23 حزيران 2017م
آخر تحديث: 22 حزيران
 
  رقم الصفحه: 252       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


الغزو بغير إذن الإمام وخمس غنائمه

بسم الله الرحمن الرحيم
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
كان الكلام في خمس الغنيمة التي حصل عليها المسلمون في غزو لم يستأذنوا فيه الإمام عليه السلام، وسبق أن قلنا إنّ الأقوال في المسألة هي أربعة أقوال وبدأنا الحديث عن القول الأول - وهو قول المشهور - ونقد الأدلة الثلاثة التي أقيمت عليه، فذكرنا في العدد السابق الدليل الأول وهو الإجماع واستنتجنا من نقده وذكر ما فيه وما يقوّيه: بأنه لو لم يكن للمشهور دليل على قولهم سوى هذا الدليل لكان حجة.
ثم وعدنا بالكلام حول ما تبقّى من الأدلة الثلاثة لهم، فمعاً إلى ذكر الدليلين الآخرين لقول المشهور ونقدهما:
الدليل الثاني
الثاني مما استدلّ المشهور على قولهم روايةٌ مرسلة، وهي: مرسلة العباس الوراق عن رجل ـ سمّاه ـ عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: «إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا، كانت الغنيمة كلها للإمام، وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس» (الوسائل، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب الأول، الحديث 16) وهذه الرواية من حيث الدلالة لا كلام فيها، إذ دلالتها صريحة وواضحة، وإنما الكلام في سندها وإرسالها.
نقطة أصولية
هذا ولا يخفى أن الإرسال في مثل ما نحن فيه - الذي قد قامت عليه شهرة عظيمة مسلّمة، بل ادُّعي عليه الإجماع المكرر أيضاً، ولم يكن له مخالف (على ما سبق) قبل صاحب المدارك - لعلّه لا يضرّ بالرواية، لانجبار السند بمثل هذه الشهرة العظيمة، وذلك تبعاً للمعظم من الأصحاب قديماً وحديثاً، حيث إنهم قالوا بانجبار السند بذلك، و نحن نذكر بعض كلامهم كشاهد في هذا المجال:
نماذج على الجبر والوهن السندي والدلالي
كلام الميرزا النائيني

قال الميرزا النائيني في كتاب فوائد الأصول تقريرات الشيخ محمد علي الكاظمي(ج3، ص409): ويغني عن التكلم في سندها عمل المشهور بها والفتوى على طبقها.
ثم ترقّى على ذلك وقال في نفس المصدر الأصولي المذكور(ج4، ص776)، في كلام طويل نأخذ منه مورد الحاجة: (لو كانت الشهرة العملية على خلاف الشهرة الروائية فالعبرة على الشهرة العملية) يعني: أنه لو تعارضت رواية مشهورة صحيحة السند مع عمل الفقهاء و فتواهم قال بتقديم الشهرة العملية على الشهرة الروائية.
هذا في الأصول، وأما في الفقه فإنه لا يقال: على قول العلامة المجلسي: إنهم نسوا في الفقه ما أسّسوه في الأصول، لأنه يقال: بل في الفقه أيضاً كذلك، فقد قال الميرزا النائيني في كتبه الفقهية، كتاب الصلاة، تقريرات الشيخ محمد علي الكاظمي(ج2، ص116) ما يلي:(ولكن مع ذلك في النفس شيء، من جهة عدم عمل القدماء بأخبار الجواز)،(يعني: في المسألة روايات صحيحة السند بالجواز لكن لم يعمل بها الأصحاب) ثم قال بعد قليل: و الحاصل: إن العمدة في المسالة هو أن عدم عمل القدماء على أخبار الجواز هل هو إعراض عنها بحيث يوجب ضعفها أم لا؟
هذا في جانب الوهن السندي، فإن المحقق النائيني يقول الوهن بسبب الإعراض، لذلك يطرح السؤال في الصغرى لمسلّمية الكبرى عنده، وأما جانب الجبر السندي ففي المصدر نفسه (ج1، ص137)، قال بعد ذكر رواية ضعيفة: (والمناقشة في سند الرواية مما لا وجه لها بعد عمل المشهور بها).
كلام المحقق الأصفهاني
وقال المحقق الأصفهاني في حاشيته على المكاسب: (ج5، ص229) في رواية ضعيفة إلا أنها تحتاج إلى جابر وهو عمل الأصحاب المفقود هنا فهو أيضاً كنظيره الميرزا النائيني طرح الإشكال من حيث الصغرى وذلك لمسلّمية الكبرى عنده.
كلام المحقق العراقي
وقال المحقق العراقي في نهاية الأفكار(ج4، ص205): وأما الشهرة العملية فهي عبارة عن عمل المشهور بالرواية (أي الرواية الضعيفة) ثم قال بعده... ولا إشكال في الترجيح بهذه الشهرة، بل الترجيح بها أولى من الترجيح بالشهرة الروائية لكونها جابرة لضعف الرواية، ومصححة للعمل بها وإن كانت الرواية بحسب القواعد الرجالية في منتهى درجة الضعف، بل إطلاق المرجّح عليها لا يخلو من مسامحة، فإنّ هذه الشهرة كما تكون جابرة لضعف الرواية، كذلك تكون موهنة للرواية التي على خلافها وإن كانت مشهورة قد رواها الثقات، فإن المناط في حجية الخبر الواحد بعد أن كان هو الوثوق بسنده وجهته ولو بالأصول العقلائية، فلا جرم بإعراض المشهور من المتقدمين عنه يرتفع الوثوق النوعي بسنده، فيخرج عن درجة الاعتبار وإن كان بحسب القواعد الرجالية في منتهى درجة القوة. فالمحقق العراقي كسابقيه: الميرزا النائيني والمحقق الأصفهاني، وهم أئمة المدرسة الأصولية الراهنة وأعلامها، يرى مسلّمية الكبرى ويقول بالجبر والوهن السندي، ويقدّم الشهرة الفتوائية على الشهرة الروائية، كما فعل ذلك الشيخ المفيد والمشهور من بعده حتى يومنا هذا.
كبرى مسألة الجبر والوهن و صغراه
 وكيف كان: فإنّ الجبر والكسر السندي وكذلك الدلالي هو أمر له مصاديق كثيرة ومتعددة في روايات الخمس ونحن بحاجة إليها، إذ فيما نحن فيه روايتان: إحداهما بحاجة إلى جبر سندي والأخرى بحاجة إلى جبر دلالي على رأي بعض، لذلك ينبغي تنقيح المسألة حتى يتضح لنا أبعادها وحدودها، ونكون على بصيرة فيها، وقد ذكرنا كما مرّ كلمات في كبرى مسألة الجبر والكسر، وبقي أن نذكر كلمات في صغراها.
نعم كانت هذه كلمات من الأعلام الثلاثة في كبرى مسألة الجبر والكسر السندي والدلالي، وهناك كلمات في صغرى مسألة الجبر والكسر السندي والدلالي نذكرها عن جماعة ومنهم من هو من أتباع المحقق الأردبيلي وصاحب المدارك الذين لا يقولون بالجبر والكسر في كل مكان، ولكنهم التزموا بذلك في بعض الأمكنة.
نماذج من صغرى المسألة
النموذج الأول

عن مستند السيد الخوئي في كتابه الصلاة(ج 8، ص 428) قال:صحيحة سليمان بن حفص، وجاء فيها: يجب على المسافر أن يقول في دبر كل صلاة يقصّر فيها: «سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» ثلاثين مرة، ثم قال: وبما أنها دلّت على الوجوب صريحاً، فمقتضى الصناعة الحكم به (الوجوب) لا الاستحباب، لكن الذي يمنعنا عنه أنه لم يذهب إليه أحد فيما نعلم، ولأجله فلا مناص من حمل الصحيحة على الاستحباب، فالرواية مع أنها صحيحة وصريحة في الوجوب، للفظ: (يجب على المسافر) قد حملها على الاستحباب لأنّ المشهور أفتى بالاستحباب، وهذا هو صغرى من صغريات المسألة.
النموذج الثاني
وعن المستند أيضاً، في غسل الإحرام، كتاب الحج (ج2، ص 452) قال: (والأخبار به ـ غسل الاحرام ـ مستفيضة بل كادت تكون متواترة، وظاهر جملة منها بل صريح بعضها وإن كان هو الوجوب - كما في موثقة سماعة لإطلاق الواجب عليه - ولكن لا بد من رفع اليد عن ذلك وحملها على الاستحباب وتأكده، إذ لا يمكن الالتزام بالوجوب مع تصريح الأصحاب بالاستحباب وتسالمهم عليه) فالرواية موثّقة ومصرِّحة بالوجوب، ولكن مع ذلك قد أفتى بالاستحباب لأنّ معظم الأصحاب أفتى بالاستحباب وإن كان بعضهم قد أفتى بالوجوب في خصوص غسل الإحرام، وهذا هو أيضاً صغرى من صغريات المسألة.
النموذج الثالث
وعن المستند أيضاً في صلاة الجمعة التي جاء فيها روايات معتبرة سنداً، وظاهرة أو صريحة دلالة تقول بوجوب صلاة الجمعة في يوم الجمعة وجوباً تعيينياً، وقد أفتى البعض طبقها، ولكنه لم يفتِ بذلك لأن المشهور لم يفتوا به؛ قال في كتاب الصلاة(ج1، ص 27) ما حاصله: لا شبهة في تواتر أخبارها إجمالاً، للقطع بصدور بعضها عن المعصوم، ومنها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:«صلاة الجمعة فريضة» (الوسائل: كتاب الصلاة، الباب1، من أبواب صلاة الجمعة، ح 12) لكن حيث إن الفقهاء لم يفتوا طبقها، بل تسالم المشهور منهم على عدم الوجوب التعييني لصلاة الجمعة قال: (ومع هذا التسالم كيف يمكننا الأخذ بظاهر الأخبار وإطلاقها) فإنه ترك الإفتاء رغم صحة الأسناد، ورغم صراحة ظاهر الأخبار وإطلاقاتها، لتسالم المشهور على عدم الإفتاء طبقها، مع أنه قد أفتى البعض وفقها وهذا هو أيضاً صغرى من صغريات المسألة.
النموذج الرابع
وعن المستند أيضاً، كتاب الصلاة: (ج 3، ص 533) مسألة الاستعاذة في الركعة الأولى قبل قراءة الفاتحة، فإنّ فيها رواية تامّة السند وتامّة الدلالة على الوجوب، وأفتى بعض قليل بالوجوب أيضاً، لكن المشهور لم يفتوا طبقها ولم يقولوا بالوجوب بل قالوا باستحباب الاستعاذة قبل الفاتحة، فاتبع المستند المشهور وترك الرواية وقال: ما هو (عدم الوجوب) المشهور المعروف، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه، وفي المسألة صحيحة الحلبي (الوسائل: كتاب الصلاة، الباب 8، من أبواب تكبيرة الإحرام، ح 1) الظاهرة في الوجوب ثم قال: (وروايتان ضعيفتان: خبر فرات بن أحنف ومرسل الصدوق ـ الوسائل: كتاب الصلاة الباب 58، من أبواب القراءة ح 1 و 2ـ يدلاّن على عدم الوجوب، كيف والمشهور ذهبوا إلى عدم الوجوب، فهو محمول على الاستحباب) فقد ترك - كما رأيت - الرواية الصحيحة السند الصريحة الدلالة وهو وهن للسند وللدلالة لأجل ترك المشهور، وقد أخذ بالروايتين الضعيفتين بحسب تعبيره وهو جبر للسند لأجل عمل المشهور أيضاً.
النموذج الخامس
وعن المستند أيضاً كتاب الصلاة: (ج4، ص430)، في مسألة ذكر الصلاة على النبي عند ذكره صلى الله عليه وآله في هذا المجال روايات متعددة ومتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» (الوسائل: كتاب الصلاة، الباب 42 من أبواب الذكر ح 3) وهي ظاهرة في وجوب ذكر الصلاة عليه وحرمة تركها، وأفتى بوجوبها أيضاً جماعة من الفقهاء، لكن المستند قال فيها بالاستحباب معلّلاً ذلك بقوله: وكيف ما كان فهي بالرغم من قوة السند وظهور الدلالة لم يكن بدّ من رفع اليد عنها وحملها على الاستحباب لقرائن... وعمدتها: أنه كيف خفي الوجوب على جلّ الفقهاء بحيث لم يذهب إلى الوجوب إلاّ نفر يسير وهو صريح في وهن السند والدلالة من أجل عدم فهم المشهور الوجوب منها. وأما النفر اليسير الذين أفتوا بالوجوب فقد ذكر المحقق النراقي في مستنده بعضهم ومنهم: الفاضل المقداد، والشيخ الصدوق، وصاحب الحدائق، والشيخ البهائي، والفيض الكاشاني، والصالح المازندراني وبعض المشايخ البحرانيين، وكذلك قال بالوجوب المحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة، وهكذا قال بالوجوب صاحب المدارك أيضاً، فقد جاء في مداركه: (ج 3 ص، 428): فلا ريب في رجحان الصلاة على النبي في جميع الأحوال، بل لا يبعد وجوبها إذا ذكر؛ لما رواه زرارة في الصحيح وهناك أيضاً غير هؤلاء من الأعاظم الذين قالوا بالوجوب في هذه المسألة، ومع ذلك كله نرى المستند أخذ بالمشهور، وترك الروايات الصحيحة السند الظاهرة الدلالة، تاركاً ما أسّسه في الأصول من أن الشهرة كالحجر بجنب الإنسان، وهذا ليس من باب الإشكال عليه، وإنما تذكيراً بوقوع الجبر والوهن، سنداً ودلالة، في موارد كثيرة من الفقه، مما يدلّ على أنه لا محيص من الإذعان إليه والاعتراف به.
حاصل الكلام
كانت هذه نماذج من الاعتراف بالجبر والوهن سنداً ودلالة، ومن يتتبع في الفقه يجد موارد كثيرة بالعشرات من أمثال ذلك، بحيث يطمئن إلى حقيقة هذه الأمور الأربعة: الجبر، والوهن، سنداً، ودلالة، فالمسألة من حيث الكبرى التي ذكرناها عن أعلام الأصول الثلاثة، ومن حيث الصغرى التي ذكرنا نماذج منها عن المستند، حقيقة ثابتة لا يمكن التغافل عنها. وبقدر قبولنا لها، واعترافنا بها، وتصحيحنا إياها يكون ما نحن فيه من مسألة الخمس مصداقاً من مصاديقها، وفرعاً من فروعها، وإلى حلقة قادمة إن شاء الله تعالى. 



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG