» سورة الأنعام

وفيها ثمان آيات:
(1) (ولو ترى إذ وُقفوا على النار) 27.
(2) (حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة) 31.
(3) (أو أتتكم الساعة بغتة) 40.
(4) (وهديناهم إلى صراط مستقيم) 87.
(5) (فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين) 89.
(6) (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) 115.
(7) (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه) 153.
(8) (أو يأتي بعض آيات ربك) 158.

(وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الأنعام: 27.
روى العلامة البحراني، قال: روى الشيرازي في كتابه، عن أبي معاوية الضرير، عن الأعشى عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
إذا كان يوم القامة أمر الله مالكاً أن يسعر النيران السبع وأمر رضوان أن يزخرف الجنان الثمان ويقول: يا ميكائيل مدّ الصراط على متن جهنم، ويقول: يا جبرائيل انصب ميزان العدل تحت العرش، وينادي: يا محمد قرّب أمتك للحساب، ثم يأمر الله تعالى أن يعقد على الصراط سبع قناطر، طول كل قنطرة سبعة عشر ألف فرسخ، وعلى كل قنطرة سبعون ألف ملك قيام، فيسألون هذه الأمة، نساؤهم، ورجالهم، على (القنطرة الأولى) عن ولاية أمير المؤمنين وحب أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله) فمن أتى به جاز على القنطرة الأولى كالبرق الخاطف، ومن لم يحب أهل بيت نبيه سقط على أم رأسه في قعر جهنم ولو كان له من أعمال البر عمل سبعين صديق(1).

(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاء اللهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ الْسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُوِرِهمْ ألاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ) الأنعام: 31.
روى الفقيه (الشافعي) جلال الدين السيوطي في تفسيره قال: وأخرج البخاري عن أبي هريرة (رضي الله عنه): أن أعرابياً سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: متى الساعة؟
فقال (صلى الله عليه وآله): (إذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة).
قال: يا رسول الله! وكيف إضاعتها؟
قال (صلى الله عليه وآله): (إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)(2).
وروى هو أيضاً قال: وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: أتى رجل فقال: يا رسول الله متى الساعة؟
قال (صلى الله عليه وآله): (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل).
قال: فلو علمتنا أشراطها (أي: علاماتها)؟
قال (صلى الله عليه وآله): (تقارب الأسواق).
قال: وما تقارب الأسواق؟
قال (صلى الله عليه وآله): (أن يشكو الناس بعضهم إلى بعض قلة إصابتهم. ويكثروا البغي، وتفشو الغيبة، ويعظم رب المال، وترتفع أصوات الفساق في المساجد، ويظهر أهل المنكر، ويظهر البغاء)(3).
وقال السيوطي: وأخرج أحمد بن حنبل والبخاري، ومسلم، وابن ماجه عن ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:
(يكون بين يدي الساعة أيام فيرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرج)(4).
(أقول): استفاضت الروايات كثيراً بوقوع مثل هذه الأمور قبل ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) فضياع الأمانة، ووصول الأمور إلى غير أهلها، وكثرة ولد الزنا، وتفشي الغيبة، وتعظيم أصحاب الأموال، وارتفاع أصوات الفساق في المساجد، وغلبة أهل المنكر، وغلبة البغاء في الدور والقصور، وارتفاع العلم، ونزول الجهل (الظاهر كونه بمعنى السفاهة) وكثرة الهرج.
هذه كلها من علامات ظهور المهدي (عليه السلام) فيكون المراد بـ(الساعة) في الآية الكريمة هي ساعة ظهور المهدي، أو الأعم منها ومن ساعة القيامة، لاشتراك الساعتين في كثير من المقدمات والعلامات. أو تكون إحداهما من الظهر، والأخرى من البطن.

(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمَ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) الأنعام: 40.
روى السيوطي (الفقيه الشافعي) قال: وأخرج الحاكم وصححه عن واثلة بن الأسقع: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:
(لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدجال، ونزول يأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر (عدن)، تسوق الناس إلى المحشر، تحشر الذر والنمل)(5).
(أقول): دلالة هذا الحديث على كون الآية الكريمة من الآيات الواردة بشأن الإمام المهدي (عليه السلام) إنما هي من جهة أن هذه العلامات مذكورة في أحاديث مبثوثة ومتعددة - من ضمن علامات ظهور المهدي (عليه السلام) - فيكون ذكرها هنا تفسيراً (للساعة) دليلاً على أن المراد بـ(الساعة) هي ساعة ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، ويشهد له التصريح في أحاديث عديدة، بأن الساعة هي ساعة قيام القائم.
(وليعلم) أن الآيات المذكورة إنما تكون عشراً إذا عدت (ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تحشر الذر والنمل) ثلاث آيات، أو إذا عدت هذه آيتين، وعد (نزول يأجوج ومأجوج) أيضاً آيتين، وإلا فتكون الآيات أقل من العشر، ويكون الراوي قد نسي بعضها.
(ولعل) قوله (صلى الله عليه وآله): (تسوق الناس إلى المحشر) معناه الحروب الطاحنة التي تجمع الناس إلى الموت، لأن الموت هو الحشر، لكونه أوله ومبتدأه، كما ورد في الحديث الشريف: (إذا مات ابن آدم قامت قيامته).

(وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) الأنعام: 87.
روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) قال: حدثني علي بن موسى بن إسحاق (بإسناده المذكور) عن سعد، عن أبي جعفر قال:
(آل محمد الصراط الذي دلّ الله عليه)(6).
(أقول): لا ينافي هذا صدر الآية الكريمة من كونها في الأنبياء والمرسلين، لوجهين:
(أحدهما): أنه إذا كان الصراط الذي دل الله عليه - محصوراً بدلالة (أل) الداخلة على الخبر المفيد للحصر - هم آل محمد، كان مورد الآية من مصاديق ذلك.
(ثانيهما): ما ورد في الأحاديث الشريفة العديدة الدالة على أن الله تعالى أخذ على الأنبياء تولي محمد وأهل بيته، ومجتمعهم، مما لا مجال لذكرها في هذا المختصر وتطلب من مظانها.

(فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ) الأنعام: 89.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) قال: عن جعفر بن محمد (رضي الله عنه) قال:
(إن صاحب هذا الأمر - يعني: القائم المهدي - محفوظ، لو ذهب الناس جميعاً أتى الله بأصحابه، وهم الذين قال الله فيهم: (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين))(7).

(وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الأنعام: 115.
أخرج الحافظ (الحنفي) سليمان القندوزي (بسنده المذكور) عن عدة من المشايخ الثقات الذين كانوا مجاورين للإمامين سيدنا علي الهادي، وأبي محمد الحسن العسكري، قالوا، سمعناهما يقولان:
(إن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق الإمام أنزل قطرة من ماء الجنة في ماء المزن، فتسقط في ثمار الأرض وبقلتها، فيأكلها أبو الإمام فتكون نطفته منها، فإذا استقرت النطفة في الرحم فيمضى لها أربعة أشهر يسمع الصوت، وكتب على عضده: (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم). فإذا ولد قام بأمر الله، ورفع له عمود من نور، ينظر منه الخلائق، وأعمالهم وسرائرهم، والعمود نصبت بين عينيه حيث تولى ونظر)(8).

(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ) الأنعام: 153.
قال العلامة البحراني: أسند الشيرازي - من أعيان العامة - إلى قتادة عن الحسن البصري في قوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً)، قال:
يقول: هنا طريق علي بن أبي طالب وذريته طريق مستقيم، ودين مستقيم، (فاتبعوه) وتمسكوا به فإنه واضح لا عوج فيه(9).
(أقول): المقصود من (ذريته) عترته الأئمة الطاهرون الأحد عشر الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

(هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيَمانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيَمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) الأنعام: 158.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) عن أبي هريرة رفعه قال:
لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت آمن الناس كلهم أجمعون، فيؤمئذ (لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً). للشيخين وأبى داود(10).
وروى الحافظ القندوزي نفسه، عن أبي سعيد الخدري رفعه، في قوله تعالى: (أو يأتي بعض آيات ربك) طلوع الشمس من مغربها. للترمذي(11).
(أقول): قد كثرت الروايات في أن من علامات ظهور (المهدي من آل محمد) ورجعته طلوع الشمس من مغربها، وهذا أمر ثابت عند المطلعين على الأحاديث الشريفة.


(1) ـ غاية المرام: ص259.
(2) ـ الدر المنثور: ج6 ص50.
(3) ـ الدر المنثور: ج6 ص50 - 51.
(4) ـ المصدر نفسه.
(5) ـ تفسير الدر المنثور: ج6 ص60.
(6) ـ شواهد التنزيل: ج1 ص61.
(7) ـ ينابيع المودة: ص507.
(8) ـ ينابيع المودة: ص462,
(9) ـ غاية المرام: ص434.
(10) ـ ينابيع المودة.
(11) ـ المصدر نفسه.