23 آب 2017م
آخر تحديث: 22 آب
 
  رقم الصفحه: 260       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


ملحقات الإغارة وخمس غنائمه

بسم الله الرحمن الرحيم
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
قال صاحب العروة وهو يواصل كلامه في المسألة الأولى من مسائل الخمس الغنيمة والتي بحث فيها حكم ما لو أغار المسلمون على الكفار وأخذوا أموالهم، حيث احتاط وجوباً ثم استدرك وارتقى إلى الفتوى وقال: بل الأقوى إخراج خمسها من حيث كونها غنيمة، أي: إن فيما يحصل عليه المسلمون بالإغارة: الخمس بالمعنى الأخص، ثم عقّب بذكر كلامه ذلك بذكر بعض ملحقات الإغارة واستمرّ في إضافتها إلى ما مضى، وبيانها وبيان أحكامها فيما يأتي بقوله: «وكذا إذا أخذوا بالسرقة والغيلة» أي: وكذا يكون فيه الخمس بالمعنى الأخص وهو خمس الغنيمة ويُدفع فوراً فيما إذا أخذ المسلمون أموال المحاربين بهذا النحو أيضاً، ثم واصل صاحب العروة كلامه وقال: «نعم لو أخذوا منهم بالربا، أو بالدعوى الباطلة، فالأقوى إلحاقه بالفوائد المكتسبة، فيعتبر فيه الزيادة على مؤونة السنة». ثم ختم المسألة بقوله: «وإن كان الأحوط إخراج خمسه مطلقاً» أي: فوراً من دون استثناء المؤونة وهو احتياط استحبابي لسبقه بالفتوى.
اُمور أربعة
لقد تعرّض المصنّف هنا في هناية المسألة الأولى من مسائل خمس الغنيمة لذكر أمور أربعة، ألحقها بموضوع الإغارة، غير أنه لم يساوِ في الحكم بينها، وإنما جعل لإثنين منها خمس الغنيمة بالمعنى الأخص، ولإثنين منها خمس الغنيمة بالمعنى الأعم، فهل الحكم فيها كذلك؟
{مع صاحب الجواهر}
وهنا قبل التعرّض للجواب، ولزيادة الإستفادة والإفادة، لا بأس بذكر ما جاء في رسالة «مجمع الرسائل» لصاحب الجواهر في خصوص هذه المسألة، فإنه قال: «وحكم الأموال التي تحصل من الكافر الحربي بالسرقة أو الغيلة، يجب إخراج الخمس منها، والباقي حكمه حكم أرباح المكاسب» وهو يشبه كلام صاحب العروة في بعض منه، ويستفاد من قوله: «يجب إخراج الخمس منها» الفورية وإنها من خمس الغنيمة بالمعنى الأخص كما قال به صاحب العروة، بينما يستفاد من قوله الآخر: «والباقي حكمه حكم أرباح المكاسب» تعلّق الخمس بالمخمّس أيضاً إذا بقي إلى رأس السنة الخمسية كله أو بقي شيء منه، وهو من خمس الغنيمة بالمعنى الاعم، وهذا ما لم يتعرض إليه صاحب العروة هنا، ومثاله: كما لو كان الذي حصل عليه سرقة أو غيلة خمسة آلاف، فيجب إخراج ألفٍ منه للخمس فوراً، ثم المخمّس الباقي وهو أربعة آلاف لو صُرفت في المؤونة فلا شيء فيها، ولكن لو بقيت جميعها أو شيء منها فإنه قال بوجوب الخمس فيها أو في الباقي منها خمساً ثانياً لمرّة ثانية أيضاً، وهذا هو فرع جديد ينبغي بحثه والكلام عنه، وهو: أنه هل يتعلق بمال واحد لشخص واحد خسمان؟
كلام صاحب الجواهر بتعبير آخر
وبعبارة أخرى: هل يجب على المكلّف أن يُخرج خمس ماله مرتين:
1- مرة بالمعنى الأخص: الفورية وعدم لحاظ مؤونة السنة فيه؟
2- ومرة بالمعنى الأعم: مرور السنة الخمسية ولحاظ المؤونة فيه؟
صرّح صاحب الجواهر على ما مرت عبارته بذلك، غير أن الأعاظم الثمانية الذين لهم حواشٍِ على مجمع الرسالئل اختلفوا هنا بين معلّق وساكت، فقد سكت ستة منهم عليه، وهم: الميرزا الكبير الشيرازي، والميرزا محمد تقي الشيرازي، والآخوند الخراساني، والميرزا النائيني، والمحقق العراقي، والشيخ عبد الكريم الحائري، وعلّق إثنان منهم وهما: الشيخ الأنصاري، والسيد محمد كاظم اليزدي، فإنهما أبدلا فتوى صاحب الجواهر إلى الإحتياط الواجب، يعني: بدّلا قوله: «يجب إخراج الخمس منها» إلى قولهما: على الأحوط وجوباً، فاختلف كلام صاحب العروة في حاشيته على مجمع الرسائل مع كلامه في العروة حيث أحتاط بوجوب الخمس في الحاشية، وأفتى بالوجوب في العروة، كما أنه اختلف مع صاحب الجواهر في مجمع رسائله، ووافقه في عروته وهو واضح.
كلام الشيخ الأنصاري
كان هذا كلام صاحب الجواهر في مجمع الرسائل، وهناك كلام آخر للشيخ الأنصاري في كتاب خمسه الإستدلالي المطبوع طباعة جديدة في الصفحة الثانية والعشرين منه قال: «وأمّا ما يؤخذ من الكفار غيلة، فالظاهر: أنه لا خمس فيه إلا من حيث الإكتساب، فيراعى فيه مؤونة السنة» وهو تصريح من الشيخ الأنصاري هنا بأن في المأخوذ من الكافر الحربي غيلة خمس الغنيمة بالمعنى الأعم ويراعى فيه المؤونة، فإذا بقي كله أو شيء منه وجب إخراج خمسه، وإلا بإن لم يبق منه شيء وصُرف في المؤونة فلا خمس، مع أن الشيخ نفسه كان قد علّق بالإحتياط الوجوبي على كلام صاحب الجواهر في مجمع الرسائل الذي أفتى بفورية وجوب الخمس فيه وأنه بالمعنى الأخص، حيث وافقه هناك بأن فيه الخمس أي: خمس الغنيمة الفوري وبالمعنى الأخص، بينما خالفه هنا وقال بأن فيه الخمس بالمعنى الأعم ومع لحاظ مؤونة السنة، وكما اختلفت كلمات الشيخ الأنصاري، فقد اختلفت كلمات صاحب العروة على ما مضى أيضاً.
مع تعليقات المحقق النائيني
وللمحقق النائيني تعليق على العروة، وتعليق أيضاً على مجمع الرسائل: الرسالة العملية لصاحب الجواهر: وقد مرّت عبارتا العروة والمجمع ومرّ أيضاً أنهما كانا متوافقين في الفتوى والقول بوجوب الخمس في المال المأخوذ من الكافر الحربي غيلة، خمساً بالمعنى الأخص، لكن المحقق النائيني اختلف في تعليقه على الكتابين، فإنّه قد سكت على كلام صاحب الجواهر في مجمع الرسائل بما معناه: أنه أقرّ بفتوى صاحب الجواهر ووافقه على وجوب الخمس فيه بالمعنى الأخص، بينما لم يسكت على كلام صاحب العروة في العروة، بل علّق على قول العروة -: فالأقوى إلحاقه بالفوائد المكتسبة - علّق عليه بما يوافق كلام الشيخ الأنصاري في خمسه، وقال: «لا يبعد اطّراد هذا الحكم» يعني: إطّراد حكم الخمس بالمعنى الأعم وهو خمس أرباح المكاسب وشموله لكل الموارد الأربعة التي تعرّضت لبيان حكم أخذ المال من الكافر الحربي من دون حرب بلا فرق بين كونه مأخوذاً سرقة أو غيلة، ولا بين كونه مأخوذاً بالربا أو بالدعوى الباطلة أو غير ذلك، ثم أنه احتاط استحباباً باخراج خمس الجميع فوراً وقال: «والأحوط في الجميع اخراج خمسه مطلقاً» أي: اخراج خمس الغنيمة بالمعنى الأخص من الموارد الأربعة جميعاً.
أقوال المسألة
وكيف كان: فقد اختلف الفقهاء في خُمس هذه الأمور الأربعة إلى أقوال تالية:
القول الأول
الأول: إن المأخوذ من الكافر الحربي سواء أخذ سرقة أو غلية، أو بالربا أو بالدعوى الباطلة، فإن فيها جميعاً الخمس فوراً، أي: خمس الغنيمة بالمعنى الأخص، ذكر هذا القول الأخ الأكبر أعلى الله درجاته في موسوعته الفقهية سرداً وقال:
أنه أحد أقوال المسألة، ولكنه لم يذكر قائله، كما أنه لم يذكر في بقية الأقوال التي نقلها في خمس موسوعته أسماء القائلين بها.
القول الثاني
الثاني: إن في جميع هذه الأمور الأربعة الخمس بعد إخراج مؤونة السنة، أي: أن فيها بلا اسثناء خمس الغنيمة بالمعنى الأعم مراعى فيه مؤونة السنة، وهو قول الفقهاء العظام من مثل المحقق النائيني الذي مرّت عبارة تعليقته على العروة قبل قليل، ومثل الشيخ محمد رضا آل ياسين الذي يعدّ من المتقدّمين في التعليق على العروة ومن أعاظم الفقهاء، ومثل الميرزا السيد عبد الهادي الشيرازي في حاشيته على العروة، ومثل المحقق الخوانساري: السيد محمد تقي فإنه قال كما قال هؤلاء بوجوب خمس أرباح المكاسب في كل ما اُخذ من الكافر الحربي بغير حرب وأنه مراعى بمؤونة السنة، وغيرهم قدّس سرّهم.
القول الثالث
الثالث: التفصيل بين ما لو اُخذ المال من الكافر الحربي بسرقة أو غيلة، ففيهما خمس الغنيمة بالمعنى الأخص ويكون فورياً، وبين ما لو اُخذ بالربا أو بالدعوى الباطلة ففيهما خمس الغنيمة بالمعنى الأعم ويراعى فيه مؤونة السنة، وهو قول صاحب العروة وجمهرة ممت سكتوا على كلامه في العروة ولم يعلّقوا كالمحقق العراقي، والشيخ عبد الكريم الحائري، والسيد أبي الحسن الأصفهاني، والسيد الميلاني، والشيخ كاشف الغطاء، فإن هؤلاء سكتوا على التفصيل المذكور بلا أي تعليق، أو كالمرحوم الوالد الذي وافق على تفصيل صاحب العروة إلا أنه أبدل فتواه في المأخوذ بالسرقة والغيلة -بتعليقه عليه- إلى الإحتياط الواجب، فيكون أيضاً من القائلين بهذا التفصيل.
القول الرابع
الرابع: التفصيل بين ما لو اُخذ المال من الكافر الحربي بسرقة، أو غيلة، أو بالدعوى الباطلة: ففيه خمس الغنيمة بالمعنى الأخص ويُدفع فوراً، وبين ما لو اُخذ بالربا ففيه خمس الغنيمة بالمعنى الأعم ويراعى فيه مؤونة السنة. وهو قول السيد البروجردي وبعض آخر من العلماء الأعلام.
القول الخامس
الخامس: التفصيل بين ما لو اُخذ من الكافر الحربي في الحرب سواء اُخذ سرقة أو غيلة، أو بالربا أو بالدعوى الباطلة: ففيه خمس الغنيمة بالمعنى الأخص ويكون دفعه فورياً، وبين ما لم يؤخذ منه في الحرب سؤاء اُخذ سرقة أو غيلة أو بالربا أو بالدعوى الباطلة: ففيه خمس الغنيمة بالمعنى الأعم ويراعى فيه مؤونة السنة، وهو قول الأخ الأكبر أعلى الله درجاته الذي اختاره في موسوعته الفقهية وقال به هناك.
نقد الأقوال
كانت هذه هي أقوال المسألة على اختلافها وتضاربها مع أنه لم يكن هناك في المسألة على شيء منها دليل خاص، وإنما هو الدليل العام الذي ورد في الكتاب الحكيم من قول الله سبحانه: «واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل» الأنفال: 41. والحديث الشريف الذي ورد في تفسير هذه الآية الكريمة من قوله صلوات الله عليه: «هي والله الإفادة يوماً بيوم» الوسائل: كتاب الخمس الباب4 من أبواب الأنفال الحديث8. وما ورد أيضاً من الأحاديث الشريفة الأخرى في فريضة الخمس المتعرضة للخمس بكلا المعنيين: خمس الغنيمة بالمعنى الأخص، وخمس الغنيمة بالمعنى الأعم، وعليه فعمدة أدلة المسألة هو: مجموع الآية الكريمة من سورة الأنفال والأحاديث الشريفة في فريضة الخمس، وعلى الفقيه أن يستظهر منها حكم الموارد الأربعة فيما نحن فيه، ويرى هل أنها جميعاً من مصاديق الخمس بالمعنى الأخص، أو أنها جميعاً من مصاديق الخمس بالمعنى الأعم، أو أنها بحاجة إلى التفصيل والتفريق بين بعضها حيث إنها من مصاديق الخمس بالمعنى الأخص، وبين بعضها الآخر حيث إنها من مصاديق الخمس بالمعنى الأعم؟ وهل أن للحرب وفعليتها، أو لعدم الحرب وعدم فعليتها مدخلية في الحكم على شيء من هذه الموارد الأربعة، وهل لها تأثير في تقرير كون خمسها من أيّ واحد من المعنيين أم لا؟ كل هذه وأمثالها استفهامات يجيب عليها الفقيه بحسب استظهاره من هذه الأدلة.
استنتاج
ولعل الأقرب من جميع هذه الأقوال المذكورة هو: قول صاحب العروة ـ السيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي ـ وتفصيله المذكور في العروة الذي وافقه عليه أعاظم المعلّقين وأكابر المحشين المتقدّمين على العروة، سواء الذين سكتوا أم الذين بدّلوا فتواه بالوجوب إلى الإحتياط الواجب، فإنه أقرب من غيره إلى الأدلة وما يستظهر منها.
استدراك
لا يخفى أن الأصل الذي أقرّه الإسلام، وبنى عليه كل أحكامه، واُسس وفقه جميع مناهجه وبرامجه، وذلك بشدّة وصرامة، هو: حرمة الدماء والأعراض والأموال، وصيانتها من التعرّض لها، وحفظها من المساس بها، إلا في الكافر الحربي الذي يشنّ الحرب على الإسلام، ويقوم علناً بتجهيز الجيوش، ويأخذ جهراً بإعلان الحرب على المسلمين، فالإسلام العظيم وبحكمته السماوية أباح كل ما يرتبط بهذا الكافر الحربي من دم وأموال، كي يُرهب به العدو، ويُخرج من ذهنه التفكّر في غزو المسلمين، وشنّ حرب عليهم، فيكون ذلك عاملاً وقائياً يمنع من وقوع الحرب، ويصدّ عن تحقق قتال وسفك دماء، وهو كذلك عرفاً وعقلاً، كيف لا والشارع هو سيّد العقلاء.



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG