المسألة (8): التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معيّن وإن لم يعمل بعد، بل ولو لم يأخذ فتواه، فإذا أخذ رسالته، والتزم بالعمل بما فيها، كفى في تحقّق التقليد.

ما هو التقليد ؟

المسألة (8): التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معيّن وإن لم يعمل بعد، بل ولو لم يأخذ فتواه، فإذا أخذ رسالته، والتزم بالعمل بما فيها، كفى في تحقّق التقليد (1).


هنا أطراف ثلاثة

في المسألة أطراف من الكلام، أحدها في حقيقة التقليد ومعناه، وآخر في ثمرة النزاع، وثالث في أنّه هل يجب تعيين المقلَّد ـ بالفتح ـ أم لا ؟


الطرف الاوّل: حقيقة التقليد

الاوّل: اختلفت عبارات الفقهاء في هذه المسألة، وأرجع المستمسك ذلك إلى الخلاف في محض التعبير، ونقل عن القوانين أنّ مراد الجميع: العمل.
وفي أوائل كتاب: « جوامع الشتات »(2) عن الشيخ الانصاري (قدس سره) قال: « ثمّ اعلم أنّ بعضهم عرف التقليد: بالعمل بقول الغير ـ كما عرفت ـ بل نسبه بعضهم إلى علماء الاُصول، وعرّفه آخرون: بقبول قول الغير، وثالث: بالاخذ بقول الغير، ورابع: بمتابعة قول الغير، فهل ذلك كلّه اختلاف في التعبير ومرجعها إلى واحد وهو تطبيق العمل ـ يعني: الحركات والسكنات ـ على قول الغير بإرجاع الكل إلى ظاهر لفظ العمل، فيكون المراد من الاخذ والقبول: الاخذ في مقام العمل ؟ أو المراد: الالتزام والتعبّد بمقتضاه ـ كما هو ظاهر لفظي: الاخذ والقبول ـ ولذا نسبه البعض إلى علماء الاُصول ؟ أو أنّه اختلاف في المعنى وأنّ المراد من الاخذ بقول الغير وقبوله هو الانقياد له وجعله حكماً في حقّ نفسه، والتوطين على العمل به عند الحاجة ـ إلى أن قال: ـ وصريح جماعة من متأخّري المتأخّرين هو الاوّل، حيث صرّحوا: بتحقّق التقليد بأخذ الفتوى لاجل العمل عند الحاجة وإن لم يعمل بعد... ».


في التقليد أقوال خمسة

والحاصل: إنّ المسألة محل خلاف، والثمرات المترتّبة على كلّ قول أيضاً تختلف كلاًّ أو بعضاً باختلاف الاقوال، وخلاصة الاقوال الّتي ربما ترجع غيرها إلى بعضها أيضاً ـ كما قيل ـ خمسة:


القول الاوّل في التقليد

الاوّل: إنّ التقليد هو الالتزام، وهو الّذي ذهب إليه الماتن تبعاً للشيخ حسن كاشف الغطاء ـ كما سيأتي كلامه في القول الثالث ـ وتبعهما المحقّق العراقي وبعض نادر من المعاصرين الّذين لم يعلّقوا على هذه المسألة، وصريح جماعة من متأخّري المتأخّرين ـ كما في تقرير بحث الشيخ (قدس سره) الانف ـ.
ثم إنّه على القول بالالتزام ذكر شريف العلماء (قدس سره) احتمالين، قال في تقرير درسه: « ثمّ إنّه هل يكون مجرد الاختيار كاف ولو قبل زمان العمل، أو يكون مشروطاً بحضور زمان العمل وإن كان موسّعاً، أو مشروطاً بمقارنة العمل ؟ الّذي يقتضيه أصالة استصحاب التخيير هو الاخير، ولكن الاجماع المركّب منعقد، إذ كلّ من قال: بأنّ مجرّد الاختيار ملزم، قال: بالالزام مطلقاً، وإن كان الاختيار قبل العمل بمدّة »(3) فتأمّل.


القول الثاني في التقليد

الثاني: أنّه أخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيات، وهو خيرة صاحب الفصول، وتبعه صاحب الكفاية وعدد من مراجع عصرنا، وإليه يرجع ظاهراً من فسّره بقبول قول الغير.


القول الثالث في التقليد

الثالث: أنّه نفس العمل فقط وفقط، وقد أصرّ عليه الشيخ مرتضى الحائري (قدس سره) في مخطوطته على مسائل العروة، قال بعد الاستدلال لذلك: « وكيف كان: فقد تحصّل أنّ التقليد المجزي عن الواقع هو العمل مطلقاً، بلا دخالة شيء فيه من الالتزام، أو الاستناد، أو العلم ».


القول الرابع في التقليد

الرابع: إنّه العلم بقول الغير للعمل به، لا مطلق الاخذ والقبول الاعم من العلم به، ولا لزوم خصوص العمل به، وهو صريح كاشف الغطاء (قدس سره) في كشفه، قال: « ولو كان في يده كتاب يريد العمل به جملة ولم يشخص مسائله لم يكن مقلّداً إلاّ تلك المسائل التي عمل بها، أو علمها للعمل »(4).
وقال: ابنه الشيخ حسن (قدس سره) في شرحه على مقدّمة كشف الغطاء: « ولا يبعد القول بأنّ العلم بتفاصيل المسائل غير شرط، فلو أشار لكتاب ونوى أنّه مقلّد لصاحبه به وإن لم يعلم تفاصيله، جاز »(5).


القول الخامس في التقليد

الخامس: إنه العمل نفسه، استناداً إلى رأي الغير، وهو القول المشهور بين المعاصرين، ومن قاربنا عصورهم تبعاً لجمهرة ممن تقدّمهم من الاساطين أيضاً.


أدلّة القولين الاوّلين

أمّا ما استدلّ به، أو يمكن أن يستدلّ به للقولين الاوّلين ـ اللذين ربما يرجعان إلى واحد تحقيقاً أو تقريباً ـ فوجوه كلّها مخدوشة:


الدليل الاوّل للقولين الاوّلين

الاوّل: إنّ عمدة مدارك لزوم التقليد هي الاخبار الارجاعية الّتي أرجع فيها الائمّة الطاهرون (عليهم السلام) الشيعة إلى العلماء، وفي كلّها أو جلّها كلمة: « مَن أُعامل ؟ » أو « عمّن آخذ ؟ » أو « قول مَن أقبل ؟ » ونحوها.
كصحيحة أحمد بن إسحاق وفيها: « مَن أُعامل، أو عمّن آخذ، وقول مَن أقبل ؟ »(6).
وخبر ابن يقطين: « أفيونس بن عبدالرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج إليه من معالم ديني ؟ »(7).
وخبر علي بن المسيب: « فممّن آخذ معالم ديني ؟ »(8).
وفي حسنة عبدالعزيز بن المهتدي « فآخذ معالم ديني عن يونس مولى آل يقطين ؟ »(9).
وفي التوقيع الشريف: « وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا »(10) إلى غير ذلك من الاحاديث.
وهذه بظاهرها تدلّ على أنّ اللازم على الشيعة: قبول قول راوي الحديث، والاخذ عنه، والمعاملة معه، وهل هذه إلاّ التقليد ؟
ويؤيّده: ما في بعض روايات أُخر من التعبير في مكان الاخذ بـ « التقليد » ممّا يفهم منه: أنّ المراد بالاخذ هو التقليد أيضاً، مثل ما عن تفسير الامام العسكري (عليه السلام) « فللعوام أن يقلّدوه »(11) ونحوه.


خلاصة الدليل الاوّل

والحاصل: إنّ الروايات الّتي يفهم منها التقليد عبّرت كثيراً بـ « الاخذ » و « القبول » ونحوهما، فيكون التقليد هو: الاخذ والقبول.
وفيه أوّلاً: مع وجود لفظة: « التقليد » في عدّة موارد، الظاهرة في نفس العمل، لا مجرّد الاخذ، لم لا يكون ذلك قرينة على إرادة العمل من « الاخذ » أيضاً ؟ ولماذا يعكس الامر فيجعل وجود: الاخذ، قرينة على إرادته من لفظة: التقليد، أيضاً.
وثانياً: الظاهر المتبادر من كلمة: « الاخذ » في هذه الروايات مع ملاحظة ما قبلها وما بعدها هو: الاخذ العملي، لا الاخذ القولي فإنّه يقال لمن عمل برأي الطبيب وشوفي: إنّه أخذ بقول الطبيب فشوفي، بل لعلّ حمل: الاخذ، على الالتزام أو التعلّم يحتاج إلى إعمال نوع من المجاز والتوسّع، ويوجد نظير ذلك في القرآن الحكيم كقوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ)(12)، (خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة)(13)، (فَخُذْهَا بِقُوَّة وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)(14)، (خُذُوا حِذْرَكُمْ)(15) وغيرها.
وكذا في الاحاديث الشريفة مثل قولهم (عليهم السلام) « خذ بما اشتهر بين أصحابك »(16)، « فاتّبعوا ما وافق الكتاب »(17)، « ما خالف العامّة ففيه الرشاد »(18)، « بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك »(19) ونحوها، ممّا لا ريب في أنّ المراد بالاخذ فيها هو العمل.
وثالثاً: إنّ عمدة مدرك لزوم التقليد إنّما هو الدليل العقلي وبناء العقلاء اللذان يعرف منهما لزوم العمل، لا الاخذ، أو الالتزام فقط.

الدليل الثاني للقولين الاوّلين

الثاني: إنّ الاجتهاد والتقليد، أمران متقابلان، لانّ الاجتهاد هو أخذ الحكم عن مدركه، والتقليد هو أخذ الحكم عن الغير لا عن مدركه، فكما أنّ الاجتهاد متقدّم على العمل، كذلك التقليد، قضاءً لقانون التقابل.
وفيه أوّلاً: ليس النسبة بين الاجتهاد والتقليد هو التقابل، وإنّما النسبة هي الترادف في الحجّية، نظير ترادف الاسم، والفعل، والحرف، في كون كلّها: كلمة.
ولا شكّ في أنّ المترادفات ـ بهذا المعنى ـ في شيء، تختلف سائر خصوصياتها ولوازمها وأحكامها، نظير اختلاف خصوصيات ولوازم وأحكام الاسم والفعل والحرف، والتقابل إنّما هو بين الاجتهاد وعدمه، والتقليد وعدمه.
وثانياً: على فرض كون النسبة بينهما التقابل، إنّه لم يدلّ دليل على أنّه تقابل بهذا المعنى، نعم هما متقابلان على نحو تقابلهما للاحتياط، الّذي هو عنوان العمل بلا إشكال.
وثالثاً: إنّه قد يفرّق بين الاجتهاد والتقليد: بأنّ استناد العمل إلى الاجتهاد لا يمكن أن يصدق بدون سبق الاجتهاد خارجاً، بل لا يمكن أن يتحقّق، بخلاف استناد العمل إلى التقليد، فإنّه يتحقّق ويصدق مع تلوّن العمل بلون تبعية الغير في حال العمل ومع العمل بلا تقدّم وتأخّر كما لا يخفى.


الدليل الثالث للقولين الاوّلين

الثالث: لزوم الدور ـ لو جعلنا التقليد نفس العمل ـ في العبادات.
مثلاً: صلاة الجمعة مشروعيّتها متوقّفة على التقليد، فلو كان التقليد منتزعاً ومتأخّراً بالطبع ـ لانّ المنتزع عن الشيء متأخّر عنه ـ عن العمل، لزم الدور.
وبتقرير آخر: مشروعية صلاة الجمعة متوقّفة على التقليد، فإذا توقّف التقليد على اتيان صلاة الجمعة المشروعة كان دوراً، وسيأتي نقل عبارة صاحب الفصول (قدس سره) في الوجه الرابع، إن شاء الله تعالى.
وفيه: إنّ مشروعية صلاة الجمعة لا تتوقّف على التقليد، وإنّما تتوقّف على العلم بمشروعيته، ويكفي في العلم بها: العلم بفتوى الفقيه الجامع للشرائط، فالعامي بعد ما حصل له العلم بأنّ الفقيه الجامع للشرائط أفتى بوجوب صلاة الجمعة، صارت صلاة الجمعة مشروعة اتيانها عنده، ولكن لا يسمّى بعد مقلّداً، لانّه لم يعمل شيئاً، فإذا صلّى صلاة الجمعة سمّي مقلّداً، وكان اتيانه للصلاة تقليداً، أي: استناداً للغير، فمشروعية صلاة الجمعة متوقّفة على التقليد، لكن التقليد غير متوقّف على المشروعية، بل على الاتيان بصلاة الجمعة سواء كانت مشروعة أم لا.


الدليل الرابع للقولين الاوّلين

الرابع: ما في الكفاية تبعاً للفصول من أنّه لا وجه لتفسير التقليد بالعمل، ضرورة سبق التقليد على العمل، وإلاّ كان العمل بلا تقليد.
قال في الفصول على المحكي من عبارته: « وأعلم أنّه لا يعتبر في ثبوت التقليد، وقوع العمل بمقتضاه لانّ العمل مسبوق بالعلم، فلا يكون سابقاً عليه، ولئلاّ يلزم الدور في العبادات من حيث أنّ وقوعها يتوقّف على قصد القربة، وهو يتوقّف على العلم بكونها عبادة، فلو توقّف العلم بكونها عبادة على وقوعها كان دوراً »(20).
وفيه: أنّه لا يجب سبق التقليد، ولا يكون العمل بلا سبق، بلا تقليد، وذلك نظير الشرائط المقارنة، كالستر، والقبلة، والقيام ونحوها للصلاة، بل ـ كما أسلفنا ـ إنّ العمل المستند إلى فتوى الغير هو بنفسه تقليد.
مضافاً إلى كفاية السبق الرتبي الموجود فيما نحن فيه.
والحاصل: إنّ التقليد ـ في الفروع الّذي هو محل الكلام ـ إنّما هو العمل استناداً إلى فتوى الغير، وأمّا الالتزام بالعمل، وأخذ الرسالة، أو أخذ نفس الفتوى والعلم بها، ونحوها، كلّ ذلك مقدّمات للتقليد لا نفسه، وإن عبّر عن ذلك بالتقليد كان بنوع من التوسّع والمجاز، باعتبار المشارفة أو الاُوْل ونحو ذلك.
نعم، كما أشرنا آنفاً انّ مرجع هذين القولين الاوّلين ربما يكون إلى واحد، تحقيقاً أو تقريباً، وليس المهمّ تفاصيل القائلين بهذه الاقوال، إنّما المهمّ بيان المختار منها، ومن خلال ذلك تنكشف أدلّة بقية الاقوال ومناقشاتها.


القول المختار

ثمّ إنّ المختار هو القول الخامس، وفاقاً لمعظم المعاصرين المحشّين لكتاب العروة وغيرهم، ومنهم: المحقّق النائيني، وكذلك الحائري، والاصفهاني(21) تبعاً لما هو الظاهر من صاحب الجواهر، والشيخ الانصاري، والشيرازيين(22) والمحقّق الخراساني(قدس سره) في الرسالتين العمليتين الفارسيتين المسمّيتين: بصراط النجاة ومجمع الرسائل، وهو صريح الوالد، وابن العم(23) أيضاً (قدس سرهما) في حواشيهما على العروة.
قال المحقّق النائيني (قدس سره) في حاشية العروة:
« بل الاقوى أنّه العمل بما أفتى به، ولا يكفي في تحقّقه الالتزام وعقد القلب ولا أخذ الرسالة أو غير ذلك، وإن كان الاحوط هو العمل بذلك الالتزام ما لم يجب العدول عنه، إمّا لموت ذلك المجتهد أو لاعلميّة الاخر منه، أو نحو ذلك ». ومعلوم أنّ هذا الاحتياط استحبابيّ لسبقه بالفتوى.


أدلّة القول المختار

وعلى كل حال فما يستدل به لذلك أُمور:


الدليل الاوّل للقول المختار

الاوّل: أنّ التقليد ـ بهذه اللفظة ـ حيث لم يرد إلاّ قليلاً في بعض الروايات مثل: « فمن قلّد من عوامنا »(24) و « فللعوام أن يقلّدوه »(25) و « قلّدتك ديني »(26) ونحوها، فلا يلزم الدوران مدار التقليد ـ مادّةً وهيئةً ـ لنرى ماذا يكون المنصرف إليه المعنى المخصوص إذا كان الانصراف أوجب الغيرية مع المعنى اللغوي، أو العرفي ؟
فمثلاً لو فرضنا أنّ كلمة: التقليد، بالمعنى المصدري يكون منصرفاً الى: الالتزام بالعمل بقول الغير، أو أخذ قول الغير للعمل، أو نحوهما، لا يجب الركون إلى ذلك، لعدم الملزم لذلك من آية، أو رواية، أو معقد إجماع كاشف عن موافقة المعصوم، أو دليل عقل ملزم، و « يقلّدوه » و « قلّدتك » و « قلّد » بالمعنى الماضوي والمستقبلي الوارد في الروايات لا ينصرف إلاّ إلى العمل، فمعنى « قلّدتك ديني » هو أنّ أعمالي الّتي أعملها أجعلها قلادة في رقبتك أربطك بها، وليس معناه: إنّ التزامي بالعمل برأيك أجعل هذا الالتزام قلادة في عنقك، ولا أنّ أخذي بقولك، بالمعنى المصدري ـ لا بمعنى اسم المفعول الّذي هو العمل ـ أجعله قلادة في رقبتك، ومثله « قلّد » في الرواية الثانية.
وكذلك « فللعوام أن يقلّدوه » فإنّ ظاهره أن يعملوا بآرائه، لا أن يلتزموا بالعمل أو يأخذوا بقوله للعمل.
نعم يصدق: التقليد، و « قلّدوه »، و « قلّدتك » و « قلّد » ونحوها من مشتقّاتها على الملتزم بالعمل بقول الغير، وعلى الاخذ بقول الغير للعمل، بعنوان مجاز المشارفة ونحوه ـ ظاهراًـ لا بعنوان الحقيقة المتبادر إليها اللفظ.
ويؤيّده: إنّه إذا التزم أن يحجّ هذه السّنة مع زيد، ويعمل بفتواه في أعماله، فهل يصدق عليه ـ حقيقة ـ أنّه مقلّد لزيد، فعلاً، لاجل هذا الالتزام ؟
كما إنّه قد يقال: بأنّ الملتزم بالعمل بقول مجتهد، وقد سبق له العمل في مسائل أُخر، يصدق على هذا الالتزام: التقليد، وكذلك يصدق على الاخذ بقول الغير للعمل، وقد سبق ذلك العمل في مسائل أُخر: أنّه تقليد، وإن كان ربما يخدش في ذلك بأنّه نوع مجاز.


حاصل الدليل الاوّل

والحاصل: إنّ مشتقّات التقليد، الواردة في الروايات مثل: « قلّد » و « يقلّدوه » و « قلّدتك » ظاهرة في العمل، وإن قلنا بعدم ظهور: التقليد، بالمعنى المصدري في العمل، والغريب من: « فقه الشيعة » قوله: « ليس في شيء من الادلّة أخذ عنوان التقليد موضوعاً للحكم، إلاّ في رواية ضعيفة عن التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام) ».
فالرواية التي ذكر فيها التقليد لا تنحصر في واحدة، وقد ذكرنا موارد، ورد ذكر التقليد بهذا الاشتقاق فيها، كما أنّ التفسير قد يقال: بأنّ رواياته ليست ضعيفة، وقد أسلفنا في شرح المسألة الاُولى بعض ما يقال في اعتباره، فلاحظ.
مضافاً إلى أنّ هذه الرواية التي فيها مادّة: التقليد، قد اعتمدها جمهرة من الاعاظم فهي معتبرة وإن لم يعتبر كل التفسير.
ويؤيّد ذلك: ما ورد من مشتقّات مادّة التقليد في الابواب المختلفة، مثل ما في كتاب الحجّ من الاشعار والتقليد للحاجّ القارن، فإنّه يجعل نعله وما شابهها قلادة في عنق الهدي، مثل قوله (عليه السلام): « يقلّدهانعلاً خلقاً قد صلّيت فيها »(27) وما ورد في تقليد المرأة شيئاً من الزينة في رقبتها للصلاة، وما ورد في تقليد السيف، ونحو ذلك فإنّ ظاهر جميع ذلك العمل.


الدليل الثاني للقول المختار

الثاني: الايات، والروايات، والاجماع وغيرها من السيرة، والارتكاز، وبناء العقلاء، والعقل، التي استدللنا بها في شرح المسألة الاُولى على جواز التقليد ـ مضافاً إلى مشتقّات التقليد ـ كلّها ظاهرة في تبعية الغير في رأيه، الظاهرة هذه في العمل، لا في الالتزام وحده ولا في أخذ قول الغير وحده، فقوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(28) ظاهر الحذر: العمل، لا الالتزام، وبهذا فسّره المحقّق النائيني (قدس سره) تبعاً لغيره في بحث حجّية الخبر الواحد من الاُصول، فلو قال رجل لاخر: احذر الاسد كان معناه: فرّ من الاسد، وليس معناه: التزم بالفرار، أو خذ هذا القول لتبني عليه الفرار، نعم هذان من المقدّمات القريبة.
وقوله تعالى: (فَتَبَيَّنُوا)(29) في آية النبأ، ظاهر مفهومه: ترك التبيّن المراد به العمل على طبق قول العادل، لا الالتزام بالعمل ولا الاخذ للعمل.
وقوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)(30) مفهومه لو كان الاباء يعلمون شيئاً ويهتدون جاز العمل بها، لا أنّه جاز مجرّد الالتزام بها، أو مجرّد أخذها للعمل، لانّ المقصود بالمجيء هو العمل، لا مجرّد الاخذ أو الالتزام.
وقوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ...)(31).
فالاتّباع الّذي وقع موضع الخلاف هو العمل، لا الالتزام كما لا يخفى.
وهكذا بقيّة الايات....
أمّا الروايات الواردة التي فيها: « مَن أُعامل ؟ أو عمّن آخذ ؟ وقول مَن أقبل ؟ »(32) ونحوها، فالمقصود ـ الظاهر ـ منها هو العمل برأي من ؟ ونحو ذلك، لانّ مجرد الاخذ، والقبول والاعتماد ليس تقليداً.
وأمّا الاجماع العملي والقولي فقد قام بقسميه على العمل برأي الفقيه الجامع للشرائط، لا مجرد الاخذ بقوله أو الالتزام برأيه، فتأمّل.
وكذلك دليل العقل دلّ على لزوم متابعة الجاهل للعالم الموثوق بقوله، والمتابعة هي العمل، لا مجرّد الالتزام أو الاخذ.
وما يقال: من رجوع الجاهل إلى العالم، يراد به: الرجوع للعمل، وإلاّ فنفس الرجوع مقدّمي طريقي في الفرعيات.


الدليل الثالث للقول المختار

الثالث: إنّ التقليد حسب معناه اللغوي هو: جعل الغير ذي قلادة، وهذا المعنى يناسب العمل إذا كان التقليد في الفروع، لانّه يجعل أعماله قلادة في عنق مقلَّده ـ بالفتح ـ بأن يجعل المفتي هو المتحمّل لثقل ووزر العمل بجهة فتواه.
وقد أُشير إلى ذلك في روايات متعدّدة في أبواب مختلفة من كتاب القضاء في الوسائل والمستدرك، وبالخصوص أبواب: آداب القاضي، وأبواب: أنّ من أفتى بغير علم فعليه وزر من عمل بها ونحوها.
ومن تلك الروايات الصحيحة المعروفة في ربيعة الرأي المروية في الوسائل، عن ابن أبي عمير، عن عبدالرحمن بن الحجاج قال: « كان أبو عبدالله (عليه السلام) قاعداً في حلقة ربيعة الرأي، فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه، فلمّا سكت قال له الاعرابي: أهو في عنقك ؟ فسكت عنه ربيعة ولم يردّ عليه شيئاً، فأعاد المسألة عليه فأجابه بمثل ذلك، فقال له الاعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال أبو عبدالله (عليه السلام) هو في عنقه، قال أولم يقل، وكلّ مفت ضامن »(33).
بتقريب: إنّ المفتي ضامن لعمل من يعمل بفتياه، لا بالالتزام المجرد عن العمل، أو بأخذ القول المجرّد عن العمل، إذ معهما يضمن أيّ شيء ؟
ولو سلّمنا أنّ نفس الفتوى ـ بنفسها ـ لها وزر حتى ولو لم يعمل بها، فما معنى الضمان؟ ولا ضمان إلاّ إذا تحمّل المفتي وزر شخص آخر.


مؤيّدات

ويؤيّد ذلك: صحيح أبي عبيدة الحذاء، عن الباقر (عليه السلام): « من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله، لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه »(34).
وكذا: « من استنّ بسنّة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أُجورهم شيء، ومن استنّ بسنّة سيّئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء »(35) الصريح في أنّ عمل التابع يلحق المتبوع، أجراً كان أم وزراً، لا مجرّد الالتزام والقبول قبل أن يصدر عمل، فتأمّل.
هذا إذا كان التقليد في الفروع ـ الّذي هو مفروض الكلام ـ أمّا إذا كان التقليد في الاعتقادات: من أُصول الدين وأُصول المذهب فالتزام المقلِّد ـ بالكسر ـ هو الّذي يوجب التبعة على المقلّد ـ بالفتح ـ كما لا يخفى، لكنّه غير مفروض البحث، فالبحث عن التقليد الواجب، وهو: في الفروع، وذاك في التقليد المحرّم على المشهور.


الدليل الرابع للقول المختار

الرابع: إنّ عمدة الدليل في باب وجوب التقليد هو: بناء العرف والعقلاء، وهما إنّما يكونان في العمل لا غير، فالعرف والعقلاء يوجبون على الجاهل العمل برأي العالم ونظره، لا الالتزام به أو أخذ قوله مجرّدين عن العمل، فالوجود العلمي للفتيا، والوجود الكتبي لها، ليس هو بناء العرف والعقلاء في باب التقليد.
نعم، هما من مقدّماته ولوازمه غالباً.


الدليل الخامس للقول المختار

الخامس: إنّه لو فسّرنا التقليد بالالتزام، أو القبول، أو نحوهما لاختلّ التعبير في كثير مما ذكره الماتن (قدس سره) في مسائل باب التقليد، وهذا يكشف عن ظهوره في العمل.


نماذج على ذلك

واليك نماذج منها:


النموذج الاوّل

1. في المسألة الاُولى، قوله: « يجب » إنّما يتمّ لو قلنا بأنّ التقليد هو العمل بقول الغير، وإلاّ فلو قلنا بأنّه الالتزام ونحوه، فلا وجوب بناءً على المشهور من عدم وجوب الالتزام بالاحكام الفرعية، وانحصار وجوب الالتزام بالعقائد وأُصول الدين.


النموذج الثاني

2. في المسألة السابعة، قوله: « عمل العامي بلا تقليد، ولا احتياط باطل » إنّما يتمّ بناءً على كون معنى التقليد هو العمل، لانّ العمل بلا استناد إلى فتوى الفقيه الجامع للشرائط، أو الاحتياط، هو الباطل عقلاً، وأمّا الالتزام في مقابل العمل، فلا معنى للبطلان معه، إذ الالتزام في الفروع لا يصحّ وصفه بالبطلان أو الصحّة إلاّ بلحاظ مجاز المشارفة، أو الاُوْل، ونحو ذلك.


النموذج الثالث

3. في المسألة التاسعة، قوله: « الاقوى جواز البقاء على تقليد الميّت، ولا يجوز تقليد الميّت ابتداءً » معناه: جواز البقاء على العمل بقول المجتهد بعد موته، لا البقاء على الالتزام مقابل نفس العمل، وكذا عدم جواز العمل بفتوى الميّت ابتداءً، لا عدم جواز الالتزام بذلك، مقابل نفس العمل.


النموذج الرابع

4. في المسألة العاشرة قوله: « إذا عدل عن الميّت إلى الحيّ لا يجوز له العود إلى الميّت » يعني: لو عمل بفتوى الحي، لا مجرد الالتزام بالعمل بقول الحي، وإلاّ فهل يكون الرجوع عن هذا الالتزام القلبي والبقاء على فتوى الميّت التي كان عاملاً بها سنوات، عدولاً، تشمله أدلّة العدول ؟ وهل يلتزم بمثله القائلون بأن التقليد هو الالتزام، أم يستدلّون لذلك بمخصّصات ؟ وما هي تلك المخصّصات ؟


النموذج الخامس

5. في المسألة الرابعة عشرة قوله: « إذا لم يكن للاعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الاخذ من غير الاعلم » وأفتى بعضهم بعدم الجواز ـ على ما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى ـ فهل مصب الجواز وعدمه مجرد الالتزام وعدم الالتزام أم العمل ؟ وعلى الثاني فهل في هذه المسألة بالخصوص دليل خاص أم لان التقليد هو العمل ؟


النموذج السادس

6. في المسألة الخامسة والثلاثين قوله: « إذا قلّد شخصاً بتخيّل أنّه زيد، فبان عمراً فإن كانا متساويين في الفضيلة ولم يكن على وجه التقييد صحّ، وإلاّ فمشكل » معناه: إذا عمل بقول عمرو، بتخيّل أنّه زيد، ولا معنى للالتزام هنا، بأنّ التزم بالعمل بقول عمرو، بتخيّل أنّه زيد، إذ لا ينسجم قوله: « صحّ، وإلاّ فمشكل » مع الالتزام.


النموذج السابع

7. في المسألة الثامنة والاربعين قوله (قدس سره): « وكذا إذا أخطأ المجتهد في بيان فتواه يجب عليه الاعلام » والوجوب إنّما هو بالنسبة إلى المقلّد بمعنى العامل بفتواه، لا مطلق الملتزم للعمل بفتواه الشامل لمن لم يحتج إلى العمل، أو لا يحتاج إلى العمل إلى غير الضروريات واليقينيات لمدّة مثلاً.


النموذج الثامن

8. في المسألة الثانية والخمسين، قوله (قدس سره): « إذا بقي على تقليد الميّت من دون أن يقلّد الحىّ في هذه المسألة كان كمن عمل من غير تقليد » ولا شكّ أنّ المراد بألفاظ التقليد الثلاثة هنا: العمل استناداً إلى قول الغير، لا مجرد الالتزام، وهكذا دواليك في مسائل أُخر.
نعم هناك في المسائل الاتية موارد، ذكرت فيها كلمة: « التقليد » وربما أمكن أن يراد بها الالتزام، فإن تمّ ذلك فالظاهر كون الاستعمال فيها مجازاً، باعتبار المقدّمية، أو المشارفة، أو الاُوْل، أو نحو ذلك، والله العالم.


تفصيل آخر في التقليد

وهنا تفصيل آخر ـ غير التفصيل الّذي صرّح به كاشف الغطاء (قدس سره) ومرّ في القول الرابع ـ ذكره عدد من مراجع العصر ومن تقدّمهم في حواشيهم على العروة وهو: « إنّ التقليد هو الاستناد إلى فتوى الغير في العمل، ولكنّه مع ذلك يكفي في جواز البقاء على التقليد أو وجوبه، تعلّم الفتوى للعمل، وكونه ذاكراً لها ».
وأضاف بعضهم بناء مسألة العدول أيضاً عليه.
وعلّله بعضهم بقوله:
« هو أنّ الادلّة اللفظية تشمل باطلاقها جواز العمل بفتوى الفقيه بعد موته فيما إذا رجع العامل إليه في حياته، بتعلّم فتواه من رسالته أو غيرها للعمل بها، فمات الفقيه قبل العمل لانّ عمله بها وبقاؤه على الاستناد اليها بعد موته كعمله بها حال حياته في أنّه جري على ما يقتضيه رجوعه السابق، وأمّا وجه التقييد بكونه ذاكراً لها فهو: أنّه إذا نسي الفتوى رأساً بحيث احتاج إلى مراجعة رسالة الميّت ثانياً، يكون ذلك رجوعاً ابتدائياً إلى الميّت، لا جرياً على الرجوع السابق ».


هنا مناقشات

وفيه: إنّ التقليد عرفاً له مفهوم واحد غير منقسم إلى اثنين، فإن كان معناه الالتزام أو الاخذ والقبول ونحو ذلك، فهو في كلّ مكان، وإن كان هو العمل فهو أيضاً في كلّ مكان.
نعم قد يقال: بأنّ عمدة دليل حرمة التقليد الابتدائي حيث كان الاجماع، وهو دليل لبّي، والمتيقّن منه غير هذا المورد ـ وهو ما لو تعلّم الفتوى في زمان حياة المفتي وكان ذاكراً لها بعد وفاته ـ فيكون خارجاً عن حرمة التقليد الابتدائي للميّت حكماً، وإن دخل فيه موضوعاً.
قد يخدش ذلك كلّه بما يلي:


المناقشة الاُولى

أوّلاً: بأنّ بعضهم استدلّ لاشتراط الحياة في المقلَّد ـ بالفتح ـ بظواهر الادلّة اللفظية مثل: «انظروا إلى رجل منكم»(36)و «فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا»(37) ونحوهما بتقريب ظهورها في الرجوع إلى الحي والنظر إلى الحي، ونحو ذلك.


المناقشة الثانية

وثانياً: بأنّه لا يعتبر مثل هذه الاجماعات دليلاً، وطالما ردّها في العديد من موارد الفقه المختلفة بالاشكال صغرى وكبرى فيها.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: التفريق بين الذاكر للمسألة، وبين ناسيها الّذي يرجع إلى الرسالة فوراً، غير واضح كونه فارقاً.


المناقشة الرابعة

ورابعاً: هل المراد بالذاكر مطلق الذكر في مقابل المحتاج إلى السؤال، أو الرجوع إلى الرسالة ونحو ذلك، الشامل لما يتذكّر ولو بإعمال تأمّل وتفكّر مطلقاً، أو غير طويلين، وما حدّهما ؟ أم خصوص الذاكر الّذي لم يغب عن صفحة ذهنه، بحيث يعرفه بمجرّد الالتفات اليه ؟
وأيّاً كان المراد من الذاكر فما وجه الحصر، أو عدم الحصر.


المناقشة الخامسة

وخامساً: أنّ أصل التقييد بكونه ذاكراً للفتوى أشبه ما يكون بالاستحسانات الّتي لا تبنى الاحكام الشرعية عليها، وما أبعد ما بينه وبين آخر من المعاصرين، إذ احتاط بالعمل بعد موت المجتهد بخصوص المسائل الّتي عمل بها في حال حياته بعد الاعتراف بصدق التقليد على أخذ الفتوى للعمل وإن لم يعمل بعد، ولا يخفى ما فيه أيضاً.
كما أنّ ما ذكره السيّد الشاهرودي (قدس سره) في الحاشية: من أنّ الاحوط عدم العدول مع الالتزام وعقد القلب وأخذ الرسالة ما لم يجب العدول ـ بعد اعترافه بأنّ الظاهر: عدم تحقّق التقليد بشيء من ذلك ـ لا يخلو من نظر، لانّه إن لم يتحقّق التقليد بالالتزام ونحوه، فلا يتحقّق موضوع العدول.
وما يحتمل من الفرق في صدق العنوانين: التقليد، والعدول، وعدم تلازم صدق العدول لسبق صدق التقليد. ففيه: إنّ العرف بل اللغة أيضاً شاهدان على خلافه.
وقد يوجّه ذلك بالدوران بين التعيين والتخيير مع اختيار أصل التعيين فيه ـ فتوى أو احتياطاً مطلقاً ـ للشكّ في جواز العدول عن مثله وعدمه.
وفيه: ـ مضافاً إلى ما في أصل الدوران بين التعيين والتخيير من النقاش الطويل ـ أنّ موضوع الدوران، أو ظرفه (على اختلاف المباني في كون الاصل هنا ـ سواء قلنا بأصل التعيين أو أصل التخيير ـ عقلائياً وأمارةً، أو عمليّاً ووظيفةً في مقام العمل، أو على اختلاف مواردها) هو الشكّ. ومع التصريح بأنّ « الظاهر عدم تحقّق التقليد بشيء من ذلك » لا شكّ، فلا مسرح للدوران بين التعيين والتخيير، فالاحتياط الوجوبي في المسألة في غير محلّه، لكن الاحتياط الاستحبابي الّذي يصار إليه بأدنى احتمال لا بأس به، والظاهر كون احتياطه استحبابياً، والله العالم، ثمّ إنّه ممّا ذكرنا ربما يظهر ما في بعض التفصيلات الاُخرى للمعلّقين في المقام والله ولي الصواب.


الطرف الثاني: ثمرة البحث

الثاني: في ثمرة البحث بين القولين، وهي تظهر في مسائل عدّة.
منها: جواز العدول وعدمه، فبعض من قال بأنّ التقليد هو الالتزام لم يجوّز ـ بمجرّد الالتزام بالعمل بفتاوى فقيه ـ العدول منه إلى فقيه آخر، وبعض من قال: إنّه العمل، أجاز ذلك، لانّه بالالتزام لم يتحقّق منه تقليد، فلا يتحقّق موضوع العدول، على القول بعدم جواز العدول.
ومنها: جواز البقاء على تقليد الميّت، أو وجوبه، فعلى القول بالالتزام يكفي صدقه في البقاء: كونه ملتزماً بالعمل بفتاوى الميّت حال حياته، وعلى القول بالعمل لا يكفي ذلك في البقاء.
وما فصل به في هاتين الثمرتين ممّا لازمه إسقاط الثمرة فيهما، قد ذكرنا ما فيه من المناقشة لانّ التقليد حقيقة واحدة غير متبعّضة لا عرفاً ولا لغة، وليس في المقام أدلّة مختلفة حتى من أجلها نلتزم بتبعُّضه، ففي مقام نقول: إنّه العمل، وفي مقام نقول: إنّه الالتزام.
ومنها: غير ذلك ممّا ذكرنا بعضها آنفاً في الخامس من الوجوه الدالّة على كون التقليد هو العمل لا الالتزام ونحوه.

الطرف الثالث: تعيين المرجع

الثالث: هل يجب تقليد مرجع واحد ؟ أم يجوز للشخص الواحد تقليد عدّة مراجع معاً كلّهم أهل للتقليد ؟ لا شكّ أنّ الكلام في فرض وجود أكثر من مرجع واحد، وإمكان تحصيل فتوى أكثر من مرجع، لوضوح أنّه مع انحصار المرجع في واحد، أو انحصار من يتمكّن المقلّد من تحصيل فتواه في واحد، لا يبقى مجال لهذا الكلام.
نعم، في مثل زماننا هذا الّذي منّ الله تعالى على العباد بمراجع متعدّدين كلّهم أهل للتقليد، وإمكان تحصيل فتاواهم، لوفور الرسائل العمليّة، والحواشي على العروة، وكثرة الوكلاء لهم في كلّ مكان، فهل يجب تقليد مجتهد معيّن وأخذ جميع الاحكام عنه دون غيره، أم يجوز التبعيض ؟
في المسألة فروع:


هنا فروع
الفرع الاوّل

أحدها: هل يجب تعيين المرجع الواحد، بمعنى: عدم جواز التبعيض في المسائل ؟ ويأتي البحث عنها في شرح المسألة الثالثة والثلاثين إن شاء الله تعالى.


الفرع الثاني

ثانيها: هل يجب التعيين، بمعنى: عدم جواز العدول؟ وسيأتي البحث عنها عند المسألة الحادية عشرة والمسألة الثالثة والثلاثين، إن شاء الله تعالى.


الفرع الثالث

ثالثها: هل يجب تعيين مرجع التقليد ؟ بأن يعرف من الّذي يقلّده بصور المعرفة العرفية الكافية لنسبة الفتوى إلى شخص، بأن يعرف أنّه يقلّد ـ مثلاً ـ السيّد محمّد كاظم اليزدي، أم يجوز التقليد بدون هذا المقدار من المعرفة أيضاً، بأن وجد رسالة عملية لا يعرف أنّها لمن، ولكن علم ـ بطريقة ـ جواز تقليد صاحب هذه الرسالة ؟
الظاهر: جوازه، وفاقاً للوالد (قدس سره) في تعليقته على العروة، وبعض آخر، لتصادق الادلّة على مثله، إذ التقليد كما سبق طريقي، والمقصود هو تحصيل الحجّة والمؤمّن، وهذا المقدار كاف عقلاً في الحجيّة والتأمين.
مضافاً إلى أنّ عمدة الادلّة في باب التقليد ـ وهو بناء العقلاء ـ إنّما استقرّ على رجوع الجاهل إلى العالم، لرفع الجهل، ويتحقّق الرجوع، ورفع الجهل بهذا المقدار.
وقد صرّح بذلك المصنّف تبعاً للشيخ التستري (قدس سره) بسكوته عليه في حاشية منهج الرشاد وإليك تعريب العبارة: « لو علم بأنّ واحداً من المجتهدين الاحياء الّذين جمعوا شرائط المرجعيّة، له فتوى خاصّة في مسألة، ولكنّه لا يعرفه من هو ؟ فالظاهر جواز العمل بقوله »(38).
ويمكن تنظير ذلك بما لو أنّ رجلاً في زمان الاشخاص الّذين وردت الارجاعات إليهم من المعصومين (عليهم السلام)، كيونس بن عبدالرحمن، والعمري وابنه، ونحوهم، وجد حديثاً على ورقة يعلم أنّه بخط أحدهم، ولا يعلمه بعينه، ألا يكتفي العقل والعقلاء في مثله بكفاية العمل بهذا الحديث المجهول الكاتب المحصور فيمن يجوز الاخذ منه ؟ ومعلوم: أنّ العلم بالحجيّة هو تمام الموضوع للتنجيز والاعذار، بدون معرفة خصوصيات أُخر، أو عدم معرفتها، كما لا يخفى.


تأييد وتأكيد

ويؤيّده: ما كان من أمر محمّد بن أبي عمير (قدس سره) حيث كان يرسل، ولكنّه لعلمه بأنّ من نسي أسماءهم، كانوا ثقاتاً، اعتمدت الطائفة عليه، بحيث انعقد إجماعهم عليه.
وربما يناقش في ذلك: ببعدها عن الاُنس، ومخالفتها لسيرة الصالحين من المؤمنين.
والجواب: إنّ البعد من الاُنس، لا يقاوم صدق الادلّة عليه، ومخالفتها للسيرة ـ بعد الاغماض عن المناقشة في الصغرى، لبعد ثبوت مثل هذه السيرة خصوصاً مع التزام الحجيّة باتّصالها بزمن المعصوم (عليه السلام) ونيلها تقريره، وأن سيرة غير متّصلة، أو في زمن معيّن فقط، أو بلدة معيّنة، ليست سيرة مصطلحة ولا حجيّة لها ـ فلعلّها للاحتياط في أمر التقليد، أو من أجل ندرة اتّفاق مثل ذلك، لا لاجل عدم صحّته.
وربما يناقش أيضاً: بأنّه بناءً على الوجوب المولوي الشرعي للتقليد، يمكن أن يكون لزوم التعيين من باب الشكّ في المحصّل بعد تعلّق التكليف بالعنوان، فيجب في مثله الاحتياط تحصيلاً للبراءة اليقينية بعد الاشتغال اليقيني.
وقد يجاب عنها: ـ مضافاً إلى ما مرّ من طريقية التقليد كما عليه الجلّ ولعلّهم الكلّ وهو التحقيق ـ إنّه قد حقّق في الاُصول إنّ مرجع الشك في المحصّل إذا كان الشك في الشرطية الزائدة فالبراءة محكّمة، ولا يبعد كون ما نحن فيه منه، والله العالم.
مع أنّ التقليد ليس سوى طريق إلى معرفة الاحكام والعمل بها، ومقتضى الطريقية كفاية ذلك ـ كما أسلفنا آنفاً ـ.


الفرع الرابع

رابعها: هل يجب التعيين، بمعنى: عدم جواز الترديد في المسألة الواحدة، أم لا يجب ؟
قال في المستمسك في المقام: « ومنه يظهر ضعف أخذ التعيين للمجتهد في مفهوم التقليد، إلاّ أن يكون المراد به ما يقابل الترديد، فإنّه حينئذ لا بأس به، إذ الفرد المردّد ليس له خارجية كي يصلح أن يكون موضوعاً للحجيّة أو غيرها من الاحكام وإن اختلف المجتهدون في الفتوى، فلما امتنع أن يكون الجميع حجّة للتكاذب الموجب للتناقض، ولا واحد معيّن لانّه بلا مرجّح، ولا التساقط والرجوع إلى غير الفتوى لانّه خلاف الاجماع والسيرة، تعيّن أن يكون الحجّة هو ما يختاره فيجب عليه الاختيار مقدّمة لتحصيل الحجّة »(39).
وفيه مواقع للتأمّل تنكشف بالتفصيل التالي:
فإنّه قد يكون ذلك في ظرف اتّفاق الفتاوى، وقد يكون مع اختلاف الفتاوى.


الترديد مع اتّفاق الفتاوى

فإن كانت الفتاوى متّفقة، كما لو كان مجتهدان يقولان بجواز البقاء على تقليد الميّت، فهل يجب على المقلّد اختيار أحدهما المعيّن لتقليده في هذه المسألة، أم يكفي له البقاء على تقليد مجتهده السابق الميّت اعتماداً على قول أحدهما لا على التعيين ؟
ظاهر المصنّف: لزوم التعيين لاطلاق قوله: « بقول مجتهد معيّن » وهو ظاهر جمع من المعاصرين الّذين لم يعلّقوا على هذه الفقرة من المتن، وهو صريح الماتن في حاشية منهج الرشاد(40) تبعاً للشيخ التستري إذ صرّح بذلك وسكت الماتن عليه، قال ما تعريبه: « السادس: لا يجزي تقليد أحد المجتهدين لا على التعيين وإن توافقوا في الفتوى ».
وهو الّذي حكاه شريف العلماء (قدس سره) في تقرير بحثه عن السيّد الاُستاذ: إنّ بعض الاصحاب رضوان الله تعالى عليهم ذهبوا إلى ذلك، وعلّل ذلك السيد الحكيم (قدس سره) في كلامه الانف بأنّ: «الفرد المردّد ليس له خارجية كي يصلح أن يكون موضوعاً للحجيّة أو غيرها من الاحكام»(41) ومراده بهذا الكلام مورد اتّفاق الفتاوى لقوله بعد ذلك مباشرة: « وإن اختلف المجتهدون في الفتوى...»(42).
لكنّ الظاهر كفاية الاستناد في مقام العمل إلى أحدهما لا على التعيين. وهو المنسوب إلى معظم الفقهاء (قدس سرهم).


كلام شريف العلماء

قال المحقّق شريف العلماء (قدس سره) في تقرير بحثه: « هل يجب على المقلّد تعيين المجتهد لو تعدّد ـ فيما إذا توافقت آراؤهم في حكم الحادثة ـ كما يجب في صورة التخالف ؟ فيه احتمالان، والّذي يظهر من المعظم ويستفاد من مطاوي عبائرهم عدم لزوم التعيين »(43) وقد يوجّه ذلك بوجود المقتضي وعدم المانع.
أمّا المقتضي: فهو صدق رجوع الجاهل إلى العالم في مثله، وعمدة الدليل في باب التقليد ـ وهو بناء العقلاء ـ إنّما هو على رجوع الجاهل إلى العالم لرفع الجهل، ولا مدخليّة للتعيين في رفع الجهل كما لا يخفى، بل عدم لزوم التعيين هنا أولى من الفرع الثالث الّذي قلنا فيه بالكفاية، وليس في الادلّة حتى إشارة بل ولا تلميح إلى التعيين.
وأمّا عدم المانع: فلانّ ما ذكر مانعاً لا يصلح للمانعيّة، لانّ عدم الخارجية للفرد المردّد لا يسلبه إلاّ أهلية حمل الاُمور الخارجية عليه، فالرجل المردّد بما هو مردّد لا يكون زوجاً، ولا يكون مديوناً، ولا يكون قاتلاً، ونحو ذلك، أمّا حمل أمر اعتباري عليه، مثل الحجّية والاستناد ونحوهما، فلا إشكال فيه، كيف وهو أمر اعتباري أيضاً، وله تقرّر في المعنى، فوعاء الفرد المردّد هنا، ووعاء الحجيّة والاستناد، من سنخ واحد، وما دام لهما جامع لفرض اتّفاق الفتويين، فأيّ مانع في حمل أحدهما على الاخر ؟


تأمّلات

بل قد يتأمّل في كون مثل ذلك مصداقاً للفرد المردّد، إذ التردّد إنّما يتمّ فيما كان هناك جهل، أو كان في أحدهما مزية شرعية، أو عقلية، أو عقلائية، أمّا مع فرض التساوي في الحجّية فما معنى التردّد ؟
مضافاً إلى أنّ الترديد هنا في مقام الاثبات، والمضرّ هو التردّد الّذي كان في مقام الثبوت، فتأمّل.
فأيّ مانع يتصوّر لو قلنا ـ في الفرض الانف ـ بأنّ البقاء على تقليد الميّت حجّة لهذا المقلّد، أو قلنا بأنّه يجوز استناد هذا المقلّد في تقليد الميّت إلى رأي أحد هذين المجتهدين لا على التعيين، بحيث إنّه لا يأخذ بخصوص هذا بعينه، ولا بخصوص ذاك بعينه ؟
إذ هو تماماً نظير الحجّية والاستناد في الخبرين المتّفقين في المضمون وكلّ واحد منهما بحدّ ذاته حجّة، وهل يلتزم في مثله بلزوم الاستناد إلى واحد معيّن، لانّ المردّد لا خارجية له كي يصلح أن يكون موضوعاً للحجّية أو غيرها من الاحكام ؟
وقد صرّح المحقّق النائيني في تعليقه على المسألة الثامنة عشرة: من جواز تقليد المفضول في المسألة الّتي توافق فتواه فتوى الافضل، بأنّه من تقليد الافضل، قال: « ولا يخرج بقصد الغير عن كونه تقليداً له » أي: للافضل، وهذا تماماً مورد البحث.


هنا إيرادان

وربما يورد على هذا النوع من التقليد بإيرادين:


الايراد الاوّل

أحدهما: أنّه ليس عقلائياً.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّه ليس كذلك، إذ العقلاء يهمّهم الطريقية في المقام، وهذا لا ينافيها ـ إنّ ذلك ربما يكون وجهاً للاحتياط، مع احتمال عدم كون أحدهما واجداً لشرائط الحجّية، أو احدى الفتويين كالفحص الكامل، وكلّما كثر العدد كان الاحتمال أضعف، وذلك نظير ما يعمله أهل الاحتياط: من إجراء صيغة الطلاق عند أكثر من اثنين من العدول، وأمثال ذلك.


الايراد الثاني

ثانيهما: إنّ ورود مثل: « انظروا إلى رجل منكم »(44) وغيره في الاخبار الارجاعية يستشمّ منها لزوم الرجوع إلى الواحد، لانّ تنوين الرجل هو تنوين الوحدة، بمعنى: رجل واحد، ولا أقل من احتمال ذلك، فيدور الامر حينئذ بين التعيين والتخيير، وأصل التعيين يوجب تعيين مرجع التقليد.
وفيه أوّلاً: تنوين « رجل » تنوين التمكّن لا تنوين الوحدة لندرة استعماله.
وثانياً: للظهور العرفي، فهل يستفيد العربي الفارغ الذهن عمّا قيل أو يقال في ذلك إذا أُلقي عليه مثل هذه العبارة: « انظروا إلى رجل منكم » إنّه يلزم الوحدة دون الاثنينية في المسؤول عنه ؟
فالاحتمال ليس احتمالاً عرفيّاً حتّى يعتنى به، وعلى فرضه، فأصل التخيير محكم بعد اطلاقات الادلّة، وخلوّها عن ذكر ذلك، مع غفلة عامة الناس عن مثله، مضافاً إلى الدليل العقلي، وبناء العقلاء في الباب، الّذَين يصدقان مع الرجوع إلى المردّد.
إذن: فلا إشكال ـ مع اتّفاق الفتاوى ـ في عدم لزوم التعيين، والاستناد إلى فتوى فقيه معيّن، ولا يختلف في ذلك أن يكون الفقيهان متساويين في العلمية أم مختلفين وكان بينهما عالم وأعلم، وبطريق أولى في المزايا الاُخر كالورع والزهد ومخالفة الهوى ونحوها، كما لا يخفى.
وسيأتي إن شاء الله تعالى ـ مزيد بحث في المسألة الثامنة عشرة، في حكم تقليد المفضول في المسألة الّتي توافق فتاواه فتوى الافضل.


إشكالات

بل ربما يستشكل في جواز التعيين في الحجّتين المتساويتين في جميع ما له دخل في الحجّية ـ مضافاً إلى أنّه نوع ترجيح بلا مرجّح ـ بأنّ معنى التعيين لبّاً وواقعاً قائم بأمرين: إثبات هذا، ونفي ذاك، على القضية بشرط شيء وبشرط لا ـ معاً ـ ولو على نحو اللزوم، ومقتضى جعل الحجّية لكليهما هو كونها على نحو القضية الحقيقية، فهو التزاماً يكون ردّاً للحجّة المنجّزة، فتأمّل.
اللّهم إلاّ إذا أخذ التعيين على نحو: « إثبات الشيء لا ينفي ما عداه » أو عدم الالتفات إلى عقد السلب في هذا التعيين، والله العالم.
مع أنّه بناءً على ما سيأتي في المسألة الاربعين: ـ من كفاية مطابقة العمل للفتوى حتّى مع عدم الاستناد، ولا العلم بها ـ لا يبقى وجه للزوم التعيين.
ثم إنّه قد تترتّب آثار عملية على تقليد المردّد، أو تقليد المعيّن منهما، كما لو مات أحدهما، وبقي الاخر، فعلى تقليد المعيّن يكون الميّت إمّا مجتهده فيدخل في مسألة البقاء، أو غير مجتهده فيبقى على تقليد الحي ويكون العدول عنه عدولاً عن الحي، بما له من الاحكام، وعلى تقليد المردّد، وهو أحدهما لا على التعيين، فليس الميّت هو مرجعه حتى يدخل في مسألة تقليد الميّت، وليس الحي هو مرجعه حتى يدخل في مسألة العدول، لعدم التعيين، والميّت والحي معيّنان، حتّى إذا لم يعلم المقلّدان الميّت أيّهما، إذ لا ينافيه ذلك.
فالظاهر خروج المسألة عن الاحكام الخاصة بتقليد الميّت بقاءً، والعدول عن الحيّ أو الميّت، لكون موضوعها المعيّن، ولا تعيين على الفرض، ويترتّب على ذلك جريان البراءة العقلية والشرعية عن كلّ ما كان ممنوعاً، كالبقاء على الميّت مطلقاً، أو في بعض الصور، والعدول ونحو ذلك، والله العالم.


الترديد مع اختلاف الفتاوى

وأمّا مع اختلاف الفتاوى، كما لو ذهب أحد المجتهدين إلى وجوب صلاة الجمعة، والاخر إلى وجوب الظهر، فاختار في المستمسك: إنّ الحجّة هو ما يختاره المقلّد من الفتويين ـ كما أسلفنا ـ دون غيره، فيجب عليه الاختيار، لانّ الحجّة حينئذ مختاره فقط. بتقريب أنّ الحكم حينئذ دائر مدار خمسة أُمور: أربعة منها باطلة، فيبقى الخامس:
الاوّل: كون الفتويين كلتيهما حجّة، وهو موجب للتناقض والتكاذب.
الثاني: كون إحداهما المعيّنة حجّة دون الاُخرى، ولا دليل عليه.
الثالث: كون إحداهما المردّدة حجّة، ولا وجود خارجي لها.
الرابع: التساقط والرّجوع إلى غير الفتويين من الاجتهاد، أو الاحتياط، ووجوب هذا مخالف للاجماع والسيرة.
الخامس: أن يكون الحجّة هو ما يختاره المقلّد منهما، وبنى على ذلك في المستمسك لزوم الالتزام في مثله، لانّه قال: « وليس الاختيار إلاّ الالتزام بالعمل على طبق إحدى الفتويين أو الفتاوى بعينها »(45) وفرّع على ذلك كون الالتزام فيما نحن فيه مقدّمة التقليد لا عينه.


الاشكال على الحجّية التخييرية

وأشكل على الحجّية التخييرية في: « فقه الشيعة » إشكالاً قرّره بتفصيل وحاصله:
إنّ المراد بالحجّية التخييرية ـ وهي الّتي اختارها في المستمسك بقوله: « تعيّن أن يكون الحجّة هو ما يختاره »(46)ـ إن كان التعبّد بالجامع الانتزاعي، فذاك لا يخلو من الدوران بين الوجوب والتحريم، أو بين الوجوب والتحريم وبين الاباحة، أو بين وجوب شيء ووجوب آخر كالجمعة والظهر، والاوّل غير معقول لعدم خلوّ المكلّف من الفعل والترك فلا يعقل البعث نحوه، لانّه تحصيل للحاصل، والثاني لا أثر له إذ هذا لا ينفي احتمال الحكم الاقتضائي، والثالث غير مفيد إذ مرجعه إلى الاحتياط، لا التخيير.
وإن كان المراد بالحجّية التخييرية: حجّية كلّ واحدة مشروطة بعدم الالتزام بالاُخرى، فهو غير معقول مطلقاً، لانّ لازمه التعبّد بالمتناقضين فيما إذا لم يلتزم بشيء منهما.
وإن أُريد بالحجّية التخييرية: لزوم الالتزام بإحدى الفتويين لتكون حجّة تعيينية بعد الالتزام بها، فلا دليل عليه، لانّ الاجماع لو تمّ على حجّية إحدى الفتويين فإنّما هو على عدم لزوم الاحتياط على العامي فقط، وأين هذا من لزوم الالتزام بالفتوى قبل العمل ؟
هذه خلاصة ما ذكره كتاب: « فقه الشيعة » في ردّ الحجّة التخييرية.
ثمّ قال: «وبما أنّ أدلّة جواز التقليد قاصرة الشمول للمتعارضين يتعيّن عليه الاحتياط، فلابدّ في جواز العمل بإحدى الفتويين من التماس دليل آخر، وليس في المقام إلاّ دعوى الاجماع، وقد عرفت حالها».


تحقيق المقام من وجوه
الوجه الاوّل

والتحقيق أن يقال: أوّلاً: يمكن الالتزام بالحجّية للفرد المردّد، كما التزمنا بمثله في الفتويين المتوافقتين، والكلام هنا نفس الكلام هناك، والدليل والجواب نفس الدليل والجواب، لكن بفارق واحد، وهو: إنّ لازم ذلك صحّة الاستناد بأىّ واحدة منهما، ولازم هذا حجّية كلّ واحدة، وما ادّعي في الفرق بينهما ـ من أنّ لازم حجّية الفتويين المتخالفتين لزوم التناقض بجعل الحجّية لكلتيهما وهما متخالفتان ـ فسيأتي البحث عنه في شرح المسألة الثالثة عشرة عند الكلام عن تقليد المجتهدين المتساويين في الفضيلة إن شاء الله تعالى وإنّه لا يلزم من ذلك التناقض.
ولنعم ما قال شيخ الشريعة الاصفهاني (قدس سره) في تقرير بحثه في الصلاة: « إنّ امتناع وجود أحد الشيئين لا بعينه، إنّما هو في الحقائق التكوينية كالجواهر والاعراض، فلا يتصوّر وجود جسم لا بعينه، أو عروض بياض بلا تعيين موضوعه، بخلاف الاُمور الاعتبارية العقلية الصرفة، كما أُجيب بذلك عن الاشكال في بيع صاع من صبرة ـ بأنّ المبيع ليس تمام الاصوعة بالضرورة، والبعض المعيّن ترجيح بلا مرجّح، وأحدهما لا بعينه لا وجود له في الخارج ـ وأُجيب: بأنّ الملكية أمر اعتباري لا تأصّل لها كي يحتاج إلى موضوع معيّن، بل يكفي في وجوده، اعتباره وترتّب الاثر عليه»(47).


الوجه الثاني

وثانياً: أنّ التساقط في الدليلين المتعارضين ليس مسلّماً أنّه الاصل العقلائي الّذي استقرّ عليه بناؤهم في أُمورهم، بل أشكل على ذلك جمع من الفقهاء من السالفين ومن المعاصرين، ومنهم: الاخ الاكبر، والسيّدان الروحاني، والسبزواري(48) وآخرون (قدس سرهم) تبعاً للشيخ في بعض مناقشات مباحث الرسائل(49) ولعلّه في محلّه.
وسيأتي ما ينفع المقام في شرح مسألتي: ثلاث وثلاثين وتسع وخمسين إن شاء الله تعالى، وقد اختار هناك جمع، منهم: السيد أبو الحسن الاصفهاني، والسيّد الحكيم، تقديم الاوثق، وصرّح السيد الحكيم بالتخيير مع التساوي، وقد ذكروا في مبحث التعادل والترجيح من مباحث الاُصول أقوالاً متعدّدة وشقوقاً مختلفة للتعارض، وقد اختار المحقّق العراقي (قدس سره) هناك التفصيل بين تنافي مدلوليهما بأنفسهما فالتساقط، وبين عدم التنافي بين المدلولين ـ بما هما ـ بل للعلم الخارجي بعدم صحّة أحدهما خطأً، أو كذباً أو غيرهما، فالحجّية لكليهما، فأصالة التساقط خاضعة للاجتهاد، ولاختلاف المباني.
ردّ السيّد الحكيم (قدس سره) التساقط بأنّ لازمه الاجتهاد أو الاحتياط، وهما خلاف الاجماع والسيرة.
وفيه جوابان: أحدهما: ما التزم به عدد من مراجع العصر به مجيبين عن الاجماع والسيرة ـ بعد تسليمهم لهما موضوعاً ـ بأنّهما لُبّيان لا اطلاق لهما والمتيقّن منهما غير مورد التعارض.
وثانيهما: بأنّ التساقط لا أقل من أنّه مشكوك بالنسبة لمطلق الدليلين المتعارضين، فإمّا التخيير بينهما طريقاً، أو التخيير أصلاً عملياً عقلائياً ممضى شرعاً، أو شرعياً لمناط التخيير في الاخبار، فتأمّل، والله العالم.


الوجه الثالث

وثالثاً: إنّ الطريق غير منحصر في الالتزام بإحدى الفتويين بحيث لا يجوز له أن يصير إلى الفتوى الاُخرى، حتّى يلتزم بهذا القول ـ كما فعله المستمسك ـ وسيأتي له تحقيق وتفصيل إن شاء الله تعالى.


الوجه الرابع

ورابعاً: أنّ مقتضى القاعدة التساقط ـ على فرض التساقط في الحجّتين المتعارضتين ـ والرجوع إلى ما هو الجامع بين مطابقته للاصل في المسألة، وبين انطباقه على بعض الفتاوى المختلفة، للعلم الاجمالي بعدم خروج الحجّة عن الاصل والفتاوى المختلفة، فيكون أطرافه منجّزة للتكليف، فيجب الاحتياط بالجمع بينها. والمخالف للسيرة والاجماع ـ على فرضهما وصحّتهما ـ هو الرجوع إلى ما يخالف الفتاوى جميعاً، لا بعضها.
اللّهمّ إلاّ إذا أُريد بالاحتياط الاعمّ من هذا، فتأمّل.


الوجه الخامس

وخامساً: قد يقال لوجوب الالتزام: بأنّه من باب دوران الامر بين التعيين والتخيير، والاصل فيه التعيين لانّه المتيقّن، لكن قد يجاب عليه أيضاً بأُمور:
أحدها: ـ بعد فرض كون التقليد طريقاً محضاً كما استقرب في شرح المسألة الاُولى ولم نقل بالموضوعية ولو الجزئية، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بحث الاجزاء في التقليد مع تبدّل الفتوى أو تغيّر مرجع التقليد وكشف الخلاف ـ أنّ أصل التعيين ليس مطلقاً، وإنّما هو إذا لم يكن في الطرف الاخر احتمال الرجحان، كالاورعية، أو كون الطرف الاخر موافقاً للشهرة مطلقاً، أو شهرة المتقدّمين خاصّة، أو شهرة المتأخّرين خاصّة، أو للاكثر أو كونه مظنون المطابقة للواقع عند المقلّد، أو أقوى ظنّاً، أو موافقاً للاصل، أو غير ذلك من الجهات المحتمل لزوم الترجيح بها.
ثانيها: أنّ ترجيح إحدى الحجّتين على الاُخرى لابدّ أن يكون عند العقلاء بالجهات الموجبة للاقربية إلى الواقع، ومعلوم أنّ الالتزام وعدم الالتزام لا دخل لهما في الاقربية ـ ولو محتملة باحتمال ضعيف ـ إلى الواقع وعدمها، فاحتمال تعيّن الحجّة فيما التزم به، وسقوط الاخر عن الحجّية لمجرد عدم الالتزام به، غير عقلائيّ ظاهراً.
ثالثها: إنّ الدوران المذكور ـ على تقدير تسليمه ـ إنّما هو بعد الالتزام بإحدى الفتويين، وأمّا قبل الالتزام فالامر دائر بين تخييرين:
أحدهما: التخيير المتعلّق بالالتزام ـ لانّه مخيّر بين أن يلتزم بهذه الفتوى، وبين أن يلتزم بالفتوى الاُخرى ـ حتّى يتعيّن الحجّة.
ثانيهما: التخيير المتعلّق بنفس العمل.
ولا معيّن للتخيير الاوّل منهما وأولويته إن لم نقل بأولوية الثاني، لانّه مقتضى التخيير، وأمّا الاوّل فهو تعيين بالنتيجة لا تخيير، فتأمّل.


هنا ملاحظات

وأمّا ما في: « فقه الشيعة » فعليه ملاحظات:


الملاحظة الاُولى

إنّ الحجّية التخييريّة، بمعنى: لزوم الالتزام بإحداهما وعدم جواز العدول إلى الاُخرى، الّتي ذهب اليها السيّد الحكيم (قدس سره)، لا دليل على لزومه، لا أنّه يرد عليها إيرادات « فقه الشيعة » لعدم ورودها.
وذلك إنّا ـ تسليماً ـ نلتزم بالحجّية التخييرية بمعنى الجامع الانتزاعي، فنقول:

الجامع الانتزاعي للحجّية التخييرية وشقوقه الثلاثة
الشقّ الاوّل

1. إن كان الامر دائراً بين الوجوب والتحريم، فلماذا تكون الحجّية التخييرية غير معقولة، لعدم تعقّل البعث ونحوه، لانّ المكلّف غير خال عن الفعل أو الترك ؟
والجواب: فليكن المكلّف غير خال عن أحدهما، فهل هذا يبرّر طرح القول به ؟ كلاّ، إذ الحجّة قد تكون للمولى على العبد، وبالعكس للعبد على المولى، كما في موارد التنجيز والاعذار، وقد تكون للعبد على المولى فقط دون العكس، كما في موارد الاباحة، فإنّها حجّة للعبد، وليس في الاباحة للمولى الحجّة، لانّه لم يلزم العبد بشيء، بل هو أطلق العبد، وليكن ما نحن فيه من الحجّة التخييريّة للمقلّد في موارد اختلاف الفتاوى ممّا للعبد الحجّة بعدم لزوم التقيد بفتوى أحدهما، ويكفي في مثله اطلاق الحجّة، بلا حاجة إلى صحّة البعث فيه.
وبعبارة أُخرى: « ترك العبد وشأنه » حجّة للعبد، فتأمّل.


أمثلة ونماذج

ويكون ذلك كجميع أمثلة الدوران بين المحذورين الّتي كان الفعل فيها دائراً بين الوجوب والتحريم، مثل ما لو شكّ في أنّه حلف على أن يكون بالبيت ليلاً، أو على عدمه، أو شكّ أنّه نذر الكون بعرفات دون حرم الامام الحسين (عليه السلام)، أو حرم الامام الحسين (عليه السلام) دون عرفات في يوم عرفة، ممّا يقول الفقهاء فيه بالتخيير مع أنّ المكلّف في مثلهما لا يخلو من الفعل، أو الترك. وكيف ما يمكن تفسير البعث فيهما، فليفسّر به البعث فيما نحن فيه أيضاً، بفارق واحد هو: في الحجّة التخييرية في الدوران بين الوجوب والتحريم لا يمكن للمولى الامر والنهي، وفي المثالين صدور جنس الالزام من المولى ثابت، إنّما العبد ضاع عليه نوع الالزام الّذي صدر من المولى، هل هو الالزام بالفعل أو الالزام بالترك ؟ ولكن نتيجة لا فرق في عدم إمكان توجيه الامر الواقعي إلى العبد، ومعذورية العبد لو خالف الواقع.
نعم البعث الشرعي في مثل ذلك إرشادي لا مولوي ـ على المشهور ـ لثبوت اللاّبدّية التكوينية بين المحذورين، فإذا حكم الشرع بالتخيير حمل على الارشاد، فتأمّل.
ولقد أطلق المحقّق النائيني ـ في مباحث أصالة التخيير من الاُصول(50)ـ على ذلك اسم: « التخيير التكويني » حيث إنّ الاعتبار، أو العقل، لا يمكنهما في مثله الحكم بالتخيير، لانّه تحصيل للحاصل، لكن التعبير بالتخيير، الّذي هو اعتبار وجعل، عن التكوين، لا يخلو من مسامحة، لانّه بمعنى الاعتبار التكويني، والجعل التكويني، فتأمّل.
وقد يقال: أنّ المراد بالتخيير العقلي، أنّ التخيير التكويني، ليس الجعل والبعث حتّى يكون تحصيلاً للحاصل، بل المراد بيان عذر العبد في التخيّر، أي: الحجّة للعبد في اختياره أيّاً منهما، فتأمّل.


الشق الثاني

2. وإن كان الامر دائراً بين الوجوب والتحريم وبين الاباحة، بأن أفتى أحد الفقيهين بوجوب شيء أو حرمته، وأفتى الاخر بإباحته كصلة الرحم، فعلى المشهور غير واجبة، وهناك قول بوجوبها، وكبعض المنهيات من الذبيحة كالنخاع والغدد وخرزة الدماغ، ونحوها ممّا حرّمها البعض وكرّهها البعض الاخر، فقولكم: « لا أثر له، إذ هذا لا ينفي احتمال الحكم الاقتضائي »، فيه ما يلي:
أوّلاً: يكفي أثراً عدم ضرورة الالتزام بإحدى الفتويين معيّنة، بحيث لا يجوز له الالتزام بالاُخرى، وإنّما يكون ذلك متروكاً لاختيار المكلّف وإرادته.
وثانياً: نحن لا نحتاج إلى نفي احتمال الحكم الاقتضائي في المقام كما في كلّ مقام تجري فيه الاُصول العملية، فإنّها لا تنفي احتمال الحكم الاخر، وإنّما اللازم في مقام العمل نفي تنجّز الحكم الاخر، وهو فيما نحن فيه ثابت.

الشق الثالث

3. وإن كان الامر دائراً بين وجوب شيء ووجوب شيء آخر كالجمعة والظهر، فقولكم: « مرجعه إلى الاحتياط لا التخيير ».
فيه: إنّ المرجع في الشكّ في المكلّف به إلى الاحتياط من باب أنّه الاصل العملي الاوّلي، وليس معنى ذلك أنّه لا يكون المرجع شيئاً آخر لدليل آخر، كما احتاط بعض في مسألة صلاتي: الظهر والجمعة بعدم الجمع بينهما، من أجل دليل آخر، ولذلك نظائر كثيرة في مختلف أبواب الفقه.
نعم، الاشكال على المستمسك وارد، لانّه اعتمد غير الدليل الخاص في تقسيمه، ومقتضى الاُصول العملية هو الاحتياط في مثل المقام كما ذكر، فالاشكال وارد على التقسيم لا على أصل المطلب.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ تقسيم المستمسك لا يشمل هذه الصورة الّتي كانت اختلاف الفتاوى فيها دائراً بين الوجوبين، لانّه في أوّله قال: « وإن اختلف المجتهدون في الفتوى فلمّا امتنع أن يكون الجميع حجّة للتكاذب الموجب للتناقض... »(51) وواضح أنّ الموجب للتكاذب هو الدائر بين النفي والاثبات، لا الدائر بين الاثباتين، لكن، قد يقال عليه: بالشمول لمثله، إذ التكاذب قد يكون بين إثباتين إذا دلّ دليل ثالث على أنّ الواجب ليس إلاّ واحد، فمقتضى وجوب كلّ من الظهر والجمعة نفي وجوب الاخر فتأمّل، والامر سهل.
وقد ادّعى جمع فيما نحن فيه: إنّه ساقنا الدليل إلى الحكم بالتخيير بين الفتويين ـ كما هو المفروض في كلام المستمسك السابق ـ وعليه: يكون ذلك دليلاً على عدم لزوم الاحتياط، فإنّه لو لم يكن هذا الدليل الخاص، كان مجرى للاحتياط.


الملاحظة الثانية

إنّه لنفرض إنّنا نلتزم بالحجّية التخييرية، بمعنى: حجّية كلّ واحدة مشروطة بعدم الالتزام بالاُخرى، فقولكم: « فهو غير معقول مطلقاً، لانّ لازمه التعبّد بالمتناقضين فيما إذا لم يلتزم بشيء منهما ».
فيه: إنّه من قبيل الملكة وعدم الملكة، لا الوجود والعدم المحضين، فإنّ حجّية كلّ فتوى ـ في ظرف الالتزام بها ـ مشروطة بعدم الالتزام بالاُخرى، لا أنّ حجّية كلّ فتوى ـ وإن لم يلتزم بها ـ مشروطة بعدم الالتزام بالاُخرى.
وبالتالي: تقسيم المستمسك أصبح لازماً، فكلامه إنّما هو في ظرف الالتزام بإحدى الفتويين لا مطلقاً، مع أنّ هذا الالتزام المذكور لا يكون في ظرف مجرّد الالتزام الخالي عن العمل، بل مع العمل بإحداهما، ففي ذلك الظرف لا إشكال ويكفي ذلك دليلاً، مضافاً إلى ما سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ من أنّ أصل حجّية فتويين متعارضتين ليست مسلّمة التناقض مطلقاً.


الملاحظة الثالثة

إنّ مسألة منع شمول أدلّة جواز التقليد للفتويين المتعارضتين مناقش فيها، وسيأتي البحث بالتفصيل عنها إن شاء الله تعالى في شرح المسألة الثالثة عشرة.
فتحصّل من جميع ذلك: أنّه لا دليل ملزم من العقل أو النقل على لزوم تعيين مرجع التقليد، بل يكفي في مقام العمل الاستناد إلى الحجّية من غير تعيين.
لكن الاحتياط في مقام الفتوى والعمل ـ إذا لم يعارض باحتياط آخر أهمّ ـ لا ينبغي تركه.


(1) سيأتي في المسألة الثانية والستين تكرار هذه المسألة أيضاً.
(2) هو كتاب مخطوط كبير حاو لمعظم أبواب المباحث اللفظية، وبعض المباحث العقلية، وهو تقريرات بحث الشيخ الانصاري بقلم تلميذه الشيخ محمود العراقي (قدس سرهما).
(3) تقرير بحث شريف العلماء: ص380، مخطوط.
(4) كشف الغطاء: ج1، ص42.
(5) المخطوطة لمكتبة الامام الرّضا (عليه السلام) المرقّمة7383، الورقة45 ب.
(6) الكافي: كتاب الحجّة، باب في تسمية من رآه (عليه السلام)، ح1.
(7) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح33.
(8) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح27.
(9) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح35.
(10) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح9.
(11) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(12) الاعراف: 199.
(13) مريم: 12.
(14) الاعراف: 145.
(15) النساء: 71.
(16) المستدرك: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح2.
(17) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج1، ص23، الباب30، ح45.
(18) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح1.
(19) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح6.
(20) الفصول الغروية: ص411.
(21) الحائري: الشيخ عبدالكريم الحائري اليزدي (قدس سره)، والاصفهاني: السيّد أبو الحسن الاصفهاني (قدس سره).
(22) الشيرازيان: المجدّد الشيرازي، والشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سرهما).
(23) هو السيّد الميرزا عبدالهادي الشيرازي (قدس سره).
(24) الاحتجاج: ج2، ص263.
(25) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(26) الوسائل: الباب20 من أبواب الاشربة المحرّمة، ح2.
(27) الوسائل: الباب12 من أبواب أقسام الحجّ، ح11.
(28) التوبة: 122.
(29) الحجرات: 6.
(30) المائدة: 104.
(31) البقرة: 170.
(32) الكافي: كتاب الحجّة، باب: في تسمية من رآه (عليه السلام)، ح1.
(33) الوسائل: الباب7 من أبواب آداب القاضي، ح2.
(34) الوسائل: الباب7 من أبواب آداب القاضي، ح1.
(35) المستدرك: الباب15 من أبواب الامر والنهي، ح2.
(36) الوسائل: الباب1 من أبواب صفات القاضي، ح5.
(37) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح9.
(38) منهج الرشاد: ص33.
(39) المستمسك: ج1، ص13.
(40) منهج الرشاد: ص33.
(41) المستمسك: ج1، ص13.
(42) المستمسك: ج1، ص13.
(43) تقرير بحث شريف العلماء (قدس سره): ج2، ص378.
(44) الوسائل: الباب1 من أبواب صفات القاضي، ح5.
(45) المستمسك: ج1، ص14.
(46) المستمسك: ج1، ص13.
(47) كتاب الصلاة تقرير بحثه (قدس سره) تأليف الشيخ محمّد حسين السبحاني (قدس سره): ص216.
(48) موسوعة الفقه: ج1، ص317، وزبدة الاُصول: ج4، ص328، ومهذّب الاحكام: كتاب الطهارة، أوائلها.
(49) فرائد الاُصول: ص824 الطبعة الجديدة.
(50) فوائد الاُصول: ج3، ص445.
(51) المستمسك: ج1، ص13.