» سورة الإسراء

وفيها سبع آيات:
(1) (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا ... وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) 5 و6.
(2) (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً) 13.
(3) (وآت ذا القربى حقه) 26.
(4) (ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً) 33.
(5) (يبتغون إلى ربهم الوسيلة) 57.
(6) (وشاركهم في الأموال والأولاد) 64.
(7) (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) 71.

(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) الإسراء: 5 و6.
أخرج العلامة البحراني في تفسيره (البرهان) عن إمام العامة أبي جعفر محمد بن جرير (بسنده المذكور) عن زاذان عن سلمان قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله):
(إن الله تبارك وتعالى لم يبعث نبياً ولا رسولاً إلا جعل له اثني عشر نقيباً).
فقلت: يا رسول الله لقد عرفت هذا من أهل الكتابين.
فقال (صلى الله عليه وآله): (يا سلمان هل علمت مَن نقبائي ومن الاثني عشر الذين اختارهم الله للأمة من بعدي؟).
فقلت: الله ورسوله أعلم.
فقال (صلى الله عليه وآله): (يا سلمان خلقني الله من صفوة نوره ودعاني فأطعته، وخلق من نوري (علياً) ودعاه فأطاعه، وخلق مني ومن علي (فاطمة) فدعاها فأطاعته، وخلق مني ومن علي وفاطمة (الحسن) ودعاه فأطاعه، وخلق مني ومن علي وفاطمة والحسن (الحسين) ودعاه فأطاعه، ثم سمانا بخمسة أسماء من أسمائه، فالله المحمود وأنا محمد، والله العلي فهذا علي، والله الفاطر فهذه فاطمة، ولله الإحسان فهذا الحسن، والله المحسن فهذا الحسين.
ثم خلق منا ومن نور الحسين تسعة أئمة فدعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق الله سماء مبنية ولا أرضاً مدحية ولا ملكاً ولا بشراً دوننا، نور نسبح الله ونسمع ونطيع).
قال سلمان: فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فما لمن عرف هؤلاء؟
فقال (صلى الله عليه وآله): (يا سلمان من عرفهم حق معرفتهم واقتدى بهم ووالى وليهم وتبرأ من عدوهم فهو والله منا يرد حيث نرد، ويسكن حيث نسكن).
فقلت: يا رسول الله فهل يكون إيمان بهم بغير معرفة بأسمائهم وأنسابهم؟
فقال: (لا يا سلمان).
فقلت: يا رسول الله فأنى لهم، قد عرفت إلى الحسين؟
قال (صلى الله عليه وآله): (ثم سيد العابدين علي بن الحسين، ثم ابنه محمد بن علي باقر علم الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين، ثم جعفر بن محمد لسان الله الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبراً في الله عز وجل، ثم علي بن موسى الرضا لأمر الله، ثم محمد بن علي المختار من خلق الله، ثم علي بن محمد الهادي إلى الله، ثم الحسن بن علي الصامت الأمين لسر الله، ثم محمد بن الحسن الهادي والمهدي الناطق القائم بحق الله).
ثم قال (صلى الله عليه وآله): إنك مدركه - يعني: مدرك للإمام المهدي في الرجعة - ومن كان مثلك ومن تولاه بحقيقة المعرفة.
قال سلمان: فشكرت الله كثيراً ثم قلت: يا رسول الله وإني مؤجل إلى عهده؟
قال: (يا سلمان اقرأ قوله تعالى: (فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً) ).
قال سلمان: فاشتد بكائي وشوقي ثم قلت: يا رسول الله بعهد منك؟ (يعني: في زمانك وأنت موجود وقت الرجعة)؟
فقال (صلى الله عليه وآله): (إي والله الذي أرسل محمداً بالحق، مني ومن علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة وكل من هو منا ومعنا وفينا، إي والله يا سلمان..)(1).
(أقول): هذه الرواية الشريفة تدل على أن تأويل الآيتين الكريمتين في رسول الله وفاطمة والأئمة الاثني عشر (صلى الله عليه وعليهم أجمعين) حيث يكرّون ويعودون حين يأذن الله تعالى لهم (بالرجعة).

(وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً) الإسراء: 13.
أخرج الحافظ سليمان القندوزي (الحنفي) بسنده عن أبي عبد الله جعفر الصادق (رضي الله عنه)، قال: قال الله عز وجل: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه).
يعني: (ولاية الإمام)(2).
(أقول): هذا تأويل (الطائر) لأن ولاية الإمام هي أظهر مصاديق الطائر، إذ كل الأعمال تنبثق عن ولاية الإمام، فمن يتول الإمام الصادق - مثلاً - تكن أعماله غير أعمال من يتولى أبا حنيفة، وهكذا. وحيث إن لكل زمان إماماً، كان إطلاق الحديث شاملاً لجميع الأئمة الاثني عشر بدءاً من أمير المؤمنين وختاماً بالمهدي المنتظر (عليهم السلام).

(وَآت ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) الإسراء: 26.
روى العلامة البحراني عن الثعلبي - في تفسيره - في تفسير هذه الآية قال:
عنى بذلك قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وقال: ثم قال الثعلبي، روى السدي عن أبي الديلمي، قال: قال علي بن الحسين (رضي الله عنه) لرجل من أهل الشام: (أقرأت القرآن؟).
قال: نعم.
قال: (فما قرأت في بني إسرائيل (وآت ذا القربى حقه) )؟
قال: وإنكم القرابة التي أمر الله تعالى أن يؤتى حقها؟
قال: (نعم)(3).
وروى الحافظ الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرنا أبو سعد السعدي (بإسناده المذكور) عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله): (وآت ذا القربى حقه).
دعا فاطمة فأعطاها فدكاً والعوالي، وقال (صلى الله عليه وآله): (هذا قسم قسمه الله لك ولعقبك)(4).
قال الياقوت الحموي في (معجمه): فدك، وهي قرية تبعد عن المدينة مسافة يومين أو ثلاثة، أرضها زراعية خصبة فيها عين فوارة ونخيل كثيرة(5).

(وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً) الإسراء: 33.
روى الحافظ سليمان القندوزي قال: عن عبد السلام بن صالح الهروي عن علي الرضا بن موسى الكاظم (رضي الله عنهما) في قوله تعالى: (ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً)، قال:
(نزل في الحسين والمهدي)(6).
(أقول): يعني: المراد بـ(قتل مظلوماً) الحسين بن علي، والمراد بـ(وليه) الحجة المهدي (صلوات الله عليهما).

(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) الإسراء: 57.
روى الحافظ الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن أحمد (بإسناده المذكور) عن عكرمة في قوله تعالى: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة).
قال: (هم النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام)(7).

(وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً) الإسراء: 64.
روى الحافظ الحاكم الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرني أبو الحسين (بإسناده المذكور) عن حبة العرني قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول:
(دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وقت كنت لا أدخل عليه فيه، فوجدت رجلاً جالساً عنده، مشوّه الخلقة، لم أعرفه قبل ذلك فلما رآني خرج الرجل مبادراً. قلت: يا رسول الله، من ذا الذي لم أره قبل ذي؟ قال (صلى الله عليه وآله): (هذا إبليس الأبالسة، سألت ربي أن يرينيه، وما رآه أحد قط في هذه الخلقة غيري وغيرك). قال: فعدوت في أثره فرأيته عند أحجار الزيت فأخذت بمجامعه وضربت به البلاط، وقعدت على صدره. فقال: ما تشاء يا علي. قلت: أقتلك. قال: إنك لن تسلّط علي. قلت: لم؟ قال: لأن ربك أنظرني إلى يوم الدين، خلّ عني يا علي فإن لك عندي وسيلة لك ولأولادك. قلت: ما هي؟ قال: لا يبغضك ولا يبغض ولدك أحد إلا شاركته في رحم أمه، أليس الله قال: (وشاركهم في الأموال والأولاد) ).
(أقول): المراد بـ(يوم الدين) ليس يوم القيامة، لأن الشيطان أنظره الله تعالى (إلى يوم الوقت المعلوم)، وإنما أطلق عليه (يوم الدين) باعتباره يوم جزاء أيضاً للبعض، ومنهم الشيطان.

(يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسِ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوِتيَ كَتابَهُ بِيَمِيِنهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتيلاً) الإسراء: 71.
روى العلامة البحراني قال: روى يوسف القطان في تفسيره عن شعبة عن قتادة عن ابن عباس في قوله تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم).
قال: إذا كان يوم القيامة دعا الله عز وجل أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وأعلام التقى أمير المؤمنين، والحسن والحسين ثم يقال لهم: جوزوا على الصراط أنتم وشيعتكم وادخلوا الجنة بغير حساب. ثم يدعو أئمة الفسق - وإن والله يزيد منهم - فيقال له: خذ بيد شيعتك وامضوا إلى النار بغير حساب(8).


(1) ـ تفسير البرهان: ج2 ص406 - 407.
(2) ـ ينابيع المودة: ص454.
(3) ـ غاية المرام: ص323.
(4) ـ شواهد التنزيل: ج1 ص340 - 341.
(5) ـ معجم البلدان مادة (فدك).
(6) ـ ينابيع المودة: ص510.
(7) ـ شواهد التنزيل: ج1 ص343.
(8) ـ غاية المرام ص272.