» سورة النساء

وفيها: ثلاث عشرة آية:
(1) (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) 1.
(2) (ولا تقتلوا أنفسكم) 29.
(3) (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا) 47.
(4) (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) 54.
(5) (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) 59.
(6) (فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول) 64.
(7) (ولهديناهم صراطاً مستقيماً) 68.
(8 و 9) (من يطع الرسول - إلى قوله تعالى - وكفى بالله عليماً) 69.
(10) (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم) 83.
(11) (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى) 115.
(12) (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) 159.
(13) (وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ) 163.

(وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) النساء: 1.
روى الحافظ الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري (بإسناده المذكور) عن ابن عباس في قوله تعالى: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام).
(قال): نزلت في رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته، وذوي أرحامه، وذلك أن كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببه ونسبه.
(إن الله كان عليكم رقيباً) يعني: حفيظ(1).

(وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) النساء: 29.
روى الحافظ الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرونا عن القاضي أبي الحسين محمد بن عثمان النصيبي (بإسناده المذكور) عن ابن عباس في قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم).
قال: لا تقتلوا أهل بيت نبيكم، إن الله يقول: (.. تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم). وكان (ابناءنا) الحسن والحسين، وكان (نساءنا) فاطمة، و(أنفسنا) النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي(2).
(أقول): لا يخفى أن هذا وأشباهه من التأويل الذي تعلمه ابن عباس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنزل عليه الوحي بالتنزيل، والتفسير، والتأويل جميعاً.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) النساء: 47.
روى الحافظ القندوزي، (الحنفي) قال: عن محمد الباقر (رضي الله عنه) في قوله تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها)، قال:
(لا يفلت من جيش السفياني الهالكين في خف البيداء إلا ثلاثة نفر، يحوّل الله وجوههم في أقفيتهم، وذلك عند قيام القائم المهدي)(3).
(أقول): هذا من التأويل، وتفسير الآية ورد في الذين لم يؤمنوا برسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا منافاة بين هذا التأويل، وذاك التفسير، فقد مر: أن للقرآن تفسيراً وتأويلاً، وله ظاهراً وباطناً، وقد دلت أعداد وفيرة من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة على ذلك.

(أَمَ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتْاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آل إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكُاً عَظِيماً) النساء: 54.
روى عالم الحنفية محمد الصبان المصري في (إسعاف الراغبين) قال: وأخرج بعضهم عن الباقر في قوله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله..) أنه قال:
(أهل البيت هم الناس)(4).
وأخرج نحوه علامة الشوافع السيد الشبلنجي في (نور الأبصار) أيض(5).
وروى الحافظ الحسكاني (الحنفي) قال: حدثنا محمد بن الحسين (بإسناده المذكور) عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر في قول الله تعالى: (وآتيناهم ملكاً عظيماً). قلت: ما هذا الملك؟
قال: (أن جعل فيهم أئمة، من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم فقد عصى الله، فهذا ملك عظيم)(6).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) النساء: 59.
أخرج عالم الأحناف الحافظ سليمان القندوزي في ينابيعه قال: في المناقب عن الحسن بن صالح، عن جعفر الصادق (رضي الله عنه) في هذه الآية قال:
(أولو الأمر هم الأئمة من أهل البيت)(7).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) النساء: 59.
أخرج عالم الأحناف الحافظ سليمان القندوزي في ينابيعه قال: في المناقب عن الحسن بن صالح، عن جعفر الصادق (رضي الله عنه) في هذه الآية قال:
(أولو الأمر هم الأئمة من أهل البيت)(7).

(.. فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) النساء: 64.
روى الشيخ المحمودي، عن تاريخ دمشق (ج: 20: ص 52) بإسناده المذكور عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال:
(إن الله علمني أسماء أمتي كلها، كما علم آدم الأسماء كلها، ومثل لي أمتي في الطين (لعل المقصود به في عالم الطينة والذر) فمر بي أصحاب الرايات، واستغفرت لعلي وشيعته)(8).
(أقول): أصحاب الرايات يعني: أصحاب المذاهب بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) فقد ورد في القرآن (يوم ندعو كل أناس بإمامهم)   (الإسراء: 71) وورد ذلك في الأحاديث الشريفة المتواترة، وقد نظم ذلك السيد الحميري (عليه الرحمة):
والناس يوم الحشر راياتهم***خمس فمنها هالك أربع
إلى أن يقول:
وراية يقدمها حيدر***ووجهه كالشمس إذ تطلع
إلى آخر أبياته.

(وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً) النساء: 68.
روى العلامة البحراني، عن العالم الشافعي، محمد بن إبراهيم الحمويني، بإسناده المذكور عن خُيْمة الجعفي، عن أبي جعفر الباقر أنه قال:
(نحن العلم المرفوع للخلق، من تمسك بنا لحق، ومن تأخر عنا غرق، ونحن قادة الغر المحجلين، ونحن خيرة الله، ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله)(9).

(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً) النساء: 69 و70.
روى الحافظ الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرنا عقيل بن الحسين (بإسناده المذكور) عن عبد الله بن عباس في قول الله تعالى:
(ومن يطع الله) يعني: في فرائضه.
(والرسول) في سنته.
(فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين) يعني: علي بن أبي طالب، وكان أول من صدق برسول الله (صلى الله عليه وآله).
(والشهداء) يعني: علي بن أبي طالب وجعفر الطيار، وحمزة بن عبد المطلب، والحسن والحسين، هؤلاء سادات الشهداء.
(والصالحين) يعني: سلمان وأبو ذر، وصهيب، وخباب، وعمار.
(وحسن أولئك) أي: الأئمة الأحد عشر.
(رفيقاً) يعني: في الجنة.
(وذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً) منزل علي وفاطمة والحسن والحسين، ومنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم في الجنة واحد(10).

(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)   النساء: 83.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) بإسناده عن ابن معاوية عن محمد الباقر (رضي الله عنه) أنه قال:
(وقال عز وجل: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم). فرد أمر الناس إلى أولي الأمر منهم الذين أمر الناس بطاعتهم وبالرد إليهم)(11).
وروى هو عن الصادق (رضي الله عنه) في تفسير كلمة (أولي الأمر) أنه قال:
(فكان علي، ثم صار من بعده حسن، ثم حسين، ثم من بعده علي بن الحسين، ثم من بعده محمد بن علي، وهكذا يكون الأمر، إن الأرض لا تصلح إلا بإمام)(12).

(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) النساء: 115.
روى العلامة البحراني، عن ابن مردويه في معنى هذه الآية قال:
(من بعد ما تبين له الهدى) في أمر علي(13).

(وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) النساء: 159.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي)، بإسناده عن محمد الباقر (رضي الله عنه) في قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ليومنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً)، قال:
(إن عيسى عليه السلام ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا، فلا يبقى أهل ملة - يهودي ولا غيره - إلا آمنوا به (أي: آمنوا بالمهدي كما يدل عليه السياق، وتدل عليه روايات كثيرات أخر) قبل موتهم ويصلي عيسى خلف المهدي عليه السلام)(14).

(وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ) النساء: 163.
أخرج إمام الحنابلة (أحمد بن حنبل) في مسنده، بسنده المذكور عن يعلى بن مرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
(حسين سبط من الأسباط)(15).
وأخرجه ابن الديبغ صاحب (تيسير الوصول) أيض(16).
(أقول): ليس المراد من (أوحينا) في هذه الآية الوحي على شكل واحد، لأنه لا إشكال في كون (الوحي) مقولة بالتشكيك، فكما أن الوحي الذي كان يوحى إلى إبراهيم، لم يكن كالذي أتى الأسباط، أو كالذي أتى النحل(17)، أو كالذي أوحي إلى الحواريين(18)، أو كالذي أوحي إلى أم موسى(19)... إلخ.
فليكن الوحي إلى الحسين (عليه السلام) كواحد من هذه الأقسام ولاشك أن الحسين أعظم قدراً عند الله من الحواريين، ومن أم موسى، ومن أولئك الأسباط.


(1) ـ شواهد التنزيل: ج1 ص135.
(2) ـ شواهد التنزيل: ج1 ص142.
(3) ـ ينابيع المودة: ص506.
(4) ـ إسعاف الراغبين: ص109.
(5) ـ نور الأبصار: ص112.
(6) ـ شواهد التنزيل: ج1 ص147.
(7) ـ ينابيع المودة: ص114.
(8) ـ حاشية شواهد التنزيل: ج1 ص379.
(9) ـ غاية المرام: ص246.
(10) ـ شواهد التنزيل: ج1 ص154.
(11) ـ ينابيع المودة: ص321.
(12) ـ المصدر نفسه.
(13) ـ غاية المرام: ص437.
(14) ـ ينابيع المودة: ص506.
(15) ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل: ج4 ص172.
(16) ـ تيسير الوصول: ج3 ص276.
(17) ـ سورة النحل: 68.
(18) ـ سورة المائدة: 111.
(19) ـ سورة طه 83 والقصص 7.