17 كانون‌الأول 2017م
آخر تحديث: 14 كانون‌الأول
 
  رقم الصفحه: 255       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


التفصيل بين كون الغزو لنشر الإسلام فكلّ الغنيمة للإمام، أو للغلبة على الكفّار فالخمس له

بسم الله الرحمن الرحيم
 
 بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
بعد تمام الكلام في القول الأوّل واختياره، لتماميّته ـ كما مرّ في الحلقة السابقة ـ وهو: أنّ غنيمة دار الحرب التي لم تكن بإذن الإمام المعصوم تكون من الأنفال، وهي مطلقاً للإمام يضعها حيث يشاء، نأتي إلى الأقوال المفصّلة وهي أقوال ثلاثة، منها: تفصيل صاحب الحدائق، ويعدُّ فيما نحن فيه القول الثاني:
القول الثاني
 وهو تفصيل صاحب الحدائق القائل بأنّ الغزو الحاصل من دون إذن الإمام المعصوم، لو كان من أجل نشر الإسلام والدعوة إليه كانت الغنيمة كلّها للإمام يضعها حيث يشاء، ولو كان من أجل الغلبة على الكفّار وقهْرهم كان خمس الغنيمة للإمام والباقي للمقاتلين. هذا هو تفصيل صاحب الحدائق وقد وافقه بعضٌ نادر ممن جاء بعده مثل المحقّق النائيني والسيد محمد تقي الخونساري قدّس سرّهما.
أدلة القول الثاني
كان لتفصيل صاحب الحدائق شقّان وقد استدلّ لهما بما يلي:
أمّا دليل الشقّ الثاني من التفصيل وهو: لو كان الغزو الحاصل من دون إذن الإمام المعصوم لأجل الغلبة على الكفّار وقهرهم، كان خمس الغنيمة للإمام والباقي للمقاتلين، فهو: إطلاق الآية الكريمة: «وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى» سورة الأنفال: الآية41، وإطلاق الروايات الشريفة المذكورة في هذا الباب.
وأمّا دليل الشقّ الأوّل من التفصيل وهو: لو كان الغزو الحاصل من دون إذن الإمام المعصوم لأجل نشر الإسلام والدعوة إليه فكلّ الغنيمة للإمام يضعها حيث يشاء، فهو بحسب قول صاحب الحدائق: استظهاره من مرسَل الورّاق، فإنه قد جاء فيها: «إذا غزا قوم بغير إذن الإمام عليه السلام فغنموا، كانت الغنيمة كلّها للإمام» قال: إنّ ظاهر هذه الرواية هو حصول الحرب مع الكفّار من أجل نشر الإسلام وإبلاغه إليهم مع ضميمة أنّ الحروب التي كانت تحصل أيّام الأئمة المعصومين وفي زمانهم كانت إمّا بقيادة بني أميّة او بني العباس، ومن المعلوم أنّها لم تكن بإذن الإمام المعصوم. وعليه: فالحروب التي كان يقوم بها بنو أميّة أو بنو العبّاس كانت من مصاديق «إذا غزا قوم» ومقيَّدة بقرائن خارجية بكونها في طريق الدعوة إلى الإسلام وكانت تتمّ من دون إذن الإمام المعصوم.
مناقشة كلام صاحب الحدائق
لم يقبل كلام صاحب الحدائق وتفصيله غالب من أتى من الفقهاء بعده، بل إنّهم كما أطلقوا القول بوجوب الخمس في غنيمة دار الحرب إذا كانت بإذن الإمام، فكذلك أطلقوا القول بكون الغنيمة كلّها من الأنفال وجميعها للإمام إذا لم تكن الحرب بإذن الإمام بلا فرق بين كونها لأجل نشر الإسلام أو لأجل القهر والغلبة على الكفّار، مستدلّين على ذلك بإطلاق الأدلّة وعدم وجود قيد فيها أقوى ظهوراً من الإطلاق كي يكسر الإطلاق ويقيّده، مضافاً إلى أنّه من يقول بأنّ حروب بني أميّة وبني العبّاس كانت لنشر الاسلام؟ فإنّه لم يُحرز كونها كذلك، وعلى فرض كون بعضها من أجل نشر الإسلام لم تكن لدرجة بحيث تصبح قرينة على كبرى كليّة تعمّ جميع ذلك.
نتيجة القول الثاني
وكيف كان: فإنّ استظهار صاحب الحدائق إن ساعد النظر من أحدٍ عليه، كان له أن يقول بقوله، وإلاّ فإنّه كما يبدو للنظر وكما فهِم المشهور من الإطلاقات عدم استظهار ما استظهره صاحب الحدائق، لذلك لم يذهبوا إلى ما ذهب إليه ولم يقولوا بالتفصيل الذي قال به.
القول الثالث
وهو قول المحقّق النراقي في المستند حكاية عن غيره، حيث نَقل عنه قائلاً: إنّ غنيمة دار الحرب التي لم تكن بإذن الإمام كغنيمة دار الحرب الكائنة بإذن الإمام من حيث إنّ فيها الخمس وإنّه للإمام عليه السلام وتفترق معها بكون بقية الغنيمة للمقاتلين في الحرب المأذونة، وللمقاتل نفسه (أي آخذ الغنيمة) في الحرب غير المأذونة، وعليه: فإذا حارب المسلمون الكفّارَ ولم يستأذنوا الإمامَ المعصومَ كحروب بني أميّة وبني العبّاس فكلّ غنيمة حصل عليها أحد المقاتلين كانت له مع إعطاء خمسها للإمام، ومع هذا القول ينتفي كل ما جاء في كيفية تقسيم الغنائم بين المقاتلين. من إعطاء سهمين للراكب، وسهم للراجل، ومن إخراج صفو المال، وإخراج المركب الفاره، وباقي التفاصيل الاخرى، فإنّها جميعاً منتفية على هذا القول.
الاستدلال للقول الثالث
استدلّ لهذا القول بصحيحة الحلبي: «عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم، فيكون معهم فيصيب غنيمة؟ قال: يؤدّي خمسها ويطيب له» ـ الوسائل: الخمس، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس حديث8ـ قال: إنّ ظاهر هذه الصحيحة كون الحرب حاصلة تحت لواء بني أميّة أو بني العبّاس مثلاً من دون إذن الإمام، فعلى المقاتل إعطاء خمس ما حصل عليه من غنيمة للإمام عليه السلام ويكون الباقي له حلالاً طيباً.
مناقشة القول الثالث
سبق أن ناقشنا في ظاهر هذه الصحيحة وذكرنا عدم تمامية التمسّك بظاهرها، وعلى فرض تماميّته فإنّها معرَض عنها، والإعراض كاسر لها، مضافاً إلى أنّه حتّى الذين لا يرون الإعراض كاسراً لم يقولوا بهذا القول، فمثل صاحب المدارك الذي لا يقول بكبرى الجبر والوهن لم يقل هنا بما تقوله الصحيحة وأعرض عنها، فتكون الرواية معرضاً عنها رغم صحّة سندها. وأما على تأويل الصحيحة بكونها في قضية خارجية، إذ في الخارج كانت حروب بني أميّة ومن بعدهم بني العبّاس ولم تكن بإذن من الإمام المعصوم خارجاً لعدم تصريح فيه بكونها مع الإذن أو بلا إذن، فهذا التأويل أيضاً غير تامّ، لمخالفته مع الأصل العقلائي القائل: «إنّ الأصل في كلّ قضية أن تكون حقيقية مرتبطة بموضوعها متى ما وجد الموضوع» لا أن تكون قضية خارجية، وما لم تكن هناك قرينة أقوى على خلاف هذا الأصل، يكون الأصل محكّماً، وقد خالف القائل بالتأويل هذا الأصل بلا وجود قرينة أقوى على ذلك، فالتأويل للصحيحة إذَن غيرُ تامّ.
نتيجة القول الثالث
وعليه: فالقول الثالث مع ورود هذه الإشكالات عليه ـ وهي إشكالات تامّة ـ لا يكون تامّاً.
القول الرابع و الأخير
وهو قول صاحب العروة السيد الطباطبائي اليزدي رضوان الله عليه في العروة وجماعة ممن سكتوا على متنه ولم يعلّقوا عليه بحاشية: كالمرحوم الوالد، والمرحوم السيد عبد الهادي الشيرازي، والمرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري، والمرحوم السيد البروجردي، وعدّة من الأعاظم الذين لم يعلّقوا على متن العروة هنا بحاشية، مما يدلّ على قبولهم هذا التفصيل وإقرارهم لهذا القول وهو القول الرابع.
تفصيل صاحب العروة
قال صاحب العروة: «وأمّا إذا كان الغزو بغير إذن الإمام عليه السلام فإن كان في زمان الحضور وإمكان الاستئذان منه فالغنيمة للإمام عليه السلام، وإن كان في زمن الغيبة فالأحوط إخراج خمسها من حيث الغنيمة، خصوصاً إذا كان للدعاء. فما يأخذه السلاطين في هذه الأزمنة من الكفّار بالمقاتلة معهم من المنقول وغيره يجب فيه الخمس على الأحوط، وإن كان قصدهم زيادة الملك لا للدعاء إلى الإسلام».
بيان التفصيل
لقد قسّم صاحب العروة موضوع المسألة: وهو: الغزو بغير إذن الإمام المعصوم عليه السلام إلى قسمين وقال بالتفصيل بين حكميهما على النحو التالي:
القسم الأوّل: كون الغزو في زمان حضور الإمام المعصوم وإمكان أخذ الإذن منه عادة، ومع ذلك لم يأخذوا الإذن منه، ففي هذا القسم حكم بكون الغنيمة كلّها للإمام عليه السلام يضعها حيث يشاء.
القسم الثاني: كون الغزو في زمان غيبة الإمام المعصوم وعدم إمكان أخذ الإذن منه عادة ـ كزماننا هذا الممتدّ من أوّل الغيبة إلى انتهائها بالظهور إن شاء الله تعالى ـ وفي هذا القسم حكم على نحو الاحتياط الوجوبي بإخراج خمس الغنيمة وتقسيم الباقي بين المقاتلين، وذلك بشكل مطلق ومن دون تفصيل بين أن يكون الغزو للدعاء إلى الاسلام أو لزيادة الملك والقهر والغلبة.
نعم، كرّر صاحب العروة الاحتياط الوجوبي فيما فرّعه هنا على القسم الثاني بقوله: «فما يأخذه السلاطين ...» فهذا الاحتياط إنما هو من باب الصغرى لتلك الكبرى، وعلى سبيل بيان المصداق لذلك الكلّي وليس أكثر، كما أنّه قيّده بقيد: «بالمقاتلة معهم» (أي مع الكفّار) لإخراج ما لم يكن بالمقاتلة من مثل الاندساس في صفوفهم وأخذ شيء من أموالهم بلا علم منهم، وقد طرح ذلك في مسألة لاحقة ومستقلّة.
تفصيل العروة والدليل عليه
إذا اتّضح تفصيل صاحب العروة الذي كان بين زمن الحضور وإمكان أخذ الإذن عادة، وبين زمن الغيبة وعدم إمكان أخذ الإذن عادة، نأتي إلى الدليل على هذا التفصيل، فما هو الدليل عليه؟
استدلّ له على هذا التفصيل بمرسل الورّاق المجبور بعمل الأصحاب القائل: «إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلُّها للإمام، وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس» ـ الوسائل: الخمس،الباب1 من أبواب الأنفال، ح16ـ وكيفية الاستدلال هي كالتالي: إذا كان الغزو بغير إذن الإمام وحصلوا على غنيمة فكلّ الغنيمة للإمام يضعها حيث يشاء، إنما هو على فرض قيدين: قيد الحضور، وقيد إمكان الاستيذان. فمع هذين القيدين إذا حصل الغزو بلا إذنٍ كانت الغنيمة الحاصلة كلها للإمام، وأمّا إذا فُقد أحد القيدين وحصل غزو فلا يكون كلّ الغنيمة للإمام بل خمسها، والباقي للمقاتلين، كالغزو الحاصل في زمان الغيبة.
مناقشة الدليل
وفيه: أنّ الدليل ـ كمرسل الورّاق المجبور بعمل الأصحاب، القائل بكون الغنيمة كلّها للإمام إذا كان الغزو من دون إذن الإمام ـ له إطلاق، أي: إنّ الحكم مترتّب على عدم أخذ الإذن مطلقاً، سواء كان ممكناً ولم يستأذن أم غير ممكن، في زمن الحضور أم في زمن الغيبة، وكذلك أخذ الإذن .
وبعبارة أخرى: «إذا غزا قوم بغير إذن الإمام» إنّما هو ـ بحسب الأصل العقلائي ـ محمول على القضية الحقيقية، أي: متى ما تحقّق خارجاً غزو، وكان بلا إذن من الإمام المعصوم فكلّ الغنيمة للإمام، من غير فرق بين كون الإمام حاضراً مع إمكان الاستيذان منه، وبين عدم كونه حاضراً ولم يمكن الاستيذان منه. فإنّ القضية الحقيقية صادقة وإن لم يتحقّق موضوعها، إذ هي كالقضية الشرطية تكون صادقة ولو كان طرفاها من الشرط والجزاء كاذباً، بل حتى لو كان طرفاها محالاً كقوله تعالى: «قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ» سورة الزخرف: الآية 81، مع أن الطرفين محال، فإنه لا يكون لله ولد ولا يكون الرسول أوّلَ العابدين للإله الذي له ولد، فالقضية الحقيقية كالشرطية صادقة حتى مع كذب طرفيها أو محالهما.
هذا مما يقتضيه الأصل، بينما تقييد الإطلاق بقيدي: الحضور وإمكان الاستيذان الذي قال به صاحب العروة، هو حمل القضية الحقيقية على قضية خارجية مقيّدة بزمان صدور الحديث (أي: الصدور التعبّدي) من الإمام الصادق عليه السلام، فإنه كان حاضراً يوم صدوره وكان يمكن الاستيذان منه، وهذا الحمل هو خلاف الأصل ولا يكون تامّاً إلاّ إذا كانت قرينة أقوى تدلّ عليه، مع أنه لا قرينة هنا فيما نحن فيه، سوى مجرّد توافق صدور هذه الرواية مع حضور الإمام وإمكان الاستيذان منه، ومجرّد هذا التوافق لا يكون سبباً لحمل القضية الحقيقية على كونها خارجية، وإلاّ لزم تبديل الفقه من أوّله إلى آخره، إذ يأتي مثل ذلك في كلّ الروايات والأحاديث الشريفة من أوّل الطهارات إلى آخر الديات.
لذلك نرى أنّ صاحب العروة لم يقل بهذا النحو من التفصيل الذي قاله هنا في شيء من رسائله المتعددة، ولا في شيء من حواشيه على رسائل المتقدّمين عليه، مثل حاشيته على رسالة الشيخ الأنصاري، ورسالة المجدّد الشيرازي، ورسالة صاحب الجواهر، ورسالة الشيخ التستري وغيرها.
استنتاج
لقد ظهر مما ذكرنا من الأقوال وأدلّتها. ومن مناقشة الأدلّة نفياً وإثباتاً: عدم تماميّة الأقوال المفصّلة، وتمامية قول المشهور هنا بحسب الأدلّة، وهو: إذا كان الغزو من دون إذن الإمام عليه السلام سواء كان زمان الحضور أم الغيبة، أمكن الاستيذان أم لا، فالغنيمة الحاصلة كلّها للإمام عليه السلام يضعها حيث يشاء، وإلى حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.
 



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG