» سورة الحج

وفيها إحدى عشرة آية
(1) (وأن الساعة آتية لا ريب فيها) 7.
(2) (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) 32.
(3 - 4) (أذن للذين يقاتلون - إلى - إلا أن يقولوا ربنا الله) 39 و40.
(5) (الذين إن مكناهم في الأرض) 41.
(6) (وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) 54.
(7) (حتى تأتيهم الساعة بغتة) 55.
(8) (ومن عاقب بمثل ما عوقب به) 60.
(9) (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) 65.
(10 - 11) (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا - إلى - ونعم النصير) 77 و78.

(وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا) الحج: 7.
روى الفقيه (الشافعي) عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في تفسيره، عن أبي داود في سننه، عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
(لا تقوم الساعة حتى يملك الأرض (المهدي) مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت قبله ظلماً وجوراً)(1).
قال السيوطي: وأخرج أحمد (بن حنبل)(2) عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
(أبشركم بالمهدي، يبعثه الله في أمتي، على اختلاف من الزمان وزلازل، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ويرضى عنه ساكنو السماء وساكنو الأرض، يقسم المال صحاحاً).
فقال له رجل: ما صحاحاً؟
قال (صلى الله عليه وآله): (بالسوية بين الناس).
ثم قال (صلى الله عليه وآله): (ويملأ قلوب أمة محمد غنى، ويسعهم عدله، حتى يأمر مناد ينادي يقول: من كانت له في مال حاجة فليقم؟
فما يقوم من المسلمين إلا رجل واحد فيقول: ائت السادن - يعني: الخازن - فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطني مالاً، فيقول: أُحْثُ حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفساً إذ عجز عني ما وسعهم).
قال (صلى الله عليه وآله): (فيرد فلا يقبل منه. فيقال له: إنا لا نأخذ شيئاً أعطيناه).
(أقول): لا بُعد في أن يراد بـ(الساعة) في هذه الآية الكريمة يوم ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، فيكون من الباطن، أو من الظاهر الأعم، لكون (الساعة) في مصطلح القرآن والسنة والعترة ساعتين إحداهما ساعة ظهور المهدي (عليه السلام)، (والثانية) ساعة القيامة، كما أن (الحشر) في مصطلح الشرع له (إطلاقان) حشر البعض عند ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) وحشر الكل عند قيام القيامة.
ودليل الحشر الأول قوله تعالى: (يوم نحشر من كل أمة فوجاً)(3).
ودليل الحشر الثاني قوله تعالى: (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً)(4).

(وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج: 32.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) قال: عن علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) أنه قال في خطبة له: (نحن الشعائر والأصحاب، والخزنة والأبواب)(5).
(أقول): المقصود بكلمة (نحن) ها هنا وغيره أهل البيت الذين جعلهم الله تعالى مظاهر لأمره ونهيه وقدرته. ولا ينافي هذا التأويل من الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لكلمة (الشعائر) وإن كان تفسيرها أو تنزيلها وارداً في الحج وشعائر الحجاج.

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَأَنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ) الحج: 39 و40.
روى الحافظ الحسكاني (الحنفي) قال: أخبرنا أبو الحسين (بإسناده المذكور) عن زيد بن علي (بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) في قوله تعالى: (أُذن للذين يقاتَلون بأنهم ظُلموا .. الذين أخرجوا من ديارهم..).
قال: (نزلت فينا)(6).
(أقول): يعني: فينا أهل البيت.

(الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) الحج: 41.
روى الحافظ الحسكاني (الحنفي) عن فرات بن إبراهيم بإسناده المذكور عن أبي جعفر في قوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض..).
قال: (فينا - والله - نزلت هذه الآية)(7).

(وَإِنّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمُنَوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) الحج: 54.
روى الحافظ الحسكاني (الحنفي) قال: حدثني علي بن موسى بن إسحاق (بإسناده المذكور) عن أبي جعفر قال: (آل محمد الصراط الذي دل الله عليه)(8).

(وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) الحج: 55.
روى السيوطي (العالم الشافعي) قال: أخرج الحاكم وصححه عن عقبه بن عامر (رضي الله عنه) سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:
(لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين على العدو لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم (الساعة) وهم على ذلك).
فقال عبد الله بن عمر: ويبعث الله ريحاً ريحها المسك ومسها مس الحرير، فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة(9).
(أقول): روايات عديدة وردت بهذا المضمون في ظهور القائم المهدي (عليه السلام)، وأنه لا يظهر حتى يُملأ العالم ظلماً وجوراً، وحتى يدخل الظلم كل بيت، وانه سيكون جمع آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر حتى يظهر المهدي (عليه السلام)، إلى غير ذلك من النظائر فتكون (الساعة) هي ساعة قيام القائم، كما صرح به في أحاديث أخرى.

(وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللهُ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌ غَفُورٌ) الحج: 60.
روى الحافظ القندوزي (الحنفي) قال: عن سلام بن المستنير عن الصادق (رضي الله عنه) في قوله تعالى: (ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور)، قال:
(إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما أخرجته قريش من مكة، وهرب منهم إلى الغار، وطلبوه ليقتلوه فعوقب. ثم في بدر عاقب لأنه قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وحنظلة بن أبي سفيان، وأبا جهل وغيرهم. فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) بغى عليه ابن هند بنت عتبة بن ربيعة (يعني: معاوية) بخروجه عن طاعة أمير المؤمنين، وبقتل ابنه يزيد الحسين بغياً وعدواناً. ثم قال تعالى: (لينصرنه الله) يعني: بالقائم المهدي من ولده)(10).

(وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) الحج: 65.
روى العلامة البحراني، عن محمد بن الحسن بن شاذان - من طريق العامة بحذف الإسناد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، في حديث - إلى أن قال -: فقام جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله مَن الأئمة من ولد علي بن أبي طالب؟
قال: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثم سيد العابدين في زمانه علي بن الحسين، ثم الباقر محمد بن علي - وستدركه يا جابر فإذا أدركته فاقرئه مني السلام - ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم الكاظم موسى بن جعفر، ثم الرضا علي بن موسى، ثم التقي محمد بن علي، ثم النقي علي بن محمد، ثم الزكي الحسن بن علي، ثم ابنه القائم بالحق مهدي أمّتي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلئت جوراً وظلماً.
هؤلاء يا جابر خلفائي، وأوصيائي وأولادي، وعترتي، من أطاعهم فقد أطاعني، ومن عصاهم فقد عصاني، ومن أنكرهم أو أنكر واحداً منهم فقد أنكرني).
ثم قال (صلى الله عليه وآله): (وبهم يمسك الله السماء أن تقع على الأرض، وبهم يحفظ الله الأرض أن تميد بأهلها)(11).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجِ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) الحج: 77 و78.
روى العلامة البحراني، عن الفقيه الشافعي إبراهيم بن محمد الحمويني (بإسناده المذكور) عن سليم بن قيس الهلالي - في حديث طويل - قال: أقسم علي بن أبي طالب في أكثر من مائتي رجل - في اجتماع واحد - وهم من المهاجرين والأنصار والتابعين، فأشهدهم على أمور، وكان فيما قال:
(أنشدكم الله أتعلمون أن الله أنزل في سورة الحج: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير…) ).
فقام سلمان فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هؤلاء الذين أنت عليهم شهيد، وهم شهداء على الناس، الذين اجتباهم الله. ولم يجعل عليهم في الدين من حرج ملة إبراهيم؟
قال (صلى الله عليه وآله): (عنى بذلك ثلاثة عشر رجلاً خاصة دون هذه الأمة).
قال سلمان: بيِّنهم لنا يا رسول الله (صلى الله عليه وآله).
قال: (أنا وأخي علي وأحد عشر من ولدي).
قالوا: اللهم نعم(12).
(أقول): الأحد عشر من ولده هم الذين سماهم (صلى الله عليه وآله) في تفسير الآية السابقة.


(1) ـ الدر المنثور: ج6 ص50.
(2) ـ ما بين الأقواس في كل هذا الكتاب زيادات توضيحية منا.
(3) ـ سورة النمل: 83.
(4) ـ سورة الكهف: 47.
(5) ـ ينابيع المودة.
(6) ـ شواهد التنزيل: ج1 ص399.
(7) ـ شواهد التنزيل: ج1 ص400.
(8) ـ شواهد النزيل: ج1 ص61.
(9) ـ الدر المنثور: ج6 ص61.
(10) ـ ينابيع المودة: ص510.
(11) ـ غاية المرام: ص692.
(12) ـ غاية المرام: ص265.