17 كانون‌الأول 2017م
آخر تحديث: 14 كانون‌الأول
 
  رقم الصفحه: 254       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


قول المشهور وغنيمة الحرب بلا إذن

بسم الله الرحمن الرحيم
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
القول الأول وأدلته ملخّصاً
لقد انتهينا من الكلام في الحلقة الماضية حول أدلة القول الأول من بين الأقوال الأربعة المختصة بمسألة خمس غنيمة دارالحرب التي يحصل عليها المقاتلون في حرب لم يستأذنوا فيها الإمام المعصوم سلام الله عليه وكان ذلك هو قول المشهور، وخلاصة الكلام فيه: أن الغنيمة الحاصلة في حرب لم تكن بإذن الإمام المعصوم سلام الله عليه تكون من الأنفال، ويعود الأنفال كله إلى الإمام المعصوم سلام الله عليه فتكون له جميعاً يضعها حيث يشاء، وليست كالغنيمة الحاصلة في حرب وقعت بإذن الإمام المعصوم سلام الله عليه حيث يكون خمسها للإمام سلام الله عليه والباقي للمقاتلين.كان هذا ملخص القول الأول بعد نقد أدلته الثلاثة: من الإجماع، ومرسل الورّاق، وصحيح معاوية بن وهب، وذلك بناءً على تحقق الإجماع، وانجبار سند المرسلة. ودلالة الصحيحة بفهم المشهور وعملهم، ووعدنا هناك أن نذكر في حلقة قادمة ما يعارض بظاهره قول المشهور من الصحيح الوارد في هذا المجال ومناقشته، وقد حان وقت الوفاء بالوعد فنقول ما يلي:
معارضة صحيحة الحلبي للقول الأول
بناءً على قبول الأدلة الثلاثة ـ القائمة على القول الأول ـ ولو على سبيل البدل، قد وردت رواية صحيحة السند يتنافى ظاهرها مع القول الأول وأدلته: من مرسل الورّاق وصحيحة معاوية بن وهب، ألا وهي صحيحة الحلبي، وهي بهذا اللفظ ـ على ما في الوسائل: الخمس الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، حديث 8 ـ «عن أبي عبدالله سلام الله عليه في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم، فيكون معهم فيصيب غنيمة؟ قال: يؤدّي خمسها ويطيب له».
صحيحة الحلبي سنداً
لقد ذكر صاحب الوسائل هذه الصحيحة مكرراً في أماكن عديدة وبملاحظات مختلفة منها في هذا المكان، وهي من حيث السند صحيحة لا كلام فيها، إذ قد رواها الشيخ الطوسي بإسناده عن سعد، وطريق الشيخ إلى سعد صحيح، وسعد عن علي بن إسماعيل، وعلي بن إسماعيل هذا هو علي بن إسماعيل السري الكرخي الذي وثّقه النجاشي شخصاً، ووثقهُ جماعة آخرون، ولم يوجد في حقه تضعيف من أحد، وهو عن صفوان بن يحيى الذي لا كلام فيه، وهو عن عبدالله بن مسكان الذي لا كلام فيه أيضاً، وهو عن الحلبي: محمد بن علي الحلبي، وهو عن الإمام الصادق سلام الله عليه، وعليه: فالسند لا إشكال في صحته ولا كلام.
صحيحة الحلبي دلالة
وأما هذه الصحيحة من حيث الدلالة فهي مورد نقاش وكلام، فبين من يرى معارضتها للقول الأول، وبين من لا يرى معارضتها له، ثم أن القائلين بالمعارضة بين من قال لأجلها بقول آخر غير قول المشهور، وبين من قال بتأويلها بما يوافق قول المشهور، وبين من قال بطرحها لإعراض المشهور عنها، فلننظر أيّ هذه الأقوال والآراء أقرب إلى الصواب والحقيقة؟.
رأي العلامة وصاحب المدارك
إنّ من بين القائلين بمعارضة صحيحة الحلبي للقول الأول، و الذي اختار على أثر ذلك قولاً آخر غير قول المشهور هو: العلامة وصاحب المدارك، فإن العلامة قد اختار في أحد قوليه وصاحب المدارك اختار أيضاً قولاً غير قول المشهور، للظهور الذي فهماه من عبارة «يكون في لوائهم» الموجودة في صحيحة الحلبي، فهل في الواقع لهذه الصحيحة (صحيحة الحلبي) ظهور في المعارضة كالذي فهمه العلامة وصاحب المدارك أم لا ليس كذلك، بل لا أقل من الإجمال؟
المشهور وصحيحة الحلبي
لم يكن المشهور موافقاً لما رآه العلامة وصاحب المدارك من صحيحة الحلبي ولم يفهموا ما فهماه منها، ولذلك تمسّكوا بالإجماع وبمرسل الورّاق، وصحيحة معاوية بن وهب على قولهم: بأن الغنيمة الحاصلة في حرب لم تكن بإذن الإمام المعصوم سلام الله عليه من الأنفال وتختص جميعاً به سلام الله عليه يضعها كيف يشاء، وتركوا صحيحة الحلبي وأعرضوا عن ظهورها. وعليه: فالدلالة محل نقاش والمشهور لم يأخذوا بظاهرها.
صحيحة الحلبي والمعنى الظاهر منه
لو دققنا النظر في مفردات صحيحة الحلبي، لفهمنا منها معنى آخر غير ما هو الظاهر منها، ولعلمنا أن ما كان ظاهراً منها إنما كان بالنظر البدوي لا الواقعي، فكلمة «الغنيمة» في الصحيحة وإن كان ظاهرها في غنائم دارالحرب، لكن قد ذكرنا سابقاً أن «الغنيمة» من حيث اللغة والاصطلاح الشرعي تعمّ كل نفع وفائدة، ومعه فلا بدّ من قرائن مقالية أو مقامية تخصّصها بغنائم دارالحرب، مضافاً إلى أننا لا نعلم ما هو السبب والداعي لسؤال الحلبي من الإمام الصادق سلام الله عليه هذا السؤال وإجابته سلام الله عليه عليه؟ مع أن الحلبي هو من أفاضل أصحاب الإمام الصادق سلام الله عليه وهو يعلم جيداً بأن الإمام سلام الله عليه كان قد أكّد مراراً أن الغنيمة تشمل كل فائدة، ففي رواية أنه حين سُئل سلام الله عليه عن الغنيمة التي فيها الخمس قال سلام الله عليه في الجواب: «هي والله الإفادة يوماً بيوم» وفي رواية أخرى: «الفائدة يفيدها الرجل» وفي رواية ثالثة: «الخياط يخيط قميصاً بخمسة دوانيق فلنا منه دانق» وفي رواية رابعة: «كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير» ومثل الحلبي على فضله وجلالته يكون عادة مأنوساً بهذا الاصطلاح الشرعي الصادر عن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم فهل يكون مع كل ذلك «الغنيمة» في كلام الحلبي ظاهرة في غنيمة دارالحرب، أو لا أقل من الإجمال؟ وعليه: فلا ظهور للغنيمة في غنائم دارالحرب حتى يعارض به قول المشهور وأدلتهم.
مع مفردات صحيحة الحلبي
بعد أن عرفنا أن «الغنيمة» ليس لها ظهور في غنائم دارالحرب. نأتي إلى باقي مفردات الصحيحة، فمن جملة تلك المفردات قول الحلبي: «يكون في لوائهم» حيث قد فَهِم منها العلامة وصاحب المدارك وغيرهما من غير المشهور: كون الرجل من شيعة أهل البيت مقاتلاً تحت رايتهم، وقالوا: إن لها ظهوراً في ذلك، بينما لو دققنا النظر فيها لاستظهرنا منها معنى غيره، يكشف عن كون ما ظهر لنا أولاً إنما كان بالنظر البدوي، والظهور البدوي ليس حجة وإنما الحجية للظهور المستقر الواقعي، وذلك المعنى هو: كون الرجل من أتباع أهل البيت محشوراً في زمرتهم ـ من مثل بني أمية وبني العباس ـ ويعيش معهم تحت رايتهم، فيحصل منهم أثر الاندماج معهم والعمل لهم على منافع مادية، وفوائد مالية، فكيف يصنع بها حتى يتخلّص من الحرام الذي فيها وتكون لهُ حلالاً، مع العلم بأن هناك موارد مشابهة سُئل الإمام سلام الله عليه عنها، فأجاب سلام الله عليه بخروج الرجل عن كل أمواله فيها.
مؤيدات المعنى المستظهر من الصحيحة
ويؤيد ما استظهرناه من الصحيحة أمور:
1. ما جاء في الصحيحة في أصل المصدر وفي المخطوط أيضاً من كلمة: «أوانهم» مكان «لوائهم» إذ كلمة: «لوائهم» هي نسخة بدل جاءت في بعض النسخ، فيكون معنى الصحيحة على نسخة الأصل: «في الرجل من أصحابنا يكون في أوانهم» أي: يكون في زمانهم، فيتمّ المعنى الذي استظهرناه.
2. ما جاء في الصحيحة بعد كلمة «لوائهم» من عبارة: «فيكون معهم» متوسطةً بينها وبين عبارة «فيصيب غنيمة» مما يؤيد أن كلمة «لوائهم» ليس المراد منها راية الحرب والمقاتلة تحتها، إذ لو كان المراد منها ذلك لما احتاج إلى توسّط عبارة: «فيكون معهم» وهو واضح، لأن المقاتلة تحت رايتهم يعني: كونه معهم، فلا معنى لتكرار كونه معهم.
3. ما جاء في الصحيحة بعد ذلك وهو آخر شيء في سؤال الحلبي عن الإمام الصادق سلام الله عليه من عبارة: «فيصيب غنيمة» حيث خصّص الحلبي ـ وهو من عرفت بكونه من خبراء هذا الفنّ ـ إصابة الغنيمة بهذا الرجل الموالي دون غيره، مما يؤيد أن كلمة: «لوائهم» لا يراد بها راية الحرب والمقاتلة تحتها، إذ لو كان المراد منها ذلك لما خصّص إصابة الغنيمة بالرجل، بل لزم تعميم الغنيمة للجميع والتعبير بلفظ الجمع بقوله مثلاً: «فيصيبون غنيمة ثم يعطونه حصته منها» فالتعبير بالمفرد: «فيصيب» يؤيّد كون «لوائهم» يراد به ما هو المتعارف عند المحاورات: من الحشر معهم والكون في زمرتهم.
مع القائلين بظهور الصحيحة في القتال
إن مثل العلاّمة وصاحب المدارك وغيرهما ـ وهم قليل ـ اعتبروا ظهور الصحيحة في المقاتلة تحت رايتهم أصلاً مسلّماً، ولم يُناقشوا في دلالتها ولم يتعرّضوا للبحث فيها، ولذلك عارضوا بينها وبين مرسل الوراق وصحيحة معاوية بن وهب، وقدّموها عليهما، لأنها حسب هذا الظهور الذي فهمه العلامة وصاحب المدارك: من كون الغنيمة الحاصلة في حرب لم تكن بإذن الإمام المعصوم سلام الله عليه فيها الخمس والباقي حلال للمقاتلين. تتعارض مع ظاهرهما القائل: بأن هذه الغنيمة تكون من الأنفال ويكون جميعها للإمام المعصوم سلام الله عليه يجعلها فيما يشاء. والذين وافقوا قول المشهور ودافعوا عنهم لم يطرحوا الاحتمال الذي ذكرناه في معنى صحيحة الحلبي، وقد طرحنا الاحتمال المذكور هنا للتأمل فيه والتدبر عنده.
معالجة التعارض الموجود
وكيف كان: فإنه بناءً على وجود التعارض فما هو علاجه وحلّه؟ هناك بعض الحلول التي قد تعرّض لها القائلون بقول المشهور ونحن نشير إليها فيما يلي:
الحلّ الاول
1. الحل بناء على انجبار سند الرواية الضعيفة ودلالتها لِعمل الأصحاب بها، وانكسار سند الرواية الصحيحة ودلالتها بإعراض الأصحاب عنها، فإنه على هذا المبنى ـ الذي هو مبنى المشهور ـ يكون مرسل الورّاق معتبراً لعمل الأصحاب بها. وتكون صحيحة الحلبي غير معتبرة لإعراض الأصحاب عنها، فيكون مثلهما مثل رواية صحيحة السند وأخرى ضعيفة السند، حيث إن ضعيفة السند وجودها وعدمها سواء، إذ هي ليست بحجة وما ليست بحجة لا تُعارض التي هي حجة، فلا تكافؤ حتى تصل النوبة إلى التعارض وترجيح أحدهما على الآخر، وهذا هو معنى ما قاله المحقق العراقي: من أن الترجيح هنا وأمثال ذلك نوع مسامحة لأنا نقول: شرط حجية الخبر الحسي أن يكون ناقله ثقة وغير معرض عنه، وصحيحة الحلبي ناقلها ثقة، لكنه معرض عنها. وعليه: فلا حجية لها ووجودها وعدمها سواء، بسبب الإعراض عنها، ومعه فلا حاجة لتأويل متن الصحيحة على فرض تسليم ظهور المتن في غنيمة دارالحرب.
الحل الثاني
2. الحل بناءً على تأويل ظاهر الصحيحة لرفع تنافيها وتكاذبها مع ظهور ما يقابلها، وذلك فيما لو لم نقل بالجبر والوهن السندي والدلالي، ولعل أوجَه تأويل لظاهرها هو تأويل صاحب الجواهر وهو: إن كل الغنيمة الحاصلة في دارالحرب هذه هي من الأنفال وتعود جميعاً إلى الإمام غير أنه سلام الله عليه اكتفى منها لشيعته بخمسها ووهب أربعة أخماسها الأخرى لمن أصابها من الشيعة.
وقد اعترض على تأويل صاحب الجواهر بعض الأصحاب قائلاً: بأن الأصل في الخبر بيان الحكم وهو خلاف هذا التأويل القائل بهبة الإمام سلام الله عليه باقي المال إليه، لكن هذا الاعتراض في غير محله، لأن صاحب الجواهر ـ مع التفاته إلى أن تأويله خلاف ظاهر الصحيحة ـ لم يطرح الرواية مع أنه قائل بالجبر والوهن السندي والدلالي، وإنما أوّل ظاهرها بما لا يتنافى مع ما يقابلها إبقاءً عليها، لأن الجمع مهما أمكن أولى من الطرح.
3. توجيه صاحب المستند: المرحوم النراقي قدس سره، ومال إليه السيد الأخ أعلى الله درجاته(1) وهو: أنها قضية في واقعة وتخصّ هذا المورد وهذا الرجل بالخصوص، واستدلّ على ذلك بكون الألف واللام في «الرجل» للعهد، وهو كما ترى لأن الألف واللام للجنس وليس للعهد إلا إذا كانت هناك قرينة عليه ولا قرينة في المقام، وعليه: فيكون تأويل صاحب الجواهر هو الأوجه مؤيداً بقرائن موجودة في زماننا هذا عند الفقهاء أعزّهم الله تعالى فإن بعضهم من يجيز التصرف للشخص في المال المجهول مقابل إعطاء خمسه فقط ونحو ذلك مما يكون قرينة على هذا التأويل وذلك فيما لو أردنا إبقاء صحيحة الحلبي وعدم طرحها.
استنتاج
تلخص مما ذكرنا: أن صحيحة الحلبي إما لا ظهور مستقر لها أو لا أقل من الإجمال، فلا تعارض مرسل الوراق وصحيحة ابن وهب كما قلنا، وإما أنها على تسليم ظهورها معرَضٌ عنها أو مُؤَوَّل ظهورها. فيكون القول الأول وهو قول المشهور تامّاً فيشترط في الحرب أن تكون بإذن الإمام المعصوم سلام الله عليه حتى يجب الخمس في غنيمتها ويكون باقيها للمقاتلين، بينما لو كانت الحرب من دون إذن الإمام المعصوم سلام الله عليه كانت الغنيمة كلها للإمام سلام الله عليه يجعلها حيث يشاء، هذا تمام الكلام في القول الأول، وأما الأقوال الأخرى ففي حلقات قادمة إن شاء الله تعالى.
 
________________________
(1) المرجع الديني الراحل آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي قدس سره.
 
 



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG