة يجعلها الإمام المعصوم سلام الله عليه للمقاتلين وغير المقاتلين ممن يدلّهم على الماء، أو على منافذ العدو، أو على منازلة المبارزين ومقاتلتهم.
الإستثناء السادس
الرضخ، وهو العطية للذين لا حصة لهم في الغنائم مثل إعطاء النساء أو العبيد أو الكفار الذين يساعدون المسلمين ويقاتلون الكفار بإذن الإمام سلام الله عليه.
الإستثناء السابع
النفل، وهو مقابل الفرض، يعني تارة يجعل الإمام جعالة لأحد فيكون ما جعله فرضاً وواجباً له، وتارة يهدي إليه شيئاً من الغنيمة لهمّته في القتال مثلاً تشجيعاً له وتشكّراً منه، وذلك من غير جعالة ولا قرار سابق.
أقوال المسألة
نعم. لقد انقسم قول الأصحاب في المسألة إلى قولين: فبين من يوجب إخراج خمس الغنيمة أولاً ثم إخراج المستثنيات، وبين من يوجب إخراج المستثنيات أولاً، ثم تقسيم ما بقي إلى خمسة أقسام وأخذ واحد منها بعنوان الخمس.
القول المشهور
أما الذي تسالم عليه معظم الأصحاب قبل صاحب العروة وبعده من المتقدّمين والمتأخرين، فهو ما جاء في تعبير صاحب العروة: (بعد إخراج المؤن التي أنفقت على الغنيمة) وقد تتبعت المعلّقين على العروة فلم أجد فيما بين الثلاثين والأربعين معلّقاً إلاّ واحداً علّق هنا بقوله: (محل إشكال) وهو آية الله العظمى السيد أحمد الخونسارى قدس سره، وقد انفرد بالإشكال هنا، ولم يوافقه أحد لا من المتقدّمين ولا من المعاصرين إلاّ الشيخ الطوسى قدّس سره في كتاب الخلاف، والشهيدين قدّس سرّهما في بعض كتبهما، لكنهم على ما قيل لم يقولوا بذلك في كتبهم الأخرى، مما يكشف عن عدم التزامهم بما أشكلوا فيه وأوردوا عليه.
مفاد الروايات الشريفة
والمستفاد من الأخبار، بل صراحتها إخراج المستثنيات في الجملة أولاً، ثم إخراج الخمس، ففي موسوعة الفقه في الجزء الثالث والثلاثين نقل أخباراً في هذا المجال عن الوسائل نذكر اثنين منها:
أولاً: صحيحة زرارة وهي كالتالي: الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة وهي صحيحة بلا إشكال بالنسبة إلى إبراهيم بن هاشم، فإن إبراهيم بن هاشم صحيح بلا إشكال، ومن شكّك فيه عدّ روايته حسنة وإن كان هو أجلّ من ذلك، لأنه إن لم يكن عندنا توثيق بالنسبة إليه إلاّ ما قاله ابنه علي بن ابراهيم في التفسير: بأنه وصلنا من الثقات، الذي يشمل على الأقل مشايخه وقد روى عشرات الروايات عن أبيه لكفى ذلك في وثاقته، ونكتفي بهذا القدر.
وكيف كان: فعن زرارة قال: (الإمام يجري وينفل ويعطي ما شاء قبل أن تقع السهام...) ـ الوسائل: الخمس، الباب الاول من أبواب الأنفال، ح 2 ـ.
مرسلة حماد
ثانياً: مرسلة حماد، وهي: عن الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح سلام الله عليه في حديث قال: وللإمام صفو المال، أن يأخذ من هذه الأموال صفوها: الجارية الفارهة، والدابّة الفارهة، والثوب والمتاع بما يحبّ ويشتهي، فذلك له قبل القسمة وقبل إخراج الخمس، وله أن يسدّ بذلك المال جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك فإن بقي بعد ذلك شيء أخرج الخمس منه فقسّمه في أهله، وقسّم الباقي علي من ولى ذلك، وإن لم يبق بعد سدّ النوائب شيء، لا شيء لهم ـ الوسائل: الخمس، الباب الاول من أبواب الأنفال، ح 4 ـ.
نقطة درائية
ثم إن حماد بن عيسى هو من أصحاب الإجماع، وينبغي أن نحسم الكلام في أصحاب الإجماع، لانحصار بعض روايات الأحكام بنقلهم، وهي عشرات الروايات وفيها أحكام مهمة وحيوية ذكرهم الكشي في ثلاثة مواضع في كل موضع ستة أشخاص بما يكون مجموعهم ثمانية عشر شخصاً، فقال في مكان: بأن هناك ستة أشخاص من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله سلام الله عليهما وفي مكان ثان قال: ستة أشخاص من أصحاب أبي عبد الله سلام الله عليه، وفي مكان ثالث قال: ستة أشخاص من أصحاب أبي الحسن الكاظم وأبي الحسن الرضا سلام الله عليهما فيكون مجموعهم ثمانية عشر شخصاً، قال: (أجمعت العصابة - أي: الشيعة والمراد منهم فقهاء الشيعة - على تصحيح ما يصح عن هؤلاء)، ولا إشكال في اعتبار ما ينقله الكشي من توثيق وتصحيح وإنما قلنا: لا إشكال ولم نقل: لاخلاف، لأن هناك مثل الشيخ الأنصارى قدس سره قد خالف في ذلك وإن كان يقول في النتيجه بقبوله، لكن من باب الإنسداد وبالعنوان الثانوي يقول بذلك. وأما بالعنوان الأولي ومن باب الإنفتاح، فإن الشيخ لا يقول بكفاية توثيق العدل الواحد، أو الثقة الواحد، بينما المشهور يقولون بكفاية ذلك في التوثيقات الحسية وهو القدر المتيقن من التوثيقات، وذلك بالعنوان الأولي ومن باب الإنفتاح.
تعديل الكشي وتوثيقه
وعليه: فلو أن عدلاً واحداً، أوثقة واحداً عدل أحداً أو وثّقه، سُمع منه وقُبل عنه، والكشي ثقة وخبير في علم الرجال أيضاً ومنسوب إلى منطقة (كش) وهي منطقة بأطراف بغداد في العراق، وقيل هي منطقة في أفغانستان أيضاً، ولم أتحقق أنه من أي المنطقتين.
وكيف كان: فالكلام في أنه ما هو المقصود من قول الكشي: أجمعت الشيعة على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء؟ وبعبارة أخرى: على أي شيء تم إجماعهم؟
أقوال في المسألة
اختلف الأصحاب في المقصود من ذلك وانقسمت أقوالهم إلى ثلاثة:
القول الأول
وهو أضعف الأقوال وندر من قال به، وقد حاول الحاج النوري القول به وهو: أن كل رواية وجد في سندها واحد من هؤلاء المجمع على تصحيح ما يصحّ عنهم، كانت الرواية صحيحة، وكان صحيحاً كل من كان في السند قبله وبعده.
القول الثاني
وهو أيضاً - كالقول الأول - يندر من قال به وهو: إن تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء، يعني: إن هؤلاء الثمانية عشر شخصاً هم رجال ثقات في أنفسهم فقط وليس أكثر من ذلك.
القول الثالث
وهو قول المشهور من بعد العلاّمة إلى زماننا هذا، وقد قال به الأعاظم من مثل صاحب الجواهر وصاحب المستند والشيخ الأنصاري وغيرهم، وهو: إن تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء ظاهر - والظهور حجّة لكشفه عن مراد المتكلم - في أن مراده من ذلك هو أن كل رواية كان قد انتهى سندها إلى واحد من هؤلاء الثمانية عشر شخصاً وكان صحيحاً فإن ما بعدهم يكون صحيحاً أيضاً، يعني: إن هؤلاء لا يروون إلاّ عن ثقة، ولا يرسلون إلاّ إذا كانت الواسطة ثقة، وعليه: فتكون مرسلة حماد هذه صحيحة.
مناقشة القول الثالث
أشكل على قول المشهور بإشكالات عمدتها إشكالان: الأول: استبعاد كون الكشي قد تتبع كل شيوخ هؤلاء الثمانية عشر شخصاً، بل قد تتبع روايات كل الشيعة ورأى أنهم يصحّحون ما صحّ عن هؤلاء، لأن ظاهر كلامه هذا يستدعى أنه قد تتبع كل أخبار الطائفة حتى توصل إلى هذه النتيجة وهي: أنهم يصحّحون ما صحّ عن هؤلاء، وهذا مستبعد جداً.
وفيه: إن الظهور إذا انعقد لكلام، فاحتمال خلافه حتى ولو وصل إلى الظن ملغي، فمجرد الاستبعاد إذن ما لم يصل حدّ الاطمئنان لا يضر بظهور كلامه هذا.
الثاني: لقد ثبت بالتتبع أن في شيوخ هؤلاء الثمانية عشر شخصاً من هو مسلم الضعف، وهذا يكون قرينة على أن الكشي لم يرد من كلامه هذا المعنى الظاهر منه، وإن أراد منه ذلك، فإن شهادته بذلك غير تامة.
وفيه: ‌لقد تتبعت شيوخ هؤلاء وهم قرابة ثلاثمائة شيخ فلم أجد عشرة منهم مسلَّم الضعف، وعلى فرضه فهو من مصاديق (ما من عام إلاّ وقد خُصّ) ولا يضرّ ذلك بظهور العام. نعم لو استلزم تخصيص الأكثر انكسر ظهور العام، وما نحن فيه لم يكن قطعاً من مصاديق تخصيص الأكثر.
استنتاج
إذن: فمرسلة حماد معتبرة سنداً، وصريحة دلالة، وهي تكفينا دليلاً على أن الخمس في الغنيمة يكون بعد إخراج المستثنيات في الجملة والتي منها المؤن.
 



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG