المسألة (4): الاقوى جواز الاحتياط، ولو كان مستلزماً للتكرار، وأمكن الاجتهاد أو التقليد.

الاحتياط المستلزم للتكرار

المسألة (4): الاقوى جواز الاحتياط حتّى في العبادات ولو كان مستلزماً للتكرار، وأمكن الاجتهاد أو التقليد لما مرّ بالتفصيل في المسألة الاُولى: من أنّ الاحتياط في عرض الاجتهاد والتقليد لا في طولها، وقد مرّ ما أُورد على ذلك من إيرادات مع أجوبتها، ثم إنّ الماتن (قدس سره) وإن أطلق الجواز هنا، إلاّ أنّه في حاشيته على مجمع المسائل للمجدّد الشيرازي (قدس سره) قيّد الحكم بما إذا لم يعد عدم اعتناء بأمر المولى، ولعلّه يشير إلى نوع تردّد له في ذلك، وعدم الاعتناء قد يكون لازماً للّعب، الّذي ذكره أمثال صاحب الفصول، والشيخ الانصاري وغيرهما (قدس سرهم)، لا أنّه أمر آخر.
أمّا المجدّد نفسه فأشكل فيه مطلقاً، وقد تقدّم تفصيل الكلام عن ذلك فلا نعيد، والمراد بـ « جواز » هو: الوضعي بمعنى: الاكتفاء وصدق الامتثال والطاعة به، الّذي هو غير الجواز بالمعنى التكليفي.
نعم، لو قلنا بأنّ الاحتياط فيه شبهة اللعب بأمر المولى، فيكون حراماً تكليفاً، ويكون ـ حينئذ ـ الجواز في مقابله تكليفاً.
وعليه: فلا مانع من تعميم الجواز في المتن للوضعي والتكليفي جميعاً.
ثم إنّ الجواز ـ في مقام الثبوت ـ يمكن أن يكون فطرياً وعقلياً وعقلائياً وشرعياً، كما مَرّ مثل ذلك في تفسير الوجوب في المسألة الاُولى. وأمّا في مقام الاثبات وأنّ الجواز هنا فطري، أو عقلي، أو عقلائي، أو شرعي، أو اثنين، أو ثلاثة منها، أو كلّها، فالكلام فيه أيضاً هو ما مرّ في شرح «يجب» في المسألة الاُولى، فلا نعيد التفصيل، والله العالم.


تتميمان
التتميم الاوّل

إنّ الاحتياط المستلزم للتكرار الكثير، كمائة، وألف، خصوصاً إذا كان في العبادات ـ كما لو استلزم تكرار صلاة واحدة مائة مرّة أو الف مرّة ـ بدون أن يكون هناك داع عقلائي لهذا الاحتياط: من أسهليّته بالنسبة إلى الاجتهاد لعدم وجود المقدار اللازم من الكتب الموجبة لصدق اليأس بعد الفحص، أو أسهليّته بالنسبة إلى التقليد لعدم وصوله إلى المجتهد، لكونه في سجن أو نحو ذلك، مثل هذا الاحتياط ربما يتأمّل في جوازه التكليفي، لطرو عناوين محرّمة على مثل ذلك غالباً، ككونه طريقاً إلى الوسوسة، أو هي الوسوسة نفسها.
أو كونه موجباً لوهن أو ضعف الاعتقاد الديني لبعض ضعاف الاعتقاد، فيكون نوعاً من تسبيب الافتتان في الدين المنهي عنه صريحاً بالادلّة الاربعة.
أو كونه سبباً لترك الواجبات العينيّة ذاتاً: كتفويت أوقات الفرائض. أو عرضاً: كالامر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقدّمات وجودهما، ونحو ذلك.
بالاضافة إلى إمكان صدق الاستهزاء بالاحكام الشرعيّة في بعض الموارد عليه.
وهذه العناوين الثانوية إن انطبقت على الاحتياط المستلزم للتكرار القليل أيضاً، وإن كان له من التأمّل في الجواز التكليفي مثل ما كان في التكرار الكثير، إلاّ أنّ الغالب عدم انطباقها على الاحتياط المستلزم للتكرار القليل وانطباقها على التكرار الكثير بلا داع عقلائي.
وبما ذكرناه، ربما يظهر النظر في ما علّقه هنا السبزواري في: « مهذّب الاحكام » من أنّه لا وجه للجواز التكليفي وعدمه بالنسبة إلى نفس الاحتياط من حيث هو، وعلّله بأنّه مع الصحّة لا وجه للعقاب، ومع عدم الصحّة لا عقاب إلاّ على ترك الواقع.
ولا ينافي ذلك الجواز الوضعي ـ بمعنى: صحّة العمل ـ لانّ ضمّ الفاسد إلى الصحيح لا يفسد الصحيح، مع كونهما غير مرتبطين بواحد خارجي، أي: كونهما ليسا جزئين لواجب ارتباطي واحد.


التتميم الثاني

قسم بعضهم الاحتياط إلى الاحكام الخمسة، لعروض أحكامها عليه باعتبار انطباق عناوينها عليه.


الاحتياط الواجب

ومثّلوا للاحتياط الواجب: بالشبهة التحريمية أو الوجوبية في موارد وجوب الاحتياط فيها من أطراف العلم الاجمالي في الشبهة المحصورة، سواء كان دليل وجوب الاحتياط الشرع، أو الملازمة العقلية بين حكمي العقل والشرع ـ على الخلاف ـ.
وقد يؤيّد ذلك: الصحيح في الفقيه، عن إبراهيم بن هاشم، مرفوعاً عن الامام الصادق (عليه السلام) والكليني صحيحاً عن يونس، عن رجل عن الامام الصادق (عليه السلام): « فإذا اختلف على الامام من خلفه، فعليه وعليهم في الاحتياط الاعادة »(1).


الاحتياط المحرّم

وأمّا الاحتياط المحرم: فهو مثل ما كان وسواساً، أو مؤدّياً إليه، أو إلى اختلال النظام أو ملتفتاً للنفس أو الاطراف أو نحو ذلك، بانضمام ثبوت التحريم بمثل هكذا انطباق، إمّا لصدق بعض العناوين المحرّمة عليه، أو للقبح العقلي المضاف إلى الملازمة بينه وبين التحريم الشرعي في سلسلة العلل، فتأمّل.


الاحتياط المستحبّ

وأمّا الاحتياط المستحب: فله موارد كثيرة، وهي: كلّ ما كان احتمال المحبوبيّة ـ عامّاً أو خاصّاً ـ قائماً، مع عدم احتمال المبغوضية خصوصاً أو عموماً، ويدلّ عليه أخبار الاحتياط، مثل خبر أبي هاشم الجعفري، عن الامام الرضا (عليه السلام)، أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لكميل بن زياد: « أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت »(2).
ومرسل الشهيد في الذكرى عن الامام الصادق (عليه السلام): « لك أن تنظر الحزم وتأخذ بالحائطة لدينك »(3).
ومرسله الاخر عن عنوان البصري، عن الامام الصادق (عليه السلام) في حديث قال: « وخذ بالاحتياط في جميع أُمورك ما تجد إليه سبيلاً »(4).


الاحتياط المكروه

وأمّا الاحتياط المكروه: فكلّما انطبق عليه عنوان من العناوين المكروهة مع ثبوت رجحان الكراهة على الاستحباب من القرائن الداخليّة أو الخارجية، مثل الصلاة في الثياب المكروهة: «كالاسود، والقرمز»(5)ونحوهما، إذا كان ذلك لاجل الاحتياط غير اللازم للعلم الوجداني بطهارتها، وقاعدة الطهارة في غير المكروه من الثياب عنده.


الاحتياط المباح

وأمّا الاحتياط المباح: فكلّما تزاحم عنوانان لزوميان، أو اقتضائيان غير لازمين، ولم يعرف الرجحان الشرعي لاحدهما على الاخر، كما لو دار أمر الاحتياط بين الواجب والحرام، مثلما لو دار أمر القبلة بين أربع جهات، وكان فريداً في الصحراء، واحتمل أنّ أربع صلوات توجب هجوم السباع عليه، واحتمل أنّ الاربع تدفع عنه السباع لخوفهم من كثرة حركاته، أو دار بين المستحب والمكروه، كما لو شكّ في أنّ صوم عرفة يضعفه عن الدعاء أم لا ـ مع عدم كون هذا الشك مسرحاً لاصالة عدمه تعبّداً ـ وفي هذه الموارد يباح الاحتياط، لعدم دليل لا على رجحانه، ولا على رجحان تركه، والله العالم.


(1) الوسائل: الباب24 من أبواب الخلل في الصلاة، ح8.
(2) الوسائل: الباب12 من أبواب صفات القاضي، ح41.
(3) الوسائل: الباب12 من أبواب صفات القاضي، ح58.
(4) الوسائل: الباب12 من أبواب صفات القاضي، ح54.
(5) الوسائل: الباب44 من أبواب لباس المصلّي، ح1.