23 حزيران 2017م
آخر تحديث: 22 حزيران
 
  رقم الصفحه: 261       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


تتمة للبحث السابق

بسم الله الرحمن الرحيم
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
هناك تتمة للبحث السابق لم يتعرض لها صاحب العروة، وانما تعرّض لها صاحب الجواهر الشيخ محمد حسن، وصاحب النخبة الحاج الكلباسي، وغيرهما من الأعلام. والحاج الكلباسي كان معاصراً لصاحب الجواهر، و«النخبة» رسالته العملية وقد علّق عليها الاعاظم من مثل الشيخ الانصاري، والمجدّد الميرزا الشيرازي الكبير وجماعة آخرين، والتتمة هي كثيرة الابتلاء، ومحلّ حاجة الكثيرين، وتأتي في مسائل اُخر غيرما نحن فيه أيضاً، يعني: انها ليست مختصة بالمسألة الماضية، التي بحثناها في الحلقة السابقة: من الإغارة على الكفار الحربيين وملحقات الاغارة مثل المأخوذ منهم سرقة أوغيلة، حيث اخترنا فيها قول صاحب العروة، والجماعة الذين سكتوا على قوله ولم يعلّقوا عليه، وهو: وجوب خمس الغنيمة فيها بالمعنى الاخص، بل تشمل مسائل اُخر غيرها، مثل: الغوص والمعدن والكنز، والمال المختلط بالحرام، وغنيمة دارالحرب نفسها ونحوذلك.
النخبة وتعرّضها للتتمة
والتتمة هي بتعبير «النخبة» للحاج الكلباسي مرتبطة بهذه المسألة وقد جاءت في أوائل كتاب الخمس من «النخبة» بقوله: «ما يؤخذ من الكفار من أهل الحرب سرقة أوغيلة ففيه الخمس ـ ثم قال: ـ وتتمّته في حكم منافع المكاسب» ولم يعلّق عليه أحد من الاعاظم الذين علقوا على «النخبة» من امثال الشيخ الانصاري: والمجدّد الميرزا الشيرازي الكبير وغيرهما، مما يبدوقبلوهم لما هوظاهر من العبارة: بان فيه خُمسين:
خمس فوري للغنيمة بالمعنى الاخص.
وخمس بعد المؤونة وعند رأس السنة الخمسية بالمعنى الأعم.
فلوحصل المسلم ـ مثلاً ـ على ألف دينار من الكافر الحربي غيلة، فعليه خمس الغنيمة بالمعنى الاخص وهواعطاء مائتي دينار خمساً فوراً، وفي الباقي: الثمانمائة دينار إن لم يصرفها في المؤونة وبقيت إلى رأس سنته الخمسية، فعليه خمسها بالمعنى الأعم ثانية.
صاحب الجواهر وتعرضه للتتمة في رسالته
وقال صاحب الجواهر في رسالته العملية: «مجمع المسائل» متعرضاً لهذه التتمة في المسأله الأولى من مسائل كتاب الخمس: «وحكم الأموال المأخوذة من الكافر الحربي سرقة أوغيلة حكم الغنيمة، فيجب فيها الخمس، وحكم الباقي منها حكم أرباح المكاسب» وعلق صاحب العروة عليها ـ عند عبارة: ارباح المكاسب ـ بقوله: «يعني: من جهة الغيلة نفسها والا فلا خمس عليها ثانية» وهذا توجيه لكلام صاحب الجواهر وتأويل له عن ظاهره وليس اكثر، وهو واضح.
وعليه: فلم يختلف صاحب العروة في تعليقه على «مجمع المسائل» مع ما أورده هوفي عروته سوى انه بدّل الفتوى بوجوب الخمس بالمعنى الاخص في الأموال المأخوذة من الكافر الحربي سرقة أوغيلة عند قول صاحب الجواهر: «فيجب الخمس» إلى الاحتياط الواجب فقط.
التتمة وتعليق الميرزا محمد تقي عليها
وجاءت هذه التتمة نفسها في «مجمع الرسائل» الرسالة العملية للمجدّد: الميرزا الشيرازي الكبير أيضاً، والمجدّد هوممن له تعليق على «مجمع الرسائل» الرسالة العملية لصاحب الجواهر وقد سكت عليها هناك أيضاً، مما يظهر منه عدم اختلاف نظره في المجمعين. نعم علق على التتمة في مجمع المسائل هنا: الميرزا محمد تقي الشيرازي بقوله: «ظاهر العبارة: وجوب الخمس في التتمة، لكن الأظهر: عدم الوجوب وكفاية تحميس الأصل» بينما الميرزا محمد تقي الشيرازي هونفسه لم يعلّق بهذا التعليق على رسالة «مجمع الرسائل» لصاحب الجواهر مع انه ممّن له تعليق عليها، مما يظهر ان وجود الاختلاف في هذه التتمة ليس بين العلماء الاعلام فحسب، بل حتى من فقيه واحد أيضاً.
استنتاج
وكيف كان: فالتتمة هذه رغم كونها محل الابتلاء وسيالة في مسائل اُخر مثل: الغوص والكنز والمعدن ونحوها، إلا انه لا يوجد في خصوصها دليل خاص كي نستنبط الحكم منه، وانما يجب مراجعة القواعد والادلة العامة للبثّ في حكمها، وهذا ما يتطلب الاجتهاد الحثيث فيها والاستنباط الدقيق لحكمها حتى نحكم بأنه هل يجب مضافاً إلى الخمس الفوري الأول، اخراج خمس ثانٍ للزائد منه على المؤونة عند رأس السنة الخمسية، ام لا؟ فقد نفى العلمان: صاحب العروة، والميرزا محمد تقي الشيرازي وجود خمس ثانٍ فيها، وقد اثبته بعض الاعلام فيها، فهل النفي والاثبات مطرّد في جميع المسائل المشابهة أوهناك تفصيل فيها؟ هذا ما يستوجب التحقيق والتدقيق ولذلك نكتفي بذكر ما مضى من التتمة فقط ونترك التحقيق والتدقيق فيها إلى محلها المناسب لها ان شاء الله تعإلى.
ما حواه العسكر من مال البغاة
انتهى صاحب العروة من المسألة الأولى من مسائل خمس الغنيمة، وبدأ ببيان المسألة الثانية منها وقال: «المسألة «2»: يجوز أخذ مال النصّاب اينما وجد» وهذا هوفرع برأسه، ثم ذكر فرعاً آخر في مواصلة كلامه وقال: «لكن الاحوط اخراج خمسه مطلقاً» وهوفرع ثانٍ تعرض فيه لبيان اخراج خمسه فوراً وأنه بحكم الغنيمة بالمعنى الاخص وفيه الخمس بالمعنى الاخص، ثم ذكر فرعاً ثالثاً وقال: «وكذا الأحوط اخراج الخمس مما حواه العسكر من مال البغاة» اشارة إلى قوله تعإلى: «فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله» كما اتفق للامام اميرالمؤمنين عليه السلام في حرب الجمل، وصفّين، والنهروان، فان صاحب العروة احتاط وجوباً باخراج خمسه فوراً وعدّه بحكم الغنيمة بالمعنى الاخص ولكنه اشترط في البغاة بان يكونوا نصّاباً بقوله: «اذا كانوا من النصّاب ودخلوا في عنوانهم، والا فيشكل حلّية مالهم» اي: بان لا يكونوا مغفّلين، أومغلوب على أمرهم، أونحوذلك.
هنا قولان
انتهت المسألة الثانية بفروعها الثلاثة، وفي كل فرع منها كلام طويل، ونقاش شديد، وخاصة في الفرع الأول منها، فان فيه قولين:
القول الأول
أحدهما: هوقول صاحب العروة بالجواز، وهوقول المشهور المدّعى عليه الاجماع وبه روايات مستفيضة، منها: معتبر، وصحيح، وتلك الروايات مروية عن أهل البيت عليهم السلام الذين طهّرهم الله وعصمهم بنص آية التطهير، وجعلهم الرسول الكريم بامر من الله تعإلى عدل القرآن الحكيم في صدق كلامهم، ولم يعلّق على كلام صاحب العروة احد ـ حسب ما رايت ـ سوى الحجّه الكوه كمري فانه علّق على كلمة «يجوز» بقوله: «فيه اشكال» وسوى السيد الاخ فانه علق على كلمة «يجوز» بقوله: «الاحوط الترك» نعم، يظهر من صاحب الجواهر كما نسب اليه ذلك أيضاً: انه قد تردد في جواهره في هذه الفرع في جوازه وعدم جوازه.
القول الثاني
ثانيهما: هوقول ابن ادريس في السرائر بعدم الجواز، وهوقول جمهرة من الاعلام من بعده من مثل: المحقق الاردبيلي في مجمع الفائدة، وصاحب المسالك في المسالك، والوحيد البهبهاني في شرح المفاتيح، وكل واحد من هؤلاء هوعلم من الاعلام.
قال ابن ادريس في مستطرفات سرائره بعد ان ذكر روايتين من روايات المسألة في هذا الفرع: الناصب المعنيّ في هذين المخبرين: اهل الحرب، لأنهم ينصبون الحرب للمسلمين، والا فلا يجوز اخذ مال المسلم، ولا ذمّي على وجه من الوجوه» .
وقال المحقق الاردبيلي في هذا الفرع من مجمع الفائدة: «وفي الاخبار الكثيرة: ان اخراج الخمس من الحرام موجب لتطهيره، وكذا أخذ مال الناصب واخراج الخمس منه، والظاهر: انها مأولة لعدم القائل به. ولمخالفتها للقواعد» ولعله أراد من قوله: «انها مأولة» تأويل ابن ادريس في السرائر حيث أول الناصب، بالذي ينصب الحرب للمسلمين.
وقال صاحب الرياض في هذا الفرع من رياضه بعد كلام له فيه: «ومنه يستفاد تحريم أموال سائر فرق الإسلام وان حكم بكفرهم. كما صرّح به شيخنا في المسالك، لان هذا الوصف ثابت في البغاة وزيادة، مضافاً إلى ما دلّ عليه من الكتاب والسنّة» وقوله: «لان هذا الوصف (النصب) ثابت في البغاة وزيادة» يقابل قول صاحب العروة: «البغاة اذا كانوا من النصاب» يعني: ان صاحب العروة عدّ البغاة غير النصاب، بينما صاحب الرياض عدّ البغاة هم النصّاب انفسهم مضافاً إلى انهم بغوا بالحرب والقتال أيضاً، والفرق بين القولين واضح.
وحكي عن الوحيد البهبهاني في ذكره لهذا الفرع من شرحه على المفاتيح، انه قال بعدم جواز أخذ مال الناصب، نعم ادّعى الاجماع عليه.
هذا هوبعض من عبارات القائلين بالقول الثاني، وهناك عبارات اُخر في هذا المضمار ممن ذهبوا إلى القول الثاني وعلى خلاف المشهور، نعرض عن ذكرها خوفاً من الاطالة.
حاصل الكلام
وخلاصة الكلام هو: ان قول المشهور رغم انه مخالف للقواعد، الا ان عليه دليل خاص: صحيح ومعتبر، مثل صحيحة الحفص بن البختري عن الامام الصادق عليه السلام ومثل معتبر المعلّى بن خُنيس الذي عبّر عنه الجواهر في اكثر من موضع في جواهره بالصحيح وفي مقام البحث العلمي لوكان عندنا خبر واحد صحيح أومعتبر وعمل به المشهور، بل فيما نحن فيه قد عمل به المشهور شهرة عظيمة، لكان كافياً في الحكم به، ولكن كما مرّ آنفاً بأن جمهرة من الأعاظم والاعلام قد اشكلوا بل وأنكروا ظهور الصحيحة والمعتبرة على ما استظهره المشهور منها، حتى ان مثل الشيخ الانصاري قال في كتاب خمسه : وقد ورد في غير واحد من الأخبار: اباحة مال الناصب ووجوب الخمس فيه، ويظهر من الحدائق اتفاق الطائفة المحقة على الحكم بجواز اخذ مال الناصب: وهو: بعيد، والظاهر من شرحي المفاتيح والارشاد للمحققين: البهبهاني والاردبيلي: الاتفاق على الخلاف فيما ادّعاه، وأول الحلي اخبار الجواز بالناصب للحرب للمسلمين، لا ناصب العدأوة للشيعة، ولعلّه لعدم الخروج بها عن الاصول والعمومات، وهوحسن» هذا هوخلاصة البحث في هذا المسألة ومن أراد التفصيل فليراجع الحدائق وموسوعة الفقه، فانهما قد بحثا المسألة بحثاً مسهباً، وبتفصيل كبير، لم يسبقهما بمثله أحد.
الاموال المغتنمة وشروطها
ثم ان صاحب العروة ذكر مسأله اخرى في باب غنائم دارالحرب وهي المسألة الثالثة وقال: «المسألة «3» يشترط في المغتنم أن لا يكون غصباً من مسلم، أوذمي، أومعاهد أونحوهم ممن هومحترم المال، وإلاّ فيجب ردّه على مالكه».
مثلاً: اذا انهزم الكفار في الحرب وتركوا أموالهم وغنمها المسلمون، ثم ظهر لهم أن شيئاً منها كانوا قد غصبوه، وجب عليهم ردّه على المغصوب منه، سواء كانوا غصبوه من مسلم، أومن غير مسلم لكنه محقون الدم والمال من مثل: الذمّي، وهم من أهل الكتاب الذين يعيشون في ذمّه المسلمين وتحت حمايتهم طبق شروط معيّنة، أوالمعاهد، وهم من الكفار غير الحربيين الذين وقّعوا معاهدة عدم حرب ونحوها مع المسلمين، أوالمحايد: وهم من الكفار غير الحربيين الذين لا تعرّض لهم ضدّ المسلمين، أوالمستأمن: وهم من الكفار الذين اخذوا الأمان من المسلمين.
من أمثلة المستأمن
واللطيف انه يذكر في أحوال الرأوي العدل الثقة: «زرارة بن اعين بن سنسن» ان ابا زرارة وهو«أعين» كان مسلماً ولكنه كان من المنحرفين عن اهل البيت عليهم السلام حتى مات على انحرافه، وأن جدّ زرارة وهو: «سنسن» كان راهباً من رهبان المسيح، وكان كلما أراد الدخول إلى البلاد الاسلامية والسفر اليها، كان يدخلها بأمان من ابنه «أعين» يعني: انه كان يطلب الأمان من ابنه، فكان ابنه يعطيه الأمان: فيدخل بلد المسلمين بأمان من ابنه، ولمثله يقال: مستأمن، وعليه: فاذا ظهر للمسلمين وثبت عندهم بأن شيئاً من أموال الغنيمة اخذت غصباً من واحد من هؤلاء المحقوني الدم والمال، فانه لا يجوز أخذه كغنيمة حرب، وانما يجب ردّه عليه، كما قال صاحب العروة: «والاّ فيجب ردّه على ما لكه» ووافق العروة على ذلك من تقدّم عليه من الفقهاء الاعلام ومن تأخر عنه، قال في الجواهر: «ووجهه واضح» وقال في الفقه: «لم أجد فيه خلافاً» نعم ذكر هوخلافاً فرضياً من دون ذكر قائل له، لكنه ردّه وأجاب عليه مما يفيد بانه لا خلاف في المسألة قطعاً.
دليل المسألة
أما دليل المسألة، وانه لماذا يشترط كون المغنم مباحاً وليس مغصوباً ممن هومحترم المال، والا وجب ردّه عليه؟ فهو: الأدلة الاربعة جميعاً: الكتاب الحكيم، والسنّة الشريفة، والاجماع، والعقل، وبكلمة واحدة: الادلة العامة الدالة على حرمة الغصب ووجوب ردّ المغصوب إلى من غُصب منه مضافاً إلى ان المسألة التي نحن فيها هي من مصاديق الغصب، تدل عليه، قال الشيخ الطوسي في مبسوطه: «تحريم الغصب معلوم بالادلة العقلية، وبالكتاب والسنة والاجماع» أما معلومية حرمة الغصب بالادلة العقلية فهو: إما من باب ان حرمة الغصب من المستقلات العقلية، وإمّا من باب ان الغصب نفسه مصداق للظلم، وحرمة الظلم من المستقلات العقلية وهوواضح، نعم هناك روايات خاصة بما نحن فيه نترك ذكرها إلى حلقة قادمة إن شاء الله تعالى.
_______________________________
1. مستطرفات السرائر، ص607.
2. مجمع الفائدة، ج4، ص356.
3. الرياض، ج7، ص464.
4. انظر: الجواهر، ج9، ص294 وج28، ص183.
5. الخمس للشيخ الانصاري، ص23.
6. الحدائق، ج12، ص324.
7. الجواهر، ج16، ص13.
8. موسوعة الفقه، ج33، ص44.
9. المبسوط، ج3، ص59.



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG