23 حزيران 2017م
آخر تحديث: 22 حزيران
 
  رقم الصفحه: 258       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


هل في الجزية المبذولة للسرّية خمس الغنيمة

بسم الله الرحمن الرحيم
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
 قال صاحب العروة مواصلاً بحثه في بيان خمس الغنائم وأنه من الخمس بالمعنى الأخص، وما هو مشمول لخمس الغنائم أيضاً من الفداء ونحوه ما يلي: «بل الجزية المبذولة لتلك السريّة، بخلاف سائر أفراد الجزية» أي: إن الجزية المبذولة في دار الحرب للسرية تُعدّ من الغنائم ومشمولة للخمس بالمعنى الأخصّ.
الجزية لغة واصطلاحاً
وقبل الورود في أصل البحث لا بأس ببيان بعض مفرداته مثل الجزية ونحوها.
الجزية لغة: هي عبارة عن المال الذي يعقد الكتابي عليه الذمة، وهي فِعلة من الجزاء، على وزن: لِحية، وجمعها: جِزى على وزن: لِحى.
والجزية اصطلاحاً: هي بحسب المستفاد من القرآن الحكيم والأحاديث الشريفة المروية في باب الجهاد على ما عرّفها بعض الأعاظم ـ عبارة عن المال الذي يؤخذ من الذمّي الذي يعيش في البلاد الإسلامية عن رأسه وعائلة مقابل توفير الأمن لهم عوضاً عن الزكاة والخمس الواجبين على المسلمين، وهي من شرائط الذمة، أي: إن من شرائط الذمة ـ حيث ان لها عدّة شروط ـ دفع الجزية. فالجزية على هذا نوع جزاء خاص كما أشار إليه ابن مالك بقوله:
«وفَعلة لمرّة كَجلسة     وفِعلة لهيئة كجِلسة»
وعليه: فالجزية لغة واصطلاحاً هي التي تؤخذ من الذمي مقابل حمايته، وهي لمصالح المسلمين وليست من غنائم دار الحرب لا شرعاً ولا عرفاً، وأما التي تؤخذ من المحاربين بصالح السرية. كما لو فَرض الإمام المعصوم أو المأذون من طرف الإمام المعصوم على المحاربين مالاً على رأس كل واحد منهم يدفعونه للسرية، تفادياً للقتال ـ مثلاً ـ فهي ليست من الجزية اللغوية المصطلحة، كما لم يسمّها أحد بذلك، إذن: ففي تسميتها من قبل صاحب العروة ـ قدّس سرّه ـ بالجزية نوع مجاز ومسامحة.
معنى السريّة
السرية: تطلق على مجموعة تتراوح بين خمسة انفس إلى ثلاثمائة نفس، وقيل: هي من الخيل نحو أربعمائة، كما أن السرية تقال لقطعة من الجيش وفوج من العسكر يبلغ أقصاه أربعمائة، لذلك قيل: خير السرايا أربعمائة رجل، وجمع سرية: سرايا، وهي فعيلة بمعنى فاعلة. سمّيت سريّة، لأنها تسري بالليل في خفية، لئلا ينذر ويخبر بهم العدو، فيحذروا أو يمتنعوا.
والإسراء في الآية الكريمة: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ» من السير وقطع المسافة بالليل أيضاً.
هنا مسألتان
إذا اتضح معنى الجزية وكذلك معنى السرية، نعود إلى أصل البحث فنقول: لقد تعرّض صاحب العروة قدّس سرّه في كلامه هذا إلى مسألتين:
إحداهما: الجزية المبذولة في دار الحرب للسرية.
وثانيتهما: الجزية المبذولة في غير دار الحرب من سائر أفراد الجزية ومواردها الأخرى.
المسألة الأولى: جزية دار الحرب
أما المسألة الأولى: وهي الجزية المبذولة في دار الحرب للسرية، فقد عدّها صاحب العروة من الغنائم، وقال: إن فيها خمس الغنائم بالمعنى الأخصّ، وذلك لأنه قدّس سرّه أطلق المسألة ولم يتعرّض لتقييد هذه الجزية بكونها قد بُذلت للسرية قبل وقوع الحرب ونشوبها، أو في أثناء الحرب والقتال، أو بعد أن وضعت الحرب أو زارها وتمّ القتال، فإنه لم يتعرّض لشيء من ذلك.
كما أنه لم يتعرض أيضاً لذكر الأقوال فيها، ولا لذكر الدليل عليها والاستشهاد لها.
أما اطلاقه المسألة: ففي محلّه. إذ لا فرق بين كون المال المبذول قبل نشوب الحرب. أو في أثنائها، أو بعد الانتهاء منها، وذلك لأن المال المبذول للسرية في ساحة الحرب. سواء كان قبل بدء الحرب أم في الأثناء، أم بعد الحرب يَكون من غنيمة دار الحرب وفيه خمس الغنيمة بالمعنى الأخص الذي يجب فيه الفورية.
وأما أقوال المسألة: فالأقوال فيها هي نفس الأقوال في مسألة خمس الفداء التي تقدم الكلام عنها، والتي كانت عبارة عن أقوال أربعة:
1. قول المشهور قديماً وحديثاً، وبه قال صاحب العروة وغالب من تقدمه ومن تأخّر عنه، بل من الشيخ الطوسي حتى الشيخ النائيني ومن بعده من الفقهاء المعاصرين الذين سكتوا على متن العروة ولم يعلّقوا عليه، وقول المشهور هو: انها من الغنيمة وفيها الخمس بالمعنى الأخصّ وفوراً.
2. قول حفيد صاحب الجواهر، وهو: عدم ثبوت خمس الغنيمة فيها وان خمسها خمس الغنيمة بالمعنى الأعم فيكون بعد مؤونة السنة.
3. قول صاحب المستمسك، وهو: التفصيل بين ما إذا كانت بعد الغلبة ففيها خمس الغنيمة، وبين ما لم تكن كذلك فكونها من الغنيمة بالمعنى الأخص محل إشكال وتأمّل.
4. قول صاحب الجواهر لو عدّ قولاً رابعاً، وهو التردّد في أن خمسها من أيّ أنواع الخمس هل هو من الخمس بالمعنى الأخصّ وفوراً، أو من الخمس بالمعنى الأعم وبعد مؤونة السنة؟ رغم أنه غالباً ما يقول بقول المشهور.
ماضياً إلى تعليقة المحقّق العراقي هنا على المتن بقوله: «إذا كان ذلك من تبعات الحرب بإذنه سلام الله عليه» المجاب عليها بأنها قيود مستدركة ولا حاجة إلى تقييد المسألة بها.
أمّا الدليل عليها والاستشهاد لها: فنفس الأدلة المذكورة سابقاً في بحث الفداء وكيفية خمسه، والتي كانت عبارة عن أمور غير تامة، قد تمّ نقدها في بحوث ماضية، إلاّ أدلة قول المشهور حيث قد صحّحناها واخترناها، وكانت عبارة عن أمرين:
الأمر الأول: شمول اطلاقات الغنيمة، مثل قوله تعالى: «وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ» سورة الأنفال: الآية 41. لها، فإنها مصداق من مصاديق الآية الكريمة، وذلك لأن السريّة عندما ترجع من الحرب والقتال، ترجع بأموال وعتاد، وسبي وفداء ونحو ذلك من جزية ـ بحسب صاحب العروة ـ وغيرها، وكلها يصدق عليها الغنيمة.
الأمر الثاني: شمول قاعدة: «لو كان لبان» لما نحن فيه. فإنه لو كان بالنسبة إلى الجزية المذكورة حكم آخر غير حكم الغنيمة بالمعنى الأخص لوصل إلينا ذلك الحكم، وحيث انه لم يصلنا ـ مع:
أ) تكرّر وقوع المسألة وأخذ الجزية الخاصة في الحروب الدفاعية التي اتفقت للمسلمين في زمن النبي الكريم صلى الله عليه وآله.
ب) إضافة إلى ان المقاتلين لو لم يتمّ لهم بيان حكم الجزية المذكورة لوقعوا في مخالفة الحكم الشرعي للمسألة.
جـ) إنه إذا كان هناك بيان وتحقق خارجاً فإنه كان يصل إلينا ـ نستنتج: إن الجزية المذكورة هي غنيمة حربية وفيها الخمس بالمعنى الأخصّ وفوري، وليست هي من الغنائم العامة والتي فيها الخمس بالمعنى الأعم وبعد مؤنة السنة.
المسألة الثانية: سائر أفراد الجزية
وأما المسألة الثانية: وهي الجزية المبذولة في غير دار الحرب من سائر أفراد الجزية ومواردها الأخرى، والتي عبّر عنها صاحب العروة قدّس سرّه بقوله: «بخلاف سائر أفراد الجزية» فهي الجزية الاصطلاحية، التي جاءت في مصطلح الآية الكريمة والأحاديث الشريفة واصطلح الفقهاء عليها أيضاً، وهي مال يأخذه الحاكم الإسلامي من أهل الذمة على رأس كل فرد منهم وعوائلهم عوضاً عن الزكاة والخمس الذي يأخذه من المسلمين ـ وذلك مقابل حمايتهم وتوفير الأمن لهم في البلاد الإسلامية، وهي ليست من الغنائم لا بالمعنى الأخص، ولا بالمعنى الأعم، إذ ليس فيها خمس، لا الخمس الفوري بالمعنى الأخص، ولا الخمس العام بعد مؤونة السنة بالمعنى الأعم، بل هي ضريبة شرعيه تؤخذ لصالح المسلمين وتوضع في بيت مال المسلمين وتنفق عليهم وفي مصالحهم الفردية والاجتماعية، فالحاكم الشرعي المتصدّي لأخذ الجزية من أهل الذمة، كالرسول الكريم أو الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليهما، كانا يأخذانها من أصحابها ويوزّعانها على مستحقيها دون أن يخرج منها الخمس لا حين أخذها ولا عند توزيعها، لأن حكمها حكم الخمس والزكاة، فكما لا خمس فيما ملّك بالزكاة أو بالخمس ـ على ما صرّح به صاحب العروة في الزكاة وسكت عليه جماعة ـ فكذلك لا خمس فيها، نعم لو قلنا بوجوب الخمس فيما زاد من الأموال التي ملكت بالخمس أو بالزكاة، فهنا نقول بوجوب الخمس فيما زاد منها أيضاً.
وعليه: فإن كلام صاحب العروة هنا حيث قال: «بخلاف سائر أفراد الجزية» لا مفهوم له، حتى يقال بأن سائر أفراد الجزية هي من الغنيمة بالمعنى الأعم ويكون فيها الخمس بالمعنى الأعم وذلك بعد مؤنة السنة أيضاً: بل انه أراد بكلامه هذا أن يقول: بأن الجزية التي تبذل للسرية في الحرب هي من حيث الحكم غير الجزية الاصطلاحية وليس أكثر فكلامه هذا اثبات للنفي فلا يثبت ما يخالفه، كما أن أثبات للشيء لا ينفي ماعداه مما يقابله، وبعبارة أخرى: ليس لكلامه الإيجابي عقد سلب كما أنه ليس لكلامه السلبي عقد إيجاب، فإذا قال: جاء زيد فليس معناه ان عمراً لم يأت وإذا قال: لم يأت عمر وفليس معناه جاء زيد، إلاّ إذا كان هناك في الكلام أداة حصر ونحوها مما يفيد المعنيين: المنطوق والمفهوم، وحيث لا يوجد من أداة الحصر ونحوها في الكلام شيء فلا مفهوم بل منطوق فقط، فالجزية بالمعنى الاصطلاحي لا خمس فيها لا بالمعنى الأخصّ ولا بالمعنى الأعم كما قال صاحب الجواهر ـ في جواهره: ج16 ص13 ـ: «وليس الجزية (أي: الجزية الاصطلاحية) من أحدهما (أي: من الغنيمة لا بالمعنى الأخصّ ولا بالمعنى الأعم) ولا من الملحق به (أي بأحدهما فلا الجزية موضوعاً من الغنيمة بالمعنى الأعم ولا موضوعاً من الغنيمة بالمعنى الأخصّ قطعاً، وان حكي الأول من الكتب السابقة والأخير عن ابن الجنيد، لكنه ضعيف».
الأموال المبذولة للسرية مصالحة
قال صاحب العروة بعد ذلك: «ومنها أيضاً: ماصولحوا عليه» أي: ومن الغنيمة بالمعنى الأخصّ الأموال التي يأخذها المسلمون في الحرب من الكفّار مقابل وقف القتال وإنهاء الحرب ـ مثلاً ـ كما صالح النبي الكريم صلى الله عليه وآله المشركين في الحديبية بالصلح الذي عرف فيما بعد بصلح الحديبية، والأقوال في هذه الأموال المصالح عليها هي نفس الأقوال الأربعة التي مضت في الفداء والجزية الحربية معاً، كما أن الأدلة عليها هي نفس الأدلة السابقة بلا زيادة ولا نقيصة.
المصالحة على الأراضي
نعم هناك مسألة المصالحة على الأراضي والتي هي خاصة بباب الجهاد نشير إليها إشارة عابرة لأهميتها ونقول: الأموال المصالح عليها على قسمين:
1. الأموال المنقولة: كالنقود والمسكوكات والمعدّات الحربية ونحوها.
2. الأموال غير المنقولة كالأراضي وتوابعها من النخيل ونحوها.
أما الأموال المنقولة فهي التي تنطوي تحت إطلاق كلام صاحب العروة ويكون فيها خمس الغنيمة بالمعنى الأخصّ دون غيرها.
وأما الأموال غير المنقولة: فهي تكون من الأنفال ويعود أمرها إلى الرسول صلى الله عليه وآله ثم الإمام المعصوم صلوات الله عليه فيما إذا لم يقع عليها حرب وتمّت المصالحة عليها من دون قتال، ولذا فإن مثل فدك والعوالي وغيرهما من الحوائط السبعة اختصّ بها النبي الكريم ثم نحلها بأمر من الله تعالى إلى ابنته فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، وذلك في بحث مفصل وجميل ليس محلّه هنا فنوكله إلى محله إن شاء الله تعالى.



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG