17 كانون‌الأول 2017م
آخر تحديث: 14 كانون‌الأول
 
  رقم الصفحه: 253       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


خمس غنيمة الحرب بغير إذن الإمام

بسم الله الرحمن الرحيم
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
القول الأول وأدلته
كان الكلام في خمس غنيمة دار الحرب التي يحصل عليها المسلمون في حرب لم يستأذنوا فيها الإمام المعصوم سلام الله عليه حيث اختلف الأصحاب فيها إلى أربعة أقوال، وكان القول الأول وهو قول المشهور: ان كل الغنيمة تكون من الأنفال ويعود جميعها إلى الإمام سلام الله عليه لان الأنفال للّه والرسول ثم للإمام، وقد استدل له بثلاثة أدلة تالية:
الدليل الأول: الإجماع
وقد مضى البحث عنه وخرجنا منه بتقويته وبأنه لو لم يكن للمشهور دليل على قولهم سوى هذا الدليل لكان حجة: وكان كافياًً لتقييد إطلاق آية الخمس الكريمة.
ثانيها وثالثها: روايتان أولاهما مرسلة لكنها مجبورة بعمل الأصحاب وقد مرّ الكلام حولها، والأخرى صحيحة ويأتي الكلام عنها إن شاء الله تعالى، وهما كافيان لتقييد إطلاق قوله تعالى: «واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأَن للّه خمسه» سورة الأنفال: الآية41، فإنّ هذه الآية الكريمة لها إطلاق بوجوب الخمس في غنيمة دار الحرب سواء كانت الحرب بإذن من الإمامسلام الله عليه أم لم تكن بإذنه، لكننا فيها وفي غيرها من الآيات الكريمة التي لها إطلاق، نستعين بقوله سبحانه: «وما آتاكم الرسول فخذوه» سورة الحشر: الآية7، مع قول الرسول الكريم في حديث الثقلين: إنّي مخلّف فيكم الثقلين: «كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي»، فننظر فإن كان هناك حديث معتبر عن الرسول وعن أهل بيته يذكر قيداً في مورد إطلاق الآية الشريفة أخذنا به وقيدّنا إطلاق الآية، سواء آية الخمس ام آيات كريمات في مسائل اُُخر غير مسألة الخمس.
فذلكة اصولية
هذا إذا كان القيد معتبراً وواضح المعالم سعة وضيقاً، وتمامية وشمولاً، فإنه يقيّد المطلق، لا ما إذا كان القيد مشكوكاً وغير معتبر، أو كان غير واضح المعالم ومشكوكاً من حيث السعة والضيق، والتمامية والشمول، فإن القيد في الموارد المشكوكة لا يهدم إطلاق المطلق أبداً، بل يبقى المطلق على إطلاقه، ويُتمسّك به لنفي القيد، وهذا ليس من موارد التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، إذ لو كانت الشبهة شبهة مصداقية للعامّ، أو للمطلق، ولم تحرز كونها مصداقاً لهما، فلايصحّ التمسك بالعامّ أو بالمطلق لنفيها، لا وإنما هو مصداق للمطلق ولكن الشكّ والشبهة في اعتباره وعدم اعتباره، إو في تماميته وشموله، وسعته وضيقه، ففي مثله يكون إطلاق المطلق سالماً، إذ الخاصّ لا يهدم عموم العامُّ أبداً إلاّ إذا استلزم تخصيص الإكثر، وكذلك القيد لا يهدم إطلاق المطلق أبداً إلا إذا استلزم تقييد الاكثر.
الدليل الثاني: مرسل الورّاق
الثاني من ادلة المشهور: مرسل الوراق، وقد تكلمنا في العدد السابق حوله وقلنا: إنه رغم إرساله معتبر، لعمل الأصحاب به، فإن العمل جابر للسند، وذكرنا لنفي الاستبعاد عن الجبر السندي نماذج كثيرة من اعتراف الأصحاب - قولاًً وعملاً، وصغرى وكبرى - بالجبر والوهن سنداً ودلالة، وكانت المرسلة كما في كتاب الوسائل آخر كتاب الخمس، أبواب الانفال الباب الأول، الحديث 16 كالتالي: «عن العباس الوراق عن رجل سّماه، عن أبي عبد اللّه سلام الله عليه أنه قال: إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا، كانت الغنيمة كلها للإمام، وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس» فإن العباس الوراق لم يذكر اسم الرجل الذي كان هو الواسطة بينه وبين الإمام الصادق سلام الله عليه ولم يُعرف السبب في عدم ذكر اسمه وأنه هل كان متعمداً في ذلك أو أنه قد نسي اسمه؟ وبالتالي مع عدم ذكر اسمه لم يُعرف وثاقته، فالنتيجة تكون الرواية مرسلة، والرواية المرسلة غير معلومة الصدور، فكأنها لم تصدر من المعصوم إذا لم يحرز صدورها لا وجداناًً ولاتعبداًً، نعم إذا عمل بها الأصحاب كان عملهم بها جبراًً لضعف سندها، فتكون حينئذ منجبرة بالعمل ومعتبره تعبّداًً، يعني تعبداًً عقلائياً ممضىً شرعاً، فإنّ العقلاء كما يرون خبر الثقة كاشفاً تعبّداً عن الصحة وعن الواقع، فكذلك يرون خبر غير الثقة الذي عمل به أهل الخبرة كاشفاً تعبّداً عن صحّة المضمون، وأنه منجّز لدى الإصابة، ومعذّر عند الخطأ.
مرسل الوراق بناءً على الانجبار
إذن: على هذا المبنى، لا مانع من تقييد إطلاق الآية الكريمة بهذه المرسلة، إذ بعد أنجبار سندها بعمل الأصحاب، لم يبق إشكال فيها يمنع من تقييد الإطلاق، وذلك لأنّ دلالتها على التقييد واضحة وصريحة، اُنظر «اذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا، كانت الغنيمة كلّها للإمام» ومن أجل ذلك نرى أن العلاّمة يوافق قول المشهور في هذه المسألة ويقيّد إطلاق الآية الكريمة بهذه المرسلة ويقول - كما في التذكرة، الجزء الخامس، الصحفة 441-: لقول الإمام الصادق سلام الله عليه: «إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا، كانت الغنيمة كلّها للإمام» مع أنه يعلم بكون الرواية مرسلة وقد صرّح أيضاً هو بإرسالها، إلا أنه لانجبارها بعمل الأصحاب اطمأن إليها اطمئناناً حمله على نسبتها رأساً إلى الإمام الصادق سلام الله عليه .
خلاصة الكلام في مرسل الوراق
والخلاصة: أنه لا كلام في دلالة مرسل الوراق؛ إذ دلالتها صريحة وواضحة وليس فيها خفاء ولا غموض، وإنما الكلام في سندها من حيث الإرسال، فإن لم نقبل الجبر السندي رأساً ولم نقل به أبداً، فهذه المسألة تكون على هذا المبنى من موارد عدم الانجبار ولايمكن الاستدلال بها، وإلا بأن قبلنا الجبر السندي وقلنا به ولو إجمالاً وعلى نحو الأخصّ مطلقا، فإنّ هذه المسألة تكون من موارد الانجبار ويصحّ الاستدلال بها، فنقيّد إطلاق الآية الكريمة ونقول: إن الغنيمة الحاصلة من حرب لم تكن بإذن من الإمام المعصوم سلام الله عليه تكون جميعاً للإمام.
الدليل الثالث: صحيح معاوية بن وهب
الثالث والأخير مما استدلّ به المشهور على قولهم بكون الغنيمة كلّها للإمام سلام الله عليه إذا حصلت في حرب لم تكن بإذنه سلام الله عليه، هو صحيح معاوية بن وهب، وهو على ما في الوسائل، آخر كتاب الخمس، الباب الأول من أبواب الأنفال، الحديث(3): «الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه - فإنه على المبنى لا إشكال في وثاقته؛ إذ قد وثّقه ابنه ووثّقه غيره من المتأخّرين أيضاً - عن ابن محبوب، عن معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد الله سلام الله عليه: السريّة يبعثها الإمام فيصيبون غنائم، كيف يقسّم؟ قال: إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم، أُخرج منها الخمس للّه وللرسول، وقُسّم بينهم أربعة أخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام يجعله حيث أحبّ».
والسريّة - على ما في «لسان العرب» الجزء السادس، مادة سرا - : (قطعة من الجيش ما بين خمسة انفس إلى ثلاثمائة، وسمّيت سريّة لأنها تسري ليلاً في خفية لئلاّ يُنذَر بهم العدو فيحذروا أو يمتنعوا).
الصحيح على طاولة النقد
لا كلام في سند هذا الصحيح؛ إذ سنده معتبر وصحيح بلا إشكال، وإنما الكلام في دلالته، حيث أشكل البعض في الدلالة، وذلك من حيث الشرطية الموجودة في الكلام، اذ يقول سلام الله عليه: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم» قال المستشكل: فإنّ في هذه الشرطية جملتين: القتال على الغنائم، وكون القتال مع أمير أمّره الإمام، بينما في الشرطية الثانية جملة واحدة، إذ يقول سلام الله عليه: «وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين» فلم تكن الجملة الثانية التي كانت في الشرطية الأولى وهي: كون القتال مع أمير أمّره الامام، موجودة في الشرطية الثانية، فتكون الدلالة على كون الغنيمة كلها للإمام لأجل ذلك مورد إشكال.
كلام الشيخ الأنصارى رضوان الله عليه في الشرطية
قال الشيخ الأنصاري في كتاب الخُمس المطبوع جديداً في الصحفة(362): «ولا يخفى عدم دلالتها (أي: صحيحة معاوية بن وهب) على المطلوب إلا إذا اعتبر مفهوم القيد في قوله: (مع أمير أمّره الإمام) مع تأمّل فيه أيضاً» فالشيخ الأنصاري قد سحب الكلام بقوله هذا: «إلا إذا اعتبر مفهوم القيد...» من مفهوم الشرط الذي نحن فيه إلى مفهوم القيد، مع أنه ليس الأمر كذلك، إذ قد قال العظماء من أهل الفنّ وفي موارد أخرى من الفقه والأصول: بأنه لو جيء بإن الشرطية - مثلاً - في الكلام، وجيء بعدها بعشرين قيداً، فإنّ كلّ هذه القيود العشرين التي تكون شرطاً في المنطوق، تكون شرطاً في المفهوم أيضاً، ولاتكون قيداً في المفهوم، يعني: إنّ القيود التي تأتي في سياق الشرط وفي ذيلها كما تكون شرطاً منطوقاً، كذلك يكون لكلّ تلك القيود مفهوم، وهذا المفهوم يكون مفهوم شرط أيضاً لا مفهوم قيد. فإذا قال المولى لعبده: «إن جاءك زيد مع أهله وعياله ولم يكن لهم مأوى وكانوا جياعاً - ومائة قيد آخر – فأكرمه» فإّن لكل من هذه القيود مفهوماًً، وهو مفهوم الشرط لا مفهوم القيد، إذ بمجرّد مجيء أداة الشرط في الكلام تنخرط كلّ القيود الموجودة في الكلام ضمن الشرط، بحيث إنه كلّما فُقد واحد من هذه القيود فُقد شرط المولى ولم يتحقّق الجزاء. ثم إنّ الشيخ الأنصاري بعد أن جعل مفهوم الشرط مفهوماً للقيد، تأمّل فيه قائلاً: (مع تأمّل فيه أيضاً) يعني: أنه قد تأمّل في كونه مفهوم قيد، أو تأمّل في أن يكون للقيد مفهوم.
نقد كلام الشيخ الانصاري رضوان الله عليه
إننا لو غضضنا الطرف عن كلام الشيخ الأنصاري وعن إشكاله في الشرطية، وأفرغنا ذهننا من كل ذلك، ثم استعرضنا الصحيحة المذكورة وتأملنا فيها لرأيناها وافية الدلالة وموفية بالغرض؛ فإنّ الإمام سلام الله عليه لما قال: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام عليهم اُخرج منها الخمس للّه ولرسوله، وقُسّم بينهم أربعة أخماس» واكتفى بذلك، كان مفهوم هذا الكلام: بانهم إن لم يقاتلوا عليها بل استسلم العدوّ من دون قتال، أو قاتلوا لكن لا مع أمير أمّره الإمام عليهم، بل من دون إذن الإمام، ثم حصلوا على غنيمة، فإنّ تلك الغنية لم يكن فيها الحكم المذكور؛ إذ أداة الشرط في قوة التكرار عند كل جملة من جُمل الكلام المتعقب للشرط، والمشروط عدم عند عدم الشرط، وهكذا يكون مفهوم الكلام مع ذكر الإمام سلام الله عليه جزءاً من المفهوم لفظاً وعدم ذكره للجزء الآخر باللفظ فان ذكر الإمام جزءًا من المفهوم يكون من باب التوضيح وليس أكثر.
ومنه ما يظهر ما في كلام الشيخ الأنصاري أعلى اللّه مقامه وكذلك ما في بقية كلامه حيث يقول بعد ذلك: (لأنّ المفروض أن ضمير «قاتلوا» راجع إلى «السريّة» التي يبعثها الإمام، فالقيد لايكون للتخصيص قطعاً) نعم، لا يكون لتخصيص اللفظ بل لتوضيحه، لكنه يخصّص الحكم ويقيّده بمفهوم الشرط المتسالم عليه.
استنتاج
بناءً على كل ذلك نستنتج أنّ الادلة الثلاثة كافية لتقييد إطلاق الآية الكريمة القائلة: «واعلموا أنما غنمتم من شيء فأنّ للّه خمسه» بكون الخمس إنما هو في غنيمة دار الحرب الحاصلة بإذن الإمام سلام الله عليه وأما التي حصلت من دون إذنٍ فليس فيها الحكم المذكور بل تكون جميعاً للإمام سلام الله عليه يضعها حيث يشاء. وعليه: فيكون القول الأول - وهو قول المشهور - هو المختار، لكن في ذلك كلام نؤجّله إلى بحث قادم بإذن اللّه تعالى.
 



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG