23 آب 2017م
آخر تحديث: 22 آب
 
  رقم الصفحه: 251       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


الغزو بلا إذن من الإمام ومصير غنائمه

بسم الله الرحمن الرحيم
 
 بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
خمس الغنيمة مع إذن الإمام
كان الكلام فيما يخصّ غنيمة دار الحرب ووجوب الخمس فيها، منقولها وغير منقولها، وأنّ الخمس فيها يكون بعد إخراج المستثنيات من الغنيمة استثناءات في الجملة والتي منها المؤن حيث مضى الكلام في استثناء المؤن في الحلقة السابقة، وذلك كلّه فيما إذا كان الغزو بإذن الامام المعصوم سلام الله عليه، وأما إذا لم يكن الغزو بإذن الإمام المعصوم سلام الله عليه فما يكون حكمه؟ وهل يجب في غنائمه الخمس؟ فهذا ما سنتحدث عنه في هذه الحلقة بإذن الله تعالى:
خمس الغنيمة من دون إذن الإمام
قال صاحب العروة: {وأما إذا كان الغزو بغير إذن الإمام سلام الله عليه فإن كان في زمان الحضور و إمكان الاستئذان منه فالغنيمة للإمام سلام الله عليه} وهذا يعني أنّه قد فصل في هذه المسألة بتفصيل لم يسبقه أحد فيه إلا قليل، مضافاً إلى أنه في كتبه الأخرى غير العروة وفي حواشيه على الكتب الفقهية قبل العروة (مثل رسالة صاحب الجواهر، ورسالة الشيخ الانصاري، ورسالة الميرزا الشيرازي الكبير) لم يعلّق في حواشيها بهذا التفصيل المذكور هنا في العروة، ولعلّ رأيه الفقهي الاخير كان بخلاف رأيه السابق في كتبه وحواشيه وهو الذي استقرّ عليه و ذكره في العروة.
وكيف كان، ففي المسألة ـ أي: في وقوع الغزو من قبل المسلمين بدون إذن الامام المعصوم سلام الله عليه وحصولهم على غنائم، كما اتّفق ذلك في زمان بني أمية وبني العباس ـ أقوال أربعة:
المسألة من دون بحث مراتب الولاية
هذا بغضّ النظر عن البحث في الولاية، الخاصّة بالإمام المعصوم سلام الله عليه ومراتب الولاية بالنسبة لنوّابه ووكلائه زمن الغيبة والحضور، فإنّه بحث خاصّ بولاية الفقيه بالنسبة إلى الأمور العامّة المرتبطة بالأمّة الإسلامية أو بمصير شعب مسلم، فإنّ البحث في سعة الولاية وضيقها، وحدودها ومراتبها يرجع إلى مسألة ولاية الفقيه المبحوثة في محلّها، وأيضاً بغضّ النظر عما بحثه الشهيد الثاني في كتاب الروضة: شرح اللمعة الدمشقية، وغير الشهيد الثاني في كتب أخرى؛ من أنه هل هناك فرق في حكم المسألة بين زمان حضور الإمام المعصوم سلام الله عليه وزمان عدم حضوره و غيبته، حيث لا إمكان من تحصيل الإذن منه ظاهراً، مما قد بُحث في محلّه. بغضّ النظر عن ذلك كلّه، نواصل الحديث عن المسألة وعن الأقوال فيها، فإنّ الأقوال فيها ـ كما مرّ ـ أربعة و هي كالتالي:
أقوال المسألة
القول الأول

1ـ قول المشهور من الفقهاء و هو: أنّ كلَّ الغنيمة تكون من الأنفال ويعود إلى الإمام سلام الله عليه لأن الأنفال - كما في القرآن الحكيم - لله والرسول ثم للإمام، ولعلّه هو أقرب الأقوال، وقد نقله في الدروس والمسالك وذلك من مبسوط الشيخ الطوسي فمن بعده حتى يومنا هذا. وفي مجمع الرسائل - رسالة صاحب الجواهر - وعليها حواشٍ ثمانٍ لثمانية من الفقهاء الأعاظم، ومنهم صاحب العروة نفسه ـ أفتى (أي: صاحب الجواهر) في رسالته هذه وفي المسألة الاولى من مسائل الخمس بنفس هذا القول (أعنى: قول المشهور) وقال ما معناه: إنّ غنيمة الحرب الحاصلة من دون استئذان من الإمام سلام الله عليه تكون من الأنفال، والأنفال لله، وما كان لله فهو لرسوله، وما كان للرسول فهو للإمام سلام الله عليه، ولم يعلّق على ذلك أحد من المحشّين العظام حتى صاحب العروة نفسه، مع أنه اختار غير ذلك القول في كتابه (العروة الوثقى).
نعم، علّق على مجمع الرسائل الشيخ الأنصاري بقوله: فيه تأمّل. ولعلّ ذلك يرجع إلى عدم تنقيحه للمسألة، لأنّه في كتابه المعروف بكتاب «الخمس» اختار قول المشهور، وكذلك اختار قولَ المشهور الفقهاء الذين جاءوا من بعد صاحب العروة، ويظهر ذلك بوضوح مما سجّلوه من تعليقات على كتاب العروة.
القول الثاني
2ـ قول صاحب الحدائق، أي: المنسوب إليه. ولم تسنح لي الفرصة بالبحث عن أنه هل قال بهذا القول أحد قبله، أم هل هو من ابتكاراته؟ وهو التفصيل بين ما لو كان الغزو لأجل نشر الاسلام والدعوة اليه؛ فكلّ الغنيمة للإمام سلام الله عليه وبين ما لم يكن كذلك؛ ففيها الخمس وباقيه للمقاتلين. وقد وافق صاحب الحدائق اثنان من المتأخّرين حسب تتبّعي السريع والعاجل، أحدهما: السيد محمد تقي الخونساري في حاشيته على العروة، حيث ذكر تفصيل صاحب الحدائق فيها، وثانيهما: الميرزا النائيني في حاشيته على العروة أيضاً، فإنه ذكر تفصيل صاحب الحدائق فيها، مع فرق واحد وهو تفصيل ثانٍ في الشقّ الأوّل من تفصيل صاحب الحدائق.
القول الثالث
3ـ قول المحقّق النراقي في المستند حكايةً عن غيره، فإنّ رأي صاحب المستند (المحقق العراقي) يوافق المشهور في هذه المسألة؛ قال السيد الأخ أعلى الله درجاته في موسوعته الفقهية في (الخمس: الفقه، ج 33، ص 23) ناسباً هذا القول إلى المستند حكايةً عن غيره، و هو: كون الخمس للإمام والباقي لآخذ الغنيمة.
القول الرابع
4ـ قول صاحب العروة، وهو تفصيل خاصّ به، ذو شعب وفروع، وسوف نتعرض له عند الوصول في نقد الأقوال إليه ان شاء الله تعالى.
نقد القول الأول
لا بأس بأن نبدأ بنقد القول الأوّل وهو قول المشهور، وأن نستعرض أدلّته ومؤيِّداته حتى يتبين قوّته من ضعفه، ومع تبيّن ذلك يظهر لنا أيضاً مدى قوّة الأقوال الأخرى من ضعفها.
قال المشهور: إنّ الغنيمة الحاصلة من الغزو الذي لم يكن بإذن الإمام المعصوم سلام الله عليه تكون من الأنفال، وهي للإمام جميعاً. فإنّ هذا القول على ظاهره يخالف إطلاقات وجوب الخمس في الغنيمة (أي يقول: بعدم الخمس لأرباب الخمس فيها وعدم كون باقيها للمقاتلين)، ومعه فلابدّ من مخصّص يقيّد تلك الإطلاقات. مثلاً: في رواية أبي بصير: عن أبي جعفر الباقر سلام الله عليه قال: «كل شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله صلّى الله عليه وآله فإنّ لنا خمسه، ولا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً، حتى يصل إلينا حقُّنا» (الوسائل: كتاب الخمس، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 5). وفي رواية عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله الصادق سلام الله عليه في الغنيمة قال: «يخرج منه الخمس ويقسم مابقي بين من قاتل عليه وولي ذلك» - (الوسائل: كتاب الخمس، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 10) فإنه لابدّ لمثل هذه الإطلاقات من مخصّص قويّ حتى يستطيع تقييدها، وحاصل ما استدلّ به لهذا القول هو ثلاثة أدلّة:
أدلّة القول الأول
الدليل الأوّل

الأول: الإجماع، ولعلّ الإجماع كان كذلك قائماً قبل صاحب المدارك، فإنّ صاحب المدارك على دقّته العالية والذي من دقّته ظهرت بعض الاختلافات الفقهية الصادعة للإجماع من بعده، قد ادَّعى التسالم على المسألة، وقال تلميذ صاحب الشرايع: الفاضل الآبي في كتابه (كشف الرموز) وهو أوّل كتاب كتب في شرح الشرايع وقد كتبه في زمان حياة المحقق صاحب الشرايع حيث يعبّر عنه بقوله «دام ظله»، قال: «وما وقفت على مخالف» اي: في المسألة (كشف الرموز: ج 1، ص 272). وقال الشهيد الثاني - وهو من المحققين مسلّماً - في الروضة: شرح اللمعة: «والغنيمة بغير إذنه للإمام على المشهور، وبه رواية مرسلة إلا أنه لا قائل بخلافها ظاهراً».
الإشكال على الدليل الأول
وأشكل عليه صغرىً وكبرىً: أما صغرىً: فبأنّ مثل هذه التعبيرات (ماوقفت على مخالف)، وأنّه «لا قائل بخلافها ظاهراً»، لايصنع إجماعاً، فلا يسمَّى هذا إجماعاً محصَّلاً اصطلاحياً، ومعه فلا إجماع.
وكبرىً: بأنه محتمل الاستناد، إذ يمكن أنهم استندوا إلى هذه المرسلة التي ذكرها الشهيد الثاني وقال: «وبه رواية مرسلة». ومعه فلا حجّية لهذا الإجماع.
الجواب عن الإشكال
وفيه: لو كنّا نحن وهذا الإشكال في مسألةٍ قامت الشهرة العظيمة عليها ـ كالتي نحن فيها، حيث قد ادُّعي كراراً ومن غير واحدٍ التسالـمُ عليها حتى مِن مثل محقّق مدقّق كصاحب المدارك ـ فهل تفقد المسألة بهذا الإشكال حجّيتها؟ علماً بأنّا لا نقول بحجّية الإجماع لدخول المعصوم سلام الله عليه بين المجمِعين، كما لا نقول بحجّيته من باب اللطف، المذكور ما فيه وما يرد عليه في الفرائد والكفاية، وأيضاً لانقول بحجّيته من باب الحدس بموافقة المعصوم سلام الله عليه الذي قال به جمعٌ من المتأخّرين؛ إذ من أين يُعلم موافقته في مثل ذلك؟ مع أنّ الحدس بموافقة المعصوم هو كالحدس بموافقة اللوح المحفوظ، فهل لأحد أن يدَّعي بأنه يحدس بموافقة ذلك اللّوح المحفوظ؟ من الممكن أن يطمئنّ أحد بذلك شخصاً، لكن الكلام في الحجّية النوعية لمن لم يحصل له اطمئنان شخصيّ، إذ لو حصل الاطمئنان الشخصي لأحد فلا كلام، كما ينقل عن الميرزا النائيني أنه كان يقول بحصوله على الاطمئنان الشخصي في حكم مسألة شرعية من فتوى ثلاثة من الفقهاء المراجع: الشيخ الانصاري، والميرزا الشيرازي الكبير، والميرزا محمد تقي الشيرازي، وكان يعلّل ذلك بشدّة ورعهم، ودقّة نظرهم.
حجّية الإجماع لبناء العقلاء
وكيف كان: فإنا لا نقول بحجّية الإجماع لما مرّ، وإنما نقول بحجّية الإجماع للدليل الذي دلّ على حجّية الظواهر، وحجّية الإقرار، وحجّية خبر الثقة ونحو ذلك، وهو: بناء العقلاء، والتنجيز والإعذار لدى العقلاء، فإنّ هذا البناء العقلائي الموجود في الإجماع، موجود في الشهرة العظيمة - كمسألتنا - أيضاً، يعني: لو أن تسعاً وتسعين بالمائة من أهل خبرة قالوا بأمر في شيء هم خبراء فيه، وواحداً منهم شكّ في ذلك، ولم يحصل له الاطمئنان من قولهم أو الاطمئنان على خلاف قولهم، فإنّ الاطمئنان بالوفاق أو الخلاف هو الحجة دون قولهم، كما أن الاطمئنان بما يوافق الظهور أو الإقرار، أو بما يخالفه هو الحجّة دون الظهور أو الإقرار.
فإنّ هذا الواحد الشاكّ، مقابل أولئك الخبراء الثقات التسعة والتسعين، القاطعين والجازمين في المسألة، لو أخذ بقولهم وتبيَّن الخلاف ألا يكون معذوراً عند العقلاء، وإذا لم يأخذ بقولهم وتبيّن الوفاق ألا يكون منجّزاً عليه؟
استنتاج
الذي يبدو للنظر هو كذلك، وعليه: فلو لم يكن للمشهور دليل على قولهم سوى هذا الدليل، لكان حجة.
هذا هو الدليل الأول لقول المشهور، وأمّا الدليلان الآخران للمشهور فهما ما سنوكل الكلام عنه إلى بحث قادم بإذن الله تعالى.



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG