» سورة المائدة

وفيها خمس آيات:
(1) (لا تحلّوا شعائر الله) 2.
(2) (وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً) 12.
(3) (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم) 14.
(4) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) 35.
(5) (يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) 54.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِر اللهِ) المائدة: 2.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) بإسناده عن علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) أنه قال في خطبة له:
(نحن الشعائر والأصحاب، والخزنة والأبواب)(1).
(أقول): قوله (نحن) يقصد به أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، الذين هو سيدهم، وأولهم، ورئيسهم، بنص أحاديث كثيرة مر بعضها، وسيأتي بعضها الآخر.
(ولا تنافي) بين كون المراد من (الشعائر) في الآية الكريمة هم الأئمة الطاهرون، وبين كون ورودها - سياقاً - في بيان أحكام الحج، لأن الأول تأويل، والثاني تفسير، والأول باطن، والثاني ظاهر.
ويقول مشيراً إلى ذلك الإمام فخر الدين الرازي - فيما يقول -: (إن الإعجاز يكاد ينحصر في هذا المعنى الذي لا يوجد أبداً في كلام البشر) (2).

(وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيَثاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) المائدة: 12.
روى العلامة البحراني، عن أبي الحسن الفقيه محمد بن علي بن شاذان - في المناقب المائة من طريق العامة - بحذف الإسناد، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:
(معاشر الناس من سره أن يقتدي بي فعليه أن يتوالى ولاية علي بن أبي طالب والأئمة من ذريتي فإنهم خزان علمي).
فقام جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله ما عدة الأئمة؟
قال: (يا جابر سألتني رحمك الله عن الإسلام بأجمعه، عدتهم عدة الشهود).
إلى أن قال (صلى الله عليه وآله): (وعدة نقباء بني إسرائيل، قال الله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً) فالأئمة يا جابر اثني عشر إماماً، أولهم علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم)(3).

(وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) المائدة: 14.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) عن أبي الربيع الشامي، عن جعفر الصادق (رضي الله عنه) في قوله تعالى: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به)، قال:
(سيذكرون ذلك الحظ، وسيخرج مع القائم هنا عصابة منهم)(4).
(أقول): هناك روايات عديدة في كتب عامة المسلمين - على اختلاف مذاهبهم - بهذا المضمون، وهي تقول: أن عيسى (عليه السلام) ينزل ويصلي خلف الإمام المهدي (عليه السلام) ويأمر النصارى بمبايعته، فيؤمن به من النصارى جمع كثير.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) المائدة: 35.
اخرج الحافظ سليمان القندوزي (الحنفي) عن كتاب (مودة القربى) للسيد علي الهمداني، قال: وعن علي (كرم الله وجهه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
(الأئمة من ولدي، فمن أطاعهم فقد أطاع الله، ومن عصاهم فقد عصى الله، هم العروة الوثقى، والوسيلة إلى الله جل وعلا)(5).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرتدَّ مِنكُمْ عَن دِيْنِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) المائدة: 54.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) قال: عن سليمان بن هارون العجلي قال: سمعت جعفر الصادق (رضي الله عنه) يقول:
(إن صاحب هذا الأمر - يعني القائم المهدي - محفوظ، لو ذهب الناس جميعاً أتى الله بأصحابه وهم الذين قال الله فيهم: (يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)).
(أقول): لا منافاة بين ورود تأويل هذه الآية وتنزيلها تارة في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وتارة في أصحاب المهدي المنتظر، لأن علياً وأصحاب القائم كلهم مصاديق لهذه الآية، فإن الله يحب علياً وعلي يحب الله، والله يحب أصحاب القائم وهم يحبون الله (غير) أن علياً (عليه السلام) هو المصداق الأكمل، والفرد الأتم لهذه الآية، وأصحاب المهدي المنتظر مصاديق دونه. وكم لمثل ذلك من نظائر في القرآن.


(1) ـ ينابيع المودة: ص213.
(2) ـ التفسير الكبير، للفخر الرازي، إشارات كثيرة بهذا المعنى.
(3) ـ غاية المرام: ص244.
(4) ـ ينابيع المودة ص506.
(5) ـ ينابيع المودة: ص446.