المسألة (2): الاقوى جواز العمل بالاحتياط، مجتهداً كان أو لا....

هل العمل بالاحتياط جائز ؟

المسألة (2): الاقوى جواز العمل بالاحتياط كما سبق الكلام حوله مستوفىً مجتهداً كان المحتاط أو لا أي: سواء كان قادراً على الاستنباط أو غير قادر.
وأُريد بـ « المجتهد » من له قدرة الاجتهاد ولو لم يجتهد في مسألة ـ مثلاً ـ فيجوز لمن له قدرة الاجتهاد أن لا يجتهد ويعمل بالاحتياط، كما يجوز لمن لا قدرة اجتهادية له أن يعمل بالاحتياط، أو سواء كان مجتهداً فعلاً في هذه المسألة الّتي يحتاط فيها، أو لا يكون له اجتهاد فعلي في المسألة الّتي يحتاط فيها، فيشمل المجتهد، غير المستنبط بعد في هذه المسألة وكلا المعنيين محتمل وصحيح، لما سبق من أنّ الاحتياط في عرض الاجتهاد والتقليد لا في طولهما فيجوز لمن اجتهد واطمأنّ بكفاية صلاة الجمعة، أن يحتاط بالجمع بين الجمعة والظهر ـ إذا لم يكن الجمع في نظره خلاف الاحتياط من جهة أُخرى ـ كما يجوزلمن له قدرة الاستنباط ولكن لم ينظر في الادلّة ليطمئنّ إلى طرف واحد،
... لكن يجب أن يكون عارفاً بكيفية الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد.
أن يحتاط في العمل.


من شروط العمل بالاحتياط

لكن يجب أن يكون العامل بالاحتياط عارفاً بكيفيّة الاحتياط بأحد الطريقين أي: بالاجتهاد أو بالتقليد وهذا الوجوب إرشادي عقلي من قبيل وجوب الطاعة، وليس وجوباً مولوياً شرعياً، وإنّما يجب ذلك إمّا لانّه شرط عقلي، إذ غير العارف بكيفيّة الاحتياط لا يتحقّق منه موضوع الاحتياط، فموضوع الاحتياط متوقّف على معرفة الكيفيّة، وما يتوقّف عليه الاحتياط، هو مقدّمة وجود الاحتياط، ومقدّمة الوجود دليل وجوبها العقل، أو لانّ الجهل بالكيفيّة مانع عن حصول الامن من العقاب، ولعلّ الثاني هو الاصحّ.
وعليه: فلا يجب التقليد والاجتهاد إذا كان العامل بالاحتياط متيقّناً بكفايته فطريّاً أو عقليّاً كما هو واضح، إذ مع التيقّن يكون المؤمّن من استحقاق العقاب حاصلاً، فلا يحتاج إلى تحصيله.
نعم مع الشكّ في أصل جوازه، أو في كيفيّته، لا يكفي إلاّ الاجتهاد أو التقليد، لانّ الشكّ في الطريقية والحجّية هو موضوع عدم الطريقية وعدم الحجّية.


الاحتياط في أصل الاحتياط

وهل يصحّ الاحتياط في أصل الاحتياط ـ لا في الكيفيّة ـ ؟ الظاهر: إنّه يصحّ، وهو حسن عقلاً على كلّ حال، ومقتضاه: ترك الاحتياط في المسائل الفرعيّة للاجماع على كفاية العمل بالاجتهاد أو بالتقليد، واختلاف الفقهاء في كفاية الاحتياط، فمقتضى الاحتياط: العمل بما يكفي على جميع الاقوال، وهو: الاجتهاد أو التقليد.
لا يقال: كيف يصحّ الاحتياط الّذي يكون مقتضاه ترك الاحتياط ؟ وهل هذا إلاّ المحال، الّذي يلزم من وجوده عدمه ؟
فإنّه يقال: ليس كذلك، فالاحتياط الاوّل هو في المسألة الاُصولية، والثاني في المسألة الفرعيّة، فالموقوف عليه غير الموقوف عليه.
توضيحه: إنّنا نسأل: هل يكفي الاحتياط في الفروع ويكون المحتاط آتياً بالمكلف به ؟
والجواب: مقتضى الاحتياط في المسألة الاُصولية: عدم الاحتياط في المسائل الفرعية، للقول بعدم كفاية الموافقة الاحتمالية حين العمل.


الاحتياط في كيفية الاحتياط

وهل يصحّ الاحتياط في كيفيّة الاحتياط ؟ الظاهر: نعم، لعدم وجود ما يحتمل مانعاً، سوى الاشكالات الواردة على الموافقة الاحتمالية في العبادات، وكذا الانشائيات على ما تقدّم، وهي غير واردة هنا، إذ مع كون المسألة محتاطاً فيها في أصلها، فالموافقة التفصيلية مفقودة، فلا يقدح الاحتياط في هذا الاحتياط، فيصحّ الاحتياط في كيفيّة الاحتياط، حتّى إذا أوجب هذا الاحتياط الثاني التكرار في العبادة.
كما لو أتى بصلاتي: الظهر والجمعة، مرّة بتقديم الظهر مع قصد الوجه، ومرّة بالعكس مع قصد الوجه أيضاً، نعم كثيراً ما لا يمكن الاحتياط التامّ من جميع الجهات، إذ في المثال هذا مناف للاحتياط لشبهة التشريع في قصد الوجه.
وكما لو كرّر صلاة الظهر من يوم الجمعة، مرّة بالجهر في قرائتها، ومرّة بالاخفات فيها، فإنّ الجهر احتياط عند البعض، والاخفات احتياط عند آخر، وذلك: لانّ هذا ليس من التكرار الّذي منعه البعض، للمغايرة بينهما.
ثم إنّ الجواز في المتن إن أُريد به الوضعي بمعنى الصحّة ـ كما لعلّه هو الظاهر ـ فلا يفرق فيه استلزامه لاختلال النظام غير الالزامي، أو للحرج أو غير ذلك، وعدمه، وذلك: لانّ الصحّة لا تحتاج إلاّ إلى مطابقة المأتي به للمأمور به، وقد وجدت المطابقة في بعض افراد الاحتياط.
وأمّا إن أُريد بالجواز التكليفي ـ كما هو محتمل أيضاً وإن نفاه بعض المعاصرين بإصرار ـ فسيأتي إن شاء الله تعالى في ذيل شرح المسألة الرابعة، الاشكال فيه.