23 حزيران 2017م
آخر تحديث: 22 حزيران
 
  رقم الصفحه: 265       تاريخ النشر: 26 شباط 2012م









 
 









 


المعدن ووجوب الخمس فيه

بسم الله الرحمن الرحيم
 
بقلم: سماحة الشيخ حسين الفدائي دامت بركاته
 
كان الكلام في الحلقة السابقة حول الشيء الثاني من الاشياء السبعة التي يجب فيها الخمس، وهو المعدن: وذكرنا ما قاله صاحب العروة فيه من بيان المعدن: لغة، وحكماً، ومصداقاً، كما وذكرنا ما قاله عند الشك في صدق المعدن على شيء مثل المَغَرة، وخرجنا منه ـ رغم مخالفة البعض ـ بجريان حكم العام على المشكوك المعدنية دون الخاص، وذلك لانه عند الشك في شيء كالمغرة ـ مثلاً ـ بانه من المعدن ام لا: فهنا يكون العنوان الخاص ـ المعدن ـ مشكوكاً والاصل فيه: العدم، بينما يبقى العنوان العام ـ الفائدة ـ محرزاً، فيكون محكوماً بحكم العام وهو: وجوب الخمس فيه بلغ ما بلغ من دون تقييده بالنصاب، وذلك بعد اخراج مؤونة السنة.
 
مسائل عديدة
ثم ان المصنف انتقل بعد ذلك الى بيان حكم الارض التي وجد فيها المعدن، وكذا بيان كون المعدن فوق الارض او تحتها، وهكذا بيان احكام المستخرج لها وقال: «ولا فرق بين وجوب اخراج خمس المعدن: بين ان يكون في ارض مباحة او مملوكة، وبين ان يكون تحت الارض أو على ظهرها، ولا بين ان يكون المخرج مسلماً أو كافراً ذمياً، بل ولو حربياً، ولا بين ان يكون بالغاً أو صبياً، وعاقلاً أو مجنوناً، فيجب على وليّهما اخراج الخمس، ويجوز للحاكم الشرعي اجبار الكافر على دفع الخمس مما اخرجه، وان كان لو أسلم سقط عنه مع عدم بقاء عينه».
فهنا مسائل عديدة تستدعي تفكيكها و بسط الكلام عن كل واحدة منها، وهي كالتالي:
 
المسألة الأولى
الأولى: وجوب الخمس في المعدن بلا فرق في الارض التي وجد المعدن فيها بين أن تكون مباحة أو مملوكة، ودليل هذا الحكم هو: اطلاق ادلة وجوب خمس المعدن، فقد أطلقت الأدلة وجوب الخمس في المعدن اطلاقاً يشمل كون الارض مباحة فيكون الخمس على مالكها الذي ملك هذه الارض المباحة بالحيازة وقام باستخراج المعدن منها، ويشمل أيضاً كون الارض مملوكة بشراء ونحوه ثم وجد المعدن فيها واستخرجه منها، فإنه يجب على مالك هذه الارض المشتراة وصاحبها الذي اشتراها اخراج خمس المعدن الذي قام باستخراجه منها.
 
المسألة الثانية
الثانية: وجوب الخمس في المعدن بلا فرق بين أن يكون المعدن تحت الارض كالنفط، وبين أن يكون على ظاهر الارض كالملح، وكذا لا فرق في وجوب الخمس فيه بين أن يستخرج الانسان المعدن من باطن الارض بالآلات والاجهزة، وبين أن تقذفه الارض من باطنها كما يحدث في البراكين الناشطة والفعّالة التي تقذف في فورانها الرصاص والنحاس ونحوهما الى ظاهر الارض، فاذا سقط شيء من ذلك في دار شخص فانه يكون له ويجب عليه خمسه، ودليل ذلك كله هو: اطلاق ادلة وجوب خمس المعدن الشامل لما هو فوق الارض ولما هو تحته، وقيد الاستخراج ـ الحاكي عن كون المعدن تحت الارض ـ انما هو محمول على الغالب وليس قيداً للاطلاق، وحيث إن تفصيل هذه المسألة يأتي من الماتن قدس سره في المسألة السابعة من نفس هذا الفصل، فنوكل تفصيل البحث اليها ان شاء الله تعالى.
 
المسألة الثالثة
الثالثة: وجوب الخمس في المعدن بلا فرق بين أن يكون المستخرج مسلماً، وبين أن يكون كافراً محترم الدم والمال كالذمي، او غير محترم الدم والمال كالمحارب، أما المستخرج المسلم فانه يجب عليه اخراج خمس المعدن لشمول اطلاق الادلة له، واما غير المسلم سواء كان ذمياً أو محارباً فهل يشمله اطلاق ادلة التكليف كأدلة وجوب الصلاة والصيام، وأدلة الوضع كأدلةِ الخمس والزكاة، أم لا؟ وهل يشمل الذمي فقط دون الحربي أم يشملهما معاً؟ الظاهر: شمول الاطلاق لهما معاً أيضاً لعدم وجود دليل خاص فيما نحن فيه مضافاً الى ترك الاستفصال في الأدلة بين كون المستخرج مسلماً أو غير مسلم، وبين كون غير المسلم ذمياً أو محارباً، هذا وسيأتي ان شاء الله تعالى من الماتن قدس سره بعد سطر واحد تتمة لبحث وجوب الخمس على غير المسلم، فنواصل بحثه هناك ان شاء الله تعالى.
 
المسأله الرابعة
الرابعة: وجوب الخمس في المعدن بلا فرق بين أن يكون المستخرج بالغاً عاقلاً، وبين أن يكون صبياً أو مجنوناً، اما البالغ العاقل فلشمول اطلاق ادلة خمس المعدن له، واما الصبي والمجنون فهل يشملهما الاطلاق المذكور أم لا؟ فاذا استخرج غير مكلف كالصبي أو المجنون معدناً، فحيث انه غير مكلف فلا يكلّف باخراج الخمس، ولكن حيث ان الخمس حكم وضعي فانه يتعلق بالمعدن المستخرج، فيجب على وليه الشرعي كالاب اخراج ما تعلق بهذا المعدن من الخمس واعطاؤه الى وليّ الخمس وهو: الحاكم الشرعي.
 
وجوب خمس المعدن على الصبي والمجنون والاقوال فيه
قول المشهور و دليله
هذا هو قول صاحب العروة هنا وكرّره في المسألة 84 من فصل فيما يجب فيه الخمس، وهو قول المشهور، فان المشهور قالوا بوجوب الخمس على الصبي والمجنون اذا استخرجا معدناً وجوباً وضعياً، وعمدة ادلتهم هو: اطلاق دليل وجوب الخمس في المعدن، بل ادّعوا فيه اكثر من الاطلاق قالوا بظهوره في الحكم الوضعي الذي يستوي فيه المكلف وغيره.
ولعل اول من صرّح بذلك من المشهور هو المحقق صاحب الشرايع في شرائعه: ج1، ص81 وفي المعتبر: ج2، ص621 وتبعه على ذلك العلاّمة في كثير من كتبه ومنها في التحرير: ج1، ص173 ومنها في التذكرة: ج5، ص412 ومنها في المنتهى: ج1، ص546. قال في المنتهى: «الخمس يجب في نفس المخرَج من المعدن، ويملك المخرِج الباقي... ويستوي في ذلك الصغير والكبير عملاً بالعموم».
ثم تبعه على ذلك الشهيد الاول في الدروس: ج1، ص260 ثم صاحب الجواهر في الجواهر: ج16، ص24. فانه قال فيه: «وكذا لا فرق بين المكلّف و غيره ـ كما صرّح به في البيان ـ و ان كان لم يخاطب هو باخراج الخمس، الا انه يثبت في المال نفسه، وذلك لاطلاق الادلة، بل ظاهرها ان الحكم المذكور من الوضعيات الشاملة للمكلفين وغيرهم».
ثم صاحب نجاة العباد، فانه قال في نجاة العباد ص312: «ولو استنبط المعدن صبي أو مجنون تعلّق الخمس فيه في الاقوى وأن وجب على الولي الاخراج» ثم صاحب المستند، فانه قال في المستند: ج10، ص74: «وقال بعض المعاصرين: ويظهر منهم: ان تعلّق الخمس بما اخرجه الصبي اجماعي» ويقصد ببعض المعاصرين: الميرزا القمي فانه قد صرّح في غنائمه: ج4، ص297، بهذه العبارة المذكورة في المستند.
 
قول غير المشهور وأدلته
وقال غير المشهور بعدم وجوب الخمس على الصبي والمجنون اذا استخرجا معدناً، وعمدة ادلتهم هو: اطلاق «رفع القلم» ـ الوسائل: مقدمة العبادات، الباب 4، حديث11 ـ و اطلاق «عمد الصبي وخطأه واحد» ـ الوسائل: الديات، الباب11 من ابواب العاقلة حديث 2 ـ وهذا الاطلاق يعم الوضع والتكليف، فكما يرفع الوجوب التكليفي بالخمس عن الصبي والمجنون، فكذلك يرفع عنهما الوجوب الوضعي بالخمس، مضافاً الى ادلة اخرى استدلوا بها على عدم وجوب خمس المعدن على الصبي والمجنون، مثل: انه لا تكليف على الصبي والمجنون بالعباديات كالصلاة وغير العباديات كصلة الرحم، كما لا اشكال في انه ليس في الشرع حكمان: تكليفي ووضعي، وانما قد حكم بالتكليف فقط مثل وجوب الزكاة فينتزع منه بالملازمة العرفية الضمان، او قد حكم بالضمان فقط مثل على اليد ما اخذت فينتزع منه التكليف، ومثل: ان كل المعدن اذا استخرجه صبي أو مجنون يكون لهما، وعلى الولي الشرعي ان يحفظ مال المولّى عليه فلا يحق له التصرف بماله ولا يجوز له اخراج الخمس منه.
 
مناقشة ادلة غير المشهور
اما الدليل الاخير لغير المشهور فحيث انه يشمل بحث الخمس في غير المعدن و في ارباح المكاسب ايضاً، فنؤجّل مناقشته الى محله في ارباح المكاسب ان شاء الله تعالى، وأما دليل عدم تكليف الصبي بالعباديات وغير العباديات وانه لا حكم وضعي في الشرع، فهو غير تام لان الخمس حكم وضعي وليس هو مجرّد تكليف فحسب حتى يرفع عن الصبي، نعم يبقى دليل رفع القلم وعمد الصبي وخطأه واحد، فلننظر هل يقاوم اطلاق هذا الدليل اطلاق دليل وجوب خمس المعدن الشامل للصبي والمجنون أيضاً، بل هل يقاوم اطلاقه اطلاق ادلة وجوب الخمس في الاشياء الستة الباقية الشاملة للصبي والمجنون أيضاً، فان المسألة هذه سيالة في كل الأشياء السبعة التي يجب الخمس فيها بل هي سيالة في غير الخمس من الاحكام الوضعية الاخرى أيضاً، علماً بانه لم يكن هنا في مسألة الخمس دليل خاص يدلّ بالنفي او الاثبات على ما نحن فيه، كما يوجد دليل خاص في مسألة الزكاة. ففي الزكاة ورد الدليل الخاص بانه ليس على الصبي والمجنون زكاة، اذ قد اشترط الدليل في وجوب الزكاة: البلوغ والعقل، نعم حبّذ الدليل الخاص في الزكاة على استحباب اخراج الولي الشرعي زكاة غلاتهما دون النقدين ودون الانعام الثلاثة، وعلى كل حال فقد بقي مناقشة الاطلاقين لنرى ايهما يقاوم الآخر وذلك في حلقة قادمة ان شاء الله تعالى.



الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG