18 تشرين‌الأول 2017م
آخر تحديث: 18 تشرين‌الأول
 
  رقم الصفحه: 259       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


غنائم الحروب الدفاعية

بسم الله الرحمن الرحيم
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
قال صاحب العروة رحمه الله مواصلاً كلامه في بحوث خمس الغنيمة وان الخمس فيها سواء كان فداءً أم غيره هو الخمس بالمعنى الأخص، مايلي: «وكذا ما يؤخذ منهم عند الدفاع معهم إذا هجموا على المسلمين في أمكنتهم».
أقوال المسألة
إذا غنم المسلمون في الحروب الدفاعية غنائم من الكفّار فهل فيها خمس الغنيمة، أو خمس المكاسب، أ أو لا هذا ولا ذاك وإنما يكون للإمام يضعه حيث شاء؟
قال الأخ الراحل أعلى الله درجاته بخمس الغنيمة في موسوعته الفقهية في هذه المسألة كالمشهور، ثم أضاف:«وان خالف في ذلك جمع» مما يدل على ان جمعاً من الفقهاء خالفوا المشهور في المسألة.
أدلة خمس الغنيمة في الحروب الدفاعية
وكيف كان: فانه يدل على قول المشهور مايلي:
أولاًـ الاطلاقات، مثل اطلاق قوله تعالى: ?واعلموا أنما غنمتم من شيء فان الله خمسه. واطلاق الروايات الشريفة فانها تشمل الحروب الهجومية والدفاعية على حدّ سواء.
ثانياًـ عدم تفريق الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بين غنائم الحروب الدفاعية- كما في حرب أُحد وحنين على القول بأنهما وحدهما من الحروب الدفاعية- وبين سائر الغنائم المأخوذة في الحروب الأخرى على القول بان ما سواهما كانت هجومية، ولو أنه صلى الله عليه وآله فرّق بينهما لبان ـ طبقاً لقاعدة: لو كان لبان.
ثالثاً ـ قد حقّق في التاريخ أنّ كل غزوات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وجميع سراياه كانت دفاعية ولو لنقض الكفار العهد، وانه لم يُعهد منه صلى الله عليه وآله حرب هجومية ابتدائية قط، وهو الصحيح المنصور، لأن الإسلام دين السلم والسلام وجاء غوثاً للعالمين ورحمة للناس، لذلك لم يبدأ أحداً بقتال، مع ان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله كان يعرف جيداً القاعدة العسكرية التي تقول: الغلبة لمن يطلق النبل الاول، ويوقع الضربة الأولى، وقد تعرّض إلى ذلك بالتفصيل العلاّمة الشيخ محمد جواد البلاغي في كتابه (الرحلة المدرسية)، وأشار الأخ الراحل قدّس سرّه إليه باختصار في موسوعته الفقهية «كتاب الجهاد»، نعم قبول هذا الوجه متوقّف على حصول الاطمئنان به، وكما يبدو أنّ الذي يتتبّع التاريخ ويراجع حروب الرسول الأكرم والإمام أمير المؤمنين والإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، يطمئن إليه.
من مؤيدات خمس الغنيمة
ويؤيد القول بخمس الغنائم في الحروب الدفاعية، مجموعة من الأخبار المروية حول حروب النبي الكريم صلى الله عليه وآله فقد ذكر العلاّمة المجلسي رحمه الله في بحاره في الأجزاء المختصة بتاريخ النبي الكريم صلى الله عليه وآله بعضها وأشار إلى أنه صلى الله عليه وآله أخذ فيها خمس الغنائم مع انها كانت حروباً دفاعية نشير لبعضها:
نماذج من تخميس الغنائم
1ـ منها: غزوة القردة، فقد جاء في البحارـ ج20، ص5 في الهامش ـ «فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله زيد بن حارثة في مائة راكب فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم: فقدموا بالعير فخمّسها رسول الله صلى الله عليه وآله وقسّم ما بقي على أهل السريّة».
2ـ ومنها: سرية فدك، ففي البحار ـ ج20، ص376 في الهامش ـ «فسار علي صلوات الله عليه.. وانتهى بمن معه، فلم ير منهم احداً، وساق النعم وهي خمسمائة بعير، وألفا شاة، فعزل الخمس وصفى رسول الله صلى الله عليه وآله لقوحاً تدعى الحفدة، ثم قسّم مابقي».
3ـ ومنها: غزوة قرقرة الكدر، فقد جاء في الصحيح من السيرة ـ ج6، ص7 ـ ان المشركين خططوا للهجوم على المدينة والزحف على أهلها، وقتل المسلمين فبلغ الخبر إلى النبي صلى الله عليه وآله فأعدّ عدّة القتال وسار اليهم، ولكن المشركين فرّوا وأفلتوا قبل أن يبلغ المسلمون منطقة الكدر فغنموا منهم خمسمائة بعير خمّسها رسول الله صلى الله عليه وآله وقسّم البقيّة على أصحابه.
استنتاج
وعليه: فانه كما يبدو أنّ كلام المشهور وتبعهم صاحب العروة رحمه الله تام ولم أر من محشّي العروة مخالفاً له، سوى مامرّ من ان الأخ الراحل قدّس سرّه نقل في موسوعته الفقهية في كتاب «الجهاد» أنّ جمعاً من الفقهاء خالفوا المشهور في المسألة، وقال: «وإن خالف في ذلك جمع».
غنائم الحروب الدفاعية زمن الغيبة
قال صاحب العروة: «ولو في زمن الغيبة» يعني: أنّ غنائم الحروب الدفاعية سواء كانت في زمن الغيبة ام في زمن الحضور ففيها الخمس حتى ان كانت من دون إذن الإمام المعصوم صلوات الله عليه لأن مادل على الإذن منه صلوات الله عليه عبارة عن أدلة تالية لا تشمل الحروب الدفاعية وهي:
1. الاجماع: وهو فيما نحن فيه لا معقد له حتى يشمل الحروب الدفاعية، مضافاً الى تصريح جمع من الاصحاب هنا بالخلاف، بل مشهور الاصحاب على خلافه.
2. مرسل الورّاق القائل بانه اذا غزا قوم بغير إذن الإمام صلوات الله عليه فغنموا كانت الغنيمة كلها للإمام صلوات الله عليه يضعها حيث يشاء، وهذا مورده الغزو، وهو غير الدفاع.
3ـ صحيحة ابن وهب التي جاء فيها: السريّة يبعثها الإمام صلوات الله عليه وهذه أيضاً موردها السريّة وهي غير الدفاع.
خلاصة الكلام
وعليه: فان أدلة تحقق موضوع الغنيمة في غنائم الحروب الدفاعية تامة، وادلة تحقق موضوع الانفال فيها قاصرة عن شمول المقام، ولذلك قال صاحب العروة رحمه الله: فيجب إخراج الخمس من جميع ذلك قليلاً كان أو كثيراً من غير ملاحظة خروج مأونة السنة على مايأتي ـ ان شاء الله تعالى ـ في أرباح المكاسب وسائر الفوائد.
إشكال وجواب
ثم انه أشكل بعض محشّي العروة على المصنّف بعدم صدق الغنيمة على القليل كما لو كانت درهماً.
وفيه: أنّ الغنيمة هي كل ما يُغنم ولو كان قليلاً، نعم ربما يتبادر للذهن في بادئ النظر الى أنّ المراد منها الشيء الكثير ولكنه بدوي يزول بأدنى تأمل وتدبّر.
الإغارة وخمس غنائمها
ثم ان صاحب العروة رحمه الله قال: «1ـ مسألة: إذا أغار المسلمون على الكفار فأخذوا أموالهم فالأحوط بل الأقوى إخراج خمسها من حيث كونها غنيمة ولو في زمن الغيبة فلا يلاحظ فيه مأونة السنة».
أمور فنية
1. مضى في مطاوى البحوث السابقة مايتضمّن هذه المسألة ايضاً، ولذا أشكل البعض على صاحب العروة رحمه الله بإشكال التكرار، ولكن الذي يبدو للنظر انه ليس تكراراً، اذ ربما أراد الماتن رحمه الله من الاغارة: الهجوم على الغادرين من غير نشوب قتال، وذلك لان الإغارة أعم من وقوع الحرب وعدم وقوعها، ولعله من أجل التعرض لخصوص الهجوم واخذ الغنائم من دون حرب، افرد صاحب العروة هذه المسألة.
2. لقد احتاط الماتن رحمه الله في كون خمس الاغارة من خمس الغنيمة بالمعنى الأخص، ثم ترقى الى الفتوى بكونه منه، ولعل ذلك لشبهة اخذ القتال في موضوع الغنيمة وانه هل الخمس بالمعنى الأخص يشمل الموارد التي لم يتحقّق فيها القتال أو أنه مقتصر على موارد وقوع القتال ونشوبه؟ كما تأمّل الشيخ الانصاري رحمه الله في المسألة وذلك في حاشيته على رسالة لصاحب الجواهر رحمه الله كان قد أفتى فيها بالخمس.
3. ولعله ايضاً لشبهة انصراف غنيمة دار الحرب إلى التي حصلت عبر القتال، كما صرّح بذلك جمع، منهم المحقق العراقي رحمه الله فانه قد صّرح في حاشيته على المسألة بلزوم الخمس بالمعنى الأخص، ولكن قيّده بشرط أن يكون ذلك من توابع الحرب.
استدراك
لكن الشبهتين ممنوعتين لما ذكر من ان المسألة اعم من وقوع الحرب وعدم وقوعها.
نعم يجب أن تكون الإغارة جائزة كما لو كان الكفار محاربين، حتى وان لم يصرّح العروة به، لكونه من ضروريات الفقه، وإلا فمطلق الكافر لا يجوز الإغارة على أمواله، بل الذي يصح الإغارة عليه هو من لم يكن ماله محترماً وهو الكافر الحربي.
أقوال المسألة
الأقوال في المسألة عديدة:
1. قول المشهور وهو: ان في الغنائم الحاصلة بالاغارة خمس الغنيمة بالمعنى الاخص، وبه قال صاحب العروة ومن سكت على المتن مثل: كاشف الغطاء وحفيد صاحب الجواهر، والحائري، وابن العم السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي، والنائيني، والميلاني قدّست أسرارهم، وسبقهم الى ذلك صاحب الجواهر في رسالة «مجمع المسائل» حيث أفتى رحمه الله في المسألة بوجوب خمس الغنيمة بالمعنى الاخص، ولم يحشّ عليه أحد من المحشّين ومنهم المجدّد الكبير، والشيخ محمد تقي الشيرازي، والآخوند الخراساني، وصاحب العروة، والشيخ عبدالكريم اليزدي وجماعة من تلامذة الشيخ الانصاري والمحقق العراقي رحمة الله عليهم أجمعين ما عدا الشيخ الأنصاري رحمه الله الذي قال: «فيه تأمل» كتأمّله في الحروب التي تقع في زمن غيبة الإمام المعصوم صلوات الله عليه.
2. قول حفيد صاحب الجواهر، والسيد الحكيم، والسيد محمد تقي الخوانساري وهو: ان في الغنائم الحاصلة بالاغارة خمس الغنيمة بالمعنى الأعم وحكمها كسائر الأرباح والمكاسب، ولم أر قائلاً به من الماضين.
3. قول جمع من الاعلام منهم الشيخ الأنصاري رحمه الله في حاشيته على مجمع المسائل، وعّدة من محشّي العروة ومنهم السيد أبي الحسن الأصفهاني والسيد البروجردي والمرحوم الوالد رحمهم الله جميعاً وهو: الاحتياط بالتأمل في المسألة.
قول المشهور والدليل عليه
قال المشهور بوجوب خمس الغنيمة بالمعنى الاخص في الغنائم المأخوذة بالاغارة، واستدلوا له بادلة عمدتها: اطلاق الغنيمة على الاموال المأخوذة من الكفار بالاغارة، اطلاقاً لغوياً واصطلاحياً، وكتاباً وسنة، فيشمله قوله تعالى: «واعلموا أنما غنمتم من شيء فان لله خمسه».
نعم، يجب أن تكون الغنيمة مأخوذة من الكافر عبر الإغارة بمجوّز شرعي، وعلى قول: يلزم أن تكون الغنيمة مأخوذة عبر الهجوم على الكفار لأنه القدر المتيقن في المقام.
وأمّا التقييد بكون الغنيمة في الحرب فلم يدل عليه دليل، لا من الآيات والروايات، ولا من اللغة والاصطلاح، بل يؤيد عدم الإشتراط ما ذكرناه من البحار وغيره من تخميس النبي صلى الله عليه الغنائم المأخوذة من الكفار من غير وقوع حرب وقتال، مثل غزوة القردة، وسرية فدك، وغزوة قرقرة الكدر.
من شرائط غنائم الاغارة
نعم يشترط في الإغارة على الكفار إذن المعصوم صلوات الله عليه لمرسل الورّاق، وصحيحة معاوية بن وهب.
و لذا فإنّ قول صاحب العروة رحمه الله: «ولو في زمن الغيبة» يحمل إمّا على الموارد التي يحرز فيها رضا الإمام صلوات الله عليه والقول بكفاية رضا المعصوم صلوات الله عليه وعدم خصوصية إذنه، أو على القول بأنّ المورد من موارد الحسبة، وحيث إنّ الوصول إلى المعصوم صلوات الله عليه في زمن الغيبة متعذر لذا ينبغي بناء المسألة على القول بكفاية رضا المعصوم صلوات الله عليه أو الإذن من النائب العام على أن تكون المسألة من موارد الحسبة أو من باب الولاية بناءً على الخلاف في ذلك.



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG