» سورة التوبة

وفيها سبع آيات:
(1) (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا) 16.
(2) (أَوْلَئكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) التوبة: 17.
(3) (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) التوبة: 32.
(4) (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق) 33.
(5) (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ... وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) 36.
(6) (والسابقون الأولون) 100.
(7) (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) 119.

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةًً وَاللهُ خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ) التوبة: 16.

روى العلامة البحراني عن الفقيه (الشافعي) إبراهيم بن محمد الحمويني (بإسناده المذكور) عن سليم بن قيس الهلالي، قال: رأيت علياً في مسجد رسول الله - في خلافة عثمان - وجماعة يتحدثون، ويتذاكرون العلم والفقه، فذكروا قريشاً وفضلها وسابقتها وهجرتها، وما قال فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الفضل.
إلى أن قال: وفي الحلقة أكثر من مائتي رجل فيهم سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وعمار، والمقداد، وأبو ذر، وهاشم بن عتبة، وابن عمر، والحسن والحسين، وابن عباس، ومحمد بن أبي بكر، وعبد الله بن جعفر. (ومن الأنصار) أُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو الهيثم بن التيهان، ومحمد بن سلمة، وقيس بن سعد بن عبادة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وزيد بن الأرقم، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو يعلى، ومعه ابنه عبد الرحمن، قاعد بجنبه غلام صبيح الوجه...

إلى أن قال: فقال علي بن أبي طالب لذلك الجمع:
(أنشدكم الله أتعلمون حيث نزلت: (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة)، قال الناس: يا رسول الله أخاصة في بعض المؤمنين، أم عامة لجميعهم؟ فأمر الله عز وجل نبيه أن يعلمهم ولاة أمرهم، وأن يفسر لهم من الولاية ما خسر لهم من صلواتهم وزكواتهم وحجهم، ونصّبني للناس بغدير خم، ثم خطب (صلى الله عليه وآله) فقال: (أيها الناس إن الله أرسلني وظننت أن الناس مكذِّبيَّ، فأوعدني لأبلغنها أو ليعذبني).
ثم أمر (صلى الله عليه وآله) فنودي بالصلاة جامعة، ثم خطب فقال (صلى الله عليه وآله): (أيها الناس! أتعلمون أن الله عز وجل مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم؟) قالوا: بلى يا رسول الله. قال (صلى الله عليه وآله): قم يا علي! فقمت فقال (صلى الله عليه وآله): (من كنت مولاهُ فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه).

فقام سلمان فقال: يا رسول الله ولاء ماذا؟ فقال (صلى الله عليه وآله): (ولاء كولائي، من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه). فأنزل الله تعالى ذكره: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً). فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: (الله أكبر تماماً لنبوتي، وتمام دين الله ولاية علي بعدي).
فقام أبو بكر وعمر فقالا: يا رسول الله هذه الآيات خاصة في علي؟
قال (صلى الله عليه وآله): (فيه وفي أوصيائي إلى يوم القيامة).
قالا: يا رسول الله بيّنهم لنا.
فقال (صلى الله عليه وآله): (علي أخي ووزيري، ووارثي ووصيي، وخليفتي في أمتي، ووليّ كل مؤمن من بعدي، ثم ولدي الحسن، ثم الحسين، ثم التسعة من ولد الحسين واحداً بعد واحد، القرآن معهم، وهم مع القرآن، لا يفارقونه ولا يفارقهم، حتى يردوا عليّ الحوض)).
فقالوا كلّهم (أي: كل من كان بمحضر علي وأنشدهم الله): نعم قد سمعنا ذلك، وشهدنا كما قلت سواء. وقال بعضهم: قد حفظنا جُلّ ما قلت، لم نحفظ كله، وهؤلاء الذين حفظوا أخيارنا وأفاضلنا.
فقال علي: (صدقتم ليس كل الناس ليستوون في الحفظ. أنشد الله عز وجل من حفظ ذلك من الرسول (صلى الله عليه وآله) لما قام فأخبر به)!
فقام زيد بن الأرقم، والبراء بن عازب، وسلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعمار فقالوا: نشهد لقد حفظنا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو قائم على المنبر وأنت جنبنا وهو يقول:
(أيها الناس! إن الله عز وجل أمرني أن أنصب لكم إمامكم والقائم فيكم بعدي، ووصيي، وخليفتي، والذي فرض الله عز وجل على المؤمنين في كتابه طاعته فقرنه بطاعته وطاعتي، وأمركم بولايته، وإني راجعت ربي خشية طعن أهل النفاق، وتكذيبهم، فأوعدني لتبلغنها أو ليعذبني.
أيها الناس! إن الله أمركم في كتابه بالصلاة، وقد بينتها لكم، والزكاة والصوم والحج، فبينتها لكم، وفسرتها لكم، وأمركم بالولاية، وإني أشهدكم أنها لهذا خاصة). ووضع يده على علي بن أبي طالب.

(أَوْلَئكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) التوبة: 17.

نقل العلامة (القبيسي) قال: روى الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى عام (310 هـ) بإسناده المذكور عن زيد بن أرقم قال: لما نزل النبي (صلى الله عليه وآله) بغدير خم في رجوعه من حجة الوداع وكان في وقت الضحى وحر شديد أمر بدوحات فقمت ونادى الصلاة جامعة، فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة. إلى أن قال زيد بن أرقم: قال (صلى الله عليه وآله):
(اللهم إنك أنزلت عند تبييني ذلك في علي (اليوم أكملت لكم دينكم) بإمامته، فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي في صلبه إلى يوم القيامة). فقرأ النبي (صلى الله عليه وآله) قوله تعالى: (أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون). ثم قال (صلى الله عليه وآله):
(إن إبليس أخرج من الجنة بالحسد لآدم فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم)(1).

(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) التوبة: 32.

أخرج عالم الحنفية الحافظ سليمان القندوزي، في ينابيعه عن (الفقيه الشافعي) الحمويني بسنده عن سليم بن قيس الهلالي قال: رأيت علياً في مسجد المدينة في خلافة عثمان، وكان جماعة المهاجرين والأنصار يتذاكرون فضائلهم وعلي ساكت فقالوا: يا أبا الحسن تكلم، فقال:
(يا معشر قريش والأنصار أسألكم ممن أعطاكم الله هذا الفضل أبأنفسكم أم بغيركم؟)
قالوا: أعطانا الله ومَنّ علينا بمحمد (صلى الله عليه وآله).
قال: (ألستم تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أنا وأهل بيتي كنا نوراً نسعى بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق الله عز وجل آدم بأربعة عشر ألف سنة، فلما خلق الله آدم (عليه السلام) وضع ذلك النور في صلبه وأهبطه إلى الأرض، ثم حمله في السفينة في صلب نوح (عليه السلام) ثم قذف به في النار في صلب إبراهيم (عليه السلام) ثم لم يزل الله عز وجل ينقلنا من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة من الآباء والأمّهات، لم يكن واحد منا على سفاح قط).
فقال أهل السابقة وأهل بدر وأحد: نعم قد سمعناه..(2)

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الِّدينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) التوبة: 33.

روى الحافظ القندوزي (الحنفي) قال: عن جعفر الصادق (رضي الله عنه) في قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون).
قال: (والله ما يجيء تأويلها حتى يخرج القائم المهدي (عليه السلام)، فإذا خرج القائم لم يبق مشرك إلا كره خروجه، ولا يبقى كافر إلا قُتل، حتى لو كان كافر في بطن صخرة قالت الصخرة: يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله)(3).
(أقول): قوله (لا يبقى كافر إلا قتل) أي: كافر مُصرّ على الكفر بعد ظهور الحق له.
وقوله (في بطن كافر فاكسرني وأقلته) ليس هذا غريباً، إذ بعد الإيمان بعموم قدرة الله تعالى، والإيمان بأن القائم المهدي (عليه السلام) إمام من عند الله تعالى في الأرض، فأي مانع في أن يصنع الله له هذه المعجزات؟ وأي مانع في أن يصنع الله هذه المعجزات ليظهر دينه على الدين كله، أليست الحصى تكلمت في عهد رسول الله، وفي يده الكريمة (صلى الله عليه وآله)؟ فلتتكم الصخرة في عهد حفيد الرسول (صلى الله عليه وآله) ومجدّد دينه الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).

(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأرْضَ ... وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) التوبة: 36.

روى العلامة البحراني، عن أبي الحسن الفقيه محمد بن علي بن شاذان - في المناقب المائة من طريق العامة بحذف الإسناد - عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال:
(معاشر الناس! من سرّه أن يقتدي بي فعليه أن يتوالى ولاية علي بن أبي طالب والأئمة من ذرّيتي فإنهم خزان علمي).
فقام جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله ما عدة الأئمة؟
قال: (يا جابر سألتني - رحمك الله - عن الإسلام بأجمعه، عدتهم عدة الشهور، ما هو عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض)(4).
وروى الحافظ القندوزي (الحنفي) قال: عن الباقر (رضي الله عنه) في قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) حتى لا يكون شرك، ويكون الدين كله لله.
قال: (لم يجئ تأويل هذه الآية، وإذا قام قائمنا بعد، يرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، ويبلغن دين محمد (صلى الله عليه وآله) ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يكون شرك على ظهر الأرض، كما قال الله عز وجل)(5).

(وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة: 100.

روى العلامة البحراني، عن العالم (الشافعي) إبراهيم بن محمد الحمويني (بإسناده المذكور) عن سليم بن قيس الهلالي - في حديث طويل يذكر أمير المؤمنين بعض فضائله بمشهد جمع كثير من المهاجرين والأنصار، ويناشدهم الإقرار بما يذكره من فضائله. إلى أن قال علي:
(فأنشدكم الله أتعلمون أن الله عز وجل فصل في كتابه السابق على المسبوق في غير آية، وأني لم يسبقني إلى الله عز وجل وإلى رسوله (صلى الله عليه وآله) أحد من الأمة؟).
قالوا: اللهم نعم.
ثم قال: (فأنشدكم الله أتعلمون حيث نزلت: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار)، (والسابقون السابقون أولئك المقربون)، سئل عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: أنزلها الله - تعالى ذكره - في الأنبياء وأوصيائهم، وأنا أفضل أنبياء الله ورسله، وعلي بن أبي طالب وصيي أفضل الأوصياء؟).
قالوا: اللهم نعم(6).
(أقول): ظاهر هذا الحديث بل صريحه شمول نزول الآية في أوصياء الأنبياء، فتكون نازلة أيضاً في حق الحسن، والحسين، وعلي بن الحسين ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، والحجة بن الحسن المهدي (عليهم السلام) لكونهم أوصياء لخاتم الأنبياء، بالنصوص الكثيرة المتفق على روايتها جميع فرق المسلمين وطوائفهم.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة: 119.

روى العلامة البحراني، عن ابن شهر آشوب - من طريق العامة - من تفسير أبي يوسف يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال:
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) أمر الله الصحابة أن يخافوا الله، ثم قال: (فكونوا مع الصادقين) يعني: محمداً وأهل بيته(7).
(أقول): راوي هذا الحديث وهو (نافع) من أشد المبغضين لأهل البيت، ولكن أجرى الله تعالى الحق على لسانه في موارد عديدة (ليحق الحق ويبطل الباطل)(8)، وإليك ما يدل على بغضه وعدائه لأهل البيت.
روى الحافظ الحسكاني بإسناده المذكور عن أبي هارون العبدي، قال: كنت جالساً مع ابن عمر إذ جاء نافع بن الأزرق فقال: والله إني لأبغض علياً قال: أبغضك الله، تبغض رجلاً سابقة من سوابقه خير من الدنيا وما فيها(9).


(1) ـ كتاب (ماذا في التاريخ): ج3 ص146 - 147.
(2)ـ ينابيع المودة: ص114.
(3) ـ ينابيع المودة: ص508.
(4) ـ غاية المرام: ص244.
(5) ـ ينابيع المودة: ص507.
(6) ـ غاية المرام: ص385.
(7) ـ غاية المرام: ص248.
(8) ـ الأنفال: 8.
(9) ـ شواهد التنزيل: ج1 ص20.