21 آب 2017م
آخر تحديث: 21 آب
 
  رقم الصفحه: 264       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


خمس الغنائم والمعادن

بسم الله الرحمن الرحيم
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
السلب موضوعاً وحكماً
كان الكلام في المسألة الخامسة والاخيرة من مسائل خمس غنيمة دار الحرب، حيث ذكر صاحب العروة فيها حكم «السلب» وقال بأنه من الغنيمة موضوعاً وحكماً. وقلنا بان في هذه المسألة ثلاثة مطالب: مطلب فني في معنى السلب، ومطلب في كون السلب لمن، ومطلب في انه هل في السلب خمس أم لا؟ تعرضنا في الحلقة السابقة للمطلب الأول كاملاً. وللمطلب الثاني ناقصاً، ولم نذكر المطلب الثالث، وقد حان الوقت لان نفي بوعدنا ونذكر ما تبقى من المطلب الثاني، ثم المطلب الثالث باذن الله تعالى.
 
بقية المطلب الثاني
ذكرنا في المطلب الثاني بان السلب يكون للمقاتلين بعد اخراج خمسه، الا اذا جعله المعصوم للقاتل فيختص بالقاتل، واستدللنا على ذلك بعمومات الغنيمة وبعدم وجود دليل مخصِّص معتبر، وبالاجماع ايضاً وذكرنا بان خلاف ابن الجنيد لا يضر بهذا الاجماع ولذلك لا يُعبأ به، ثم بقي هنا سؤال واشكال وعدنا الاجابة عليه فنقول مايلي:
 
سؤال وجواب
ان قلت: ما تقولون بوجود هذا المخصص الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وآله كتاب عوالى اللئالي، ج1، ص403 حيث يقول: «من قتل قتيلاً فله سلبه» مضافاً الى ما ورد من ان المعصوم ترك السلب احياناً للقاتل، اضافة الى خلاف ابن الجنيد في ذلك؟
قلت: أمّا المخصّص الذي رواه العوالي عن النبي الكريم صلى الله عليه وآله: فانه قد انفرد هو به، مضافاً الى انه رواه مرسلاً غير مسند، كما انه لم يذكر له مصدراً معتبراً سوى ما ذكره له من مصادر العامة، مما يجعل الخبر ضعيفاً وخالياً عن الاعتبار.
واما أن المعصوم يترك السلب للقاتل: فانه لا نمانع منه، لانه نوع جعل خاص لشخص خاص، وهو من صلاحيات المعصوم، ولذلك قال شيخ الطائفة الشيخ الطوسي في الخلاف: ج4، ص187: «المسألة «11»: اذا شرط الامام السلب اذا قتل، فانه متى قتله استحق سلبه على ايّ حال قتله» وقال أيضاً في المبسوط وغير المبسوط مثل ذلك: فظهر أن السلب من الغنيمة وليس لخصوص القاتل.
وأما خلاف ابن الجنيد: فلو هنه ـ على ما عرفت ـ لا يضرّ بالاجماع حتى الاجماع الاصطلاحى، سواء كان مبنى حجية الاجماع هو: بناء العقلاء على ما اخترناه، ام هو: اللطف، او الحدس، او الدخول، او نحو ذلك على مختار الآخرين.
 
المطلب الثالث: هل في السلب خمس؟
لقد ثبت بحسب الأدلة، وذلك على ما سبق: من أن السلب كسائر موارد الغنيمة يكون بعد اخراج خمسه للمقاتلين ولا كلام فيه، وانما الكلام فيما اذا جعل المعصوم السلب للقاتل بصورة خاصة، فهل يجب على من يأخذ هذا السلب الخمس، بأن يُعطي خمس ما حصل عليه من السلب فوراً وبحسب خمس الغنيمة وهو: الخمس بالمعنى الأخص، ام لا يجب عليه ذلك وانما يجب عليه الخمس بالمعنى الأعم، وذلك بأن يعطي خمس السلب بعد اخراج المؤونة منه ان بقي منه شيء عند رأس سنته الخمسية والا فلا، وهو ما يسمّى بخمس الارباح والمكاسب، او خمس الغنيمة بالمعنى الأعم؟
 
اقوال المسألة
اختلفوا في المسألة الى قولين:
القول الأول:
قال بعض ـ مثل السيد الوالد، والشيخ النائيني، والعراقي، والحائري وآخرين قدّس سرهم ـ بوجوب الخمس عليه بالمعنى الأخص، فيعطي خمسه فوراً، واستدلوا لذلك على ان السلب صغرى من صغريات كلّي الغنيمة الحربية، ففيه خمس الغنيمة بالمعنى الأخص.
 
القول الثاني:
وقال بعض آخر ـ مثل السيد الاخ، وابن العم، والبروجردي، والشيخ الجواهري وآخرين قدّس سرهم ـ بوجوب الخمس عليه بالمعنى الاعم ووجوب خمس أرباح المكاسب، فيعطي خمسه اذا بقي منه شيء عند رأس سنته الخمسية، مستدلّين على ذلك بأن السلب انما يكون للقاتل بجعل المعصوم، وقد سبق: ان الجعائل لبعض المقاتلين من صلاحيات المعصوم ويكون من مستثنيات الغنيمة، فيكون خارجاً عن حكم الغنيمة: من وجوب الخمس فيه، ووجوب تقسيمه بين المقاتلين، ونحو ذلك، مضافاً الى ان ظاهر ما يدل على ان السلب ـ بجعل المعصوم ـ للقاتل: انه بتمامه له، لا بعد التخميس، فيكون ما دل على وجوب الخمس بالمعنى الاخص في الغنيمة محكوماً او منصرفاً عنه.
 
استنتاج
ثم ان الذي يبدو للنظر هو: القول الثاني والاخير، وانه لا خمس في السلب فوراً وبالمعنى الاخص، بل ان خمس السلب هو عند حلول رأس السنة الخمسية وبعد المؤونة، وبالمعنى الأعم، وذلك ان بقي منه شيء، والا فلا خمس فيه.
 
مع صحيحة ابن سنان
ثم ان هناك رواية صحيحة تقول بان الخمس مختص بالغنيمة، وهي صحيحة عبدالله بن سنان عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام، فقد جاء فيها انه قال: «ليس الخمس الا في الغنائم خاصة» (الوسائل، كتاب الخمس، الباب2 من أبواب ما يجب فيه، الحديث1) وفيها: انها خلاف الادلة والاجماع القائم من جميع المسلمين، وذلك لثبوت الخمس عندهم في مثل المعدن والكنز والغوص وأيضاً في عموم الغنائم والفوائد وعدم خصوص الخمس بغنيمة دارالحرب، ولذلك فانها تحمل على أحد وجوه تالية:
1. انها تشير الى قضية خارجية وليست على نحو القضية الحقيقية.
2. انها صدرت تقية وليست على الارادة الاستعمالية.
3. تفسير الغنائم فيها بعموم الفوائد والارباح. كما في اللغة، وكما في التفسير، وكما في مستفيض الروايات، مثل رواية حكيم مؤذن بني عبس عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام في تفسير الآية الكريمة من سورة الانفال: «واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه...» قال: «هي والله الافادة يوماً بيوم» (الوسائل: كتاب الخمس، الباب4 من ابواب الانفال، الحديث8).
وعليه: فالخمس ـ كما مرّ اول كتاب الخمس ـ ثابت في امور سبعة تعم غنائم دارالحرب.
 
الثاني من الأشياء السبعة التي يجب فيها الخمس: المعدن
ثم إن صاحب العروة بعد أن أنهى كلامه في الشيء الأول من الأشياء السبعة التي يجب فيها الخمس وهو: غنيمة دارالحرب، انتقل الى بيان الشيء الثاني من الاشياء السبعة التي يجب فيها الخمس، وهو: المعدن وقال: «الثاني: المعادن» فالمعادن مما يجب فيها الخمس والبحث فيها يكون عبر مطالب تالية:
1. المعدن لغة
 أما المعدن في اللغة فهو: من عَدَن بالمكان، يعني: أقام به وخلد فيه، ومنه قول الله تعالى: «جنّات عدن» اي: جنات إقامة وخُلد، ويكون بفتح الميم وكسر الدال على وزن مَسجِد ومَجلِس، ومَشرِق ومَغرِب، ويقال لمكان الشيء الذي يكون فيه أصله ومنبته أيضاً، ويكون بكسر الميم وفتح الدال على وزن مِفعَل، ويقال للصاقور الذي يُحفر به المعدن.
2. المعدن حكماًَ
وأما حكم المعدن، فانه يجب فيه الخمس فوراً فيما اذا بلغ النصاب وهو عشرون ديناراً، وذلك بعد اخراج مؤونة استخراجه، اما وجوب الخمس فيه فهو ما نتعرض اليه هنا باذن الله تعالى، واما شروطه مثل بلوغ النصاب ونحوه فهو ما يأتي ان شاء الله تعالى بحثه عند قول العروة: «بلوغ ما اخرجه عشرين ديناراً» والدليل على وجوب الخمس فيه هو: الاجماع وكذلك الروايات الشريفة، مثل صحيح الحلبي عن الامام الصادق عليه السلام قال: «سألت ابا عبدالله عليه السلام ... وعن المعادن كم فيها؟ قال: الخمس» ـ الوسائل: الخمس، الباب3 من ابواب ما يجب فيه الخمس، الحديث2ـ.
3. المعدن مصداقاً
 وأما مصداق المعدن فهو ما أشار اليه صاحب العروة بقوله: «من الذهب، والفضة، والرصاص، والصفر، والحديد، والياقوت، والزبرجد، والفيروزج، والعقيق، والزيبق، والكبريت، والنفط، والقير» وهذه هي امور واضحة، ثم قال: «والسنج» وهو بضمّ السين وسكون النون والجيم، ويقال لمعدن اسود ولعله هو الذي يعرف اليوم بالفحم الحجري، ثم قال: «والزاج» ويقال لمعدن أبيض و هو المعروف بالشبّ، ثم قال: «والزرنيخ» وهو يقال لمعدن رمادي اللون ويستفاد منه في ازالة الشعر بعد خلطه بالكلس ويقال له: النورة أيضاً، ثم قال: «والكحل، والملح» وهو أيضاً واضح.
 
استدراك
ثم ان صاحب العروة استدرك وقال: «بل والجص، والنورة، وطين الغَسل» ويقال له: طين خاوة، وفي الرواية ان السيدة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها كانت تغسل رأس ابنيها الامام الحسن والامام الحسين عليهما السلام به، ثم قال: «وحجر الرحى، والمَغرة ـ وهي الطين الاحمر ـ على الاحوط، وان كان الاقوى: عدم الخمس فيها من حيث المعدنية، بل هي داخلة في ارباح المكاسب فيعتبر فيها الزيادة عن مؤونة السنة» وهذا الاحتياط من صاحب العروة هنا والذي عقّبه بالفتوى بقوله: وان كان الاقوى، مما جعل الاحتياط استحبابياً، هو مثار خلاف: بان هذا الاحتياط هل هو خاص بالأخير وهو: المَغرة، أم يشمل جميع المصاديق الخمسة التي جاءت بعد الاستدراك بقوله: بل؟
 
المعدن وملاكه
من هنا ولأجل رفع الاختلاف وحلّ النزاع اعطى صاحب العروة ملاكاً لتشخيص مصاديق المعدن قائلاً: «والمدار: على صدق كونه معدناً ـ عرفاً ـ » وقال المحقق الهمداني في مصباح الفقيه: ج3، ص111: «فالاظهر: ثبوت الخمس في جميع ما يستخرج من الارض مما يسمّى في العرف معدناً» وهذا ما تسالم عليه الاصحاب: من أن العرف هو المرجع في تشخيص الموضوع وتعيينه في مثل: الماء والتراب وفي كلما لم يتدخّل الشارع في تعيين موضوعه، أو لم يضيّق ولم يوسّع في موضوعه: كالمعدن فيما نحن فيه.
 
العرف هو الملاك
فالعرف اذن هو الذي يكون الفاصل في تشخيص الموضوع وتحديده، والحاكم بان هذا ـ كالمَغرة ـ معدناً ام لا، وهذا واضح فيما لو قطع العرف بالموضوع وأما اذا شك فيه فما هو التكليف؟
مثلاً: صرّح صاحب المدارك في مداركه، ج5، ص346 وهو يشير الى وقوع الشك في مثل المَغرة وهي الطين الأحمر التي كانت في الماضي محل ابتلاء الكثير بقوله: «وقد يحصل التوقّف في مثل المَغرة ونحوها، للشك في اطلاق اسم المعدن عليها على سبيل الحقيقة، وانتفاء ما يدل على وجوب الخمس فيها على الخصوص» اي: الخمس الفوري مع تحقق شرائطه، حتى يعرف منه لحوقه القطعي بالمعدن، ولرفع مثل هذا التوقف والشك اعطى صاحب العروة ملاكاً آخر وقال ما يلي:
 
الملاك عند الشك
«واذا شك في الصدق، لم يلحقه حكمها، فلا يجب خمسه من هذه الحيثية، بل يدخل في ارباح المكاسب ويجب خمسه اذا زادت عن مؤونة السنة من غير اعتبار بلوغ النصاب فيه» وفي قوله: «بل يدخل في ارباح المكاسب» مع انه داخل، تسامح، اذ حسب أدلة الخمس مثل قوله تعالى: «واعلموا انما غنمتم من شيء» ـ الانفال: 41ـ ومثل: «هي والله الإفادة يوماً بيوم» ـ الوسائل: الخمس، الباب 4 من ابواب الانفال، الحديث 8 ـ هو: ان في كل ما يستفيده الانسان من شيء ففيه الخمس، فهو داخل في ارباح المكاسب ولم يكن خارجاً حتى يدخل.
وبعبارة اخرى: ان كل عنوان من العناوين ذات الحكم، مثل المعدن ذات الخمس الفوري فيما لو بلغ النصاب و من دون اخراج مؤونة السنة، اذا شككنا في صدق المعدن عليه، كان الأصل فيه: العدم، فلا نحكم بوجود العنوان الخاص: المعدن عند الشك فيه ومع عدم تحقق العنوان لايترتب عليه حكم الخاص.
بينما الخمس من حيث العنوان العام في ارباح المكاسب يشمله، لصدق عنوان العام وهي الفائدة عليه، ومع صدق عنوان الفائدة بالنسبة اليه يترتب عليه حكم العام مع انتفاء شرط النصاب وبعد اخراج مؤونة السنة، وعليه: فالعنوان الخاص مشكوك والعنوان العام محرز فيحكم عليه بحكم العام وهو: الخمس بعد اخراج مؤونة السنة من دون تقييده بالنصاب.



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG