المسألة (9): الاقوى جواز البقاء على تقليد الميّت، ولا يجوز تقليد الميّت ابتداءً.

تقليد الميّت بين مسألتي البقاء والابتداء

المسألة (9): الاقوى جواز البقاء على تقليد المرجع الميّت، ولا يجوز تقليد الميّت ابتداءً.
اختلفت أقوال الفقهاء في هاتين المسألتين: جواز البقاء، وجواز التقليد الابتدائي، وبما أنّ هناك تفصيلات تخصّ إحداهما دون الثانية، فالاحرى بنا فصل المسألتين لكي لا يختلط الامر، وإن كان الدليل والقول من بعض فيهما واحداً أحياناً.
ثم إنّ بعضهم في بحث المسألتين قدّم مسألة الابتدائي على الاستمراري، وبعضهم عكس، ولكل وجه مقرّب ووجه مبعّد، إذ مع الذهاب إلى عدم جواز البقاء لا يبقى مجال لبحث التقليد الابتدائي، لبطلانه بطريق أولى، ومع الذهاب إلى جواز الابتدائي لا مجال للبحث عن البقاء، لصحّته بطريق أولى.
ونحن اقتفينا أثر من قدّم مسألة البقاء تقديماً لاحد فرعي بحث واحد على الاخر، واختياراً لجواز البقاء وفاقاً للمشهور بين المتأخّرين، والامر سهل.


المسألة الاولى
البقاء على تقليد الميّت والاقوال فيها

المسألة الاُولى: في الكلام عن البقاء على تقليد الميّت، وفيها أقوال وتفصيلات ترجع إلى ما يلي:


القول الاوّل

الاوّل: الجواز مطلقاً ذهب إليه المصنّف وكل من لم يعلّق هنا، مثل المحقّق العراقي وابن عمّنا والاصفهاني والوالد والاخ الاكبر وآخرين من المعاصرين، وفي رسائل ابن الحاج الكلباسي نقله عن بعض الاواخر، وبعض آخر، والسيّد الصدر قال: وهو قريب، وذهب إليه الشيخ زين العابدين المازندراني في رسالته الفارسيّة.


القول الثاني

الثاني: وجوب البقاء مطلقاً، ذهب إليه صاحب الضوابط، ونقله ابن الحاج الكلباسي في رسائله عن والده وأُستاذه والعلاّمة النجفي ـ ولعلّ المراد به كاشف الغطاء ـ وهو صريح شريف العلماء أيضاً في تقرير درسه في الاُصول(1).


القول الثالث

الثالث: عدم الجواز مطلقاً نقله ابن الحاج الكلباسي عن المحقّق الكركي، والوحيد البهبهاني، والسيّد السند النجفي، والسيّد السند العلي، قال: ونصره بعض الاعلام ـ وقد يريد بالسيّد النجفي السيّد بحر العلوم ـ وهو صريح الشيخ الانصاري في الرسالة الفارسية المنسوبة إليه، وظاهر المجدّد الشيرازي والاخوند لسكوتهما على المتن، وصريح الكفاية أيضاً، وصريحه أيضاً في حاشية رسالة المجدّد الشيرازي، وصريحه في رسالته الفارسية المسمّاة بـ: « مجمع المسائل » وصريح السيّد محمّد باقر الشفتي صاحب: « مطالع الانوار »، في رسالة: « سؤال وجواب » ناقلاً له أيضاً عن الوحيد البهبهاني، والسيّد بحر العلوم، وهو صريح أو ظاهر كثيرين آخرين من الاعيان والاعلام.
وممّن ذهب إليه من معلّقي العروة المحقّقان: النائيني والاصفهاني السيّد أبو الحسن، والحسينان: البروجردي ـ في تعليقته الاُولى ـ والقمّي، وكذلك السيّد محمّد تقي الخوانساري، والسيّد الشاهرودي في حواشيهم على العروة، وكذا الشيخ محمّد حسين الاصفهاني في رسالته: « الوسيلة » وفي حاشيته على كفاية شيخه الاخوند المسمّاة بـ: « نهاية الدراية » وآخرون كثيرون أيضاً.


القول الرابع

الرابع: التفصيل بين كون الميّت أعلم فيجب البقاء، وكون الحي أعلم فيجب العدول، أو لا، فيتخيّر، وممّن قال به من مراجع عصرنا السادة: الميلاني، والحجّة، والخوانساري، والحكيم، والخوئي (قدس سرهم) في تعاليقهم على العروة وشروحهم عليها، كالمستمسك والتنقيح(2).


القول الخامس

الخامس: التفصيل بالجواز فيما عمل به من المسائل في حال حياته وعدمه في غيرها، وممّن ذهب إليه السيّد البروجردي (قدس سره) في تعليقته الاخيرة على العروة وإن كان في تعليقته الاُولى اختار عدم الجواز مطلقاً، والسيّد الشريعتمداري (قدس سره) وآخرون أيضاً.


القول السادس

السادس: التفصيل بين المسائل الّتي كانت محل ابتلائه في حياة الفقيه وإن لم يعمل بها فيجوز له البقاء فيها، وبين غيرها فلا يجوز، ولا يحضرني حالاً قائله.


القول السابع

السابع: التفصيل بين عدم العلم بالمخالفة بين الميّت والحي فيجوز البقاء، وبين العلم بها فلا يجوز، وقد ذهب إليه عدد من المعلّقين على المتن، وهو ظاهر الوالد (قدس سره) في رسالته الفارسية المسمّاة بـ: « ذخيرة العباد ».
قال ما ترجمته في مقدّمة الرسالة في باب التقليد: « يجوز البقاء على تقليد الميّت فيما لم يكن خلاف الاحتياط، وخلاف فتوى الحي » إذ البقاء في وفاق الاحتياط ليست حقيقة تقليداً، بل عمل بالاحتياط، فيبقى البقاء فيما يخالف فتوى الحي، والاحتياط معاً.
ولذا لم يذكر (قدس سره) هذا الوفاق للاحتياط في مسألة أُخرى وذكرها في باب التقليد وهي: إذا مات مرجع التقليد ولم يعرف المقلّد بموته إلاّ بعد مدّة، فهل أعماله في تلك المدّة صحيحة ؟ قال ـ ما ترجمته ـ: « الاعمال الموافقة لرأي الميّت صحيحة إلاّ ما خالف فيها فتوى المجتهد الحي الّذي يرجع إليه ».
ولكن هذا التفصيل من الوالد (قدس سره) احتياط منه، ولعلّه كان هكذا في رسالة الحاج آقا حسين القمي (قدس سره) فلم يغيّره، ولذا لم يفصّل بذلك في حاشية العروة، كما تقدّم آنفاً.


القول الثامن

الثامن: التفصيل بين ما لو عمل ببعض فتاوى الميّت حال حياته، بانياً على العمل بها كلّما احتاج إليها فيجوز البقاء مطلقاً، وبين العدم فالعدم، وهو للحائري (قدس سره) وبعض آخر.


القول التاسع

التاسع: الاخذ بالاحتياط من قولي الميّت والحي، وهو ظاهرالمحقّق الشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سره) في حاشيته على صراط النجاة الفارسية المنسوبة للشيخ الانصاري (قدس سره) حيث قال ما ترجمته: « الاخذ بأحوط القولين طريق النجاة » وكذا في حاشية رسالة الشيخ زين العابدين المازندراني (قدس سره) المسمّاة بـ « ذخيرة المعاد » وإن أمر بالرجوع إلى فقيه آخر في هذه المسألة في رسالته الفارسية المسمّاة بـ « سؤال وجواب » الدالّ ذلك على نوع تردّد له، وبه صرّح أيضاً السيد إسماعيل الصدر (قدس سره) في حاشيتي الرسالتين.


القول العاشر

العاشر: وجوب الاحتياط بين فتوى الميّت والحىّ لو اختلفا في مسألة البقاء، وممّن قال به السيّد الجمال الكلبايكاني في حاشية العروة(3).


تفصيلات أُخرى

وأضاف المحقّق شريف العلماء (قدس سره) في تقرير بحثه تفصيلات أربعة أُخرى كالتالي: 1. وجوب البقاء مطلقاً، إلاّ إذا ثبت أعلمية الحيّ فيخيّر بين البقاء والعدول إلى الحيّ.
2. وجوب البقاء مطلقاً، إلاّ إذا ثبت أعلمية الحي، وقد نقله أيضاً تلميذه الشيخ الانصاري (قدس سره) في تقرير درسه في رسالة مستقلّة في تقليد المجتهد الميّت(4).
3. جواز البقاء على تقليد المجتهد الميّت والعدول عنه إلى الحي مطلقاً، إلاّ إذا ثبت أعلميّة الحىّ فيجب العدول إليه، وإليه ذهب شيخ الشريعة (قدس سره) في حاشيته على رسالة « سؤال وجواب » الفارسية للشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سره).
4. جواز البقاء والعدول مطلقاً، إلاّ إذا ثبت أعلميّة الميّت فيجب البقاء.
5. وذكر الشيخ المرتضى الحائري (قدس سره) تفصيلاً آخر نقله عن بعض مشايخه في حاشية الكفاية، وهو: جواز البقاء والعدول في صورة أعلميّة الميّت، وعدم جواز البقاء في غيرها مطلقاً.
ولا يخفى: أنّ بعض هذه التفاصيل متداخلة، بمعنى: التزام بعض الفقهاء بالمركّب من تفصيلين أو ثلاثة ـ مثلاً ـ.


القول الاوّل
جواز البقاء مطلقاً ووجوه الاستدلال له

أمّا القول الاوّل: وهو جواز البقاء مطلقاً، وقد ذهب إليه كثير من المتأخّرين والمعاصرين، فاستدلّ له بوجوه:


الوجه الاوّل لجواز البقاء مطلقاً
الاستصحاب

الوجه الاوّل: الاستصحاب، قال شريف العلماء (قدس سره) في تقرير درسه(5) بعد ذكر الاقوال والمحتملات في المسألة واختياره البقاء على تقليد الميّت: « وذلك: لاستصحاب الحكم الاُصولي أوّلاً، ولاستصحاب الحكم الفرعي التكليفي ثانياً، ولاستصحاب الحكم الفرعي الوضعي ثالثاً » ثم ذكر أمثلة لهذه الاقسام الثلاثة من الاستصحاب.
أقول: لعلّ مراده باستصحاب الحكم الاُصولي هو الحكم العقلي، لتمثيله له باللزوم، فكأنّه ذكر استصحاب الحكم العقلي، والحكم الشرعي بشقّيه: التكليفي، والوضعي، فتأمّل.
ويمكن بيان الاستصحاب بخمسة تقريرات:
الاوّل: استصحاب الحكم العقلي.
الثاني: استصحاب الحكم التكليفي الواقعي.
الثالث: استصحاب الحكم التكليفي الظاهري.
الرابع: استصحاب الحكم الوضعي وهو الحجّية.
الخامس: استصحاب الحكم الوضعي وهو الصحّة.


التقرير الاوّل للاستصحاب

أمّا التقرير الاوّل: وهو استصحاب الحكم العقلي ـ بناءً على جريان الاستصحاب في الاحكام العقلية كما هو المشهور بين المتأخرين والمنصور ـ فقد قال عنه شريف العلماء (قدس سره): « إنّه لا شكّ ولا ريب في أنّه بعد ما قلّد المقلّد ذلك المجتهد الميّت في حال حياته صار تقليده عليه لازماً، وبعد الموت يحصل الشكّ في بقاء ذلك اللزوم، فمقتضى الاصل الاستصحابي هو: بقاء ذلك اللزوم ».


التقرير الثاني للاستصحاب

وأمّا التقرير الثاني: وهو استصحاب الاحكام التكليفية ـ من وجوب وحرمة واستحباب وكراهة وإباحة ـ الواقعية الّتي قلّد العامي الميّت فيها حال حياته.
ويورد عليه أوّلاً: بأنّه لا استصحاب في الاحكام الواقعية، إذ متيقّنها: لا شكّ لاحق له، لليقين ببقائها، ومشكوكها بقاءً لا يقين سابق بها.
وثانياً: بأنّه غير متيقّن الحدوث، إذ الّذي أفتى به المرجع حال حياته غير متيقّن كونه حكماً واقعيّاً حتّى يستصحب.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ المتيقّن السابق هو العلم الاجمالي بوجود تكاليف واقعية بين فتاوى الفقيه حال حياته، وقد تنجّزت بالعلم الاجمالي، فتستصحب.
لكنّ فيه: إنه يلزم تحقّق العلم الاجمالي وجداناً: بأنّ فيما قلّد المجتهد حال حياته ممّا كان يجب أو يجوز فيه التقليد ـ من غير الضروريات، واليقينيات، وما خرج عن ابتلائه ونحوها ـ أحكاماً الزامية منجّزة، حتّى يتحقّق تنجّز المتيقّن السابق، وإلاّ فلا.
وعليه: فإمّا أن نقول بأنّ التقليد هو الالتزام، لانّه مع الالتزام يحصل له العلم الاجمالي بوجود أحكام واقعية في مجموع ما أفتى به المقلَّد ـ بالفتح ـ.
وإمّا أن نقول بأنّ هذا العامي كان مقلّداً للحي مدّة مديدة، بحيث يحصل له العلم الوجداني: بأن كان فيما عمل به من فتاوى المرجع أحكام واقعيّة، وإلاّ فلو قلّد زيد عمراً يوماً واحداً وعمل ببعض فتاواه، ومات عمرو قبل أن يحصل لزيد العلم الوجداني: بأن كان فيما عمل به حال حياة عمرو، أحكام واقعية فلا متيقّن سابق للحكم الواقعي الاجمالي حتّى يستصحب، فتأمّل.
إن قلت: هذا العلم الاجمالي على فرض وجوده وتحقّقه السابق موجب للاحتياط، والاحتياط قسيم التقليد، فليس هذا بقاءً على التقليد حقيقة، بل هو نوع عمل بالاحتياط.
قلت: هذا تقليد للمجتهد وبقاء على تقليده، ولكن الّذي أوجب هذا البقاء هو الاحتياط، فالاحتياط علّة للبقاء على تقليد الميّت، كما أن الاحتياط علّة للبقاء على تقليد الحي وعدم العدول عنه، أو أنّ الاحتياط علّة لوجوب تقليد الاعلم، أو الاورع ونحو ذلك.


التقرير الثالث للاستصحاب

وأمّا التقرير الثالث: وهو استصحاب الاحكام التكليفية الظاهريّة فقد أُورد عليه من جهات.


مناقشة التقرير الثالث من جهات
الجهة الاُولى

إحداها: إنكار جعل الحكم الظاهري، وإنّما المجعول هو المنجّزية فيما وصل المكلّف من الحكم الواقعي، والمعذّرية فيما لم يصل إلى المكلّف من الواقعيات، فليس لنا متيقّن سابق يسمّى بالحكم الظاهري حتّى يستصحب.


الجهة الثانية

ثانيتها: إنّ الاحكام التقليدية ليست أحكاماً لموضوعاتها بقول مطلق، وإنّما هي أحكام للموضوعات باعتبار رأي المرجع، بحيث لو زال الرأي أو تبدّل لتبدّل الموضوع، فإذا احتملنا زوال الرأي بالموت، كان هذا الاحتمال مساوقاً لاحتمال تبدّل الموضوع، ومعه لا يجري الاستصحاب لشرطية إحراز بقاء الموضوع.


الجهة الثالثة

ثالثتها: إنّه من الاستصحاب في الحكم، الّذي لا يجري مطلقاً، لابتلائه دائماً بمعارضة استصحاب عدم الجعل، فيتساقطان.
وهذه الايرادات كلّها غير تامّة.


الاشكال على الجهة الاُولى

أمّا الايراد من الجهة الاُولى، ففيه: إنّه حتّى مع إنكار الحكم الظاهري، والالتزام بالمنجّزية والمعذّرية في مقام إطاعة التكاليف، يصحّ استصحاب تلك المنجّزية والمعذّرية، لتمامية أركان الاستصحاب فيهما باليقين السابق والشكّ اللاحق، فتاوى الفقيه قبل موته لا تخلو من أحد شيئين:
إمّا أنّه حكم واقعي وصل إليه الفقيه، فهو باق لبقاء الاحكام الواقعية، فلا يكون مورداً للاستصحاب.
وإمّا أنّه أفتى المجتهد بخلاف الواقع ـ لانّه لم يصله الواقع ـ فهذه الفتوى المخالفة للواقع معذّر، فنستصحب هذا المعذّر السابق.
إلاّ إذا احتملنا تقوّم المعذّرية بحياة المفتي، فيشكّ في بقاء موضوع الاستصحاب لاحتمال كون موضوعه: فتوى المفتي الحي، فلا يصحّ استصحابه، وعليه: فلا يصحّ إجراء الاستصحاب مطلقاً، لعدم العلم بأنّ أيّها كان منجّزاً للواقع ؟ وأيّها كان معذّراً عنه ؟
وربما يقال: أنّه شكّ في المقتضي لا في موضوع الاستصحاب، فيجري على القول بجريانه في الشكّ في المقتضي ـ كما عليه جمهرة من الاعاظم ـ فتأمّل.


هل تستصحب المنجّزية والمعذّرية ؟

ثمّ إنّ جريان استصحاب المنجّزية والمعذّرية إنّما يتمّ بناءً على المشهور والمنصور: من جريان الاستصحاب في الاحكام العقلية، إذ المنجّزية والمعذّرية من الاحكام العقلية المنتزعة من جعل شرعي ـ ولو إمضاءً ـ وعليه: فالاحكام العقلية طرق قد تصل إلى الواقع وقد تخطّأه، وأمّا على القول بعدم جريانه فيها، فلا مسرح للاستصحاب فيهما، وكذا الكلام في الاحكام الوضعية، بناءً على كونهما من الاحكام الوضعيّة.
واحتمال أولوية عدم الجريان في الاحكام العقلية، من عدم الجريان لاثبات اللوازم العقلية، وما كان من آثارها من الاحكام الشرعية المسمّى بالاصل المثبت، فلا يتمّ القول بجريان الاستصحاب في الاحكام العقلية مع القول بعدم حجّية الاصل المثبت.
غير تامّ، لعدم التلازم لا عقلاً، ولا عقلائياً، ولا شرعاً، إذ عدم حجّية الاصل المثبت إنّما هو ـ على الاصحّ عندنا ـ نتيجة ضيق دلالة: « لا تنقض » الّذي هو المجعول في باب الاستصحاب، والجريان في الاحكام العقلية وعدمها نتيجة اطلاق لفظ: « اليقين » في روايات الاستصحاب، فهما مقامان ولا تلازم بينهما، ولذا نرى مشهور المتأخّرين مع عدم ذهابهم إلى حجّية الاصل المثبت، يذهبون إلى جريان الاستصحاب في الاحكام العقلية، والله العالم الهادي.


الاشكال على الجهة الثانية

وأمّا الايراد من الجهة الثانية.
ففيه: ـ بعد مسلّمية كون الموضوع في الاستصحاب عرفياً (لا دقّياً عقلياً) أو شرعياً ـ إنّه يصحّ أن يعتمد المقلّد على هذا الحكم الصادر من المرجع، فكما كان يعمل به قبل ساعة إذ كان حيّاً، فكذلك يعمل به بعد ساعة إذا مات، واحتمال زوال موضوع الحكم بالموت ليس عرفيّاً، نظير احتمال زوال إقراره بالموت، أو زوال وصيّته، أو زوال اختباراته ـ من حيث الكاشف لا المنكشف في الاخبارات ـ ونحوها، فهذه كلّها عرفاً واحدة.
وأمّا وسطية الرأي في صيرورة الحكم حكماً:
ففيها: ـ مضافاً إلى أنّ الرأي ليس وسطاً في ذلك، وإنّما هو وسط في مجرد الكشف عن الواقع، نظير سائر الحجج التعبّدية الشرعية أو العقلائية، الّتي هي وسط للكشف لا لصيرورته حكماً كما في شهادة البيّنة، أو قول ذي اليد أو نحو ذلك من الحسّيات، وكذا طبابة الطبيب، وتقويم المقوّم، ونحوهما من الحدسيات، ممّا لا ينتفي بموتهم، لتقوّمها بالرأي الزائل بالموت، أو المحتمل زواله بالموت ـ: أنّه لا يلزمه ضرورة بقاء الرأي لبقاء الحكم، إذ كثيراً ما يكون أخذ شيء في شيء على نحو الحيث التعليلي دون الحيث التقييدي، أي: علّة محدثة لا مبقية. وبعبارة أُخرى: علّة إيجاد فقط، لا علّة للبقاء أيضاً، نظير ما مثّلنا من الاقرار، والوصية، والاخبار، ونحوها.


هل يستصحب رأي المجتهد بعد موته ؟

ومع الشكّ في كون الرأي علّة للايجاد فقط أو للبقاء أيضاً، يكون المرجع هو الاستصحاب، لما قرّر في الاُصول من جريان الاستصحاب مع الشكّ في المقتضي أيضاً ـ وإن أشكل فيه الشيخ المرتضى (قدس سره) في الرسائل وجمع آخر، تبعاً للمحقّق في المعتبر وآخرين، لكن الشيخ نفسه نقضه في نفس الرسائل، وفي بعض فتاواه أيضاً في الرسائل العملية المنسوبة إليه، وقد ذكرنا بعضه في بحث الاُصول ـ.
وما قيل: من أنّ الشكّ في البقاء مسبّب عن الشكّ في كون العلّة على نحو العلة المحدثة أم المبقية، ومرجع ذلك إلى الشكّ في أنّ علّية العلّة أكثر من الاحداث وحال الحياة، فيبقى حجّية الفتوى بعد الموت بحاجة إلى الدليل، ولا موضوع لها حتى يستصحب.
ففيه: ـ مضافاً إلى أنّ استصحاب عدم سعة العلّة لا يثبت ضيقها وانحصارها بالاحداث فقط، وإلى أنّ كلّ استصحاب يمكن بالدقّة العقلية إرجاعه إلى الشكّ في سعة العلّة حتّى في استصحابات عدم الرافع كلّها، إذ مرجعه إلى الشكّ في مقدار استعداد المقتضي الّذي يزول معه بهذا المقدار من الرافع أم لا ـ: إنّ مرجع هذا الايراد إلى الشكّ في المقتضي الّذي ذكرنا آنفاً بناءنا تبعاً للمشهور بين المتأخّرين ظاهراً، على جريان الاستصحاب معه، والله العالم.
إذن: فمجرّد احتمال تبدل الموضوع لاجل عدم بقاء الرأي، أو احتمال عدم بقائه لا يمنع من جريان الاستصحاب.


الاشكال على الجهة الثالثة

وأمّا الايراد من الجهة الثالثة، ففيه: أنّا بنينا في الاُصول ـ تبعاً لمعظم الاساطين ـ على جريان الاستصحاب في الاحكام، نظير جريانه في الموضوعات، وعليه معظم المراجع المتأخّرين والمعاصرين، وإن أصرّ على عدم الجريان بجميع الوجوه والتقريرات بعض مراجع العصر تبعاً لبعض من تقدّمه.


التقرير الرابع للاستصحاب

وأمّا التقرير الرابع للاستصحاب على جواز البقاء على تقليد الميّت، وهو استصحاب الحكم الوضعي أعني: الحجّية، بتقريب: أنّ فتوى المرجع، حال حياته كانت حجّة في حقّ المقلّد، فإذا مات المرجع وشكّ في بقاء الحجّية أو زوالها، فيستصحب بقاؤها.


هنا إيرادات
الايراد الاوّل

الاوّل: إنّ الفتوى متقوّمة بالرأي، والرأي يزول بالموت، وينسب إلى الشيخ الانصاري (قدس سره) في تأييد ذلك أنّه قال: إنّ الواقع ينكشف للفقيه بالموت نفياً، أو اثباتاً، فإن انكشف له خطأ رأيه فلا شكّ في زواله، وإن انكشف له صحّة رأيه، فهي صحّة متقوّمة بالشهود والكشف، ولا دليل على حجيّة الرأي المستند إلى الشهود للغير، بل الّذي قام عليه الدليل للمقلّد هو حجّية الرأي المستند إلى الادلّة من الطرق والامارات والاُصول، فالمستصحب بين معلوم الزوال، وبين ما هو باق غير معلوم الحجّية للغير.
وعن المحقّق الداماد (قدس سره) تقوية ذلك باحتمال تبدّل الرأي إلى القطع بالخلاف، فلا يقين ببقاء الموضوع.

مناقشات خمس في الايراد الاوّل
المناقشة الاُولى

والجواب عن ذلك أوّلاً: لا نسلّم زوال الرأي بالموت من جهتين:
الاُولى: تقوّم الرأي بالنفس الناطقة الباقية بعد الموت.
الثانية: إنّ الرأي كان حصيلة تلك الادلّة الظاهرية الّتي أُمرنا باتّباعها، والرأي بحسب تلك الادلّة باق غير زائل، حتّى إنّ الفقيه لو علم حال الحياة أنّ الواقع على خلاف الادلّة، وسئل عن الحكم حسب الادلّة لحكم على خلاف الواقع، نظير أحكام الائمّة الطاهرين (عليهم السلام) طبق الادلّة الظاهرية على الموضوعات: كالبيّنة، والايمان، واليد، ونحوها من مصالح التشريع الّتي هي ـ في نظر الشارع من حيث المجموع الشامل لجهات نفسية واجتماعية، سياسية وفردية، عامّة وخاصّة، وغيرها ـ أهمّ ملاحظة من ملاحظة الواقع البحت الفاقد لتلك الجهات، كذكر العام أو المطلق الّذين أُريد منهما: الخاصّ والمقيّد، مع عدم ذكرهما، أو ذكر المجمل الّذي أُريد منه مبيّن لا تصل الاُصول العملية إلى ذلك المبيّن، بل إلى غيره أو إلى نقيضه، فهكذا بعد الموت على فرض انكشاف الخلاف للفقيه، فليس المأمور بالاتّباع ما ينكشف بعد الموت، وإنّما المأمور بالاتّباع تلك الادلّة الظاهرية حسب الفهم العرفي منها، طبقاً للمصالح الالهية الكبرى، الّتي قرّرت الادلّة الشرعية كما هي عليها، ومنها المصلحة السلوكية الّتي يميل إليها إجمالاً الشيخ الانصاري (قدس سره) وعدد من المتأخّرين، بل وجمع من المتقدّمين أيضاً، كما يظهر من كلماتهم (قدس سرهم).
إن قلت: تلك الادلّة وظيفة الشاكّ ـ موضوعاً أو ظرفاً ـ والميّت لا شكّ فعليّ له.
قلت: المجتهد ينوب عن المقلّد في استنباط الاحكام، وقد استنبط حال حياته ما يحصل للمقلّد من شكّ في المسائل الّتي يبتلي المقلّد بها، سواء حال حياة المجتهد أم بعد وفاته، نظير القضايا الحقيقية الّتي متى تحقّق مصاديقها ترتّبت عليها تلك القضايا.


المناقشة الثانية

وثانياً: من أين ثبت أنّ الفقيه، بالموت يحصل له العلم بخطئه في الفتاوى وصوابه ؟ غاية ما هناك إنّه يحاسب على جهله، أو تقصيره، أمّا أن يعرف كل فتاواه مطابقة للواقع أو عدمها بمجرد الموت، فلا دليل عليه.
وما قيل: من أنّ للمصيب أجران، وللمخطىء أجر واحد ـ بعد تسليم أنّ لازمه معلومية خطئه وصوابه، والغض عن أنّه من الممكن أن يؤجر ضعفاً، أو واحداً ولا يخبرونه أنّ ذلك لاصابتك وخطئك، أو لا يعلمونه أنّ أيّاً من ذلك ضعف، وأيّاً منه واحد ؟ أو لا يُعلمونه أنّ أيّاً لهذه الفتوى، وأيّاً لتلك ؟ ـ فهو: في القيامة على الظاهر لا في البرزخ، مضافاً إلى أنّ ذلك قد يتمّ في البرزخ ـ على فرضه ـ طيلة سنين كثيرة لا بمجرّد الموت الّذي به تتمّ الثمرة، فتأملّ.
والحاصل: إنّ ما دلّت عليه الاخبار هو أنّ حساب البرزخ يكون بحيث يعلم ـ الّذي يحاسب، لا كلّ من مات، فإنّ فيهم الملهى عنهم، كما في الحديث ـ أنّه ناج أو هالك، لانّها إمّا « روضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حفر النيران »(6).
أمّا أن يعلم الفقيه بمجرد الموت أنّ أيّة فتوى أصاب فيها الواقع، وأنّ أيّها أخطأ الواقع فيها ؟ فذاك ما لم يدلّ عليه دليل قطعي فيما أعلم، والله العالم.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: أنّ الاعتقاد الحاصل من الكشف والشهود إنّما لا يكون حجّة للغير لاجل احتمال خطئه نظير ما يظهر للمرتاضين، أو ما يظهر من الرمل، والجفر، والحسابات ونحوها. أمّا الحاصل بالموت الّذي هو متيقّن الصواب، فأيّ مانع من حجّيته للغير، بعد ما ثبت في الطرق والامارات: الطريقية ـ لا الموضوعية ـ وأنّ إدراك الواقع بما هو واقع هو المطلوب ؟


المناقشة الرابعة

ورابعاً: على فرض كشف صواب وخطأ الفقيه له ـ بمجرّد الموت ـ يصحّ الاستصحاب سواء انكشف الصواب، أم الخطأ ؟


إذا انكشف الصواب

أمّا إذا انكشف للفقيه الميّت صوابه في فتياه، فالعمل برأيه إنّما يكون من جهة استصحاب حجّية رأيه حال الحياة، لا لمطابقته مع الواقع حسب الكشف بعد الموت، لما سيأتي منّا إن شاء الله تعالى في شرح المسألة السابعة عشرة تبعاً لجمع من الاعيان: من حجّية فتوى الفاضل إذا وافقت فتوى الافضل، وعدم لزوم الاستناد إلى فتوى الافضل مع توافقهما، لانّ الخصوصيات الشخصية لها آلية فقط عقلاً، وشرعاً، وعرفاً، إلاّ فيما خرج بدليل خاص، كالعدالة، والايمان، والاسلام ونحو ذلك، فلا يصحّ الاستناد إلى فتوى الكافر، والمخالف، والفاسق، وإن وافقت فتوى المسلم المؤمن العادل، بل يجب الاستناد إليها، للادلّة الخاصّة.
هذا مضافاً إلى أنّ الفتوى حال الحياة كانت حجّة، فإذا انكشف بعد الموت موافقتها للواقع، كان هذا الانكشاف مقويّاً لحجّيته ومؤكّداً لها، كما لا يخفى.


إذا انكشف الخطأ

وأمّا إذا انكشف للفقيه خطؤه في فتياه، فموضوع الاستصحاب وهو: رأي فقيه عن أدلّة معتبرة، موجود، ولا نريد في الاستصحاب أكثر من بقاء الموضوع، وهو باق، ولا ينتقض ذلك بتبدّل رأي المجتهد حال حياته، فكما لا تبقى حجّية لرأيه السابق، كذلك التبدّل بالموت.
وذلك: لانّ شرط حجّية الرأي هو: كاشفيته، وضمان فقيه جامع للشرائط له، ومع التبدّل حال الحياة تفقد الكاشفية وينتفي ضمان المجتهد الجامع للشرائط له، بخلاف بعد الموت.
نظير شهادة الشاهد، المعتبرة ما دام لم يظهر له خطأ مستنده، فإذا ظهر له خطأ مستنده تسقط عن الحجّية، مع أنّ الشاهد إذا مات لم تسقط شهادته، بخلاف ما إذا تبدّل نظره إلى المشهود، فإنّها تلغى.
فهل يقولون في الشهادة بمثل ما يقولون في الاجتهاد ؟ فلو شهد عدلان أنّ الدار لزيد، ثم ماتا فهل يسقط اعتبار شهادتهما، لامكان انكشاف خلاف الواقع لهما بالموت، أم تنفذ الشهادة بعد موتهما ؟
قال المحقّق في الشرائع: « لو شهدا ولم يحكم بهما، فماتا حكم بهما » وقال في الجواهر: « بلا خلاف أجده » ثمّ قال في الشرائع: « وكذا لو شهدا ثمّ زكّيا »(7).
وبهذا كلّه ظهر وجه النظر في ما عن المحقّق الداماد، والشيخ الانصاري (قدس سرهما).


المناقشة الخامسة

وخامساً: على فرض انكشاف الواقع للفقيه الميّت، إذا شككنا في أنّه انكشف له خطؤه، أو انكشف له صوابه، نستصحب بقاء رأيه، كما نستصحب بقاء رأيه حال حياته إذا شككنا في أنّه هل تبدّل رأيه أم لا ؟ كما يأتي بحث ذلك من الماتن (قدس سره) في المسألة التاسعة والثلاثين، ولم أجد لاحد من الفقهاء فيها تعليقاً فيما يحضرني من التعليقات الّتي تنوف على العشرين، فأيّ فرق بين الموت وبين غيره لدى العقلاء في حجّية رأيه بقاءً ؟
إن قلت: للمقلّد علم اجمالي بانكشاف الخطأ بالموت للمجتهد في بعض آرائه، لانّه يستبعد عرفاً صحّة جميع فتاواه، خصوصاً في ترجيح المتعارضين والعمل بالاُصول العملية، واللوازم العقلية ونحو ذلك.
قلت: ـ مضافاً إلى أنّه قد يدّعى عدم العلم الوجداني بانكشاف الخطأ، أو احتمال كون كلّ فتاوى هذا الفقيه الّذي يقلّده هذا المقلّد صواباً، وإن بعُد هذا الاحتمال ـ إنّ هذا العلم الاجمالي غير منجّز، لعدم إحراز كون كل أطرافه الاقتضائية محلّ ابتلاء المقلّد، فلعلّ ما انكشف خطؤه في غير المسائل المبتلى بها لهذا المقلّد، وغير الاقتضائيات بالنسبة إليه.
نعم، لو كان شخص مبتلى بجميع فتاوى مرجع ـ كما لو كان ناقلاً لمقلّدي ميّت، حجّية رأي الميّت بقاءً وينقل لهم فتاواه جميعها ـ تحقّق هذا العلم الاجمالي، إن قلنا بأنّ هذا النقل بنفسه نوع اغراء بالجهل الحرام، فتأمّل.


وجهان آخران

ثم إنّ بعض المعاصرين من المحقّقين ـ بعد ما ردّ هذا الايراد وما ذكر من وجوهه ـ أراد أن يوجّه الردّ بوجهين آخرين يُعدّان إيرادان آخران، غير الايراد الاوّل المنسوب إلى الشيخ، فإنّه ـ كما مرّ ـ قد أورد على التقرير الرابع لاستصحاب جواز البقاء ما قد عرفت في الايراد الاوّل، فالوجهان هذان يكونان هما الايرادان: الثاني والثالث كالتالي:


الايراد الثاني

الثاني: وهو أوّل الوجهين قال: « إنّ الرأي بحسب الدقّة العقلية باق، ولكن بحسب العرف ليس باقياً، فإنّهم يرون الميّت والحي متباينين ».
وفيه: كون الميّت والحي متباينين لا يكون دليلاً على تباين الرأي، إذ مع كونهما متباينين نرى أنّ العرف يعتبر كثيراً من الملابسات للميّت كما كانت له قبل الموت، فالرجل بعد الموت هو: ابن زيد، وأبو فلان، وعمّ لفلان... وكذا الرأي الكذائي له، والنظرية الكذائية له، إلى ما هنالك من الاضافات، والمعنويات، الّتي لا يرى العرف تغيّرها بالموت، ولذا يقال: إنّ رأي الشيخ كذا، ورأي الاخوند كذا.
نعم ما يستتبع عملاً خارجياً، أو تصرّفاً من الميّت، أو من الحي لقيامه مقام الميّت، فإنّه يفرّق الميّت والحي فيه عند العرف، كالولاية، والوكالة، والوصاية، ونحوها، فالميّت ليس وليّاً، ولا وكيلاً، ولا وصيّاً، وأين هذا من الاستناد إلى فتوى الميّت الّتي كل ملاكها خبرويته حال الحياة ؟


الايراد الثالث

الثالث: وهو ثاني الوجهين، قال: إنّ هذا يكون من الاستصحاب التعليقي في أكثر موارده، لانّه لو كان حيّاً هذا اليوم لكانت فتواه كذا.
وفيه أوّلاً: ليس ما نحن فيه من الاستصحاب التعليقي، إذ الاستصحاب التعليقي هو الّذي ليس له حالة سابقة إلاّ معلّقاً، وما نحن فيه له حالة سابقة منجّزة، فلو قلّد زيد فقيهاً برهة من الزمن، وكانت فتاواه حجّة في حقّ المقلّد، ثمّ مات الفقيه، فيستصحب المقلّد تلك الحجّية المنجّزة الّتي كانت ثابتة له قبل الموت، فأي تعليق في ذلك ؟
نعم: لو أراد شخص أن يقلّد مجتهداً ميّتاً ابتداءً، وأراد التمسّك لحجّية فتاواه في حقّه بالاستصحاب، كان ذلك من الاستصحاب التعليقي بتقرير: أنّه لو كان حيّاً كانت فتاواه حجّة لي، فبعد موته نستصحب تلك الحجّة على فرض الحياة. وسيأتي البحث عنه في التقليد الابتدائي للميّت إن شاء الله تعالى.
وثانياً: إنّ الاستصحاب التعليقي ـ على الاصحّ ـ حجّة إذا انحفظ فيه الموضوع المتيقّن عرفاً، كما لعلّه كذلك فيما نحن فيه، فإنّه قد يعرض تغيّر في الموضوع، بحيث يجعله مغايراً للموضوع الاوّل بنظر العرف، كما لو صار الثلج ماءً، فإنّه لا يصحّ استصحاب البرودة الثلجية بالاستصحاب التعليقي، وقد ينحفظ لدى العرف الموضوع الاوّل في الحالة الثانية، فيتمّ فيه أركان الاستصحاب ويجري، ولا يبعد أن يكون ما نحن فيه من هذا القبيل، فتأمّل.


الايراد الرابع

الرابع: ما عن الشيخ الانصاري (قدس سره) في تقرير بحثه في كتاب: « جوامع الشتات » من احتمال دخل الحياة في موضوع التقليد فلا احراز لموضوع الاستصحاب.
وفيه: أنّ الاحتمال غير عقلائي، بل جرت سيرة العقلاء على عدم الاعتناء بمثله في الاُمور العلمية والفكرية، الّتي لا مدخل للحياة فيها بقاءً.


التقرير الخامس للاستصحاب

وأمّا التقرير الخامس للاستصحاب على جواز البقاء على تقليد الميّت: فهو استصحاب الحكم الوضعي من الصحّة والفساد، والفردية والزوجية، والرقّية والملكية، والاُبوّة، ونحوها ـ في الرضاع ـ وغير ذلك من الاحكام الوضعيّة، بوجوه الاستصحاب المختلفة فيها تنجيزياً، أو تقديرياً، أو تعليقياً، حسب اختلاف الموارد.
قال شريف العلماء (قدس سره) في تقرير درسه: « لا ريب أنّ تقليد المقلّد لذلك المجتهد قد صحّ في حال حياته، فإذا شكّ في بقاء هذه الصحّة وعدمها، فالاصل الاستصحابي مقتضاه بقاؤها »(8).
لكن لا يخفى إنّ هذا إمّا مرجعه إلى أحد التقريرات الماضية، أو ملازم لها، فيكون الكلام عنه هو الكلام عنها، والجواب عنه هو الجواب عنها، فتأمّل.
ومن المعلوم: أنّ استعمال مشتقّات « الرأي » لا يؤخذ عليه بأنّه منهي عنه في الشريعة وهو بمنزلة القياس، وذلك: لانّ المراد بالرأي ليس النابع عن الاهواء والشهوات، بل عن الادلّة الشرعية، بمعنى: الرؤية الفكرية والفهم والاستنباط، والرأي بهذا المعنى واجب شرعي تعييناً أو تخييراً، على اختلاف الافراد والملابسات، وقد وردت لفظة الرأي ـ بهذا المعنى ـ في الروايات أيضاً، ففي الكافي، بسند صحيح ـ على الاصحّ ـ بإبراهيم بن هاشم، عن الامام الصادق (عليه السلام)قال: « رأي المؤمن ورؤياه في آخر الزمان على سبعين جزءاً من أجزاء النبوّة »(9) ونحوه غيره.


الوجه الثاني لجواز البقاء مطلقاً
بقاء الموضوع

الوجه الثاني من أدلّة جواز البقاء على تقليد الميّت ـ بعد الاستصحاب ـ هو: ما نقل عن جمع من المتأخرين، ومنهم المحقّق الشيخ كاظم الشيرازي(قدس سره) ما محصّله باختصار منّا: أنّ الّذي قلّد مجتهداً حيّاً أصبح عالماً بالوظيفة الشرعية، فإذا مات المجتهد لم ينقلب المقلّد جاهلاً بالوظيفة الشرعية، بل لا يزال عالماً بها، فيجوز له العمل بما يعلم، لجواز عمل العالم بالوظيفة الشرعية بعلمه(10).
وأُورد عليه: بأنّ الصغرى مسلّمة ـ إن لم نستشكل فيها من جهة عدم وضوح صدق العالم على المقلّد دقّة، وإن أمكن التعميم عرفاً، بل شرعاً أيضاً، لمثل قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) أي: حتى تعلموا، مع أنّ السؤال قد يوجب العلم الوجداني، وقد يوجب العلم التعبّدي للحجّية، فتأمّل ـ لكن الكبرى في إطلاقها نظر، وذلك لانّ العالم بالوظيفة الشرعية على ثلاثة أقسام: عالم بالاجتهاد، وعالم بالتقليد حال حياة المفتي، وعالم بالتقليد بعد موت المفتي، وجواز عمل العالم بعلمه في القسمين الاوّلين مسلّم، ولكن في القسم الثالث هو أوّل الكلام.
وبعبارة أُخرى: من أين ثبت أنّ العالم بالوظيفة الشرعية عن طريق التقليد، بعد موت المفتي يجوز له العمل بعلمه ؟ فإنّ هذا من توقّف الشيء على نفسه.
وفيه: أنّ القاضي بالاطلاق هو العرف والعقلاء، فإنهم إذا صحّ عندهم الاخذ بقول، لا يرون زواله بموت صاحب القول، كما سيأتي هذا دليلاً برأسه.


الوجه الثالث لجواز البقاء مطلقاً
الاطلاقات

الوجه الثالث من أدلّة جواز البقاء، على تقليد الميّت: الاطلاقات، فآية النفر تدلّ على وجوب العمل على إنذار المنذر، ولم يقيّد وجوب العمل بحال حياة المنذر، وكذلك آية السؤال، الدالّة على العمل بقول أهل الذكر من دون تقييد له بحال حياتهم، فإنّهما تدلاّن على حجّية إنذار الفقيه وأهل الذكر حتى بعد موتهما.
وهكذا الاخبار الارجاعية الامرة بالرجوع إلى محمّد بن مسلم، أو زكريا ابن آدم، أو العمري وابنه، أو غيرهم من دون تقييد بحال حياتهم، ومقتضاها العرفي هو: جواز الاخذ منهم، والرجوع إليهم، والعمل بفتواهم حتّى بعد موتهم، بل لو رجع سائل إلى محمّد بن مسلم وسأله عن مسألة فأجابه فيها، ثم مات محمّد بن مسلم لا يحتمل العرف ـ الفارغ الذهن عن الشوائب ـ أن يكون قد حدث ما ينافي جواز العمل بقول محمّد بن مسلم لمجرّد موته، فضلاً عن أن يحصل له ظن أو علم بذلك.


إيرادات على الوجه الثالث

وأُورد على الوجه الثالث من أدلّة جواز البقاء إيرادات:


أوّل الايرادات

أحدها: ما في جوامع الشتات عن الشيخ الانصاري (قدس سره) من أنّ الظاهر من موردها: الحي، وإن لم تدل الاطلاقات بنفسها على الحياة.
وفيه: عدم مخصّصية المورد من أظهر مصاديقه ما نحن فيه، ممّا كان الامر مرتبطاً بالفكر والعقل، الّذي يعدّ فيه الحياة لدى العقلاء: حيث تعليلي لا تقييدي، مضافاً إلى أنّ هذا إشكال على الابتدائي، وإلاّ بعد الاخذ فما الدليل على تبدّل الحكم بالموت ؟


ثاني الايرادات

ثانيها: ما ذكره المشكيني (قدس سره) في حاشية الكفاية: من أنّ ظاهر الادلّة الارجاعية ـ لمناسبة الحكم والموضوع فيها ـ هو الرجوع إلى الحي، لعدم إمكان الرجوع، والاخذ، والاداء، والسؤال، والانذار ونحوها من الميّت، فإنّها صفات لا تكون إلاّ من الاحياء.
والاخذ من الحي صادق بالنسبة إلى الاعمال الماضية الّتي صدرت حال حياة المفتي، وأمّا بعد موته فالاخذ بفتاواه لا يصدق عليه الاخذ من الحي، بل الصادق عليه هو الاخذ من الميّت.
وفيه: ما تقرّر في الاُصول من أنّ المشتق حقيقة فيمن تلبّس بالمبدأ في حينه، وفي مثل ما نحن فيه يصدق عليه: أنّه أخذ بقول المجتهد حين حياته.
مضافاً: إلى ما في أصل إستفادة الحياة من الادلّة اللفظية من مناقشة تأتي في البحث عن التقليد الابتدائي للميّت إن شاء الله تعالى.


ثالث الايرادات

ثالثها: إيراد المحقّق الاصفهاني ومضمونه: أنّ شرط صحّة التمسّك بالاطلاق هو ثبوت المطلق في سائر مراتب الاطلاق، والمفروض أنّ رأي الفقيه هو الموضوع الّذي يراد إثبات جواز العمل به في حالتي: الحياة والموت، مع أنّه ينعدم في حال الموت بانعدام موضوعه عند العرف(11).
وفيه أوّلاً: إنّ المسألة ليست الاستصحاب حتّى يحتاج في إثباته إلى العرف، بل الاطلاق، الّذي يكفي فيه المصداقية الواقعية وإن لم يدركها العرف، وذلك لما بنوا عليه ـ ومنهم: المحقّق الاصفهاني نفسه ـ من أنّ العرف، مرجع في تشخيص المفاهيم دون تطبيق المصاديق، فما دام الرأي، باقياً واقعاً يكون موضوع التقليد باقياً، وإن لم يدرك العرف ـ مع التسامح ـ بقاؤه، فيكون مشمولاً للاطلاقات.
وثانياً: إنّ الرأي وجوده آنيّ، يوجد بمجرّد تكوّنه في نفس صاحبه، وتكون حالتا: الحياة والموت لصاحبه من قبيل الطوارئ، الّتي لا دخل لها في الموضوع فإن عدل عنه، نسب الرأي إلى سابقه، وإلاّ صحّ حقيقة حمل الرأي على الشخص.
وثالثاً: إنّ كلمة: الرأي، لم ترد في الادلّة إلاّ نادراً ـ كما سبق من صحيح هشام بن سالم ـ فلا موجب لان ندور مدار أبعادها، والمثبتات لا تقييد فيها، والموجود عديداً في أدلّة التقليد هو: الاخذ، والسؤال، والحذر، ونحوها من العناوين الّتي تصدق على من كان آخذاً، أو سائلاً، أو متحذّراً ثم مات المأخوذ عنه، أو المسؤول عنه، أو المحذّر ـ بالكسر ـ واستمر على العمل بها.


الوجه الرابع لجواز البقاء مطلقاً
السيرة

الوجه الرابع من أدلّة جواز البقاء على تقليد الميّت: السيرة المستمرّة من زماننا هذا إلى زمان المعصومين (عليهم السلام)، على أنّ من أخذ فتاوى فقيه يعمل بها حتّى بعد موت ذلك الفقيه، وليس يرى عمله هذا مخالفاً، ولم يُر في التاريخ أنّ أحداً من أصحاب الائمّة الطاهرين (عليهم السلام) إذا مات ترك الاخذون بأقواله كلّ ما سألوه في حال حياته ليسألوا جديداً عنها أحد الاحياء من الفقهاء، وما دام كانت هذه السيرة بمنظر ومسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمّة الطاهرين (عليهم السلام)، ولم يردعوا عنها، إذ مثله لو كان لبان، فهي حجّة لا محالة.


هنا أُمور

وأُورد عليها بأُمور:


الامر الاوّل

أحدها: إنكار السيرة من طرفنا، فإنّا نجد أنّ مرجعاً إذا مات يبحث المتديّنون من مقلّديه عن مجتهد حي جامع للشرائط كي يقلّدوه.


مناقشة الامر الاوّل

وفيه: أنّ ذلك نشأ من فتوى أو احتياط جمهرة من العلماء المتأخّرين في ذلك، وإذا ثبتت سيرة من قبل مائة سنة أو خمسمائة سنة أو ألف سنة متّصلة إلى زمان المعصوم (عليه السلام) تكون حجّة، حتّى إذا ذهب مشهور المتأخّرين على خلافها، كيف وليس في البين سوى فتاوى من متأخّري المتأخّرين، ومن تبعهم في ذلك، أو مجرّد احتياطات، ومثل هذا لا يوهن السيرة ؟


الامر الثاني

ثانيها: إنكار السيرة من طرف المعصوم (عليهم السلام)، بتقريب: إنّه لعلّ أصحاب الائمّة (عليهم السلام)، كانوا يرجعون إلى الحي دون الميّت حتّى استدامةً وبقاءً.


مناقشة الامر الثاني

وفيه: ظهور خلاف ذلك لمن تصفّح التاريخ والتراجم والرجال، وخاصّة أحوال أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحاب الائمّة (عليهم السلام)، وعدم وجود ذكر واحد لهذه المسألة، بل عدم وجود إشارة، أو تلميح للبقاء على تقليد الميّت، ممّا يوجب للشخص الاطمئنان المتاخم للعلم، بل العلم العادي بذلك، حتى أنّ المحقّق شريف العلماء (قدس سره)اعتبر هذه المسألة من المسائل الحادثة في العصور المتأخّرة، قال في تقرير درسه: « ودعوى الاتّفاق عليه فاسد، لمنع ثبوت الاتّفاق، كيف والمسألة من الفروعات المحدثة ؟ »(12).


الامر الثالث

ثالثها: الفرق بين الفتوى، وبين نقل الرواية، والاوّل هو محل البحث، والثاني مسلّم الحجّية بالاجماع بعد موت الراوي، والسيرة إنّما كانت على العمل بالروايات الّتي سمعوها في المسائل عن الرواة، ثم بعد موت الراوي كانوا يعملون بها، لانّ مسألة الاجتهاد، والرأي، من الحوادث بعد المعصومين (عليهم السلام)فالسيرة الّتي هي ثابتة هي: في العمل بالروايات، وما نحن فيه: العمل برأي الفقيه الميّت، فما فيه السيرة هو غير مورد البحث، ومورد البحث لا سيرة فيها.


مناقشة الامر الثالث

وفيه أوّلاً: أيّ فرق بينهما ؟ فبنفس الدليل الّذي يعتبر العمل بالخبر المنقول والشهادة ونحوهما مع موت الناقل والشاهد، بنفس ذلك الدليل يعتبر العمل بالفتوى بعد موت المفتي.
فإن قلت: في العمل بالخبر والشهادة تمّ الاجماع، ولا إجماع فيما نحن فيه، بل ادّعي الاجماع على الخلاف.
قلت: ـ مضافاً إلى أنّ الاجماع المدّعى على الخلاف ممنوع صغرى مسلّماً، ومخدوش كبرى على المشهور كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ إنّ الدليل ليس منحصراً فيه حتّى يدور الحكم مداره وجوداً وعدماً، بل السيرة القائمة خارجاً دليل يشترك فيه الخبر، والشهادة، والفتوى، وهي لا تفرق بينها في الحجّية استدامة بعد الموت.
وثانياً: لم يكن عمل أصحاب الائمّة (عليهم السلام) مجرد نقل الاخبار للسائلين، فالعديد منهم كثيراً ما كانوا يفتون لمن سألهم المسائل، وكانت فتاواهم خلاصة التعاليم الّتي علّمها لهم الائمّة الطاهرون (عليهم السلام) من الجرح، والتعديل، وأحكام التعارض، وبيان موارد جراب النورة عن غيرها ونحوها، ويشهد لذلك، قول الامام الباقر (عليه السلام) لعطية العوفي: « اجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإنّي أُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك »(13). ونحوه غيره ممّا يعثر عليه المتتبّع، ويحصل له الاطمئنان إلى أنّ الاصحاب كانوا يفتون للناس أيضاً، ومع ذلك لم يعهد أنّ أحداً تعلّم من أحد الاصحاب شيئاً، ثمّ بمجرد موته كان يتركه ليأخذ الحكم عن الحي.


تقرير آخر لمنع السيرة

وقرّر الشيخ محمود العراقي (قدس سره) منع السيرة في كتابه: « جوامع الشتات » نقلاً عن الشيخ الانصاري (قدس سره) بما حاصله:
إنّ تقليد أُولئك كان على ضروب أربعة:
أحدها: ما كان من قبيل نقل نصّ الرواية بالمعنى.
ثانيها: ما كان يفيد القطع بالحكم الشرعي للسامع، وإن كان حصول القطع له من جهة عدم التفاته إلى الاحتمالات كالعوام والنسوان.
ثالثها: ما يعلم كونه مأخوذاً من الرواية المعتبرة المنقولة.
رابعها: ما يكون بطريق محض التقليد مع عدم القطع، بل ولا الظن أيضاً بمطابقته للواقع.
قال: ولا يخفى أنّ دعوى السيرة الشرعية في الضروب الثلاثة الاُول لا تنفع، وفي الرابع ممنوعة جدّاً، انتهى ملخّصاً.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّه هل يلتزم الشيخ (قدس سره) بالضرب الثاني فيما نحن فيه، بأن يفصل بين العوام والنسوان وكلّ من يحصل لهم القطع بالحكم الشرعي من فتوى الفقيه ولو لاجل عدم التفاتهم إلى الاحتمالات، وبين غيرهم ممّن يلتفت إلى الاحتمالات، فيفتي بجواز البقاء لاُولئك، دون هؤلاء ؟ وهو مع أنّه غريب، قد يكون مخالفاً للاجماع المركّب ـ: إنّ منع الضرب الرابع محل إشكال، لما أسلفنا مراراً: من أنّ الفضلاء من أصحاب الائمّة (عليهم السلام) كانوا يفتون، كما كانوا ينقلون الرواية وخصوصاً في الازمنة العديدة، والسنوات الطويلة، الّتي كان الائمّة (عليهم السلام) محجوبين عن الناس لسجنهم أو إقامتهم الجبرية في دورهم، أو منع الظالمين الناس ومطاردتهم عن الاتّصال بهم (عليهم السلام) ونحو ذلك، كما في أيّام الامام السّجاد (عليه السلام) بعد مقتل أبيه الامام الحسين (عليه السلام)، وفي عهد الامام الصادق (عليه السلام)بالحيرة والكوفة وبغداد، وفي أوّل إمامة الامام الكاظم (عليه السلام)، حيث كان مختفياً في مكّة، إذ المنصور أراد قتله، وكذلك في أواخر عمره الشريف الّذي قضاه في السجون، وفي عهد الامام الرضا والامامين العسكريين (عليهم السلام) وأيّام الغيبة الصغرى، من العصور المختلفة الّتي كان الشيعة منتشرين في أطراف الارض، ولم تصل أيديهم إلى أئمّتهم، ولم يكن ـ وجداناً ـ كلّما يبتلون به من المسائل مذكوراً في الاحاديث الشريفة، فكان العلماء من الاصحاب يفتون لهم اجتهاداً منهم في الاحاديث العامّة والخاصّة، ولم يكن الائمّة (عليهم السلام) يردعون عن مثله.


نماذج تؤيّد وتثبت السيرة

ولا بأس بأن نذكر ـ في مقام المناقشة لما ذكره الشيخ الاعظم الانصاري (قدس سره): من منع فتوى أصحاب الائمّة (عليهم السلام)، وعمل الشيعة بفتاواهم، جداً ـ نماذج من القرائن الّتي تؤيّد أو تثبت عدم وضوح هذا المنع، وذلك مضافاً إلى ما تقدّم في أدلّة جواز التقليد:


النموذج الاوّل

1. ما رواه الشيخ (قدس سره) في كتاب الغيبة عن أبي الحسن بن تمام، عن عبدالله الكوفي خادم الشيخ الحسين بن روح (قدس سره) قال: « سئل الشيخ ـ يعني أبا القاسم ـ عن كتب ابن ابي العزاقر بعد ما ذُمّ وخرجت فيه اللعنة، فقيل له: فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها ملاء ؟ فقال: أقول فيها ما قاله أبو محمّد الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، وقد سئل عن كتب بني فضّال فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملاء ؟ فقال صلوات الله عليه: خذوا بما رووا وذروا ما رأوا »(14).
فهذه تدلّ على أنّ الفقهاء كان لهم آراء، والشيعة تعمل بآرائهم بجنب الروايات، فأمرت الشيعة بالاخذ بالروايات، ونبذ الاراء.
وما يقال: من أنّه لعلّ المراد بـ « ما رأوا » آراء بني فضّال في العقائد والامامة وعدد الائمّة (عليهم السلام) وعصمتهم ونحو ذلك، وآراء الشلمغاني ـ ابن أبي العزاقر ـ الباطلة في مولانا وسيّدنا صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف، لا الاراء الفقهية حتّى تكشف عن تقليد الشيعة للشلمغاني في الاحكام الفقهية، ولبني فضال كذلك، ففيه: لعلّ ظاهر الرواية هو أنّ الشيعة كانت تعمل بآراء بني فضّال الفقهية، جرياً على سيرة العقلاء من اتّباع الخبير فيما هو خبير فيه، فنهاهم الامام العسكري (عليه السلام) عنها، وكان هذا الخبر من الادلّة على وجوب كون مرجع التقليد مؤمناً اثني عشرياً.
وأمّا آراء الشلمغاني فأظهر من ذلك، إذ قبل صدور اللعنة عليه لم تكن له آراء منحرفة، وإنّما الانحراف حدث له حسداً للحسين بن روح (قدس سره) ودلالة الخبر بالملازمة على تقرير جواز عمل الشيعة بآرائه الفقهية قبل انحرافه واضحة، والله العالم.


النموذج الثاني

2. موثّقة رفاعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « سألته عن رجل طلّق امرأته حتّى بانت منه وانقضت عدتها، ثمّ تزوّجت زوجاً آخر، فطلّقها أيضاً، ثمّ تزوّجها زوجها الاوّل، أيهدم ذلك الطلاق الاوّل ؟ قال: نعم.
قال ابن سماعة: وكان ابن بكير يقول: المطلّقة إذا طلّقها زوجها ثمّ تركها حتّى تبين، ثمّ تزوّجها، فإنّما هي عنده على طلاق مستأنف.
قال ابن سماعة: وذكر الحسين بن هاشم: إنّه سأل ابن بكير عنها، فأجابه بهذا الجواب.
فقال له: سمعت في هذا شيئاً ؟
فقال: رواية رفاعة، فقال: إنّ رفاعة روى: إنّه إذا دخل بينهما زوج.
فقال: زوج وغير زوج عندي سواء.
فقلت: سمعت في هذا شيئاً ؟
فقال: لا، هذا ممّا رزق الله عزّوجل من الرأي.
قال ابن سماعة: وليس نأخذ بقول ابن بكير، فإنّ الرواية إذا كان بينهما زوج »(15).
وهذه الرواية دالّة بوضوح على اجتهاد الحسين بن سماعة، وابن بكير اجتهادين متخالفين، فابن بكير لعلّه اعتبر رواية رفاعة مورداً فقط لوروده في كلام السائل فلا يقيّد الاطلاقات الواردة في الباب، والحسين بن سماعة اعتبر دخول الزوج بينهما قيداً للحكم.
ثمّ قول ابن بكير: « هذا ممّا رزق الله عزوجل من الرأي » ظاهر في أنّه اجتهاد منه في المستفاد من الادلّة الشرعية، لا الرأي الشهواني.
مضافاً: إلى أنّ نقل الفتوى عن ابن بكير: دليل تعارف فتوى الاصحاب بما كانوا يفهمونه عن الادلّة.
إن قلت: ما الدليل على أنّ العوام كانوا يقلّدونهم في آرائهم هذه ؟
قلت: إذن إلى من كان يرجع العوام، إلاّ إلى هؤلاء الاصحاب حملة الاحاديث ؟ مع وضوح أنّ المعظم من الشيعة كانت أيديهم لا تصل إلى الائمّة الاطهار (عليهم السلام) أنفسهم.


النموذج الثالث

3. الروايات الارجاعية الّتي لا تحمل لفظة: الرواية، ونحوها، بل مشتملة على: معالم الدين، وأمر دينك، ونحوهما، ممّا لا انصراف لها بنقل صِرف الرواية مقابل سؤال المسألة وأخذ الفتوى. وإليك بعض ذلك:
فمنها: خبر أبي حمّاد الرازي عن الامام الهادي (عليه السلام): « ياأبا حمّاد، إذا أشكل عليك شيء من أمر دينك بناحيتك، فاسأل عنه عبدالعظيم بن عبدالله الحسني... »(16).
ومنها: معتبرة يونس بن يعقوب ـ الدائرة بين الموثّقة والصحيحة لرجوعه عن الفطحية، ولعلّ الثاني اقرب ـ قال: « كنّا عند أبي عبدالله (عليه السلام)، فقال: أما لكم من مفزع ؟ أما لكم من مستراح تستريحون إليه ؟ ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة النصري ؟ »(17).
ومنها: صحيحة عبدالعزيز بن المهتدي، قال: « قلت لابي الحسن الرضا (عليه السلام): جعلت فداك إني لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبدالرحمن ثقة، آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني ؟ فقال: نعم »(18).
وملاحظة وحدة السياق، ووحدة التعبير بـ « معالم ديني » في السؤال عن الامام الرضا (عليه السلام)، وعن يونس بن عبدالرحمن، لا تخلو عن الاشارة إلى عموم الثاني كالاوّل، فتأمّل.
ومنها غير ذلك.


النموذج الرابع

4. الروايات العديدة الارجاعية الّتي تحمل أمثال ألفاظ: « الرواية »، « أدّى إليك عنّي »، « فإنّه ثقتي وكتابه كتابي »، « إذا أردت حديثاً »، « فإنّه قد سمع من أبي »(19) ونحو ذلك.
مع ملاحظة فهم عدم الخصوصية ـ عرفاً ـ المؤيّد بفهم الفقهاء نظير ذلك من بابي القضاء والرواية، وتعدّيهم منهما إلى باب الفتوى، واستدلالهم بهما عليه، في مثل: « القضاة أربعة: ثلاثة في النار وواحد في الجنّة »(20) و « فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا »(21) ونحوهما.
فإذا صحّ الاستدلال بحجّية الفتوى بمثل: « فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا » ونحوه، فلِمَ لا يصح الاستدلال بـ « أدّى إليك عنّي » ونحوه بحجّية الفتوى أيضاً.
ثمّ إنّ الكلام هنا ـ إشكالاً وجواباً في ردع مثل هذه السيرة بمثل ما دلّ على عدم حجّية الظن ـ هو الكلام في خبر الثقة، وقد فصّل بحثه في الاُصول.


الوجه الخامس لجواز البقاء مطلقاً
بناء العقلاء

الوجه الخامس من أدلّة جواز البقاء على تقليد الميّت: بناء العقلاء، الجاري على رجوع الجاهل إلى العالم في حدسه في جميع الحرف، والصناعات، والعلوم، والموضوعات، وغيرها، والعمل بما تعلّم من حدس العالم حتّى بعد وفاة ذلك العالم، أترى أنّ مريضاً إذا راجع طبيباً فوصف له الطبيب دواءً ـ بحدسه الخاصّ في تشخيص المرض والدواء ـ ثمّ اشترى المريض الدواء، وقبل الاستعمال أخبر بوفاة الطبيب أتراه يترك ذلك الدواء إلى غيره ؟ أو أنّ رجلاً إذا أراد بناء بيت، وراجع مهندساً فخطّط المهندس له خريطة دار، وقبل شروع الشخص ببناء الدار أخبر بموت ذلك المهندس أترى العقلاء يلزمونه بضرورة ترك تلك الخريطة ومراجعة مهندس آخر حيّ ؟ وهكذا دواليك.
هذه هي سيرة العقلاء، وهذه السيرة هي الّتي اعتبرها جمع كما سبق(22) عمدة دليل التقليد في أصله، فكيف لا تكون دليلاً على الفرع ؟
وتمامية هذه السيرة صغرى وكبرى واضحة، والاشكال فيها صغرىً بما أورده الشيخ (قدس سره) في بقاء تقليد الميّت، غير وارد، لانّه مخالف للواقع الخارجي.
وكبرىً بعدم احراز الشرطين: الاتّصال بعصور المعصومين، وامضائهم لها، غير تامّ أيضاً، لتحقّق الشرطين أوّلاً، وعدم لزوم احرازه، والردع عنها يكفي في نفيه الاصل، كالخبر، والظواهر، وما يحتمل كونه رادعاً عنها إنّما هو في التقليد الابتدائي الّذي سيأتي الكلام عنه مفصّلاً ـ إن شاء الله تعالى ـ.
ثم إنّ هنا مناقشات طويلة في بناء العقلاء، صغرى وكبرى بحثناها في مباحث الاُصول أوّل الكلام عن الظنون الخاصّة.


الوجه السادس لجواز البقاء مطلقاً
الظهورات

الوجه السادس من أدلّة جواز البقاء على تقليد الميّت: الظهور المستفاد من اطلاق قول الامام العسكري (عليه السلام)في كتب بني فضّال حيث سئل (عليه السلام) عنها وبيوت الشيعة منها ملاء ؟ فقال (عليه السلام): « خذوا بما رووا وذروا ما رأوا »(23).
وهكذا ما ورد في جواب السؤال عن كتب الشلمغاني بعد ردّته، فقال الحسين بن روح (قدس سره): « أقول فيها ما قاله الحسن بن علي صلوات الله عليهما وقد سئل عن كتب بني فضّال... خذوا بما رووا وذروا ما رأوا »(24).
فإنّهما يدلاّن على جواز الاخذ بآرائهم لولا الانحراف العقيدي في بني فضال، والردّة في الشلمغاني مع معلومية أنّ بني فضّال كانت كتبهم في الايدي والبيوت وبعضهم كانوا أمواتاً، ولم يفصّل الامام العسكري (عليه السلام) بين ما قبل الموت وبعده، وكذلك الحسين بن روح (قدس سره) لم يفصّل ذلك في كتب الشلمغاني الّتي كانت في البيوت، ولم يقيّده بحال حياة الشلمغاني.
هذا من ناحية ومن ناحية أُخرى: فإنّ تخصيص ردّ ما رأوا ببني فضّال والشلمغاني دون غيره، ظاهره: حجّية آراء باقي الرواة الموثوقين، واطلاق ذلك وعدم التفصيل بين حال الحياة وحال الموت يفيد عموم الحكم لكلتا الحالتين.


مناقشات في الوجه السادس
المناقشة الاُولى

وأُورد عليه أوّلاً: بضعف السند، ولعلّه مرتفع بشهرته وتلقّيه بالقبول.


المناقشة الثانية

وثانياً: بأنّ هذا لا يعدو أن يكون مفهوم اللقب الّذي ليس بحجّة، إذ المورد لا يكون علّة للحكم حتّى يكون الحكم مرتفعاً بارتفاع المورد، فإنّ: « ذروا ما رأوا » لا يدلّ على إنّ تمام العلّة لترك الرأي هو كونهم بني فضّال، أو كونه الشلمغاني، حتّى يدلّ على عدم ترك الرأي ـ الملازم عرفاً للعمل به واتّباعه وتقليد صاحبه فيه ـ عند كون صاحب الرأي غير بني فضّال، وغير الشلمغاني.
ولو بالغنا قلنا بأنّه مفهوم الوصف ببيان: إنّ « ذروا ما رأوا »، معناه: اتركوا الرأي الموصوف بكونه رأي بني فضّال، أو الموصوف بكونه رأي الشلمغاني، فيدلّ على انتفاء الحكم، وهو الامر بترك الرأي، عند انتفاء الوصف وهو كونه رأي هؤلاء أو ذاك.
لكنّ المعروف ـ خصوصاً بين المتأخّرين ـ عدم دلالة الوصف على المفهوم، بالاخصّ إذا كان غير معتمد على الموصوف كما فيما نحن فيه.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ الروايتين ظاهرتان ـ ولو لمناسبة الحكم والموضوع ـ في علّية الانحراف لسلب حجّية الرأي، وعدم علّيته لسلب حجّية الرواية، ولازم هذه العلّية عدم الخصوصية لبني فضّال والشلمغاني.
وفيه: أنّ استفادة الظهور لم تكن لمجرد اللقلب أو الوصف اللذين تضمّنهما الكلام الصادر عن الامام العسكري (عليه السلام) والصادر عن الحسين بن روح (قدس سره) واستفادة الظهور من مجموع القرائن الحالية والمقالية، والشواهد والاعتبارات، الّتي تستفاد من هذا الكلام محفوفاً بتلك القرائن، إذ ظاهر: « وذروا ما رأوا » لانحرافهم، فالامر بترك آرائهم إنّما هو منحصر في جملة الانحراف الحاصل لهم، فالتعليل موجود في ذهن السائل، ويفهم أيضاً من كلامي: الامام (عليه السلام) والحسين بن روح (قدس سره).
وحديث عدم الاعتماد على مفهومي: الوصف واللقب، إنّما هو إذا كان الاعتماد على اللفظ فقط دون قرائن أُخر، كما لا يخفى.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: بأنّه يحتمل من: « ذروا ما رأوا » نفس الرأي الّذي ارتدّوا به لا آراؤهم في الاستفادة من الاخبار، فالرواية ساكتة عن آرائهم تلك.
وفيه: أنّ هذا ـ كما تقدّم ـ خلاف المتبادر من السياق، وإنّما الظاهر منه: إنّ الامام (عليه السلام) يريد أن يبيّن أنّ شرط الاخذ بالرأي هو الايمان المفقود عند بني فضّال، بخلاف الرواية فليس الايمان شرطاً فيها، بل الوثوق بالصدق كاف، ولذا استدلّ بعضهم بذلك في باب اشتراط حجّية الفتوى بكون المفتي إمامياً.


المناقشة الرابعة

ورابعاً: ظهور الرواية في الاطلاق، المصحّح لجواز الاخذ برأي الميّت المؤمن ابتداءً واستمراراً، مع إنّ ادّعاء الاتّفاق على عدم جواز التقليد الابتدائي من الميّت، يوجب سقوط هذا الظهور.
وفيه: دلالة الرواية بالاطلاق على فردين وخروج أحدهما بالدليل الخاص، لا يوجب سقوط الظهور في الفرد الاخر، وكم له في الروايات من نظائر وأشباه.


المناقشة الخامسة

وخامساً: يختلف الاستدلال حسب اختلاف المباني في باب التقليد، فهذا إن صحّ على مبنى وجود اطلاق لفظي في الباب، فلا يصحّ على مبنى عدم وجود اطلاق لفظي، وإنّما الادلّة اللفظية في مقام أصل جواز التقليد بعيدة عن الخصوصيات.
وفيه: يكفي صحّة الاستدلال على مبنى الاطلاق، فتأمّل.
هذا تمام الكلام في مسألة جواز البقاء على تقليد الميّت.
تقليد الميّت بقاءً: القول الثاني
وقد ذكرت له أدلّة أُخرى مثل: لزوم الحرج في إيجاب الرجوع إلى الحي بعد موت المقلّد ـ بالفتح ـ ونحو دوران الامر في التخيير بين الحي والميّت وبين التعيين للبقاء على الميّت، والانسداد، في بعض الازمان وبعض الامكنة، وغيرها ممّا يكون الاعراض عن كون ذكرها أحرى وأولى، لعدم سلامتها المطلقة أو مطلقاً بوجه.
وقد ظهر من هذه الوجوه الّتي ذكرناها سلامة هذا القول واقوائيته، والله العالم.


القول الثاني
وجوب البقاء مطلقاً ووجوه الاستدلال له

وأمّا القول الثاني: وهو وجوب البقاء مطلقاً على تقليد المرجع الميّت، فقد استدلّ له بوجوه غير خالية من النقاش.


الوجه الاوّل لوجوب البقاء مطلقاً
لغوية الجعل

الاوّل: لا شكّ أنّ التقليد طريق مجعول شرعي، أو لا أقل من أنّه امضاء شرعي، وموضوعه هو الشخص الّذي لا حجّة له على الاحكام الشرعية، فإذا كانت للشخص حجّة بتقليد مرجع جامع للشرائط فيكون جعل التقليد له ـ مع الفرض ـ لغواً، لكونه بلا موضوع، ولا أقل من الشكّ في مشروعيته بالنسبة إليه.
وما نحن فيه من هذا القبيل، فالّذي قلّد مجتهداً جامعاً للشرائط فمات، فهو ممّن له حجّة شرعية على الاحكام.
نعم لا يتمّ هذا الدليل إلاّ بعد إثبات كون ما بعد الموت وقبله واحداً بالنسبة إلى الحجّية، إمّا بالاستصحاب، أو بالاطلاقات، أو نحو ذلك.
فالاستصحاب ـ مثلاً ـ ينقّح الموضوع للحجّية، والحجّية تشمل حالتي: الحياة والموت، وهكذا.


مناقشة الوجه الاوّل

وفيه: أنّ مقتضى الحجّية التخييرية هي: جواز الاخذ بهذه الحجّة، وجواز ترك هذه والاخذ بالحجّة الاُخرى، ومع ثبوت جواز العدول إلى المجتهد الحي، تكون فتاوى الفقيه الميّت حجّة، وفتاوى الفقيه الحي حجّة أُخرى، فيجوز الاخذ بهذه، كما يجوز الاخذ بتلك.
إن قلت: ظاهر جعل الحجّية هي كونها بشرط لا ـ في مقام الاثبات ـ لانّ لازمها عدم حجّية غيرها، وهو مقتضى كون الحجّة بمنزلة العلم، فكما أنّ العلم بشيء لازمه العلم ببطلان خلافه، كذلك لازم الحجّية لشيء بطلان خلافها.
قلت: جعل الحجّية أعمّ من الانحصار، فالحجّية شيء، والحجّية المنحصرة شيء آخر، والفرق بين الحجّة المجعولة وبين الحجّة الذاتية ـ وهو العلم ـ في أنّ العلم لا يبقى معه مرتبة كاشف آخر، بخلاف جعل الحجّة فإنّ مرتبة جعل كاشف آخر معه محفوظ في مقام الثبوت، فكون الحجّة بمنزلة العلم يعني: في التنجيز والاعذار فقط، لا في كلّ ما للعلم من اللوازم والاثار.
وبعبارة أُخرى: في مقام جعل الحجّية لفتوى المجتهد الجامع للشرائط، الجعل إنّما هو للكلّي ذي المصاديق لا للشخص، ولعلّ التوهّم نشأ من خلط الكلّي بالشخص، فالكلّي له مصاديق، كلّ على نحو لا بشرط، والشخص معناه: كونه بشرط لا.
وما قيل: من أنّ جعل الحجّة لمن له حجّة، لازمه إمّا جمع المثلين أو الضدين أو النقيضين، فإن أفتى كلاهما بالوجوب لشيء معيّن فهو جمع المثلين، وإن اختلفا في الفتوى فهو جمع الضدّين أو النقيضين.
ففيه: ما تقدّم في بيان الحجّة التخييرية من أنّها على سبيل البدل، لا بشرط شيء، فالحجّية للكلّي ذي المصاديق معناها: إمّا هذا وإمّا هذا، لا هذا مع هذا جميعاً، فتأمّل.


الوجه الثاني لوجوب البقاء مطلقاً
الاستصحاب

الثاني: الاستصحاب وله تقريبان: تنجيزي وتعليقي، أمّا التنجيزي: فهو أنّه مع تماميّة أركان الاستصحاب وجريانه، يكون مقتضاه وجوب العمل به، لا جوازه.
وفيه: ما في الوجه الاوّل: من أنّ الجواب الجواب، فإنّ ذلك صحيح فيما لم تكن حجّة تخييريّة، والمفروض: التخيير بين الحجّتين ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ.
نعم، ربما يصحّ ذلك مع تعيّن تقليده حال الحياة، فيختلف على المباني، فتأمّل.
وأمّا التعليقي، فتقريبه: أنّه لو كان حال حياة المرجع يعدل عنه، لم يكن جائزاً، فيستصحب عدم الجواز هذا.
وفيه: ـ مضافاً إلى الخلاف في التعليقي ـ إنّ الحجّة التخييرية جواب، وهو رافع لموضوع الاستصحاب، وهو الشك.
وما أجاب به بعض الفقهاء المعاصرين: من أنّه بعد رجوعه إلى الحي كان رأي الحي حجّة عليه.
ففيه: أنّ المفروض البحث عن الحكم قبل الرجوع إلى الحي وهل الرجوع إلى الحيّ جائز أم لا ؟ لا البحث عن الحكم بعد الرجوع إلى الحي.


القول الثالث
حرمة البقاء مطلقاً ووجوه الاستدلال له

وأمّا القول الثالث: وهو حرمة البقاء مطلقاً، فاستدلّ له أيضاً بوجوه غير سليمة عن البحث والكلام، وقد ظهر بعضها من خلال الوجوه المتقدّمة ولكنّا نذكرها بانفرادها أيضاً.


الوجه الاوّل لحرمة البقاء مطلقاً
الاجماع

الوجه الاوّل: الاجماع على حرمة البقاء على تقليد الميّت، وقد استظهر ذلك الشيخ الانصاري (قدس سره) من اطلاق المنع عن تقليد الميّت الشامل للبقاء أيضاً في كلماتهم ومعاقد إجماعاتهم، وادّعى: أنّ التفصيل بين الابتداء والاستمرار ليس له أثر في كلام المتقدّمين وأنّه حدث من بعض المتأخّرين كما قال: إنّه نصّ عليه السيد الصدر في محكي كلامه.


مناقشة الوجه الاوّل

وأُجيب عنه بوجوه أحسنها: الخدشة في الاجماع صغرى، وكبرى، ومعارضة.
أمّا صغرىً: فلانّه ليس أكثر من أن يكون إجماعاً منقولاً، لا يثبت إلاّ لمن اطمأنّ من ثبوته وتحقّقه، وهو غير مسلّم، خصوصاً بعد ما يلي:
1. عدم تعنون المسألة لدى القدماء ولا وجود ذكر منها ولا أثر، كما حكي عن السيّد الصدر (قدس سره) ممّا يستظهر منه عدم قصد القدماء كلاًّ أو جلاًّ لمسألة البقاء، فلا يكون اطلاقهم وكذلك اطلاق معاقد اجماعاتهم ناظرين إلى ما يشمل البقاء، بل ومنصرفين عنه أيضاً.
2. مقطوعية الخلاف كما لا يخفى.
وأمّا كبرىً: فلانّه ليس إجماعاً كاشفاً عن موافقة المعصوم (عليه السلام) لانّه محتمل الاستناد إلى بعض الوجوه المذكورة: من الاحتياط أو عدم جريان الاستصحاب، أو عدم التنبّه للاستصحاب، أو اعتماداً على أدلّة هي غير تامّة، ونحو ذلك ممّا هو كثير، يظهر للمتتبع من تضاعيف كلمات الفقهاء في مختلف الابواب، وإن كان لنا تأمّل وإشكال في سقوط الاجماع حتى المحقّق المحصّل منه بمجرّد احتمال استناده، وقد مرّ بعض الكلام عنه في شرح المسألة الاُولى، والتفصيل موكول إلى الاُصول.
وأمّا معارضة: فبأنّ اطلاق هذا الاجماع المنقول على حرمة تقليد الميّت، معارض باطلاق الاجماع المنقول على حرمة العدول، الشامل للعدول عن الميّت أيضاً، وكذلك معارض باطلاق الاجماع المنقول على جواز التقليد من المجتهد، فإنّه باطلاقه يشمل الاستمرار على تقليده حتّى بعد موته.
إلاّ أن يقال بانصراف العدول: إلى ما كان عدولاً عن الحي، وبانصراف تقليد المجتهد: إلى المجتهد الحي، ولو بقرينة تصريح جمع من المجمعين بإرادتهم من العدول المحرّم ما كان عن الحي، ومن تقليد المجتهد من كان حيّاً.
لكنّه محل تأمّل وإشكال، لادّعاء بعض المجمعين على حرمة تقليد الميّت: إنّ مرادهم بها الابتدائي لا مطلقاً.


الخدشة في إطلاق معقد الاجماع

وقد يقال: ـ في مقام الخدشة في اطلاق معقد الاجماع على حرمة تقليد الميّت، الشامل للابتدائي والاستمراري جميعاً ـ بأنّه كما سبق نقله أنّ المتقدّمين ليس في كلامهم عين ولا أثر من تقسيم التقليد للميّت إلى الابتدائي والاستمراري، وهذا يكشف عن عدم التفاتهم إلى التقليد الاستمراري للميّت، ولا أقل من كونه سبباً للشكّ في التفاتهم إليه، فكيف يحرز اطلاق معقد إجماعهم لما لم يحرز كونهم في مقام البيان من تلك الجهة ؟
ولا ينقض ذلك: بأنّه يوجب الخدشة في اطلاقات الروايات أيضاً، للفرق بين الكلام الصادر عن المعصوم (عليه السلام)، والصادر عن غيره، بإلتفات المعصوم (عليه السلام) إلى جميع التقسيمات، فإذا أطلق، كشف عدم التقييد عن إرادة الاطلاق إذا كان في مقامه، وأمّا غير المعصوم فربما لا يكون ملتفتاً إلى الانقسام ـ أو لا أقل من احتمال عقلائي لعدم التفاته ـ فكيف يكون عدم تقييده كاشفاً عن إرادته الاطلاق ؟
والجواب: إنّ العبرة في الاطلاق إنّما هي بكون المتكلّم في مقام البيان من تلك الجهة، وعدم الاطلاق إنّما هو إذا لم يحرز كون المتكلّم في مقام البيان من تلك الجهة، سواء كان له التفات، أم لا ؟ بل سواء كان له علم بالانقسام، أم لا ؟
مثلاً: لو أمر المولى عبده بشراء اللحم، ولا يعلم المولى أنّ بعض باعة اللحم النساء، وعلمنا عدم إلتفاته إليه، فهل هذا يخدش في الاطلاق ؟ أو علمنا أنّ المولى حينما أمر بشراء اللحم يعلم ويلتفت بوجود لحم البعير، والبقر، والغنم، جميعاً في السوق، ولم يقيّد اللحم بكونه من الغنم، فهل هذا يوجب كشف العبد، الاطلاق من إرادة المولى الاعم من لحم الغنم، فلعلّ المولى اعتمد على ما تعارف عليه من شراء لحم الغنم، وعدم شراء لحم غيره ؟
إذن: فالالتفات وعدمه لا يكونان ـ دائماً ـ ملاكاً للاطلاق وعدمه بحيث يدور الحكم وجوداً وعدماً مدارهما، وإنّما هما من جزئيات الاسباب للاطلاق أحياناً، فتأمّل.


أجوبة غير تامّة

وأُجيب عن الاجماع المدّعى بأجوبة غير تامّة.


الجواب الاوّل

الاوّل: عدم انعقاد الاجماع لوجود المخالف من المتأخّرين.
وفيه: أنّ المخالفة من المتأخّرين، لا تضرّ بالحجّية إذا تحقّق الاجماع من المتقدّمين في شتّى العصور، لما ربما يقال: بأنّ الاجماع إذا انعقد في زمان كان حجّة، لبناء العقلاء ـ وإن خدش في حجّيته التعبّدية حدساً ونحوه ـ.
والفرق بين هذا الجواب وبين ما قدّمناه من الخدشة في الصغرى: إنّ هذا المجيب ادّعى وجود المخالف في المتأخّرين، وما تقدّم كان تأمّلاً في أصل انعقاد الاجماع في زمان مّا.

الجواب الثاني

الثاني: إنّ الاجماع دليل لبّي، والمتيقّن منه هو المنع عن التقليد الابتدائي للميّت ويبقى التقليد الاستمراري غير مشمول للاجماع ومشمولاً لادلّة التقليد العامّة.
وفيه: ما تقرّر أيضاً بتفصيل في الاُصول: من أنّ الاجماع إذا كان له معقد مطلق أو عام، يؤخذ باطلاقه وعمومه كما يؤخذ بعموم اللفظ واطلاقه، لتحقّق الاجماع على الاطلاق والعموم، إلاّ إذا شكّك في الاطلاق للانصراف، أو عدم معقد مطلق له.


الجواب الثالث

الثالث: ما عن الفصول: من أنّ التقليد الاستمراري ليس بتقليد حقيقة، فلا يشمله الاجماع على حرمة تقليد الميّت.
وفيه: أنّ استمرار الشيء وبقائه هو عبارة عن وجوده في الزمان الثاني، وإلاّ لم يستمر ولم يبق.
مضافاً إلى أنّه يتمكّن من هدم التقليد فيتمكّن من ابقائه، لانّ طرفي الوجود والعدم كلاهما إمّا يدخلان تحت القدرة أو لا يدخلان تحت القدرة، والقادر على أحدهما قادر على الاخر، وإلاّ كان مُلجأً.
وما مثّل به بعضهم لتفنيد هذه القاعدة المسلّمة: من النقض بالقيام والقعود، حيث يمكن لشخص عدمهما ـ كالنائم ـ ولا يمكنه الاتيان بهما، فهو قادر على عدمهما، ولا يمكنه وجودهما.
ففيه: أنّه ملجأ إلى عدمهما، لا قادر، إذ الضدّين اللّذين لهما ثالث، يكون عدم كلّ ضد أعمّ من التلبّس ببقية الاضداد، لا بضدّ واحد منها، كما لا يخفى.


الوجه الثاني لحرمة البقاء مطلقاً
الفطرة

الوجه الثاني من أدلّة حرمة البقاء على تقليد الميّت: الفطرة، فإنّ عمدة الدليل للعامي على لزوم أصل التقليد هو الفطرة، والدليل الفطري كالاجماع لبّي لا إطلاق له ولا عموم، والمتيقّن منه هو الرجوع للحي، وغيره مشكوك الحجّية، والشكّ في الحجّية يساوق عدم الحجّية في مثل ما نحن فيه، ممّا لا دليل لفظي شامل يتمسّك به ـ كما هو المفروض ـ.


مناقشة الوجه الثاني

وفيه أوّلاً: الادلّة العقلية والفطرية ونحوهما من الوجدانيات، لا تكون مجملة، لظهور مناطاتها، فليس فيها قدر متيقّن وغير متيقّن، كما هو واضح، نعم قد يشكّ في شمولها لبعض الافراد، من جهة العوارض الخارجية، وليس ذلك من أجل إجمال الدليل، وإلاّ فاللفظ أيضاً قد يشكّ في شموله لبعض الافراد، فالماء ـ مثلاً ـ الّذي هو من أوضح المفاهيم قد يشكّ في صدقه على بعض المياه، فتأمّل.
وثانياً: إنّ الفطرة ـ كما يشهد الوجدان ـ لا تفرق بين الحياة والموت في السير على الاجتهادات، ويكفي دليلاً على ذلك متابعة الناس لاراء العلماء الحدسية في كلّ الفنون حتى بعد موتهم ما لم تتّضح أخطاؤهم.
خصوصاً ومسألة التقليد، والافتاء إنّما هي صرف الكاشفية عن التكليف الفعلي الّذي يكفي فيها تحقّق الرأي عند الفقيه آناً مّا، نظير نسيان الفقيه لفتواه الّذي لا يسقطها عن الحجّية على المشهور، المتسالم عليه في العصور المتأخّرة.


الوجه الثالث لحرمة البقاء مطلقاً
الاحتياط

الوجه الثالث: ما عن المحدّث الاسترابادي (قدس سره): من أنّ الرجوع إلى الحي أحوط وأولى.


مناقشة الوجه الثالث

وفيه: أوّلاً: إن كان المراد منه الاحتياط الاستحبابي ـ كما قد يظهر من عطف كلمة: « أولى » عليه ـ فلا يكون دليلاً للحرمة، إذ اللاّاقتضاء لا يكون دليلاً للاقتضاء، وإن كان المراد الاحتياط الوجوبي، فهو أوّل الكلام.
وثانياً: أيّ أولوية وأحوطية في العدول إلى الحي، مع ادّعاء بعض: الاجماع على عدم جواز العدول، الّذي قد يقال بأنّه يشمل اطلاق معقده للعدول بعد الموت، ولو بقرينة تصريح بعض المجمعين بعدم جواز العدول عن الميّت إلى الحي أيضاً، اللّهم إلاّ إذا قلنا بأنّ المراد: الاحتياط النسبي لا المطلق، ولعلّه خلاف المصطلح.
وثالثاً: إذا وصلت النوبة إلى الاحتمال، فكما نحتمل حرمة البقاء، كذلك نحتمل وجوب البقاء خصوصاً في بعض الموارد، كما لو كان الميّت أعلم من جميع الاحياء، فيعارض احتياط العدول احتياط البقاء، ويكون المرجع التخيير بينهما، للدوران بين المحذورين، فلا موضوع للاحتياط أصلاً.


الوجه الرابع لحرمة البقاء مطلقاً
الاغراء بالجهل

الوجه الرابع: كيف يفتي الفقيه الحي بجواز البقاء على تقليد الميّت الّذي لا شكّ أنّ بعض فتاوى ذلك الميّت مخالفة لفتاوى الحي ؟ وهل هذا إلاّ إغراء بالجهل عن علم وعمد، وإجازة للعمل بما يخالف الله ورسوله في نظر الحي، والعلم الاجمالي كالتفصيلي في الحجّية والتنجيز، والبقاء ينتشر بعدد فتاوى الميّت ؟


مناقشة الوجه الرابع

وفيه: نقضاً وحلاًّ:


المناقشة نقضاً

أمّا نقضاً: فكما يفتي الفقيه غير الاعلم بوجوب تقليد الاعلم، مع علمه بتخالفهما في العديد من الفتاوى، أو بوجوب تقليد الاورع مع ذلك.
هذا في الحكم، وأمّا في الموضوعات والاحكام جميعاً فكما يفتي بجريان الاستصحاب، والبراءة، والاشتغال، وغيرها من الاُصول الحكمية والموضوعية، وقاعدة الفراغ، وقاعدة اليد، وغيرهما من الاُصول الموضوعية، ممّا يعلم الفقيه حال الافتاء أنّ بعض هذه الامارات والقواعد ـ خارجاً ـ على خلاف الواقع، وما أكثر نظائره في الايات، والروايات، والفتاوى.
وما أجاب به عن ذلك المحقّق الخراساني (قدس سره): من عدم التفات الفقيه حال الافتاء، محل إشكال من جهات عديدة ذكرت بتفصيل في الانسداد من الاُصول.


المناقشة حلاًّ

وأمّا حلاًّ: فلانّ الفقيه يفتي للعامي بجواز عمل العامي هكذا، لانّ الدليل المكلّف للعامي ليس أكثر من ذلك، وليست الفتوى لنفسه حتّى تكون مخالفتها لنظره تناقضاً، وذلك لانّ لكلّ شخص تكليف نفسه حسب ما يعرض له من اليقين، والظن، والشكّ.
ألا ترى أنّ من عنده استصحاب نجاسة ماء، لو سأله آخر عن حكم الماء مع جريان استصحاب الطهارة لذلك الثاني، جاز للاوّل الافتاء للثاني بطهارة الماء له ـ واستفادة عدم جواز ذلك في بعض الموارد المعيّنة من الادلّة الخاصّة، لا يعمّمها لكلّ أبواب الفقه كما لا يخفى ـ ؟
وهنالك نظائر كثيرة لذلك لا حاجة إلى التطويل بسردها.
وكان الوالد قد أرجع في التقليد إلى ابن العم (قدس سرهما) وبالعكس، مع ما كان بينهما من اختلاف وجوه النظر في المعقول والمنقول والاُصول والفقه ـ مبنىً وبناءً ـ.
والميرزا القمّي في جامع الشتات (25) أجاز تقليد صاحب الرياض (قدس سرهما) على ما بينهما من الخلاف في المبنى والبناء، والفقهاء عادةً يرجعون الناس في التقليد إلى أساتيذهم، مع ما بينهم وبين أساتيذهم من الخلاف في كثير من المسائل مبنىً وبناءً.
هذا مضافاً إلى ما ربما يقال: من أنّ أدلّة حجّية ما استفيد من الادلّة الاربعة إن كانت شاملة لكل الفقهاء ـ ثبوتاً وإثباتاً لعدم مانع في المقامين، مع تمام المقتضي للشمول ـ جاز لكل فقيه ترك استنباطه الفعلي، واتّباع استنباط فقيه آخر، إلاّ إذا حصل له العلم القطعي بخلاف الواقع، وأنّ الشارع أراد الواقع في مثله، فكيف بأن يفتي لاخر بذلك ؟ ولعلّه يأتي تفصيل لبحث هذه المسألة فيما يأتي إن شاء الله تعالى عند شرح المسألة الثالثة والاربعين، وقد أوفينا بحث ذلك بعض حقّه في الاُصول في تتمات بحث حجّية الشهرة الفتوائية وعدمها.


الوجه الخامس لحرمة البقاء مطلقاً
انكشاف الخطأ

الوجه الخامس: من أدلّة حرمة البقاء على تقليد الميّت: ما مرّ نظيره من أنّ المجتهد بالموت ينكشف له خطؤه في بعض فتاواه، فيعدل المجتهد الميّت عن تلك الفتاوى، ومع هذا العلم الاجمالي برجوعه عن بعض فتاواه، كيف يجوز للمجتهد الحي الفتوى بجواز البقاء على مجموع فتاوى الميّت، مع عدم العلم بموارد عدول الميّت عن فتاواه حتى يستثنيها ؟


مناقشات في الوجه الخامس
المناقشة الاُولى

وفيه أوّلاً: لا تنافي بين جعل الحجّية وبين مطلق العلم الاجمالي بالكذب، أو مخالفة الواقع في بعضها، كما في جعل الحجيّة للامارات والطرق الّتي يعلم إجمالاً مخالفة الواقع في بعض أفرادها، والكلام الكلام، والاشكال الاشكال، والنقض النقض، والجواب الجواب.


المناقشة الثانية

وثانياً: ما أسلفناه ـ في الوجه الثالث من أدلّة جواز البقاء على تقليد الميّت ـ من عدم الدليل على عدوله في عالم البرزخ عن فتاواه الّتي أخطأ فيها، بل لا دليل على معرفة خطئه في البرزخ أيضاً، فضلاً عن عدوله، فلعلّه لا يعرف القصور ـ على الاطلاق أو مطلقاً ـ وإنّما يعرف التقصيرات فقط.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: من أين لنا العلم الاجمالي بخطأ هذا المجتهد في فتاواه ؟
نعم، هناك علم إجمالي بخطأ بعض المجتهدين في بعض فتاواهم، لكنّه منحلّ بخروج معظم الاطراف عن محل الابتلاء، أو كونه غير محصور ـ على تفسيرات شتّى لغير المحصور ـ ونحو ذلك، وأين هذا من العلم بخطأ هذا المجتهد المعيّن الّذي كان يجب تقليده في خصوص الفتاوى الّتي هي محل ابتلاء هذا المقلّد ؟
مضافاً إلى أنّ نفس هذا العلم الاجمالي بالخطأ موجود في المجتهدين الاحياء، فكيف يجوز تقليد مجتهد حي مع وجود هذا العلم الاجمالي بالخطأ ؟ وكيف يجوز لمجتهد الفتوى بوجوب ـ أو جواز ـ تقليد المجتهد الّذي جمع هذه الشرائط مع علمه بخطئه في بعض فتاواه ؟
والجواب عن هذا هو بنفسه الجواب عن ذاك، وإن كان ربما يورد على ذلك: بأنّ فتوى فقيه بجواز البقاء مطلقاً لكلّ مقلّد على تقليد كل المجتهدين بعد موتهم، مثل هذه الفتوى الكلّية مع وجود الاختلاف بين الفقهاء الاموات في فتاواهم يساوق العلم الاجمالي بذلك، لكنّه ذكرنا أيضاً: أنّه من العلم الاجمالي المنحل، لعدم انحصاره ـ على تفاسيره المختلفة الّتي تزيد على العشرة كما حقّقناه في الاُصول ـ أو لخروج معظم الاطراف عن محل الابتلاء بالخصوص، أو لغير ذلك.


المناقشة الرابعة

ورابعاً: إذا شككنا، فالمرجع الاستصحاب، كما كان الاستصحاب مرجعاً لدى الشكّ في أنّ رأي الحي تبدّل أم لا.
نعم الفرق بينهما: إنّ الشكّ في تبدّل رأي الحي شكّ في الرافع، وفي الموت شكّ في المقتضي وإن كان قد يقال بإمكان إرجاعه إلى الشكّ في الرافع أيضاً، فتأمّل.


الوجه السادس لحرمة البقاء مطلقاً
انحصار المرجع

الوجه السادس: من أدلّة حرمة البقاء على تقليد الميّت هو: إنّه لو أُجيز ـ بالمعنى الاعمّ ـ البقاء على تقليد الميّت كان لازم ذلك صحّة انحصار المرجع لكلّ المؤمنين في ميّت واحد لامكانه، وهو مناف لضرورة المذهب.


مناقشة الوجه السادس

وفيه أوّلاً: إنّ هذا الاستدلال يناسب التقليد الابتدائي، فذكرهم له في التقليد الاستمراري غير ظاهر الوجه، إلاّ إذا أُريد به وحدة مرجع التقليد في زمان قصير جدّاً، كما إذا مات ذلك المرجع ولم يبلغ بعد موته شخص بحيث يحتاج إلى التقليد، حتّى لا يكون تقليداً ابتدائياً، وهو كما ترى.
مضافاً إلى أنّه يكون كالمرجع الواحد الحي، إذا انحصر فيه التقليد لاعلميته أو لغير ذلك، فالكلام الكلام والجواب الجواب.
وثانياً: في هذا الوجه إشكال صغرى وكبرى:
أمّا صغرى: فبأنّه لا يلزم وحدة مرجع التقليد الميّت إلاّ إذا كان الميّت مجمعاً لجميع الشروط المسلّمة، الّتي هي محل خلاف كلّ واحد واحد منها، بأن كان الميّت أعلم ـ بالمعنى الجامع لكلّ القيود المتّخذة في معناه من قبل جميع الفقهاء: بأن كان أدقّ نظراً، وأوسع اطّلاعاً للروايات، وللاشباه والنظائر، وأقوى حافظة وأذكى... ـ وكانت له فتوى في كلّ المسائل الّتي هي محل الابتلاء في مختلف العصور والازمان، وقلنا بوجوب تقليد الاعلم سواء كان حيّاً أم ميتاً، مع كلّ ذلك يلزم الانحصار، وكيف تتحقّق هذه الشروط الّتي منها إحراز كون الميّت أعلم من جميع الاموات والاحياء ـ بناءً على لزوم تقليد الاعلم ـ.
وأمّا كبرى ؟ فليكن هذا اللازم، ولا نسلم مخالفته لضرورة المذهب، وما الدليل على ذلك ؟ غايته الاستبعاد الناشئ من عدم اتّفاق مثله.


الوجه السابع لحرمة البقاء مطلقاً
إندراس الدين

الوجه السابع: من أدلّة حرمة البقاء على تقليد الميّت هو: ما روي صحيحاً في علل الشرائع مسنداً عن يعقوب السرّاج قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): « تبقى الارض بلا عالم حيّ ظاهر يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم ؟ فقال (عليه السلام) لي: اذاً لا يعبد الله ياأبا يوسف »(26).
بتقريب: أنه يجب الفزع إلى العالم الحي، وفي البقاء على تقليد الميّت لا يكون الفزع إلى العالم الحي.


مناقشات خمس في الوجه السابع
أُولاها

وفيه أوّلاً: أنّ ظاهر الرواية ـ ولو بقرينة الحال واستيناس الذهن المطّلع على أُسلوب كلمات الائمّة الطاهرين (عليهم السلام) أنّ المقصود من « العالم الحي » فيها: الامام المعصوم (عليه السلام) لا الفقهاء.
ويؤيّد ذلك رواية البصائر لهذه الرواية نفسها عن يعقوب السرّاج بهذه العبارة: « قلت لابي عبدالله (عليه السلام): تخلو الارض من عالم منكم حي ظاهر... » باضافة كلمة: « منكم ».
وما يقال: من أنّ الاصل كونهما روايتين، يدفعه وحدة الراوي، والمروي عنه، والسند، وسائر كلمات الرواية، ومع هذا كلّه فالاصل العقلائي لا مسرح له في مثله.
وما قيل: من أنّه بعد الاطمئنان بكونهما رواية واحدة، فالاصل مع نسخة العلل، لانّ الاصل عدم تكلّم الراوي بكلمة: منكم، زيادة عمّا تكلّم به. يدفعه: بأنّ هذا الاصل وهو استصحاب العدم الازلي لا يثبت العدم النعتي، مع أنّه معارض بأصل عدم زيادة هذه الكلمة.
مضافاً إلى أنّه معارض بأصل الظهور، وهو متى دار الامر بين: زيادة كلمة، أو نقيصتها، فالظاهر عدم زيادتها، ومعنى ذلك: أظهرية الرواية الّتي فيها الكلمة الزائدة من الّتي ليس فيها، فرواية البصائر تكون أقوى على ما هو مبنى القوم صناعياً.
اللّهم إلاّ إذا قلنا بأنّ هذه أظهرية دقّية ولا عرفية لها، ولا أقل من الشكّ في عرفيتها، وذلك لا يجعلها أظهر، المبني عليه حجّية وعدم حجّية خلافه، فهما ـ الزيادة والنقيصة ـ متعارضان، عرفاً، فيتساقطان، إذ الملاك في الاظهرية هي العرفية الواضحة.


ثانيتها

وثانياً: مع التنزّل لا تدّل هذه الرواية على المنع من البقاء على تقليد الميّت، لانّها تدلّ على لزوم وجود عالم حي، يفزع إليه في الحلال والحرام، ونحن نلتزم في عرض جواز البقاء على تقليد الميّت، بضرورة وجود مرجع حي، لاُمور:
1. مراجعته في المسائل والموضوعات المستحدثة، وبيان أحكامها.
2. مراجعته في تولّي شؤون المسلمين العامّة من الحرب والسلم، والمعاهدات الدولية وغيرها من باب الولاية العامة أو الحسبة، على الخلاف.
3. مراجعته في تولّي الشؤون الخاصّة للافراد كالغيّب، والقصّر، ونحوهما.
4. مراجعته في مسألة جواز البقاء على تقليد الميّت ـ إن لم يستقل عقل المقلّد بجوازه ـ.
إلى غير ذلك من ضرورات وجود مرجع حي يفزع اليه.
والحاصل: إنّا لا ننفي لزوم وجود مرجع حي، ليفزع إليه المسلمون فيما لا يمكن الفزع فيه إلى مجرد الفتوى، وإنّما نثبت جواز العمل بقاءً بآراء المجتهد الميّت.


ثالثتها

وثالثاً: إنّ الحياة المذكورة في الرواية من قبيل مفهوم الوصف ـ إن اعتبرنا وصفية لفظة: « حي» للـ « عالم » الّذي اشتهر بين القوم عدم حجّيته.
أو من مفهوم اللقب ـ إن لاحظنا الموصوف، إذ الوصف لا يزيد على موصوفه في الدلالة على المفهوم، والموصوف لقب لا وصف ـ الّذي كاد أن يطبق على عدم حجّيته أنظار الفقهاء قديماً وحديثاً.


رابعتها

ورابعاً: إنّه في كلام الراوي لا الامام (عليه السلام).


خامستها

وخامساً: جواب الامام (عليه السلام) جاء على جميع الكلام من حيث أنّه جميعه، ولا مفهوم لكلّ كلمة منه، ألا ترى أنّه لا يدلّ على اشتراط حضور مرجع التقليد في حجّية فتاواه، بل ولو كان مسجوناً كانت فتاواه حجّة، وكذا لا تدلّ هذه الرواية على اشتراط حجّيته بفزع الناس إليه، بحيث إنّه لو لم يقلّدوه لم تكن فتاواه حجّة.
من كلّ ذلك ظهر عدم استناد القول بحرمة البقاء على تقليد الميّت على مستند مكين.


القول الرابع
التفصيل بين كون الميّت أعلم أو الحي

وأمّا القول الرابع فهو: الّذي فصّل بين كون الميّت أعلم فيجب البقاء، أو الحي أعلم فيجب العدول، أو لا هذا ولا ذاك فيتخيّر.
وهذا التفصيل ـ فتوى ـ مستحدث، وإن كان احتمالاً صرّح به شريف العلماء وتبعه صاحب الضوابط احتمالاً ثامناً في المسألة(27) وإن احتمل ذلك أيضاً بالنسبة إلى بعض المطلقين من السابقين، إذ اطلاقهم منصرفة إلى موت المقلَّد ـ بالفتح ـ من حيث هو، لا من جهات أُخر، فتأمّل.
قال في المستمسك: « هذا كلّه مع تساوي المجتهدين: الميّت والحي في العلم، أمّا مع الاختلاف فالظاهر أنّه لا إشكال في بناء العقلاء على تعيّن الرجوع إلى الاعلم، فيجب العدول إلى الحي إن كان أعلم، كما يجب البقاء إن كان الميّت أعلم، بلا فرق بين ما علم وعمل وبين غيره، لعدم الفرق في بناء العقلاء المذكور، ولا مجال حينئذ للرجوع إلى الاُصول شرعية أو عقلية، نعم لو كان الرجوع إلى الاعلم من جهة الحكم العقلي بالتعيين عند الدوران بينه وبين التخيير كان الاصل الشرعي وارداً عليه، فيتعيّن الرجوع إلى الاصل المتقدّم... »(28).
ومقصوده (قدس سره) بالاصل الشرعي الاستصحاب، ووروده على أصل التعيين من جهة أنّ الاستصحاب أصل محرز، وأصل التعيين أصل غير محرز، والاصل المحرز دائماً رافع لموضوع الاصل غير المحرز، فالاستصحاب رافع لموضوع أصل التعيين وهو الشكّ ـ رفعاً تعبّدياً ـ بخلاف أصل التعيين فإنّه لا يرفع موضوع الاستصحاب وهو الشكّ المبني على اليقين السابق وليس الاستصحاب وأصل التعيين متكافئين حتّى يتساقطان لذلك.
وما قيل: من أنّ بينهما سببية ومسببية ولاجلها قدّم الاستصحاب على أصل التعيين، غير واضح، للزوم وحدة المجرى، وليست بين العرش والفرش، نظير الامارة والاصل المحرز، فتقدّمها ليست للسببية المجرّدة، بل لتقدّم موضوعه، فتأمّل.
ثم إنّ العقلاء ـ كالشرع وهو سيّد العقلاء ـ لهم أمارات، وأُصول محرزة، وأُصول غير محرزة، على ما حقّقنا ذلك في بحث الاستصحاب من الاُصول، فالعقلاء لهم بناء على حجّية خبر الثقة، والظواهر، بعنوان الامارية، ولهم بناء على الفراغ والتجاوز، بعنوان الاصل المحرز، ولهم بناء على البراءة في الشكّ في التكليف ـ كما هو المشهور ـ وعلى الاشتغال في الشكّ في المكلّف به، بعنوان الاصل العملي غير المحرز، فليس مجرّد وجود بناء للعقلاء دليلاً على الاماريّة والتقدّم على الاُصول الشرعية والعقلية، فبناء العقلاء على تعيّن الرجوع إلى الاعلم، قد يكون من باب المبرئية المسلّمة دون العالم، فيكون من باب أصالة التعيين، فيكون أصلاً عملياً لا أمارة، فيلزم إحراز أنّ البناء العقلائي على نحو الامارية والكاشفية، حتّى يكون مقدّماً على الاُصول الشرعية والعقلية، فتأمّل.
ووافق المستمسك على ذلك في التنقيح قال: « إذا علمنا أعلمية أحدهما فالمتعيّن هو الرجوع إلى أعلمهما سواء كان هو الميّت أم الحي ـ إلى أن قال ـ: إنّ السيرة العقلائية قد جرت على الرجوع إلى الاعلم من المتعارضين بلا فرق في ذلك بين الاعلم الحي والميّت، ولم يردع عنها في الشريعة المقدّسة.
إذن: لا مناص في المقام من التفصيل بين ما إذا كان الميّت أعلم من الحي فيجب البقاء على تقليده، وما إذا كان الاعلم هو الحي فلا يجوز البقاء على تقليد الميّت »(29).


هنا إيرادات
الايراد الاوّل

ولكن قد يورد على ذلك كلّه أوّلاً: بالاشكال والنقاش في استقرار بناء العقلاء على لزوم وحتمية تقليد الاعلم، مقابل الاحسنية والافضلية اللاّاقتضائية، نظير الخبر الحسّي الّذي لا إشكال في مراجعة الاوثق والاضبط فيه على نحو الافضلية، دون اللزوم، المستلزم لعدم حجّية الضابط والثقة في الحسيّات، وسيجيء البحث عن ذلك مفصّلاً في شرح المسألة الثانية عشرة إن شاء الله تعالى.


الايراد الثاني

وثانياً: بناء العقلاء وحده لا يؤسّس طريقاً شرعيّاً، إلاّ إذا لم يكن فيما وصل من الشرع ما يحتمل الرادعية عن ذلك البناء، أو يحتمل عدم الاعتداد بذلك البناء، من قبل الشرع، ولعلّ إطلاقات التقليد كافية للردع عن التزام هذا البناء، أو لعدم الاعتداد به ولزومه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وسيأتي بيان توقّف حجّية الاطلاق على عدم احتمال قرينية الموجود، وأنّ بناء العقلاء هل تحتمل قرينيته أم لا ؟
ولا ينافي ذلك ما تسالموا عليه وقرّرناه مكرّراً: من أنّ طرق الاطاعة والمعصية عقلائية، ولا تحتاج إلى إمضاء شرعي، ولكن هذا غير الردع الشرعي أو احتمال الرادعية في الموجود عن الشرع.


الايراد الثالث

وثالثاً: إنّ هذا الاطلاق لوجوب تقليد الاعلم، من الحي أو الميّت، يجب تقييده ـ كما سيجيء إن شاء الله تعالى ـ وقد قيّده في التنقيح: بأن لا يكون الاعلم وغير الاعلم متوافقين في الفتوى، وإلاّ كان الاستناد إلى غير الاعلم كالاستناد إلى الاعلم مجزياً وعلى حدّ سواء، لانّ الاستناد الخاص ـ بما هو استناد ـ لا موضوعية له في مثل ما نحن فيه كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ.


الايراد الرابع

ورابعاً: إنّ كون المرجع عند الدوران بين التعيين والتخيير هو التعيين مطلقاً، محلّ كلام ونقاش طويلين مبنيان: على أنّ التعيين قيد زائد، أم التخيير قيد زائد، حتّى ينفى بأصل العدم، ويأتي بمناسبة البحث عن ذلك إن شاء الله تعالى.
وعلى كلّ: فمرجع هذا القول إلى وجوب تقليد الاعلم مطلقاً، استثني منه صورة التقليد الابتدائي للميّت الاعلم من جهة الاجماع المدّعى على حرمته عند من يرى حجّية مثل هذا الاجماع، أمّا جمهرة من المتأخرين الّذين يخدشون في الاجماع لمجرّد احتمال استناده، فكيف يحرّمون التقليد الابتدائي للاعلم مع عدم تفريق العقلاء بين الحي والميّت، والابتداء والاستمرار ؟ فتأمّل.
وأمّا التخيير بين البقاء والعدول إلى الحي مع التساوي: فواضح أنّه لعدم الدليل الملزم لهذا، ولا ذاك، فيكون تخييراً عقليّاً بين حجّتين، وما احتمله بعضهم من كونه تخييراً شرعياً لانّه مقتضى ما استفيد من الادلّة الشرعية من عدم التعيين، غير واضح الوجه، إذ ـ مضافاً إلى أنّ مثل هذا التقرير يمكن معه حشر كلّ أنواع التخيير في الشرعي، لانّه بالنتيجة ينتهي إلى عدم تعيين الشارع ـ إنّ القوم اصطلحوا ظاهراً على تسمية ما كان ألفاظ الادلّة بلحاظ معانيها ظاهرة فيه بالشرعي، سواء التخيير أم غيره، وتسمية ما كان من لوازمها وملازماتها وملزوماتها ونحوها بالعقلي، وما نحن فيه من الثاني، لانّه نظير انطباق الكلّي على مصاديقه، والامر سهل.
تقليد الميّت بقاءً: القول الخامس
وأضاف السيّد الحكيم (قدس سره) في حاشية العروة وآخرون: أنّ العدول مع التساوي أولى وأحوط، وذلك خروجاً عن مخالفة القائلين بحرمة البقاء، ولعدم الاعتداد بالقول بحرمة العدول مطلقاً، أو باحتمال شموله للعدول من الميّت إلى الحي كما لا يخفى، هذا إذا علم الاعلمية أو التساوي، أمّا إذا لم يعلم أحدهما وشكّ، فسيأتي تفصيل الكلام عنه في مسألة تقليد الاعلم إن شاء الله تعالى.


القول الخامس
التفصيل بين المسائل الّتي عمل بها وبين غيرها

وأمّا القول الخامس: فهو التفصيل بين المسائل الّتي عمل بها حال حياة المفتي فيجوز البقاء فيها على تقليده بعد الموت، وبين المسائل الّتي لم يعمل بها حال حياته فلا يجوز البقاء فيها، مثل ما إذا كان المقلّد قد حجّ زمان حياة المفتي وأتى بمناسكه طبقاً لفتواه، ثمّ مات الفقيه وحجّ المقلّد ثانياً، جاز له العمل بفتاوى الميّت، وأمّا إذا لم يحج حتّى يأتي بمناسك الحجّ حال حياة المفتي، وأراد الحجّ بعد وفاته فلا يجوز له العمل بفتاوى الميّت، وهكذا.
وقد ذهب إلى هذا القول بعض المتأخّرين وجمع من فقهاء عصرنا.
ومستندهم في ذلك: هو عدم كونه بقاءً على تقليد الميّت في المسائل الّتي لم يعمل بها، وإنّما هو تقليد ابتدائي للميّت في تلك المسائل، وذلك بتقريب: إنّ التقليد لمّا كان هو العمل، لا الالتزام، فيتجزّأ هذا المعنى على كلّ مسألة مسألة، فالمسألة الّتي عمل بها المقلّد استناداً إلى فتوى الفقيه كان مقلّداً لذلك الفقيه في تلك المسألة، والمسألة الّتي لم يعمل بها المقلّد استناداً إلى فتوى الفقيه لم يكن مقلّداً لذلك الفقيه في تلك المسألة، سواء لم يعمل بتلك المسألة أصلاً من باب عدم الابتلاء، أم من باب اللاّمبالاة، أم كان عمله عن استناد إلى فتوى فقيه آخر، ففي المسائل الّتي لم يعمل برأي فقيه حال حياة ذلك الفقيه، يكون الاستناد إلى رأيه بعد وفاته تقليداً ابتدائياً كما يرشد إليه معنى: التقليد، المذكور سابقاً من أنّه جعل المقلّد عمله قلادة في عنق الفقيه، فالقلادة لم تحصل في المسائل الّتي لم يعمل المقلّد بها حال حياة الفقيه.
مضافاً إلى عدم جريان الاستصحاب ـ الّذي هو عمدة أدلّة جواز البقاء ـ في المسألة الّتي لم يعمل بها حال حياة المفتي، لعدم اليقين السابق له فيها.


هنا إشكالات
الاشكال الاوّل

وأُورد على ذلك أوّلاً: بإيراد مبنائي وهو عدم كون التقليد هو العمل بل هو الالتزام، ومعه فإذا كان حال الحياة ملتزماً كفى في صدق التقليد والبقاء.
وفيه ما مرّ سابقاً: من أنّ التقليد هو العمل لا مجرّد الالتزام.


الاشكال الثاني

وثانياً: كون التقليد هو العمل لا ينافي جواز البقاء في صورة الالتزام ومعرفة الفتاوى حال الحياة، كما ذهب إلى ذلك عدد من فقهاء العصر، مع تقييد ذلك بأن يكون ذاكراً لما تعلّمه حال حياة المفتي، وقد مرّ نقل ذلك.
وفيه ما تقدّم سابقاً: من أنّ ذلك لا يسلم على اطلاقه، إلاّ على القول بجواز تقليد الميّت ابتداءً، ولا يلتزم به القائل بذلك.


الاشكال الثالث

وثالثاً: بأنّه مع العمل في بعض المسائل يصدق عليه أنّه مقلّد للفقيه الكذائي، يصدق على مراجعة فتاواه بعد مماته ـ حتّى فيما لم يعمل بها حال حياته ـ أنّه باق على تقليده، والعرف ببابك.
فإذا صدق البقاء جاز، لادلّة جواز البقاء.
وحديث أنّ التقليد يتجزّء إلى كلّ واحدة واحدة من المسائل: وإن كان صحيحاً في نفسه، إلاّ إنّه لا ينافي صدق البقاء العرفي على العامل ببعضها في حال حياته.
وقد يقال: أنّ وجود صرف طبيعة التقليد العملي كاف في صدقه مطلقاً عرفاً، فالعامل بفتاوى زيد في المسائل الّتي هي محل ابتلائه إذا سئل عنه: من تقلّد في أحكام الدين ؟ فيقول: أُقلد زيداً، ويجعل اللفظ مطلقاً، ولا يقيّده: بما ابتليتُ به من المسائل. اللّهم إلاّ إذا قيل إنّه مجاز مشارفة أو أُوْل ـ على اختلاف الموارد ـ وعليه يبنى البقاء، فتأمّل.


نقض وإبرام

إن قلت: ليس لنا في أدلّة جواز التقليد عنوان: البقاء، حتّى ندور مدار صدقه وعدم صدقه.
قلت: تركيزنا على صدق: البقاء، ليس لموضوعية هذا العنوان في لسان الادلّة، وإنّما هو للخروج عن صدق عنوان: التقليد الابتدائي، الّذي ادّعي الاجماع على عدم جوازه، وبما أنّ عنواني: الابتداء والبقاء، متقابلان عرفاً، فصدق البقاء، يثبت عدم الابتداء.
وإن قلت: إنّ الاجماع على عدم جواز التقليد الابتدائي باطلاقه يشمل التقليد في كل المسائل ابتداءً، أو التقليد في بعضها ابتداءً.
قلت أوّلاً: الاجماع هذا قد خدشوا فيه صغرى وكبرى كما سيأتي البحث عنه إن شاء الله تعالى.
وثانياً: إنّ الاجماع بما أنّه دليل لبّي يكون القدر المشكوك فيه غير مشمول له، فيبقى بلا احراز إجماع في ذلك الفرد المشكوك دخوله تحت الاجماع، وشمول اطلاق معقد الاجماع يتوقّف على وجود معقد واحد للاجماع، وهو مفقود فيما نحن فيه.
وثالثاً: ما مرّ آنفاً من أنّ صدق البقاء عرفاً ـ الموجب لوحدة القضيتين حتّى يصحّ الاستصحاب ـ في مثل من قلّد وعمل ببعض المسائل حال حياة الفقيه، يمنع اندراج هذا الفرد في اطلاق الاجماع ـ على فرض وجوده، واطلاق معقده ـ.


إشكال وجواب

وأمّا الاشكال على جريان الاستصحاب: بأنّه في المسألة الّتي لم يعمل بها حال حياة الفقيه يكون بلا يقين سابق.
ففيه: بعد ثبوت أنّ موضوع الاستصحاب ليس دقياً عقلياً وإنّما هو عرفي كما عليه المشهور، بل لعلّه متسالم عليه بين الفقهاء، بعد ثبوت ذلك يمكننا القول بأنّ التقليد يعتبر عرفاً شيئاً واحداً، فإذا كان مقلّداً للفقيه وجائزاً له العمل بفتاواه حال حياته، يبقى بعد وفاته جائزاً له العمل بفتاواه، ولا يرى العرف أنّ هذا الجواز بعد الممات في المسائل الّتي لم يعمل بها حال حياة الفقيه غير الجواز الّذي كان حال حياة الفقيه.
هذا في الاستصحاب التنجيزي، وأمّا إذا أردنا تقرير الاستصحاب التعليقي فإنّه لا يحتاج إلى مثل ذلك، بل يجري بلا هذه الالتفاتة ـ بناءً على حجّيته ـ.
تقليد الميّت بقاءً: القول السادس
وأمّا حكم هؤلاء المفصّلين بين ما عمل به حال حياة الفقيه، وما لم يعمل به، بالجواز فيما عمل لا الوجوب: فهو لما سبق من أنّ جواز العدول إلى الحي جعل الاستصحاب أحد فردي التخيير، وإلاّ كان المقتضى وجوب البقاء فيما عمل بها حال حياة الفقيه ـ كما أفتى به الشيخ محمّد على المعروف بـ « ثقة الاسلام » الاصفهاني في حاشيته على مجمع المسائل للسيّد المجدّد الشيرازي (قدس سرهما)(30)ـ وإن كان قد يستفاد ذلك من مطاوي أدلّة القائلين بالوجوب مطلقاً، أو بالحرمة مطلقاً بناءً على الخدشة في أحد طرفي الاطلاق.
وعلى كلّ حال: فاحتماله قائم، وإن كان القول به غير معلوم، وعلى فرضه فهو غير تامّ لما تقدّم.
ثمّ إنّ العلاّمة الحائري قيّد ـ في هذا التفصيل ـ ما لم يعمل به من الاحكام حال حياة المفتي، بما إذا لم يقصد العمل، أمّا إذا قصد العمل حال الحياة فيجوز فيها البقاء أيضاً(31) ووجهه واضح، لكن التفريق بالقصد غير عرفي ظاهراً، فتأمّل.


القول السادس
التفصيل بين المسائل المبتلى بها وبين غيرها

وأمّا القول السادس: فهو التفصيل بين المسائل الّتي ابتلى بها حال حياة الفقيه فيجوز له العمل بها بعد وفاته، حتّى ولو لم يكن عمل بها حال الحياة، وبين ما لم يبتل بها حال الحياة فلا يجوز له التقليد فيها بعد الوفاة.
وهذا القول هو بعينه القول السابق مع تضييق في المسائل الّتي لم يعمل بها، بأنّه إن صار محلّ ابتلائه حال حياة الفقيه صار رأي الفقيه حجّة في حقّه، سواء عمل بها أم لم يعمل بها، إمّا لعدم المبالاة، أو للغفلة، أو للاحتياط، أو غيرها، فيستصحب هذه الحجّية بعد وفاته.
مثلاً: لو حجّ العامي في حين كان يجب عليه تقليد: زيد الفقيه، وصار الموقف مختلفاً بين الشيعة والعامّة، فأتى المقلّد بأعمال الحجّ من غير استعلام فتاوى الفقيه فيها، ولا استناد إليها إمّا لعدم المبالاة، أو للغفلة عن لزوم ذلك، أو أنّه احتاط فلم يكتف بوقوف العامة، ثمّ مات زيد المرجع، فحجّ هذا العامي ثانياً جاز له اتيان المناسك مطابقة لفتاوى زيد، فلو كان زيد يكتفي موافقة العامة في الموقف جاز له الاكتفاء، وإن كان حجّه في حال حياة زيد، بدون الاكتفاء بموافقة موقفهم.
وهذا القول وإن لم أر من ذهب إليه من المتأخّرين والمعاصرين فيما يحضرني من كتبهم ورسائلهم وحواشيهم، إلاّ أنّه نقل عن بعض، ويمكن أن يكون مستنده: تنجّز التكليف على المقلّد بالابتلاء، والجواز بالمعنى الاعمّ للعمل على فتاوى ذلك الفقيه، فيستصحب ذلك.


مناقشة القول السادس

وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ هذا القول لازمه جواز التقليد الابتدائي من المرجع الّذي ابتلى حال حياة ذلك المرجع ببعض المسائل مع أنّه لم يقلّد فيها أحداً في وقتها، ولكن لا أظنّه يقول بالتفصيل في التقليد الابتدائي، مع اتمامه بإمكان الخدشة فيه بأنّه دليل لبّي لم يحرز شموله لما نحن فيه، أو أنّه على فرض شمول المعقد المطلق يكون منصرفاً عن مثل ذلك ـ ما مرّ مراراً من أنّه بتقليده في بعض المسائل اعتبر مقلّداً له عرفاً، وجاز له الاستناد إلى أقواله وفتاواه، سواء الّتي عمل بها والّتي لم يعمل بها بعد، فيستصحب ذلك، ويكفي هذا القدر في الخروج عن الاجماع على حرمة التقليد الابتدائي من غير حاجة إلى ابتلائه حال حياة ذلك الفقيه.


القول السابع
التفصيل بين صورة العلم باختلاف الفتوى وعدمها

وأمّا القول السابع: فهو التفصيل بين صورة العلم بمخالفة فتوى الميّت لفتوى الحي فلا يجوز البقاء، وبين صورة عدم العلم بالمخالفة فيجوز البقاء.
وقد ذهب إلى هذا القول جمع من الفقهاء المتأخّرين والمعاصرين، ومنهم الوالد (قدس سره) في رسالته الفارسية المسمّاة: « ذخيرة العباد » كما تقدّم(32) دون حاشيته على العروة، إذ لم يعلّق على اطلاقها الجواز.
ومستندهم في هذا التفصيل هو أنّ الميّت والحي إمّا أن يعلم اتّفاقهما في الفتوى، أو لا يعلم لا اتّفاقهما ولا اختلافهما، أو يعلم اختلافهما في الفتوى، ففي صورتي: العلم بالاتّفاق، والجهل به، يجوز البقاء ويجوز العدول إلى الحي لشمول الادلّة ـ من الايات، والروايات، والاجماع، والسيرة الشرعية، وبناء العقلاء، وغيرها ـ لكلتا الفتويين على حدّ سواء، وفي صورة العلم بمخالفتهما في الفتوى، هناك مانع عن شمول الادلّة للفتويين، وهو التعارض الموجب للتكاذب.


مناقشة القول السابع

وفيه نقضاً أوّلاً: بمورد تساوي المجتهدين في الفضيلة، حيث لم يقيّد المعظم ذلك بعدم الخلاف بينهما.
وثانياً: في صورة الجهل بالمخالفة ينبغي عدم تجويز التقليد إذ عدم شمول الادلّة للمتعارضين لاجل التكاذيب يرجع إلى مقام الثبوت دون الاثبات، والتناقض احتماله أيضاً محال كما لا يخفى.
وحلاًّ أوّلاً: بما سيأتي إن شاء الله تعالى من أنّه لم يحقّق عدم شمول الاطلاقات لموارد الاختلاف.
وثانياً: في خصوص التقليد غير تامّ ذلك، للاطلاقات، وبناء العقلاء، مع العلم بالخلاف بين أهل الخبرة من المجتهدين، فتأمّل.


تفصيل لصورة العلم باختلاف الفتوى

ثم إنّ هنا تفصيلاً لصورة المخالفة نذكره مع بيان جهة النظر فيه.
قال في التنقيح: « وأمّا الصورة الثانية: أعني: ما إذا علمنا بالمخالفة بين المجتهد الميّت والحي الّذي يسوغ الرجوع إليه في الفتوى، فلا شبهة في أنّ العمل بما هو الموافق منهما للاحتياط مؤمّن من العقاب، سواء أكان فتوى الميّت أم الحي، كما إذا أفتى أحدهما بالوجوب والاخر بالاباحة.


هنا صورتان

وأمّا إذا فرضنا أنّ كلتا الفتويين على خلاف الاحتياط، أو أنّ كلتيهما على وفق الاحتياط من جهة، وعلى خلافه من جهة أُخرى، فلا يخلو:
إمّا أن لا يعلم أعلمية أحدهما ـ علم تساويهما أيضاً أم لم يعلم ـ وإمّا أن يعلم أعلمية الميّت من الحي، أو العكس:


الصورة الاُولى

أمّا الصورة الاُولى: أعني ما إذا لم يعلم أعلمية أحدهما مع العلم بمخالفتهما في الفتوى، فلا يكاد أن يشكّ في أنّ الفتويين ساقطتان حينئذ عن الاعتبار، لانّ الاطلاقات كما مرّ غير شاملة للمتعارضين فلا حجّية لفتوى الميّت ولا الحي، ومعه يتعيّن على المكلّف الاحتياط، لانّ الاحكام الواقعية متنجّزة في حقّه ولا يمكنه الخروج عن عهدتها إلاّ بالاحتياط.
هذا إذا تمكّن من الاحتياط، وأمّا إذا لم يتمكّن من الاحتياط إمّا لدوران الامر بين المحذورين وإمّا لعدم سعة الوقت للاحتياط، كما إذا أفتى أحد المجتهدين بوجوب القصر في مورد، وأفتى الاخر بوجوب التمام فيه ولم يسع الوقت للجمع بين القصر والتمام، فهل حينئذ يجب الرجوع إلى أحدهما المعيّن لحجّية نظره في حقّه أو أنّ كلتا الفتويين ساقطتان عن الحجّية كما في الصورة المتقدّمة والوظيفة هو الامتثال الاحتمالي وهو العمل على طبق إحداهما مخيّراً، لانّ المكلّف إذا لم يتمكّن من الامتثال الجزمي في مورد، تنزّل العقلي إلى الامتثال الاحتمالي ؟
الاخير هو الصحيح، لعدم دلالة الدليل على حجّية إحداهما المعيّنة بعد سقوط الاطلاقات عن الحجيّة بالمعارضة، ومعه يتنزّل العقل إلى الامتثال الاحتمالي لانّه الميسور للمكلّف، وهذا هو التخيير في مقام الامتثال، لا أنّه من التخيير في المسألة الاُصولية، لمكان حجّية إحداهما شرعاً.


الصورة الثانية

وأمّا الصورة الثانية: أعني ما إذا علمنا أعلميّة أحدهما، فالمتعيّن هو الرجوع إلى أعلمهما، سواء كان هو الميّت أم الحي، وذلك: لانّ الاطلاقات وإن لم تشمل شيئاً من فتوائيهما للمعارضة، إلاّ أنّ السيرة العقلائية قد جرت على الرجوع إلى الاعلم من المتعارضين، بلا فرق في ذلك بين الاعلم الحي والميّت، ولم يردع عنها في الشريعة المقدّسة.
إذن: لا مناصّ في المقام من التفصيل بين ما إذا كان الميّت أعلم من الحي فيجب البقاء على تقليده، وأمّا إذا كان الاعلم هو الحي فلا يجوز البقاء على تقليد الميّت.
هذا إذا لم تجر سيرة العقلاء على العمل بالاحتياط عند العلم بأعلمية أحد المجتهدين المتخالفين في الفتوى، أو لم نحرز سيرتهم، وإلاّ فالمتعيّن هو العمل على طبق الاحتياط »(33).
وتبعاً لهذا الاستدلال ورد التعليق في حاشية العروة في المسألة الثالثة عشرة الاتية ـ عند قول الماتن: « إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة يتخيّر بينهما » ـ بقوله: « مع عدم العلم بالمخالفة، وإلاّ فيأخذ بأحوط القولين » وفاقاً للسيّد القمّي الاب، والوالد (قدس سرهما)، قال الاوّل: « مع العلم باختلافهما في الفتوى في المسائل المبتلى بها » وقال الثاني: « في غير مورد العلم باختلافهما فيه »(34).


تأملات ونماذج توضيحية
النموذج الاوّل

وفيه: مواقع للتوضيح أو للنظر:
منها: كون الفتويين على خلاف الاحتياط مطلقاً، نظير المعاملات المختلف فيها: إنّها صحيحة أو باطلة، وكونهما على وفق وخلاف الاحتياط من جهتين، نظير موارد التزاحم المختلف فيها التقديم، كالمردّد أمره في الصلاة المفروضة، بين ترك القيام، وترك الركوع والسجود معاً.


النموذج الثاني

ومنها: كون نتيجة التعارض بين دليلين منجّزين هو التساقط مطلقاً كقاعدة عامة أوّلية غير مسلّم، ولا يخلو من النقاش والبحث الطويلين بين عدد من الاعلام، وفي المعاصرين من لا يلتزم بذلك تبعاً لاشكال الشيخ في بعض مباحث الرسائل، ولعلّه نشأ من اختلاط مقامي: الثبوت والاثبات، وسيأتي البحث عنه مستوفىً إن شاء الله تعالى.
وعليه: فالتخيير بين الفتويين يكون تخييراً في المسألة الاُصولية، أعني: التخيير في الحجّية التعيينية ـ ليشمل الاستمراري أيضاً ـ لا تخييراً في مقام امتثال التكليف بالموافقة الاحتمالية.


النموذج الثالث

ومنها: لا نسلّم تحقّق السيرة العقلائية على لزوم الرجوع إلى الاعلم من المتخالفين، لما نشاهده في الخارج: من رجوع الناس في حوائجهم إلى أهل خبرة كلّ شيء أعلمهم وغير أعلمهم.
نعم يستحسن العقلاء ذلك مع عدم أيّة مزاحمة مطلقاً، كما سيأتي تفصيل الكلام عن ذلك عند تعرّض الماتن (قدس سره) له في المسألة الثانية عشرة إن شاء الله تعالى.


النموذج الرابع

ومنها: يكفي في ردع هذه السيرة العقلائية ـ على فرض وجودها ـ اطلاقات الادلّة من الايات والروايات، مع أنّها كانت في وقت وجود الاعلمية بين الّذين كانت الاطلاقات تشملهم، والارجاعات تعمّهم، ومع ذلك فلا حجّية لهذه السيرة على فرض وجودها.
نعم، هو مبتن على مقدّمات ثلاث:
إحداها: تحقّق الاطلاق الّذي قد شكّك بعضهم فيها، وأسلفنا نفي البعد عن تماميته.
ثانيتها: وحدة التقليد الفعلي مع الرجوع إلى الرواة في عهد المعصومين (عليهم السلام) موضوعاً، أو حكماً ـ على الخلاف السابق ـ.
ثالثتها: وجود الاختلاف الفتوائي بين الرواة، كما لعلّه مسلّم، وقد مضى بعض الكلام عنه.
ومع تمام هذه المقدّمات، يكون إرجاع المعصومين (عليهم السلام) للعوام إلى الرواة قولاً، أو عملاً، أو تقريراً، والامر بافتاء الرواة وتشجيعهم على الفتوى ونحو ذلك، اغراءً بالجهل لو كان تقليد الاعلم متعيّناً وتقليد العالم باطلاً، فتأمّل.


النموذج الخامس

ومنها: لماذا لم يتمسّك بالانسداد الصغير، مع عدم امكان الاحتياط، ويفتي، بحجّية إحدى الفتويين ؟ مضافاً إلى أنّ هناك شقّاً ثالثاً ـ للشقّين المذكورين ـ وهو التخيير، فتأمّل.


النموذج السادس

ومنها: قوله: « هذا إذا لم تجر سيرة العقلاء... » ربما يظهر منه أنّه غير جازم بحجّية قول الاعلم في صورة المخالفة بينه وبين غير الاعلم، ومن أين هذا الشكّ ؟ فهل وجدنا الناس يحتاطون في المراجعة لخبراء العلوم والفنون، والسياسة والاقتصاد، وغيرها حتّى مع عدم وجود الاعلم في البين ومراجعته ؟
هذا تمام الكلام في مسألة البقاء على تقليد الميّت، وقد ظهر أنّ الاقوى جواز البقاء على تقليد الميّت مطلقاً، سواء في المسائل الّتي عمل بها، أو ابتلى بها ولم يعمل حال حياة الميّت أم غيرها، وسواء مع العلم بالمخالفة وعدمها، وسواء كان علم بأعلمية أحدهما وعدمه، نعم يشترط كونه عاملاً ببعض المسائل ـ إمّا مطلقاً أو بعضاً معتدّاً به ـ في حال حياة الميّت، صدقاً للبقاء، وخروجاً عن صدق التقليد الابتدائي.


بقيّة الاقوال

وهناك احتمالات أُخرى في المسألة ولعلّها تكون أقوالاً أيضاً، لكن وهنها وقلّة القائل بها، أو ضعف احتمالها أو دليلها، أو وحدتها دليلاً مع بعض ما ذكرنا من الاقوال، أو معرفة أدلّتها من الادلّة المذكورة، ونحو ذلك، أوجب الاضراب عنها.


المسألة الثانية
التقليد الابتدائي للميّت والاقوال فيها

المسألة الثانية: في الكلام عن التقليد الابتدائي للميّت، وفيها أقوال:


القول الاوّل

الاوّل: عدم الجواز مطلقاً، وهو المعروف بين المتأخرين والمنقول عليه الاجماع.


القول الثاني

الثاني: الجواز مطلقاً، نسبه الشهيد في محكي الذكرى إلى بعض، وتبعه في النقل صاحبا الجعفرية(35)
ومجمع الفائدة(36) فيهما، وهو المنقول عن الامين الاسترابادي، والفيض الكاشاني، والجزائري في: « منبع الحياة » والمحقّق القمّي في « القوانين » والميرزا حبيب الله الكاشاني تلميذ صاحب المستند في « منظومته في الفقه » وهو صريح صاحب الضوابط في كتابه وآخرين، وممّن مال إليه في عصرنا ـ من غير افتاء ـ الحجّة السبزواري في: « مهذّبه » والاخ الاكبر في: « موسوعة الفقه » وآخرون.


القول الثالث

الثالث: التفصيل بين وجود الحي الجامع للشرائط، وإمكان تحصيل فتاواه فلا يجوز، وبين عدم ذلك مطلقاً أو في ذلك الاُفق فيجوز، وهو المنقول عن العلاّمة، والاردبيلي، والشيخ سليمان البحراني(37) والشيخ علي بن هلال(38) وآخرين.


القول الرابع

الرابع: التفصيل بين من يفتي بنصوص الايات والروايات فيجوز تقليده ابتداءً، وبين غيره فلا يجوز، وهو المنقول عن الفاضل التوني (قدس سره) وغيره.


القول الخامس

الخامس: التفصيل بين موافقة فتوى الميّت لفتوى الحي فيجوز، وبين التخالف بين الفتويين فلا يجوز.


القول السادس

السادس: ما ذكره السيد المجاهد (قدس سره) في كتابه المعروف بـ « إصلاح العمل » تبعاً لبعض من تقدّمه، ووافقه عليه جمهرة من تلاميذه، وتلاميذهم: كالشيخ، والشيرازيّين، والمحقّقين: الخراساني والنائيني (قدس سرهم) وغيرهم، من التفصيل: بين إمكان الاجتهاد أو الاحتياط ـ مترتّباً، أو متساوياً ـ عقلاً وشرعاً، وبين عدم امكانهما، وإمكان العمل بقول المشهور كذلك، وبين عدمه وإمكان تحصيل فتوى الاعلم الازهد من الاموات، وبين عدمه، وفي الاخير يجوز تقليد الميّت ابتداءً، وهذا في الحقيقة ليس تقليداً للميّت إلاّ في حال الانسداد قال: « وإذا لم يتمكّن المكلّف من تحصيل مرتبة الاجتهاد وجب عليه الاحتياط، وإلاّ فالعمل بما هو المشهور بين الاصحاب، وإلاّ فتقليد الاعلم والازهد من الاموات، وإلاّ فتقليد الميّت مطلقاً » انتهى بتوضيح وتلخيص(39).


القول الاوّل
عدم الجواز مطلقاً ووجوه الاستدلال عليه

أمّا القول الاوّل: فهو عدم جواز تقليد الميّت ابتداءً مطلقاً، وهو المشهور بين المتأخّرين من علمائنا الابرار (قدس سرهم)، فتوى أو احتياطاً، واستدلّ لذلك بوجوه عديدة ربما أنهاها بعضهم إلى نيف وعشرين وجهاً، ولكن عمدتها الشهرة القطعية بين المتأخّرين من الفقهاء، والاجماع المدّعى نقله باستفاضة، ومعروفية ذلك من مذهب الشيعة كما ادّعي ونحن نذكر الوجوه وما فيها من كلام.


الوجه الاوّل لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
الاجماع

الوجه الاوّل ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: الاجماع، ادّعاه غير واحد من الفقهاء، فعن النراقي في المناهج: الاجماع المحقّق عليه، وعن المفاتيح: ظهور اتّفاق الاماميّة عليه، وفي منتهى الاُصول للبجنوردي: إنّه ادّعى الاجماع جمع كثير من الاساطين، كالمحقّق الثاني، والشهيد الثاني في المسالك، وصاحب المعالم في المعالم، والمحقّق الداماد، والعلاّمة في النهاية، وابن أبي جمهور الاحسائي، وقد استفاض نقله، حتّى أنّ الشهيد الثاني حمل كلام الشهيد الاوّل في الذكرى من خلاف بعض العلماء في المسألة، على علماء العامّة دون الخاصّة، وتبعه في ذلك الشيخ الانصاري حيث قال: « فلعلّ نظره إلى العامّة ».


المناقشة في صغرى الاجماع

وفيه مناقشة صغرىً وكبرىً:
أمّا صغرىً: فلخلاف جمع من الفقهاء: منهم من ذكرهم الشهيد (قدس سره) من خلاف بعض العلماء، الظاهر منه علماء الشيعة لا علماء العامّة، كما يؤيّد ذلك تتبّع كلمات الشهيد (قدس سره) في مختلف الابواب، ومنهم الاخباريون، والميرزا القمّي، وصاحب الضوابط في ضوابطه وغيرهم... وغيرهم.
والقول بأنّ مخالفتهم لا تضرّ بالاجماع للشبهة الحاصلة لهم: أمّا الاخباريون فلانّهم لا يجوّزون العمل بالفتوى إطلاقاً، لا من الحي ولا من الميّت، وإنّما يجوّزون العمل بمضامين الروايات وهذا هو النقل بالمعنى الّذي لا يفرّق أحد من المسلمين فيه بين الحي والميّت، فليس خلافهم في مورد النزاع، وهو العمل بفتاوى الميّت.
وأمّا الميرزا القمي (قدس سره) فإنّه اعتبر حجّية الفتوى من جهة الظن المطلق لدليل الانسداد الّذي ثبت في محله بطلانه.
وأمّا القزويني (قدس سره) فإنّه بنى جواز تقليد الميّت على الاجماع المركّب بين تقليد الموجود حال حياة المجتهد ولم يقلّد فمات، وبين غير الموجود، وهنا الاجماع المركّب مخدوش من جهات.
وكما أنّ الاجماع المعلوم الاستناد غير حجّة لانّه ليس أقوى من مستنده، كذلك خلاف بعض الفقهاء من جهة شبهة غير مستقيمة لا يضرّ بالاجماع ولا يخرمه، لانّ خلافهم مبني على المستند المعلوم عدم صحّته.


ملاحظتان

هذا القول يرد عليه ـ مضافاً إلى أنّ الشبهة للمخالف في المسألة إن لم تضرّ بالاجماع موضوعاً أو حكماً، لزم منه ادّعاء الاجماع في معظم المسائل الخلافية حتّى ذات الاقوال العديدة، بردّ أدلّة تلك الاقوال غير واحد منها، وهو كما ترى ليس إجماعاً لا موضوعاً، ولا حكماً ـ ما يلي:


الملاحظة الاُولى

أوّلاً: أنّ الاخباريين ـ كما أسلفنا في أوائل الكتاب ـ ينكرون اسمي: التقليد، والاجتهاد، لا واقعهما، فهم يقلّدون، وعلماؤهم يجتهدون، بدليل اختلاف علمائهم في فتاواهم، وليست فتاواهم مقتصرة على معاني الاخبار، بل فيها الكثير ممّا ليس إلاّ عن جمع أخبار بعضها مع بعض، وطرح أخبار، وحمل أخبار على غير ظواهرها لمعارضتها بما يقتضي ذلك، ومن مجموع مخض الاخبار يفتي علماء الاخباريين ويتبعهم العوام، فهل هذا إلاّ الاجتهاد والفتوى والتقليد ؟ وهؤلاء الاخباريون يجيزون تقليد الميّت ابتداءً في فتاواه وإن كانوا لا يسمّونه بـ « تقليد المجتهد الميّت » فهم في الواقع يجيزون ذلك، وهم جمهرة فيهم من أفاضل العلماء، فكيف يقال بأنّ مخالفتهم لا تضرّ بالاجماع ؟


الملاحظة الثانية

وثانياً: إنّ الميرزا القمّي وصاحب الضوابط (قدس سرهما) لم يبنيا تجويزهما لتقليد الميّت ابتداءً على دليل الانسداد حتّى يكون بطلان دليل الانسداد مانعاً عن خرم الاجماع بخروجهما، أمّا الثاني: فلم يظهر منه قول بالانسداد وإنّما بناه على الاجماع المركّب وغيره، وأمّا الاوّل: فإنّه أيضاً يعمل بالايات، والروايات والاصول، والاجماعات، ونحوها ممّا يعمل بها سائر الفقهاء، ويفتي عليها كما يفتي عليها سائر الفقهاء، وملاحظة كتبه العديدة في الفقه كالغنائم والمناهج وجامع الشتات وغيرها يوقف القارئ على صدق ذلك تماماً.
فالخلاف بين الميرزا القمّي وبين سائر الفقهاء ليس في الادلّة ولا في مفاداتها، وإنّما الخلاف في أنّ الفقهاء يعتبرون ما بأيدينا من الادلّة علمياً، فهي حجّة بعنوان أوّلي، والميرزا القمّي (قدس سره) يعتبر ذلك كلّه ظنّياً غير علمي، فهي حجّة عنده بعنوان ثانوي، فليس خلاف بينهما في أصل الحجّية ولزوم العمل بها، وإنّما الخلاف في أنّ حجّيتها بالعنوان الاوّلي أم بالعنوان الثانوي ؟ فمخالفتهما ناقضة للاجماع.


إيراد غير وارد

وبهذا يظهر عدم استقامة ما أورده على الميرزا القمّي: من أنّ لازم دليل الانسداد الّذي يلتزم به الميرزا القمّي، هو حجّية الظنّ على العامي، وكيف يحصل للعامي ظنّ بالحكم الواقعي مع اختلاف الاموات والاحياء في الفتاوى ؟
وجه الظهور: إنّ الميرزا القمّي (قدس سره) إنّما يجري دليل الانسداد للمجتهد لا للعامي، فالظنّ المطلق يكون حجّة للمجتهد لا للعامي.
ثمّ رتّب على ذلك: « فالصحيح ـ بناءً على هذا المبنى الفاسد ـ أن يقال: إنّ العامي يجب عليه العمل على فتوى المشهور في المسألة، لانّ فتواهم مفيدة للظنّ في حقّه »(40).

مناقشتان
الاُولى

وفيه أوّلاً: دليل الانسداد على الكشف لا يجعل الحجّة الظن المطلق حتى الصادر من غير الادلّة الشرعية ـ كما هو ثابت في الاُصول ـ وإنّما يجعل الحجّة الظن الصادر ممّا بأيدينا من الادلّة فليس ظن العامي حجّة عليه أصلاً.


الثانية

وثانياً: على فرض حجّية ظن العامي لا يتقيّد بالمشهور، بل حتّى أنّ نقل أهل العلم الّذين ينقلون للعوام الفتاوى يفيد الظن ـ وربما القوي، وأحياناً المتاخم للعلم ـ للعوام، فهل يلتزم أحد بحجّية مثله في حقّ العوام حجّية شرعية من باب الانسداد ؟ وهل هذا إلاّ نظير ذاك ؟


هل الشيخ الصدوق مخالف لهذا الاجماع ؟

وممّن نقل عنه مخالفة الاجماع المدّعى ـ في حرمة تقليد الميّت ابتداءً ـ هو الشيخ الصدوق (قدس سره) حيث حكى عنه الوافية: أنّ ابن بابويه صرّح بجواز العمل بما في: « من لا يحضره الفقيه » مع أنّه كثيراً ما ينقل فتاوى أبيه(41).
وما أُورد عليه: أوّلاً: من عدم ثبوت نقل الصدوق (قدس سره) فتاوى أبيه.
وثانياً: بأنّ نقل الصدوق (قدس سره) لها في كتاب التزم حجّيته بينه وبين الله تعالى، لازمه كون تلك الفتاوى، فتاوى نفسه أيضاً، فنقلها لعلّه لكونها فتاوى نفسه وهو حيّ، كأيّ فقيه تطابق فتاواه غالباً لفتاوى فقيه ميّت، فينقلها في رسالته العملية.
وثالثاً: بأنّ فتاوى أبيه هي مضامين الروايات المعتبرة عنده، ولذلك نجد أنّ العلاّمة المجلسي (قدس سره) نقل في البحار فتاواه مع أنّه كتاب معدّ لجمع الاخبار، وتبعه المحدّث النوري (قدس سره) في مستدرك الوسائل، والسيّد البروجردي (قدس سره) في جامع أحاديث الشيعة، وآخرين أيضاً.
ورابعاً: بأنّ والد الصدوق، والصدوق نفسه، كلاهما يعدّان من الاخباريين الّذين لا تضر مخالفتهم بالاجماع بعد كونها لشبهة ثبت عدم استقامتها.
ففيه: لولا الايرادان الاوّلان فالاخيران لا يصلحان إيراداً، إذ كونها مضامين الروايات المعتبرة لا يخرجها عن الاجتهاد، لانّ أخذ هذه الرواية دون تلك، وحمل إحداها على التقيّة، والاُخرى على بيان الحكم الواقعي، ورمي واحدة بالضعف، واعتبار الاُخرى معتبرة، ونحو ذلك اجتهاد وعمل بالاستنباط في الاخبار.
وكونهما: من الاخباريين لا يتمّ جواباً عن خرقه الاجماع ـ كما مرّ آنفاً ـ.
نعم: لو ثبت الايراد الاوّل ـ وهو أنّ الصدوق (قدس سره) لم ينقل فتاوى أبيه في كتاب: « من لا يحضره الفقيه » أصلاً، أو أنّه إنّما نقل من فتاوى أبيه، ما وافق فتوى نفسه، ولذا لم ينقل جميع رسالة أبيه في الفقيه، بل نقل بعضها ـ تمّ الردّ، ولو كان الامر بالعكس، فالخدشة في الاجماع غير بعيدة عن الصناعة.


تأكيد وتأييد

وممّا يدلّ على عدم تماميّة هذا الاجماع المنقول: ما عن الجعفرية للكركي وشرح الارشاد للاردبيلي من: « أنّ اشتراط الحياة قول الاكثر » الظاهر منه وجود المخالف من علماء الشيعة. وحكي عن شرح الجعفرية للفاضل الجواد: أنّ جواز تقليد الميّت قول بعض علمائنا.
ويؤيّد ذلك: ما عن المعالم وغيره: من أنّ المتأخرين عن الشيخ الطوسي كانوا يقلّدونه، حتّى عرفوا في الفقه بالمقلّدة، إلى زمان ابن إدريس الحلّي الّذي فتح باب الاشكال على الشيخ الطوسي.
وقال الفاضل الكلباسي: « ويشعر كلام بعضهم بوجود الخلاف كالعلاّمة في التهذيب... ويظهر ذلك من جماعة كالشهيد في الذكرى حيث نسب المنع إلى ظاهر العلماء والتجويز إلى بعضهم... وكذا المحقّق الثاني في الجعفرية حيث نسب الاشتراط إلى الاكثر، وتبعه الشهيد الثاني في المنية والمقاصد، والاردبيلي »(42).


مناقشة ـ في صغرى الاجماع ـ غير تامّة

وما قيل في رد الاجماع صغرىً: من أنّ مسألة تقليد الميّت مسألة حادثة لم يكن لها ذكر في عصور الائمّة الطاهرين (عليهم السلام) والّتي تلتها من عصور، فلا يتمّ ادّعاء الاجماع فيها.
ففيه: ـ مضافاً إلى ما عليه جمع من المحقّقين: من كفاية تحقّق الاجماع المحصّل في عصر، وإن كان العصران المكتنفان به قبلاً وبعداً في خلاف بين الفقهاء ـ إنّ تقليد الميّت كان موجوداً حتّى في زمن الائمّة الطاهرين (عليهم السلام) ولا أقل من تقليد العامّة لعلمائهم حتّى بعد موت أُولئك العلماء.
إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبّع في الكتب المفصّلة.
هذا حال الاجماع المنقول صغرىً على حرمة تقليد الميّت ابتداءً، وإن كان يرد على ذلك كلّه ما نقل عن بعض الفقهاء إنّه قال: « إنّ الاجماع الّذي نقله عدد من أساطين المذهب وكبار محقّقي علمائنا الاعلام، مع الشهرة العظيمة المحصّلة القطعية، والسيرة من أهل التديّن في مختلف الاعصار والامصار، والطريقة المستقيمة على اعتبار تقليد الميّت ابتداءً، أمراً غير مشروع وغير مألوف... من أقوى الادلّة على المنع من التقليد الابتدائي للميّت».


المناقشة في كبرى الاجماع

وأمّا كبرىً: فقد أُورد عليه ـ على سبيل منع الخلو ـ ما يلي:
أوّلاً: بأنّه مدركي، للقطع باستناده إلى بعض الادلّة المذكورة، ولا أقل من احتمال ذلك.
وثانياً: بأنّ من المحتمل ـ أيضاً ـ كون مستند الاجماع دليلاً لو اطّلعنا عليه لم يكن معتبراً عندنا.
وإن كان في كلا الايرادين نظر، وقد بحثناهما في الاُصول مفصّلاً، وهنا أيضاً تقدّم منّا، وباختصار: إنّ الاجماع إذا كان محصّلاً فإنّ مثل هذه الايرادات لا يصادم حجّيته، فإنّه برأسه طريق عقلائي غير مردوع عنه من قبل الشرع، نظير ما يقال في أصل وجوب التقليد، وتقليد الاعلم، وغيرهما.


الوجه الثاني لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
أصالة عدم الحجّية

الوجه الثاني ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: أصالة عدم الحجّية، لانّ التقليد وحجّية رأي أحد بالنسبة لاخر خلاف الاصل، خرج عن هذا الاصل تقليد المجتهد الحي بالادلّة، وبقي تقليد المجتهد الميّت ابتداءً تحت الاصل.
وقرّر الشيخ الانصاري (قدس سره) هذا الدليل: بأنّ الاصل حرمة التقليد المستفاد من الكتاب، خرج عنها فتوى الحي إجماعاً، وبقي الموارد المشكوكة تحت الاصل المذكور.
وقرّره آخرون: بأصالة حرمة العمل بالظن بالادلّة الاربعة، والتقليد من الظن.
وقد يقرّر بوجوه أُخرى.


مناقشة الوجه الثاني

وفيه أنّ الادلّة الّتي تثبت بها حجّية فتوى الحي بنفسها وبغيرها ـ كالاستصحاب ـ تثبت حجّية فتوى الميّت من الكتاب، والسنّة، والعقل، والسيرة العقلائية، وغيرها ممّا يأتي كل دليل منها على انفراده واستقلاله، ومعه فلا مسرح للاصل، لانّه أصيل حيث لا دليل، ولا أصل حاكم عليه كالاستصحاب.


إيراد الشيخ على نفسه وجوابه

ثمّ إنّ الشيخ الانصاري (قدس سره) عند ذكر هذا الدليل أورد على نفسه إيراداً وأجاب عنه بما حاصلهما:
إن قلت: اختصاص الاجماع المذكور بالحي غير صحيح، لعمل السلف بفتاوى عليّ بن بابويه عند اعواز النصوص، مع أنّه من مصاديق التقليد الابتدائي للميّت.
قلت: فتاوى عليّ بن بابويه (قدس سره) ليست بمنزلة الفتاوى عندنا، فهي كفتاوى أصحاب الائمّة (عليهم السلام) إنّما كانت مضامين الروايات، وكثيراً ما كانت نقل الرواية بالمعنى الاوضح، والانسب، كما يرى الاخباريون ذلك في مطلق الفتاوى الّتي يعملون بها، وأعقب الشيخ (قدس سره) قائلاً: ومن اطّلع على حال السلف وكيفية الاستفتاء والافتاء يقطع بذلك.
ثمّ أضاف: ويكفيك شاهداً في المقام ما قاله العمري بعد ما سئل عن كتب الشلمغاني: « أقول فيها ما قاله أبو محمّد الحسن بن علي (عليهما السلام) وقد سئل عن كتب بني فضّال... فقال (عليه السلام): خذوا بما رووا وذروا ما رأوا »(43) فإنّه (قدس سره)أفتى بنصّ الرواية....


مؤاخذات على جواب الشيخ
المؤاخذة الاُولى

وربما يؤخذ على هذا الجواب أُمور:
أوّلاً: إنّ فتاوى علي بن بابويه (قدس سره) لم تكن كلّها مضامين الروايات، بل كان هو أيضاً مجتهداً يجتهد في الروايات فيأخذ بحديث، ويطرح حديثاً، ويجمع بين حديثين، ويعمل بالتراجيح، ويحمل المطلق على المقيّد، والعام على الخاص، ويخصّص بمنطوق حديث، مفهوم حديث آخر أحياناً، وبالعكس أحياناً، ويحمل الظاهر على الاظهر، وعلى النص، وغير ذلك ممّا لابدّ منه للّذي يريد أن يعمل بالاخبار، لكثرة احتياج العمل بالاخبار إلى أمثال ذلك فيها(44).
نعم، لم يكن باب الاجتهاد والاستدلال بهذه السعة الّتي هي عليها الان، ولكن لم يكن أيضاً بحيث يكون منحصراً في مضامين الروايات الّتي يعبّر عنها بالنقل بمعنى أوضح، وهذا يكفي لان تدلّ على أنّ فتاوى عليّ بن بابويه آراؤه المستنبطة من الروايات، لا مجرّد روايات، والموجبة الجزئية نقيض للسالبة الكلّية.


المؤاخذة الثانية

وثانياً: أجبنا مثل ذلك عن الاخباريين سابقاً في أوّل الكتاب عند الكلام على جواز التقليد: من أنّ الاخباريين أيضاً يجتهدون، والعوام يقلّدونهم، فحقيقة الاجتهاد وحقيقة التقليد موجودتان عندهم، وإنّما يتوجسون خيفة عن لفظيهما كما لا يخفى.


المؤاخذة الثالثة

وثالثاً: الاستشهاد بفتوى واحدة للعمري (قدس سره) في الجواب عن كتب الشلمغاني، لا يكون دليلاً على أنّ كل فتاواه كانت كذلك، فكيف بأن يكون شاهداً كافياً ؟ مع أنّ الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً، ثابت لا نقاش فيه، فكيف يكون هذا الجزئي دليلاً على الكلّي ؟ وإلاّ فما أكثر ما يوجد في كتب المحقّق والعلاّمة والشهيدين وغيرهم من المجتهدين حتّى نفس الشيخ الانصاري، أحياناً أمثال ذلك من الفتوى بنصّ الرواية وذكر الرواية بعضها، كما لا يخفى لمن تتبّع كتبهم الاستدلالية.
هذا مضافاً إلى أنّه أيضاً اجتهاد من العمري، لانّ سحب الحكم من بني فضّال إلى الشلمغاني ـ مع الفوارق العديدة بينهما ـ إنّما هو للقطع بالمناط، وهذا بعينه الاجتهاد، وليس نقلاً لمعنى الرواية وتطبيقاً لها على بعض مصاديقها.
إذن: فهذا الاصل ـ أي: أصالة عدم حجّية الفتوى ـ كما لا تشمل الحي لخروجه تخصيصاً بالاجماع ـ كما قاله الشيخ ـ كذلك يدّعي القائل بجواز تقليد الميّت ابتداءً: بأنّه أيضاً خرج تخصيصاً بأدلّة أُخرى، فالعمدة النظر في تلك الادلّة.
ثمّ إنّه ممّا يؤيّد ذلك كلّه أيضاً ما اشتهر: من أنّ الطائفة كانت تعمل بنهاية الشيخ الطوسي بعد وفاته إلى مدّة مديدة، حتّى سمّى بعضهم، علماء تلك العصور: بالمقلّدة، وهذا من التقليد الابتدائي للميّت، وقد كتب ابن إدريس (قدس سره)في مقدّمة السرائر: إنّه كتبه لكي لا ينضب الاجتهاد عند الشيعة كما نضب عند العامّة، ونحن ـ وإن لم نسلّم تقليد عامّة الشيعة حتّى الفقهاء للشيخ الطوسي، لكنّه ربما لا يشكّ في عمل معظم الشيعة بالنهاية بعد وفاة الشيخ، وتقرير الفقهاء لذلك، وهذا يكفي في خرم الاجماع على حرمة التقليد الابتدائي للميّت، فإنّه ليس من الاجماع المصطلح الّذي هو اتّفاق الكلّ في جميع العصور.


الوجه الثالث لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
أصالة التعيين

الوجه الثالث ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: أصالة التعيين عند الدوران، فالامر دائر بين تعيين تقليد الحي، أو التخيير بينه وبين تقليد الميّت.


مناقشة الوجه الثالث

وفيه: ـ مضافاً إلى أدلّة الجواز الّتي يأتي ذكرها ـ مع تسليم أنّ الاصل في المقام هو التعيين، لكنّه معارض بأصل حاكم ومقدّم عليه هو: الاستصحاب، على تقاريره المختلفة، الّذي سيأتي الكلام عنه ـ إن شاء الله تعالى ـ في أدلّة المجوّزين مطلقاً، لما حقّقه جمع من المحقّقين في الاُصول: من أنّ الاستصحاب مقدّم على أصالة التعيين، لانّه يرفع الشكّ تنزيلاً، فلا يبقى موضوع لاصل التعيين الّذي موضوعه المشكوك.
ويصرّح الفقهاء في مختلف الموارد بحكومة الاستصحاب على أصل الشغل، قال في الجواهر في عتق العبد الابق إذا لم يعلم موته، اعتماداً على استصحاب بقائه: « ودعوى معارضة أصالة البقاء بأصالة الشغل واضحة الفساد، بمعلومية ورود الاُولى على الثانية »(45).


هل أصل البراءة حاكم على الاشتغال ؟

ثم إنّ كلمات الاعلام مضطربة في مسألة أصالة الاشتغال، ومحكوميتها بأصالة البراءة، فتارةً يقدّمون هذه، وأُخرى تلك، مع عدم فارق، ففي مسألة شروط المعتَق ـ بالفتح ـ عند الشكّ في الايمان بمعنى: الاسلام، يجرون أصالة الاشتغال، وفي اشتراط الايمان بمعنى: الاثني عشرية، يجرون البراءة، وللمثال انظر إلى الجواهر، فإنّه، استدلّ للمسألة الاُولى بقوله: « وبقاعدة الاحتياط الواجب مراعاتها عند كثير في مثل المقام، تحصيلاً للبراءة اليقينية من يقين الشغل »(46).
واستدلّ للمسألة الثانية بقوله: « وكذا لا يعتبر الايمان بالمعنى الاخص الحادث، الّذي هو بمعنى: الاقرار بالائمّة الاثني عشر (عليهم السلام)... خلافاً للتنقيح فاعتبره... لقاعدة الشغل الّتي هي غير متّبعة هنا »(47).
وقد صرّح الشيخ الانصاري في الرسائل(48) بجريان أصالة عدم الاشتراط حتّى إذا كان المشروط والعاري عنه متباينين خارجاً.


كلام العراقي في شرح التبصرة

وما ذكره المحقّق العراقي تبعاً لجمهرة من الاعيان قبله: من استثناء ما إذا لم يمكن أن يصير العاري عن الشرط، متلبّساً بالشرط، كالهاشمية في الشخص لخروجه عن الاقل والاكثر عرفاً ودخوله عندهم في المتباينين.
ففيه: ـ مضافاً إلى عدم التزامه هو بذلك في الفقه، ودونك فقهه في موارد عديدة، ومنها: في الحجّ في كفّارة تغطية الرأس ودورانها بين: الشاة وغيرها، من البقرة والبدنة، قال: « وحينئذ يرجع المقام إلى دوران الامر بين: الشاة وفوقها، ومن المعلوم: إنّ المقام حينئذ بنظر العرف من باب الاقل والاكثر »(49)ـ ما يلي:
أوّلاً: هذا الاستثناء يناسب القضايا الخارجية، لا الحقيقية، وأدلّة البراءة من الحقيقية كما لا يخفى.
وثانياً: أيّ قصور في شمول اطلاق: « لا يعلمون » له، وكونه مصداقاً لـ:« اللاّبيان » ؟


بين الاصلين: السببي والمسبّبي

والحاصل: أنّ أصل التعيين مسبّب عن الشكّ، وأصالة عدم اشتراط الحياة سبب، ومع جريان الاصل السببي لا تصل النوبة إلى الاصل المسبّبي لعدم موضوع له. وذكر ذلك الشيخ (قدس سره) في عديد من الموارد من فقهه وأُصوله، ومنها: في كتاب الطهارة، قال: « وقد تقرّر في تعارض الاُصول: أنّ الاصل الجاري في الشكّ السببي، كالدليل بالنسبة إلى الاصل الجاري في الشكّ المسبّبي، سواء كان معارضاً له أم معاضداً »(50).
والقول: بأنّ الشكّ في التخيير فيما نحن فيه شكّ في حجّية فتوى الميّت، والشكّ في الحجّية موضوع لاصالة عدم الحجّية، ولا أصل سببي حاكم عليها.
يجاب: بأنّ الشكّ في الحجّية إن كان متعلّقاً بأمر مستقل: كحجّية الظنّ في القبلة، أو في أفعال الصلاة، أو الوقت، أو نحو ذلك، كان مسرحاً لاصالة عدم الحجّية، أمّا إذا كان الشكّ في الحجّية مسبّباً عن الشكّ في اشتراط شيء ـ سواء كان الشرط وحيداً، أو أحد الشروط ـ فالبراءتان: العقلية، والشرعية متطابقتان على عدم الاشتراط، ومعهما لا موضوع لاصالة عدم الحجّية، إذ أصالة عدم التعيين ـ لانه زائد مشكوك فيه ـ تجري في موردين: وجود اطلاق، أو كونه شكّاً في الشرطية، وأصالة التعيين تجري في موردين: العنوان والمحصّل، والحجّية المستقلّة.


أصل التعيين والتأمّل فيه

ثمّ إنّ أصل التعيين لا يعيّن تقليد الحي مطلقاً، لانّه قد يكون في الميّت مزيّة أُخرى كالاعلمية، أو الاوثقية، أو الاورعية، أو نحو ذلك ممّا لا يكون الدوران بين تقليدي: الميّت والحي مطلقاً من الدوران بين التعيين والتخيير، بل من الدوران بين تعيين هذا، وتعيين ذاك، والتخيير بينهما، ممّا هو مسرح التخيير فيها بناءً على حاكمية أصل البراءة ـ في مثله ـ على أصل الاحتياط، أو وروده عليه، على اختلاف الموارد، واختلاف الانظار في تفسيري: الحاكمية والورود، ممّا فصّل في الاُصول.
إلاّ أن يقال: بأنّ الاجماع على عدم وجوب تقليد الميّت مطلقاً يزيل احتمال تعيّنه، لكنّه على اطلاقه موضع تأمّل، خصوصاً في مثل ما لو كانت فتوى الميّت موافقة للاحتياط، أو كانت عين مضامين الروايات، أو نحو ذلك على أقوال ستجيء إن شاء الله تعالى مضافاً إلى الاشكال في هذا الاجماع صغرويّاً.

هنا إشكالان

وقد أُورد على أصل التعيين في المقام بأُمور لا تخلو من النقاش أو الردّ، نذكر المهم منها، وهما إثنان:


الاشكال الاوّل

الاوّل: حيث إنّ مقتضى أصل التعيين هو الاحتياط، فقد يعارض هذا الاحتياط، الاحتياط في المسألة الفرعية، كما لو كان الميّت مفتياً بوجوب الجمع بين صلاتي: الجمعة والظهر، أو القصر والتمام، أو الصوم والقضاء، ونحو ذلك، والحي مفتياً بأحد طرفي المسألة، فلا يتعيّن بذلك في مثله تقليد الحي، ولا يحرم في مثله تقليد الميّت ابتداءً، وتكفي الموجبة الجزئية نقيضاً للسالبة الكلّية كما لا يخفى.


مناقشة الاشكال الاوّل

وفيه: أنّ ما ذكر، خارج موضوعاً عن البحث، إذ البحث فيمن يقلّد، وهو قسيم المختار، ولا ينقسم القسيم إلى قسيمه وغيره، وإلاّ لسقط اشتراط جميع الشروط في مرجع التقليد لاجل الاحتياط إذا ذهب اليه فاقد الشروط.
اللّهم إلاّ إذا قلنا بعدم جواز الاستناد إلى فاقد الشروط، وإن كان العمل المستند فيه احتياطاً، وهو محل إشكال بل منع، لما أسلفناه: من صحّة الاحتياط مطلقاً، لكونه تحصيلاً للواقع، ولا أمر وراءه إلاّ في ما خرج بالدليل الخاص، كتحصيل الواقع من طريق أهل البيت (عليهم السلام) لا غير، ونحو ذلك.
وما قيل في الجواب عن أصل التعيين ـ هنا ـ: من أنّ أصل التعيين احتياط في المسألة الاُصولية، وهو مقدّم على الاحتياط في المسألة الفرعية، لكونهما من قبيل السبب والمسبّب، ولا موضوع للمسبّب مع السبب.
ففيه: أنّ أصل الاحتياط في المسائل الفرعية يجري في عرض كل الاُصول العملية، بل الامارات والطرق أيضاً.
ووجهه هو: أنّ تنقيح المسائل الاُصولية يرفع الالزام عن المسبّب ـ وهو المسائل الفرعية ـ فيكون منجّزاً ومعذّراً، لا أنّه يرفع الجواز، كيف وقد اشتهر بين الفقهاء: إنّ الاحتياط حسن على كل حال ؟ فتدبّر.
والدوران بين التعيين والتخيير معناه: الدوران بين متيقّن الحجّية، وبين غير متيقّن الحجّية، والشك في الحجّية موضوع لعدم الحجّية، أمّا إذا وافق غير متيقّن الحجّية الاحتياط تبدّل الموضوع، وصار حجّة للاحتياط.


الاشكال الثاني

الثاني: إنّ الشكّ في المقام مرجعه إلى الشكّ في مرجّحية الحياة لفتوى الحي وعدمها، وبما أنّ المرجّحية كالحجّية أمر توقيفي، فمع الشكّ فيها يكون الاصل عدمها.


الوجه الرابع لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
السيرة

الوجه الرابع ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: السيرة القائمة على تقليد المؤمنين للاحياء من الفقهاء دون الاموات، وباضافة أصل عدم النقل المعبّر عنه بالاستصحاب القهقري، أحياناً يتمّ استمرارها قهقريّاً إلى زمان المعصومين (عليهم السلام)، فتتمّ السيرة المتّصلة إلى زمان المعصوم، ومع تمامها كان دليلاً مستقلاً برأسها.


مناقشة الوجه الرابع

وأُورد عليها أوّلاً: أنّ المعلوم إنّما هو أصل السيرة، أمّا وجهها فهو غير معلوم، إذ لعلّها على جهة السهولة، أو الافضليّة، أو الاحتياط، أو ما أشبه. وما دامت جهة السيرة غير معلومة فهي لا تشهد نفياً للمقابل، ولا تتمّ هذه السيرة دليلاً على حرمة تقليد الميّت ابتداءً، إلاّ إذا علمنا من هذه السيرة كونها لاصل حرمة التقليد الابتدائي للميّت.
وبعبارة أُخرى: السيرة قامت على جواز تقليد الحي، لا على حرمة تقليد الميّت، ومجرد الفعل لا يدلّ على نفي الطرف المقابل.
أقول: لعلّ الوجه للسيرة ظاهر، وهو: الاشكال في تقليد الميّت ابتداءً، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وثانياً: لا دليل على حجّية الاستصحاب القهقري وإن ذهب إليه بعضهم كما في تقرير بحث شريف العلماء (قدس سره)، إلاّ في جزئي واحد وهو الظهور كما حقّق في الاُصول.
وثالثاً: لا علم لنا بقيام مثل هذه السيرة علماً قطعياً، يكون منجّزاً ومعذّراً للافتاء بحرمة تقليد الميّت ابتداءً، مع ما في الفتوى بغير علم من المحذور، نعم لا ينكر الظنّ، ولكنّه لا يغني من الحقّ شيئاً، فتأمّل.
ورابعاً: إنّ السيرة مردوعة بالادلّة الّتي تقام وستأتي إن شاء الله تعالى على جواز التقليد الابتدائي.
وخامساً: إنّ السيرة غير محقّقة بعد تقليد العوام بل الفقهاء من السلف، لامثال عليّ بن بابويه، وللشيخ الطوسي (قدس سرهم) برهة طويلة من الزمان ـ كما مضى آنفاً بحثه ـ وبعد تقليد الاخباريّين لعلمائهم الاموات كابن عصفور وصاحب الحدائق وغيرهما.
وسادساً: هذه السيرة محتملة الاستناد إلى فتاوى الفقهاء ولا حجّية لمثلها، فتأمّل.


الوجه الخامس لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
الدور

الوجه الخامس مما استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: هو أنّ تقليد الميّت ابتداءً إمّا بتجويز الميّت ذلك فهو دور، أو بتجويز المجتهد الحي ذلك فهو تقليد للحي.


مناقشة الوجه الخامس

وأُورد عليه: ـ مضافاً إلى أنّه فليسمّ تقليداً للحي، إذن: فيجوز العمل بفتاوى الميّت ابتداءً، مع أنّه قد يكون لحكم عقله بجوازه، أو كان فاضلاً واجتهد في تقليد الميّت، وإلاّ لنقض ذلك بأكثر المسائل في التقليد، فتقليد العالم لا يجوز، لانّه إمّا بتقليد العالم فهو دور، أو الاعلم فهو تقليد الاعلم، وهكذا تقليد المتجزّي والاعمّي، ونحو ذلك ـ ما يلي:
أوّلاً: قد يكون مستند جواز التقليد الابتدائي غير فتوى الحي والميّت، وإنّما بحكم عقله واجتهاده، كما لو كان ملتزماً بدليل الانسداد، وكان قول الميّت يفيد ظنّاً أقوى من فتوى الحي، أو كان من أهل العلم ومجتهداً في مسألة جواز تقليد الميّت ابتداءً، أو نحو ذلك.
وثانياً: نفرض أنّه استناداً إلى تجويز الحيّ قلّد الميّت، لكن لا يسمّى ذلك تقليداً للحيّ، إذ مع وجدان أنّه يعمل بفتاوى الميّت كيف يسمّى مقلّداً للحي ؟
مضافاً إلى أنّه يكون مقلّداً للميّت في مئات المسائل، ولا نضائق في تقليده للحي في المسألة الواحدة، أمّا بقية المسائل فهو مقلّد للميّت فيها بلا إشكال. كيف ويختلف كثيراً الحي والميّت في المسائل، وهذا العامي يأخذ برأي الميّت، فهل هو مقلّد للحي حينئذ ؟


الوجه السادس لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
احتمال العدول

الوجه السادس ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: هو ما نسب إلى كاشف الغطاء: من أنّ العامي لا يجوز له الاخذ بفتوى المجتهد مع عدوله عنها، واحتمال العدول قائم في الميّت فلا يجوز تقليده.


مناقشة الوجه السادس

وأُجيب: ـ مضافاً إلى أنّه أعمّ من البقاء على تقليد الميّت ـ بأنّه مع احتمال العدول فالاصل عدمه، ويستصحب بقاء الفتوى، ومع يقينه وجب العدول، ولكنّه لا يقين، والعلم الاجمالي بعدوله ـ على فرض وجود هذا العلم الاجمالي ـ عن بعض فتاواه، منحل بخروج بعض أطرافه عن محل الابتلاء، فلا يكون هذا العلم الاجمالي منجّزاً للتكليف المعلوم اجمالاً، نظير من يقلّد مجتهداً حيّاً، ويأخذ رسالته العملية الّتي كتبها قديماً، حيث يحتمل العدول. وإن كان الاحتمال مقروناً بالعلم الاجمالي، فليس معلوماً إنّه محل ابتلاء هذا المقلّد، وبالنسبة إلى جميع المقلّدين ليس كل مقلّد مقلّد، مكلّفاً به فلعله غيره.


الوجه السابع لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
الاخبار الارجاعية

الوجه السابع ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: الاخبار الارجاعية، الّتي أرجع الائمّة الطاهرون (عليهم السلام) إلى زرارة، ويونس بن عبدالرحمن، ومحمّد بن مسلم، والعمري وابنه، وغيرهم من الاحياء، ولم يرجع الامام إلى الاُصول الصادرة عن الاموات، وهذا دليل على عدم جواز التقليد الابتدائي.


مناقشة الوجه السابع

وفيه أوّلاً: لا إشكال ولا خلاف في جواز الرجوع إلى تلك الاُصول الّتي هي روايات غالباً، ولم يكن المتعارف في الاُصول غالباً إلاّ جمع الروايات دون الاراء والفتاوى، فالارجاع إليهم لا مفهوم له بعدم جواز الرجوع إلى تلك الاُصول.
وثانياً: بعض الروايات الارجاعية معلّل بما يعمّم الرجوع إلى الميّت أيضاً، مثلما في الارجاع إلى العمري وابنه: « العمري وابنه ثقتان فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان »(51) فإنّه ظاهر في أنّ الملاك أداء الثقة، فيعمّ الحي والميّت، مضافاً إلى أنّ اطلاق: « ما أدّيا » شامل لما نقلاه وكان الوصول بعد موتهما، لكون الاداء أعمّ من المباشرة والتسبيب بواسطة كتابه، أو ناقل عنه بعد موته.
وثالثاً: إثبات الشيء لا ينفي ما عداه، إلاّ إذا كان مورداً لاصل التعيين العقلائي، أو كان للفظ عقد سلب من حصر ونحوه، وليس فيما نحن فيه شيء منهما، فكما لا يستفاد من هذه الاخبار: عدم جواز الرجوع إلى بقيّة الرواة ممّن لم يذكرهم الائمّة (عليهم السلام) في الاخبار الارجاعية، كذلك لا يثبت بهذه الاخبار: عدم جواز الرجوع إلى أُصول الاموات.
ورابعاً: الائمّة (عليهم السلام) أرجعوا إلى أُصول الاموات أيضاً لقوله (عليه السلام): « خذوا بما رووا »(52) بالنسبة لكتب بني فضّال، الّتي كان قد مات بعضهم حال صدور الرواية، وكتاب حريز في الصلاة الّذي ارجعوا (عليهم السلام) إليه حتّى بعد وفاته، وهكذا بعض الاُصول الّتي عرضت على الائمّة، كالامام الرضا، والامام الهادي، وغيرهما (عليهم السلام) فنظروا فيها، وشطبوا شيئاً، وأقرّوا الباقي، مع أنّ تلك الاُصول كانت للاموات(53) ومثل قوله (عليه السلام): « احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها »(54) مع أنّها كانت كتب الحديث والفقه وغير ذلك، بل يشمله قوله (عليه السلام) في جواب من قال: « أفيونس بن عبدالرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج إليه من معالم ديني » فإنّه مطلق شامل لما إذا كان يونس حيّاً أو ميّتاً وكان السائل يأخذ عنه في حال الموت ابتداءً بواسطة كتبه، أو النقلة عنه.
بل ربما يقال: بأنّه يستفاد من مختلف الامارات: إنّ كتب الاُصول كانت فيها أيضاً فتاوى أحياناً ـ من « خذوا بما رووا، وذروا ما رأوا » وقول الحسين بن روح مثل ذلك في كتب الشلمغاني، وما دلّ على فتاوى الرواة واختلافهم من مستفيض النقل، وغير ذلك ـ فاطلاق الرجوع إليها يشمل الفتاوى، بقرينة الاستثناء في مثل كتب بني فضّال وغيرها، فتأمّل.


الوجه الثامن لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
صحيح ابن محبوب

الوجه الثامن ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: الصحيح الّذي ذكرناه في مسألة البقاء على تقليد الميّت المروي عن علل الشرائع عن ابن محبوب عن يعقوب السراج قال لابي عبدالله (عليه السلام): « تبقى الارض بلا عالم حي ظاهر يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم ؟ فقال (عليه السلام) لي: إذاً لا يعبد الله ياأبا يوسف »(55).
فبمفهوم التحديد يدلّ هذا الحديث على لزوم كون الفقيه، الّذي يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم حيّاً ظاهراً.


مناقشة الوجه الثامن

وأُورد عليه بأمرين: ذكرناهما بالتفصيل في أدلّة حرمة البقاء على تقليد الميّت وحاصلهما:
الاوّل: هذه الرواية وردت بالنسبة للامامة الّتي هي من مسائل أُصول الدين، لا التقليد الذي هو من مسائل فروع الدين، واستشهدنا لذلك بنقل: «البصائر» هذه الرواية بزيادة «منكم» هكذا: «تخلو الارض من عالم منكم حي ظاهر...»(56).
والثاني: إنّ إثبات الشيء لا ينفي ما عداه، وهذه الرواية دلّت على ضرورة وجود مرجع حيّ ظاهر يفزع إليه الناس، ولم تدلّ على حرمة تقليد الميّت بعد كون المرجع يحتاج إليه لاُمور أُخرى غير التقليد فيما أفتى فيه سابقاً أيضاً، من مراجعته في المسائل المستحدثة، وشؤون المسلمين العامّة، وشؤونهم الخاصّة، كأموال الغيّب والقصّر، ومراجعته في مسألة جواز البقاء وعدمه بالذات، وغير ذلك.


الوجه التاسع لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
حديث موت العلم

الوجه التاسع ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: ما يروى من أنّه: « يموت العلم بموت حامليه »(57) فإذا مات علم المجتهد بموته، ففي أي شيء يرجع إليه في التقليد ؟


مناقشة الوجه التاسع

وفيه إشكال: سنداً، ودلالة، ومعارضة، واعتباراً.
أمّا أوّلاً: فلا سند معتبر له عند المحقّقين، فلقد رواه الصدوق (قدس سره) في الخصال بسند مشحون بالضعاف والمجاهيل، وفي كمال الدين باسناد عديدة ليس شيء منها نقياً، نعم هو من المستفيض بناءً على اعتباره، لكنّه غير تام عند المحقّقين، ومجرّد كون رواية كميل بن زياد الجليل عن علي (قدس سره) لا يصحّح السند كما هو واضح. نعم في بعض اسناده فقط يوجد عبدالرحمن بن جندب ـ المجهول عندهم ـ لكن ربما يستفاد حسنه من قرائن مذكورة في محلّها.
وأمّا ثانياً: فالظاهر المتبادر من هذه الصيغة المذكورة في هذه الرواية هو الامر التكويني لا التشريعي، يعني: إنّ حاملي العلم هم الّذين يوجّهون الناس إلى العلم ويرفعون الجهل عنهم، فإذا مات الحاملون فليس هناك من يرشد الناس، لانّ الجاهلين لا يرشدون: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى)(58) وفاقد الشيء لا يعطيه.
ويشر إلى هذا المعنى ذكر: « حامليه » بالجمع، لانّه إذا مات حامل العلم ربما يوجد حامل آخر يبثّ العلم وينشره ويرشد الناس، أمّا إذا مات كلّ الحاملين للعلم فلا يبقى مرشد وموجّه ومعلّم، فتأمّل.
وأمّا ثالثاً: فبمعارضته بالروايات الكثيرة الّتي دلّت على حياة أهل العلم بأساليب وعبارات وألفاظ مختلفة، الّتي لا يبعد ادّعاء تواترها معنىً.
مثل قوله (عليه السلام): « الناس موتى، وأهل العلم أحياء ».
وقوله (عليه السلام): « العلماء باقون ما بقي الدهر »(59).
وأمّا رابعاً: فالاعتبار الخارجي يدلّ على أنّ حياة العالم لا خصوصية له، وإنّها مجرد طريق والخصوصية للعلم نفسه، فتدبّر.


الوجه العاشر لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
مخالفة الاجماع

الوجه العاشر ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: هو أنّه قد ينعقد الاجماع على خلاف قول الميّت، فيصبح قول الميّت باطلاً، وبما أنّ العامي لا خبرة له بالاجماعات فتقليد العامي للميّت ابتداءً قد يؤدّي إلى العمل على خلاف الاجماع.
مثلاً: لو قلّدنا الشيخ الطوسي (قدس سره) في هذا الزمان، فقد تكون مسألة أفتى بجوازها الشيخ الطوسي، وقام الاجماع من الفقهاء بعد الشيخ الطوسي على حرمتها، وتقليد يتطرّق إليه مثل هذا الاحتمال لا يجوز، تحرّزاً عن ذلك، لانّه إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.


مناقشة الوجه العاشر

وفيه أوّلاً: مقتضى الاستصحاب وأصل العدم، عدم هذا الاحتمال.
وثانياً: الاحتمال لا يبطل الاستدلال غير العقلي كما هو مسلّم.
وثالثاً: ينتقض ذلك بتقليد الحي، إذ من المحتمل أن يفتي فقيه بفتوى ـ وقد انعقد الاجماع قبله على خلافها ـ من غير التفات إلى الاجماع.
ورابعاً: ينتقض ذلك أيضاً بما لو احتملنا قيام دليل متين على خلاف رأي الحي، أو احتملنا أن يكون قول الحي على خلاف الواقع، فكما ندفع هذه الاحتمالات بالاصل، كذلك احتمال انعقاد الاجماع على خلاف رأي الميّت.
وخامساً: إذا قام الدليل الشرعي على حجّية فتوى الميّت فلا يقاومه مثل هذه الاحتمالات، وهل هذه إلاّ كاحتمالات المعاني المختلفة بجنب الظهور في معنى خاص ؟
وسادساً: يمكن تجنّب ذلك بأن نطّلع على موارد قيام الاجماع على خلاف فتوى الشيخ مثلاً، ونأخذ برأيه في سائر المسائل، فالبحث من حيث الموت، لا من حيث آخر.


الوجه الحادي عشر لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
سقوط الولاية

الوجه الحادي عشر ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: هو أنّ هناك أُموراً كثيرة تحتاج إلى المجتهد الحي المعبّر عنها بـ « الولاية العامّة » على قول أو « الولاية في الاُمور الحسبية » على قول آخر، ولو أجزنا تقليد الميّت سقطت هذه الاُمور عن حام لها مع وجوب وجود الحامي لها.


مناقشة الوجه الحادي عشر

وفيه: أنّ شأن المرجع أمران: الافتاء والقيام بالاُمور الحسبية أو الولاية العامّة، والاوّل لا يحتاج إلى الحياة وهو مورد الكلام، والثاني يحتاج إلى الحياة ولا نضائق فيه، وليس هو محل البحث، فلنا أن نلتزم بضرورة وجود مرجع يقوم بشؤون المسلمين المختلفة في عرض أن نجوّز مراجعة فتاوى الموتى في التقليد.


الوجه الثاني عشر لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
عدم الاقربية للواقع

الوجه الثاني عشر ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: هو أنّ اجتهاد الحي أقرب إلى الواقع من اجتهاد الميّت، لوقوف الحي على ما لم يقف عليه الميّت من فتاوى مختلفة، وقرائن كثيرة، بل واكتشاف أُمور لم تكن مكتشفة سابقاً، ومن هنا قيل: إنّ المتأخّرين أدقّ نظراً من المتقدّمين.


مناقشة الوجه الثاني عشر
المناقشة في الصغرى

وفيه مناقشة صغرى وكبرى.
أمّا صغرىً: فبأنّ الميّت قد تكون فتاواه أقرب إلى الواقع من جهة موافقتها للمشهور، أو للاحتياط، أو لقرب زمانهم إلى زمان المعصومين (عليهم السلام)، الّذي كانت القرائن المكتنفة بالاحاديث كثيرة منتشرة، ممّا كان يسهل على القدماء الاطمئنان إلى صدق الرواة وكذبهم، وصحّة الروايات وسقمها، ممّا يرجع إلى صدور الروايات، وكذلك بالنسبة إلى جهة الصدور من الدلالة وعدمها.
مع أنّه كانت توجد أخبار عندهم قد خفيت علينا في ظلّ الظروف القاسية الّتي مرّت بالشيعة في القرون الماضية، فأين روايات من روى عن معصوم واحد مائة وخمسين ألف حديث مع أنّه لا يوجد من رواياته عندنا عشرها ؟ وكذا من روى عنهم (عليهم السلام) عشرات الاُلوف مع أنّه لا يوجد عنه عندنا ألف رواية أو ألفين ؟ وكذا كتب الشيعة ومكتباتهم الّتي نهبت وأُحرقت كما يقال عن مكتبة الشيخ الطوسي (قدس سره) في بغداد وغيرها وغيرها ؟
وممّا يشهد لذلك كتاب: « مدينة العلم » المفقود عنّا، وما كان يفتي بها القدماء ممّا لم يظهر إلى الان وجهه، ولعلّه لرواية صحيحة وجدوها ولم نعثر عليها.
فإن لم نقل بأقربية فتاوى القدماء للواقع، لا نقول قطعيّاً بأقربية فتاوى المتأخّرين.
وحديث وقوف المتأخر على ما لم يقف عليه المتقدّم لا يثبت ذلك.
وحديث كون المتأخرين أدقّ نظراً، لا ربط له بما نحن فيه، لانّ المتأخرين أدقّ نظراً في الاستدلالات العقلية، أمّا أنّ هذا يوجب الاقربية للواقع مطلقاً ـ الّتي هي محط البحث ـ فلا.
هذا مضافاً إلى بطلان اطلاق ذلك، فهل أحد المراجع الفعليّين أدقّ نظراً أم الشيخ المرتضى ؟ فكثيراً ما يعترف نفس المرجع بأنّ الشيخ أدقّ نظراً منه.


المناقشة في الكبرى

وأمّا كبرىً: فبأنّ الاقربية لم تكن محلاً للتقديم شرعاً مطلقاً، وإلاّ وجب تقليد الاعلم وإن لم يكن عدلاً، أو رجلاً، ونحو ذلك، كيف واطلاق الايات، والروايات، ومعاقد الاجماعات تشمل غيرها ؟ وليس الاقربية إلاّ استحساناً عقلياً غير ملزم شرعاً، بل ربما يمكن القول بعدم كون الاقربية إلى الواقع في نظر المكلّف محلاً لحكم شرعي مطلقاً، وإن كان فنادر.
وإن كان قد يقال: بأنّه يتمّ على القول بوجوب الترجيح حتى بالمرجّحات غير المنصوصة للتعليل في قوله (عليه السلام): « خذوا بالمجمع عليه فإنّ المجمع عليه ممّا لا ريب فيه »(60).
أو يقال: بأنّ محتمل الاقربية إلى الواقع أقرب فهو أيضاً الملاك، لا خصوص محرز الاقربية، لكنّه يرجع إلى أصل التعيين في الدوران بينه وبين التخيير، وقد بسطنا الكلام فيه فيما سبق، ومع ذلك فكلا القولين محل تأمّل بل إشكال، والله العالم.


الوجه الثالث عشر لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
سقوط حجّية قول الميّت

الوجه الثالث عشر ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: ما عن المحقّق الكركي تبعاً للعلاّمة (قدس سرهما): من أنّ المفتي إذا مات سقطت حجّية قوله بالموت، وما هو كذلك، لا يجوز الاستناد إليه شرعاً.
أمّا الصغرى: فللاجماع على أنّ المجتهد الواحد إذا خالف عامّة علماء عصره، فما دام حياً يمنع قوله عن انعقاد الاجماع لسائر المجتهدين، فإذا مات وانحصر الفقهاء في المخالفين له، انعقد بموته الاجماع الّذي لا يجوز خلافه، وصار قوله غير معتبر شرعاً، والموجبة الجزئية تكفي في المقام.
وأمّا الكبرى فظاهرة.


مناقشة الوجه الثالث عشر

وفيه مناقشة صغرى وكبرى.


مناقشتان في الصغرى
المناقشة الاُولى

أمّا المناقشة في الصغرى فأوّلاً: الاجماع المزبور منقول، وهو لا يجدي، لانّا لا نعرف صحّة ذلك، إذ من أين يثبت حجّية هكذا إجماع بحيث ينعقد بموت فقيه واحد، في عصر واحد، حتّى إنّه في اليوم الماضي، أو في الساعة الماضية لم يكن إجماع، ولكن في اليوم الثاني، أو في الساعة الثانية يتمّ الاجماع ؟ فمن أين يثبت أنّ هذا من الاجماع الحجّة المعتمد عليه ؟
إن قلت: إطلاقات أدلّة حجّية الاجماع تشمل كلّ صور انعقاد الاجماع من غير خلاف، والّتي منها هذه الصورة، إذ بها يتحقّق موضوع الحجّية وهو الاجماع خارجاً.
قلت: ـ مضافاً إلى ما قيل: من أنّه لا اطلاق معتمد في حجّية الاجماع إلاّ قوله (عليه السلام): « فإنّ المجمع عليه ممّا لا ريب فيه »(61) ونحوه المناقش فيه كما تقدّم دلالة، أو وسنداً ـ فعلى فرضه فليس معلوماً تمامية مقدّمات الحكمة في الاطلاق في المقام، والّتي منها كونه في مقام البيان من هذه الجهة على ما هو المعروف.
إذ من المستبعد جدّاً ـ على المباني المتعدّدة للاجماع ـ إمكان تصحيح هذا الاجماع، فهل لا يحرز دخول المعصوم قبل وفاة هذا المجتهد، وبوفاته صار المعصوم (عليه السلام) داخلاً فيهم مع أنّ فتاواهم لم تتغيّر، أو أنّه لم تكن فتاواهم مقتضى قاعدة اللطف، وبمجرد موت أحدهم صارت فتاوى البقية مقتضى قاعدة اللطف، أو أنّه لم يكن يحدس من فتاواهم الصحّة وبمجرد موت المخالف تمّ الحدس بالصحّة، أو أنّ بناء العقلاء أو السيرة المتشرّعية لم يكونا متواجدين قبل موت ذاك الفقيه، وتواجدا بمجرد موته، مع أنّ ظاهرهما الطريقية الصرفة ؟


المناقشة الثانية

وثانياً: إنّ هذا القسم يوجب عدم الاعتداد بهذه الفتوى الخاصّة للميّت، والّتي انعقد الاجماع بموته على خلافها، ولا يوجب عدم الاعتداد بسائر أقواله، لانّ سقوط فتوى خاصة بدليل خاص لا يكون دليلاً على سقوط كل فتاواه عن الحجّية، وهل هذا إلاّ من القياس وتعدية الحكم من جزئي إلى آخر ـ بلا جامع، بل ومع الفارق أيضاً ـ الّذي ثبت عدم حجّيته اطلاقاً ؟
وأمّا المناقشة في الكبرى: فقد ظهرت ممّا مرّ.


الوجه الرابع عشر لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
زوال موضوع الحجّية

الوجه الرابع عشر ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: ما عن المحقّق الكركي أيضاً في حاشيته على الشرائع ما ملخّصه: إنّ ظنّ المجتهد وفهمه هما مستند حجّية فتاواه، فإذا ضعف الظنّ والفهم، أو أُزيلا، فقد أُزيل موضوع الحجّية، وبالموت يتحقّق ذلك.
فكما تزول الفتوى بتبدّل رأي الفقيه لزوال المستند أو ضعفه، فيتبدّل اليقين إلى الشكّ فتزول الحجّية المبتنية على اليقين بالطريق أو بذيها، كذلك تزول بالموت، ولا ينقض ذلك بالغفلة، والاغماء، والنوم، لوجود الظنّ في خزانة النفس.


مناقشات في الوجه الرابع عشر
المناقشة الاُولى

وأُورد عليه أوّلاً: بالنقض بنسيان المستند، فإنّ الفتوى تبقى حجّيتها بنسيان الفقيه للمستند على المشهور المنصور، مع ذهاب الظنّ عن خزانة النفس وإن قيل: إنّه لا يوجب الذهاب عن الخزانة.


المناقشة الثانية

وثانياً: بالنقض بالرواية المنقولة بالمعنى، أو المعلوم إجمالاً وجوده بينها، فإنّ مستند حجّيتها فهم ما نقله الراوي من عبارات المروي عنه، والفهم ذلك يزول بالموت، فيجب أن تذهب حجّية الرواية بالموت أيضاً.
لا يقال: الفارق بين الفتوى والرواية، الاجماع على بقاء حجيّة الرواية بعد الموت دون الفتوى.
لانّه يقال: الاجماع محتمل الاستناد، والعرف الحاكم في الرواية هو بنفسه يحكم في الفتوى.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: إنّه كما تقدّم في البقاء بأنّ الفتوى من الاُمور الّتي تكون العلّة المحدثة لها هي المبقية ـ ما لم يدلّ دليل على الخلاف ـ فإنّ مستند فتوى الفقيه كمستند آراء كلّ العلماء في مختلف العلوم، إنّما هو الدليل الّذي اعتمد حال اصداره الفتوى، وبقاء الفتوى كبقاء سائر الاُمور الاعتبارية أمر يكون سعة وضيقاً بيد من بيده الاعتبار وهو العرف في المقام ـ ما لم يدلّ دليل شرعي خاص على خلافه ـ.
ألا ترى أنّ اعطاء الصلاحية لشخص، وكذلك منح الاعتبار لورق الدينار، أو لصك البنك، أو نحو ذلك، كلّها تكون محتاجة إلى المستند حدوثاً، وأمّا بقاءً فهو يكون بيد العرف إن لم يقيّد المعتبر له زماناً خاصّاً ؟
والفتوى إنّها هي نظير الشهادة، وإخبار ذي اليد والاقرار، ونحوها تحتاج حجّيتها إلى قيام الدليل عليها بشرط عدم تبدّل رأيه ـ شرطاً عقلياً وعرفياً لاستمرار اعتبارها ـ حتّى لو نسي المفتي الدليل أو ذهل عن المدرك بقيت الفتوى منتسبة إلى المفتي.
ولذا تنسب الفتوى إلى الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والسيد المرتضى (قدس سرهم) في هذا العصر، مع مضىّ ألف سنة على وفاتهم تقريباً، ولا يرى العرف في النسبة أنّها مجازية.
لا يقال: تكفي في النسبة أدنى مناسبة.
لانّه يقال: النسبة هنا حقيقية لا مجازية، والنسبة الّتي تكون بأدنى مناسبة هي النسبة الاعم من المجازية، والفتوى هي كالعقد الموجد للزوجية، أو للتملّك والتمليك، وكالعتق الموجد للحرية، ونحو ذلك من الاُمور الاعتبارية الّتي إذا ثبتت ـ وإن لم يكن عرف خاص بالنسبة إليه يدلّ على خروجه بعد زمان معيّن أو غير معيّن عن دائرة الاعتبار ـ دامت واستمرّت.


الوجه الخامس عشر لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
ضمّ المسألتين

الوجه الخامس عشر ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: ما عن الشهيد الاوّل (قدس سره) في رسالته الّتي وضعها في تقليد الميّت: من أنّه إن ضمّ مسألة جواز تقليد الميّت ابتداءً إلى مسألة وجوب تقليد الاعلم، ينتج: عدم جواز تقليد الاحياء، إذ قلّما يتّفق أن يحصل العلم بأفضلية مجتهد حي عن جميع المجتهدين الاحياء والاموات كلّهم، وهذا ينافي تحقّق الاجماع على وجوب تقليد الاعلم من الاحياء.
وقد أيّد بعض المراجع المعاصرين هذا الدليل بقوله: إنّ هذا لازمه انحصار التقليد في شخص واحد من زمن الغيبة حتّى زماننا هذا، وهو باطل بضرورة المذهب الّتي قامت على إمامة اثني عشر إماماً، لا ثلاثة عشر... .


مناقشات في الوجه الخامس عشر
أُولاها

ويورد عليه أوّلاً: إنّ هذا يلزم على القول بوجوب تقليد الاعلم من كل الاحياء والاموات، ولا يلزم على القول بعدم وجوب تقليد الاعلم مطلقاً، أو وجوب تقليد الاعلم من الاحياء فقط، والقائلون بهما جمهرة من الفقهاء وسيأتي الكلام عنه مفصّلاً إن شاء الله تعالى.


ثانيتها

وثانياً: فليكن هذا اللازم، فإن تمّ إجماع على وجوب تقليد الاعلم مطلقاً الشامل للاحياء، والاموات ـ كما ادّعاه الشهيد (قدس سره) ـ نخرج عن هذا العموم للدليل، وهو: الاجماع الاخر الّذي نقله الشهيد (قدس سره) في آخر كلامه على وجوب تقليد أعلم الاحياء.
وليس تحقّق الاجماع على بطلان شقّ من لازم المسألة، وهو: لزوم حصر تقليد الجميع في واحد، دليلاً على بطلان الشقّ الاخر، وهو: جواز تقليد الميّت إذا لم يوجب هذا الحصر، لانّ ذلك يتم إن كانت المسألة عقلية، أمّا والمسألة شرعية فهي تعتمد على ظواهر الالفاظ والمفاهيم العرفية، فبعض الادلّة ترد على بعض آخر، أو تخصّصها، أو تكون حاكمة عليها، ممّا هو كثير وكثير جدّاً في مختلف أبواب الفقه.
والفقهاء يلتزمون بما هو أشدّ من ذلك، فيعتبرون حجّية رواية قام الاجماع على بطلان فقرة منها، أو خروج أفراد عن عمومها، ولا يحسبون ذلك وهناً في حجّية الرواية بالنسبة للفقرة الاُخرى، أو بالنسبة لشمول العموم لافراد آخرين، كما هو غير عزيز في الفقه، ويبحث عنه في الاُصول فراجع.


ثالثتها

وثالثاً: على فرض قيام هذا الاشكال فهو ناشئ عن ضم مسألة إلى مسألة أُخرى: مسألة تقليد الميّت ابتداءً، إلى مسألة تقليد الاعلم، فلماذا جعل الاشكال لازماً لجواز تقليد الميّت دون وجوب تقليد الاعلم ؟ ولعلّ الامر بالعكس فالاشكال ناشئ عن وجوب تقليد الاعلم لا عن جواز تقليد الميّت.
اللّهمّ إلاّ أن يقال بأوضحية وجوب تقليد الاعلم من جواز تقليد الميّت ابتداءً، وأكثرية القائل بالاوّل من القائل بالثاني، فإذا لزم أمر باطل من جمعهما طرح غير الاوضح دليلاً، وغير الاكثر قائلاً، فتأمّل.


رابعتها

ورابعاً: ربما قيل: ليس بعيداً أن يكون مجتهد حي أعلم من الاحياء والاموات، كما قد يحتمل ذلك في مثل الشيخ الانصاري في زمانه، وفي المحقّق الحلّي في زمانه، وفي الشهيدين في زمانيهما.


خامستها

وخامساً: لنا أن نعكس الكلام، فنقول: قلّما يتّفق أن يكون مجتهد ميّت أعلم من الاموات والاحياء جميعاً، إذ لا أقل من وجود بعض من استوعب ما استوعبه الاموات من الادلّة، وكان حادّ الذهن متوقّد الفكر في الاحياء، بل ادّعاؤنا أولى من كلام الشهيد ـ قدّس الله تربته الزكيّة ـ فماذا يكون الجواب ؟


سادستها

وسادساً: لا دليل في البين ـ على نحو الاطلاق ـ بالنسبة لوجوب تقليد الاعلم، كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى.


سابعتها

وسابعاً: ما ذكره بعض المراجع المعاصرين، فإنّه يرد عليه: إنّ اللازم الّذي ذكره إنّما هو لازم على فرض غير قائم اطلاقاً، وهو: ما إذا فرض أنّ هناك واحداً من الاموات أحرز أنّه أعلم من الاموات والاحياء جميعاً ومن الّذين سيأتون من الاحياء بعد هذا الزمان.
إذ كثيراً ما يكون التساوي بين بعض المجتهدين، أو لا أقل من عدم إحراز أعلمية بعضهم عن بعض ـ وإحراز الاعلمية شرط لوجوب تقليد الاعلم على القول به وعند هذا المرجع بالخصوص كما هو صريح بعض كلامه ـ وحصول التردّد في أنّه من هو الاعلم، أو كان كلّ طائفة يرى أعلمية مجتهد دون آخر ـ كما هو متعارف الاتّفاق كثيراً ـ أو غير ذلك ممّا يلزم منه تعدّد مراجع التقليد حتى على القول بوجوب تقليد الاعلم.
وخير شاهد على ذلك فقهاء عصرنا الحاضر ـ أعلى الله كلمتهم ـ فإنّ كل فقيه يدّعي جمع من الفضلاء المتديّنين، أنّه أعلم الاحياء، وادّعاؤهم غالباً صحيح بأنظارهم أنفسهم، فكيف يحتمل ـ احتمالاً وقوعياً خارجياً ـ في شخص واحد معيّن من الاموات، بحيث يعلم الجميع أنّه أعلم المراجع الاموات كلّهم، والاحياء كلّهم، ومن سيأتون بعد ذلك، ليتمّ وجوب تقليده كإمام ثالث عشر ـ طبعاً من غير العصمة ـ ؟
إنّ هذا الاحتمال غير قائم، فكيف بأن يكون واقعاً خارجياً، يترتّب عليه فساد مسألة قام الدليل عليها ؟


الوجه السادس عشر لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
عدم تمييز الفتاوى اللاحقة

الوجه السادس عشر ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: ما عن المحقّق (قدس سره): من قيام الاجماع على وجوب العمل بالفتوى المتأخّرة للمجتهد فيما تعدّدت فتاواه واختلفت، ومثله لا يمكن في الميّت، لعدم تميز فتاواه السابقة عن اللاحقة إذ لا علم بتقدّم تأليف أيّ كتاب على أي كتاب آخر غالباً.


مناقشة الوجه السادس عشر

وأُجيب أوّلاً: بأنّ الاشكال أخصّ من المدّعى، لانّه يمكن غالباً تحصيل العلم بالفتاوى المتأخّرة بالبحث عنها في الكتب المؤلّفة متأخّراً، وذلك ميسور ممكن ـ غالباً ـ لمن راجع أحوال أيّ واحد من فقهائنا المعروفين (قدس سرهم).
وثانياً: بالنقض بالحي إذا وقعت مثل ذلك في فتاواه أحياناً ولم يمكن ـ ولو شرعاً للحرج والضرر ـ الوصول إليه، أو لم يمكن تأخير الواقعة إلى السؤال عنه، أو الكتابة إليه، أو نحو ذلك.
وثالثاً: يكون ذلك من باب تعارض الفتاوى، وعلاجه إمّا التخيير بينها، أو الاحتياط، أو التساقط، على تفاصيل في المسألة يأتي البحث عنها إن شاء الله تعالى.
ورابعاً: بأنّ الاجماع المدّعى ـ بعد تسليمه، وحجّيته ـ دليل لبّي، والمتيقّن منه: صورة عدول المجتهد عن فتاواه الاُولى عدولاً قاطعاً وفي الحكم الكلّي الشرعي، لا مثل ما إذا كان العدول لاجل استظهار الموضوعات الخارجية، بل وبعض الموضوعات المستنبطة، مثل: صدق الانية على الملعقة، وعدم صدقها، وصدق الوطن على قصد التوطن قبل مرور زمان وعدم صدقه، ممّا يوجد غالباً ـ بل دائماً ـ فقهاء ملتزمون ومفتون بالرأي المعدول عنه لهذا المجتهد.
وعليه: فلا يبقى دليل مسلّم على سقوط الفتوى عن الحجّية بمجرّد عدول صاحبها عنها مطلقاً، ولو وصلت النوبة إلى الشكّ فاستصحابات: الحجّية، والحكمين: التكليفي والوضعي، تبقى قائمة، وتفصيل الكلام عن ذلك، ذكر في بحث التعادل والتراجيح من الاُصول، ولعلّه يناسب في المباحث الاتية مورد لتفصيل ما في ذلك إن شاء الله تعالى.
مع إنّه قد يقال: بالفرق في ذلك بين الفتاوى المتخالفة للميّت، وبين الفتاوى المتخالفة للحي، فيجوز الرجوع إلى الاُولى مطلقاً، دون الثانية فإنّه يجب التقيّد بالفتوى المتأخّرة، ويؤيّد ذلك: ما ينسبه الفقهاء ـ بلا تردّد وتأمّل ـ إلى الماضين كالشيخ، والسيّد، والمحقّق، والعلاّمة، وغيرهم (قدس سرهم) من الاقوال المتخالفة في مسألة واحدة، ولو كان مطلق العدول سبباً لسقوط الفتوى الاُولى عن الحجّية مطلقاً لزم التحرّي ونسبة المتأخّرة إليهم، فتأمّل.


الوجه السابع عشر لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
اشتراط الحياة

الوجه السابع عشر ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: ما في تقريرات بعض المراجع المعاصرين: من أنّ ظاهر أدلّة التقليد هو اشتراط الحياة في مرجع التقليد، إذ الاجماع، والسيرة، وبناء العقلاء، كلّها أدلّة لبّية، والمتيقّن منها هو: الحي.
والايات والروايات أيضاً ظاهرة في الحي، فقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)(62)، (وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ)(63)ظاهرتان في حياة أهل الذكر والمنذرين، لعدم إمكان السؤال من الميّت، وعدم إمكان الانذار للميّت.
وهكذا حال السنّة فمقبولة عمر بن حنظلة: « ينظران من كان منكم »(64) ظاهر في الحي وكذلك: « من كان من الفقهاء »(65) ظاهر في الحي، وهلمّ جرّا.


مناقشة الوجه السابع عشر

وفيه: إنّ هذا الظهور غير ظاهر بل الظاهر هو العكس، إذ اطلاق معقد الاجماع شامل للميّت.
كما إنّ بناء العقلاء لا يفرق فيه بين الحي والميّت، نظير سائر العلوم والفنون.
والايات والروايات ظاهرها: السؤال لكونه عالماً بالحكم، والحذر لكونه إنذاراً، لا لموضوعية حياة أهل الذكر والمنذر، وكذلك لكونه عارفاً بالحكم وصاحب فقه، كما هو المستفاد عرفاً من أمثاله من العبارات والكلمات ـ وقد تقدّم بعض الحديث عن ذلك ـ.
نعم، من الممكن ادّعاء أنّ السيرة لا اطلاق لها، فيكون المتيقّن منها المجتهد الحي، لكن في الاطلاقات وبناء العقلاء كفاية.
بل قد مضى إنّه ربما يمكن ادّعاء السيرة في العصور المتأخّرة عن زمن المعصومين (عليهم السلام) المقاربة لهم، الّتي كانت منشؤها سيرة أزمنتهم (عليهم السلام) ولم يرد عنهم (عليهم السلام) ردع عنها.
واحتمال كونها كلّها متون روايات لا فتاوى قد أسلفنا ما يخالفه فراجع.
أمّا في عصورنا وما قاربها فربما يمكن إنكار السيرة، ولعلّ ذلك من فتاوى الفقهاء أو الاحتياط، أو الاسهلية، ونحوها، والله العالم.
ثمّ إنّ بعض المؤلّفين المعاصرين أجاب عن هذا الوجه: بأنّ غاية ما يقتضيه هذا الوجه هو: عدم دلالة هذه الادلّة على جواز تقليد الميّت، لا دلالته على لزوم حياة مرجع التقليد، فالوجه أخصّ من المدّعى.
لكنه غير مفيد: إذ لو أشكل في مجموع الادلّة ـ كما كان هذا هو المدّعى ـ فيبقى أصل عدم الحجّية، لانّ الشكّ في الحجّية هو موضوع عدم الحجّية ـ كما قاله الشيخ الانصاري (قدس سره) ـ.


الوجه الثامن عشر لحرمة التقليد الابتدائي مطلقاً
عدم شمول الادلّة

الوجه الثامن عشر ممّا استدلّ به على عدم جواز التقليد الابتدائي للميّت مطلقاً: ما عن بعض المعاصرين: من أنّ أدلّة التقليد لا مجال للتمسّك بها فيما اختلفت فتوى الميّت مع فتوى الحي ـ فإنّه المهمّ في محل الكلام ـ لتكاذبهما المانع عن شمول الدليل لهما أو لاحدهما، أمّا موارد اتّفاق فتوييهما فلا حاجة في العمل إلى الاستناد إلى فتوى الميّت بخصوصه أو الحي بخصوصه ـ كما مرّ منّا بيانه سابقاً ـ.


مناقشة الوجه الثامن عشر

وفيه: ـ مضافاً إلى ما مرّ منّا وسيأتي أنّ التعارض في المقام لا يوجب التساقط، بل مقتضى القاعدة الاوّلية في مثله التخيير، وفاقاً لجمع من المعاصرين خصوصاً والاطلاقات محكمة، وفتاوى الميّت والحي بالنسبة إلى الاطلاقات متساوية، ومجرّد احتمال الترجيح لا يوجب رفع اليد عن العمل بالاطلاق ـ ما يلي:
أوّلاً: على القول بوجوب الاستناد حتى مع اتّفاق الفتاوى، كما احتاط به وجوباً في العروة(66) وسكت عليه جمع من المحقّقين: كالعراقي، والحائري والبروجردي، وآخرين ومنهم: صاحب هذا الاستدلال في إحدى الحاشيتين على العروة ما هو الجواب ؟
وثانياً: النقض باختلاف الاحياء ما هو الجواب ؟
مضافاً إلى أنّ الاشكال ينعكس، إذ يمكن التشبّث به لنفي حجّية فتوى الحي في هذه الحال بنفس الاستدلال، مع إنّ هذا الاشكال لا يشمل موارد عدم إحراز الاتّفاق أو الاختلاف بين الفتويين، ولعلّه أكثر الموارد لاكثر الناس، فيبقى التقليد فيها بلا هذا المانع، فيكون الدليل أخصّ من المدّعى.
إن قلت: هناك علم إجمالي ـ في مقام الثبوت ـ بأنّ فتوى الحي والميّت إمّا متوافقتان أو متخالفتان، فيدور الامر بين محذورين.
قلت: هذا العلم الاجمالي غير منجّز، لعدم تنجّز تكليف في صورة الموافقة.
أضف إلى ذلك: أنّ مقتضى الصناعة أن يطرح الاشكال على سبيل منع الخلو بين اللغو والتكاذب، ففي موارد الاتّفاق اللغو، وفي موارد الاختلاف التكاذب، فهذا من جهة أُخرى يجعل الدليل أخصّ من المدّعى.


وجوه أُخرى لحرمة تقليد الميّت ابتداءً مطلقاً

هذا، وقد ذكر في المقام أدلّة أُخرى أضربنا عنها لطول البحث، وفيما ذكرنا كفاية، وهو عمدة ما في الباب، وقد اتّضح من مجموعها: إنّ مقتضى الصناعة جواز الرجوع إلى المجتهد الميّت حتى ابتداءً، ولكن الاجماع المدّعى، والشهرة العظيمة القطعيّة على عدم جوازه، وتوفّر الفقهاء الاحياء ـ ولله الحمد ـ في مثل هذه الازمنة في كلّ مكان، يلزم معها الركون إلى الاحتياط وعدم الاقدام على تقليد الميّت ابتداءً، إلاّ إذا أدّت الضرورة إلى ذلك، نظير ما أفتى به بعض كبار مراجع العصر، أعني: ابن العمّ (قدس سره) حين سأله شخص عن العمل في الحجّ بما في الشرائع، أو شرح اللمعة، إذا لم يجد فتاوى مقلَّده ـ بالفتح ـ ولا فتوى عالم آخر حيّ ؟ فأجاب: بنعم.


الاستدلال لبقية الاقوال

ثمّ إنّ من مجموع ما ذكر في المقام: استدلالاً، وجواباً، وردّاً، وبياناً، وغير ذلك، يعرف أدلّة بقية الاقوال وما فيها من المناقشات والاجوبة، خصوصاً القول الثاني وهو: جواز التقليد الابتدائي مطلقاً، الّذي ذهب إليه المحقّق القمّي (قدس سره) في القوانين(67) فلذلك لانتعرّض له بالخصوص استغناءً بما تقدّم ذكره.
ولكن نتعرّض بإجمال لذكر ما يمكن الاستدلال به لبقية الاقوال.


الاستدلال للقول الثالث

أمّا القول الثالث المنقول عن العلاّمة والمحقّق الاردبيلي وآخرين: فهو ـ كما سبق ـ التفصيل بين وجود مجتهد حي جامع للشرائط وإمكان تحصيل فتاواه، فلا يجوز التقليد الابتدائي للميّت، وبين عدم ذلك عقلاً أو شرعاً للضرر والحرج ونحوهما ـ إمّا مطلقاً أو في ذاك الاُفق ممّا لا يمكن معه عادة تحصيل فتاواه ـ فيجوز، وهذا هو الّذي سبق أن نقلناه عن ابن العم (قدس سره).
وعمدة ما يمكن الاستدلال به له أمران:
أحدهما: إنّ عمدة الدليل لعدم الجواز هو: الاجماع المدّعى، والشهرة، والسيرة، ونحو ذلك من الادلّة اللبّية التي لا لسان لها حتى يتمسّك باطلاقها أو عمومها، ولا اطلاق أو عموم لمعقد الاجماع والشهرة ـ حتّى على القول بحجّية الشهرة ـ والمتيقّن منها صورة وجود مجتهد حي جامع للشرائط، وإمكان تحصيل فتاواه إمكاناً عقلياً وشرعياً.
ومع عدم أحدهما، لا دليل على وجوب الحياة في التقليد الابتدائي، وبناء العقلاء جار على عدم الفرق، في رجوع الجاهل إلى العالم، فلا مخصّص لهذا البناء.
ثانيهما: إنّه على فرض وجود أدلّة لفظية على اشتراط الحياة في التقليد الابتدائي ـ مثل ما ادّعي من أنّ قوله (عليه السلام): « انظروا إلى رجل منكم... »(68) دال بدلالة الاقتضاء على اشتراط الحياة، إذ لا يمكن النظر إلى الميّت، ولا مراجعته ـ يلزم تقييدها بالامكان العرفي، لانّه من الشروط العامّة للتكليف، نظير غير ذلك من التكاليف المقيّدة بالقدرة العرفية.


مناقشة القول الثالث

لكنّ فيه: أنّ الدليلين ناقصان، لاحتياجهما إلى ما يدفع وجوب ما ذهب إليه جمهرة من المحقّقين، من أمثال الشيخ الانصاري وتلميذه المجدّد وتلميذه الشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سرهم) وآخرين: من وجوب الاحتياط لتحصيل الواقع المنجّز باحتماله في مثل المقام، ووجوب العمل بالشهرة بين الفقهاء ـ مع إمكانهما عقلاً وشرعاً ـ ونحو ذلك، ومع عدمه فلا يكفي الدليلان لذلك، فتأمّل.


الاستدلال للقول الرابع

وأمّا القول الرابع المنقول عن الفاضل التوني (قدس سره): فهو ـ على ما مرّ ـ التفصيل بين من يفتي بنصوص الايات والروايات من غير استدلال بالادلّة العقلية، واللوازم، والملزومات، والملازمات ونحو ذلك، فيجوز تقليده ابتداءً بعد موته، كالكليني، والصدوقين (قدس سرهم) ونحوهم، وبين من يعتمد في فتاواه على الادلّة العقلية كاعتماده على الايات والروايات، فلا يجوز تقليده ابتداءً بعد موته، وعبارته المنقولة في مطارح الانظار صريحة في الاشكال في تقليد الفريق الثاني حتّى إذا كان حيّاً، قال: « الّذي يختلج في الخاطر في هذه المسألة أنّ من علم من حاله أنّه لا يفتي في المسائل إلاّ بمنطوقات الادلّة ومدلولاتها الصريحة ـ كابني بابويه وغيرهما من القدماء ـ يجوز تقليده حيّاً كان أو ميتاً، ولا تتفاوت حياته وموته في فتاواه، وأمّا من لا يعلم من حاله ذلك، كمن يعمل باللوازم غير البيّنة، والافراد والجزئيات غيرالبيّنة الاندراج، فيشكل تقليده حياً كان أو ميتاً... »(69).


مناقشة القول الرابع

وأجاب عنه الشيخ الانصاري (قدس سره) في تقرير بحثه، بقوله: « وأمّا ما أفاده من التفصيل فهو ذهاب إلى ما ذهب إليه الظاهريون، ورجوع عمّا أسّسه العلماء الالهيّون، وهدم لبنيان الاجتهاد والفتوى »(70).
أقول ـ مضافاً إلى أنّه إن كان المقصود: إنّ مثل الكليني (قدس سره) ليس عنده سوى نقل الروايات، دون إعمال نظر في جمعها والفتوى بما يراه، فهذا ليس تقليداً، بل أخذاً بالروايات، الّذي لا يمكن لغير المجتهد، القادر على الفحص التام في جهات الحجّية وجهات التعارض والتزاحم وغيرها.
وإن كان المقصود: الاخذ بانظار مثله، فأي فرق في حجّية النظر بين أن يكون الناظر الكليني أو المفيد (قدس سرهما) ما دام إعمال النظر من كليهما للوصول إلى حاصل ما يستفاد من الكتاب العزيز وروايات أهل بيت العصمة (عليهم السلام) ؟ ـ:
إنه يلاحظ عليه من وجوه عديدة، ربما لا تخفى عند إمعان النظر أكثر، خصوصاً بعد ما تقدّم منّا بإسهاب من إقامة الادلّة الاربعة ـ مع بناء العقلاء بالشرطين، وسيرة المتشرّعة وارتكازهم ـ على صحّة الاجتهاد بالمعنى المذكور، ونحن في غنى عن تكرارها هنا.
ومريد المزيد يمكنه مراجعة كتب شيوخ الشيخ الانصاري، وشيوخهم، ومعاصريه، وأمثالهم من الاشارات، والبشارات، والفصول، والقوانين، والمفاتيح، وتقرير بحث شريف العلماء في الاُصول، والقواعد الشريفية، وحقائق الاُصول، والمطارح، وخزائن الدربندي، وتبيان الاسترابادي ونحوها.


الاستدلال للقول الخامس

وأمّا القول الخامس: فهو ـ كما مضى ـ التفصيل بين ما توافق فيه فتوى الميّت والحي فيجوز فيه تقليد الميّت حتّى ابتداءً، وبين ما تخالف فيه الفتويان فلا يجوز تقليد الميّت فيه ابتداءً.
ووجهه واضح، لانّه في الحقيقة قول بعدم جواز التقليد الابتدائي للميّت، وأدلّته هي التي تقدّمت في القول الاوّل، وإنّما استثني من ذلك صورة توافق الفتويين، ووجه هذا الاستثناء ـ مضافاً إلى عدم شمول الاجماع، ونحوه من الادلّة اللبّية لمثله لانّ المتيقّن منها غيره ـ أنّ ذلك مقتضى طريقية التقليد كسائر الامارات. إذ حجّية الاستناد في الطرق، إنّما هي بمقدار حجّية المستند ـ بالفتح ـ كما لا يخفى.
ونظير ذلك: ما إذا قيل بحجّية قول العدل الواحد في الموضوعات إذا وافق قول ذي اليد، فإنّه في الحقيقة يرجع إلى عدم حجّية قول العدل الواحد وحجّية قول ذي اليد.
إنّما الكلام في هذا القول عن صورة الشكّ، في موافقة الفتويين ومخالفتهما ـ وهي عند غالب المقلّدين، لانّ أغلبهم في أكثر المسائل لا يعلمونهما ـ فهل حكمها الجواز مطلقاً، أم عدم الجواز مطلقاً ؟
هذا يختلف على اختلاف المباني في أنّ الاصل الاوّلي في التقليد: اطلاق جوازه حتّى من الميّت ابتداءً، وبالادلّة الخاصّة ـ كالاجماع، وظهور الادلّة اللفظية في حياة المفتي، ونحوهما ـ خرجنا عن هذا الاصل، أم العكس.


الاستدلال للقول السادس

وأمّا القول السادس الذي ذكره السيّد المجاهد في كتابه « إصلاح العمل »: فهو ـ على ما سبق ـ التفصيل بين إمكان الاجتهاد أو الاحتياط عقلاً وشرعاً وبين عدم إمكانهما، وإمكان العمل بقول المشهور كذلك وبين عدم إمكانه، وبين إمكان تحصيل فتوى الاعلم الازهد من الاموات وبين عدمه، فيجوز تقليد الميّت ابتداءً في الاخير، والوجه فيه واضح، وهو: إنصراف الادلّة اللفظية للتقليد عن المورد، وكون المتيقّن من الاجماع على عدم جواز تقليد الميّت: غير ذلك، لكونه لبّياً، فلا حجّة شرعية على عدم الجواز، وبناء العقلاء على عدم الفرق بين الميّت والحيّ في ذلك ـ كما تقدّم بيانه ـ.
وقد تقدّم أيضاً نقل ما يشبه ذلك عن السيّد ابن العمّ (قدس سره)، فتأمّل.


استدراك

ثم إنّه لا إشكال في أنّ كلّ هذه الاقوال في تقليد الميّت ـ إيجاباً وسلباً وتفصيلاً ـ إنّما هو مع إمكان تقليد الحي، إمكاناً عقلياً وشرعياً، منفياً بالحرج والضرر ونحوهما. وأمّا مع عدم أحد الامكانين فالظاهر الجواز.
قال شريف العلماء (قدس سره): « ثانيهما: في جواز تقليد الميّت مع عدم تمكّن أخذ الاحكام من المجتهد الحي ولو بوسائط كثيرة، والجواز في هذا المقام ممّا لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه »(71).
لكن قد يقال: بوصول النوبة بتقليد الميّت بعد عدم إمكان الاحتياط، ثمّ العمل بقول المشهور، ثمّ الاشهر فالاشهر، كما في الرسائل العملية لصاحب الجواهر، والشيخ، والمجدّد، وسكوت المحقّقين: الرشتي، والكاظمين: اليزدي والخراساني، والشيخ محمّد تقي الشيرازي وآخرين (قدس سرهم)(72).
وقد سبق هؤلاء في شبه ذلك صاحب مفاتيح الاُصول تبعاً لوالده وجدّه البهبهاني (قدس سرهم) قال في المفاتيح: « الخامس: إذا لم يتمكّن من الاحتياط وكان فيه حرج عظيم، فهل يجوز له تقليد الميّت حينئذ أو لا، بل يجب عليه الاخذ بما هو المشهور بين الاصحاب ؟ صرّح بالثاني جدّي (قدس سره) ووالدي العلاّمة دام ظله، وهو الاقرب، وإن لم يتمكّن من العمل بالمشهور أيضاً فالاحوط بل اللازم تقليد أعلم الاموات وأزهدهم، وإن لم يتمكّن من معرفة جميع ذلك وانحصر تحصيل أحكامه في تقليد الميّت جاز... »(73).
وتبعه تلميذه شريف العلماء ـ على ما في تقرير بحثه ـ قال: « ولكن قلنا... بوجوب الاجتهاد، فإن لم يمكن، فالاحتياط، وإلاّ فالعمل بمشهور الاقوال، وإلاّ فالعمل بقول أعلم الاموات وأزهدهم، وإلاّ فيتخيّر »(74).


(1) تقرير بحث شريف العلماء (قدس سره): ج2، ص388.
(2) المستمسك: ج1، ص20، والتنقيح: ج1، ص114.
(3) وهذه الحاشية منه (قدس سره) من النوادر، حيث اختلف فيها مع شيخه المحقّق النائيني (قدس سره) ففصّل بهذا التفصيل دون شيخه، إذ قد أطلق عدم الجواز كما تقدّم.
(4) وهذه الرسالة مطبوعة في آخر تقريرات كلانتر، ص269.
(5) تقرير بحث شريف العلماء (قدس سره): ج2، ص388.
(6) البحار: ج6، ص214، الباب8 من أبواب الموت.
(7) جواهر الكلام: ج41، ص217.
(8) تقرير بحث شريف العلماء (قدس سره): ج2، ص388.
(9) الكافي: ج8، ص90، ح58. قال في مجمع البحرين ـ في مادّة: « رءا » ـ « قيل: المراد بالاوّل: ما يخلق الله في قلبه من الصور العلمية في حال اليقضة، و من الثاني، ما يخلق الله في قلبه حال النوم، و كأنّ المراد من « في آخر الزمان » زمان ظهور الصاحب ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ فإنّه وقع التصريح في بعض الاخبار بأنّ في زمان ظهوره يجمع الله قلوب المؤمنين على الصواب... ».
(10) وهذا الوجه مأخوذ من استدلال الشيخ (قدس سره) لحرمة العدول عن الحي ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ.
(11) نهاية الدراية: ج6، ص419.
(12) تقرير بحث شريف العلماء (قدس سره): ج2، ص388.
(13) جامع احاديث الشيعة: ج1، المقدّمات، الباب5، ح18.
(14) جامع احاديث الشيعة: الباب5 من المقدّمات، ح36.
(15) جامع احاديث الشيعة: الباب5 من المقدّمات، ح103.
(16) جامع احاديث الشيعة: الباب5 من المقدّمات، ح12.
(17) جامع احاديث الشيعة: الباب5 من المقدّمات، ح21.
(18) جامع احاديث الشيعة: الباب5 من المقدّمات، ح24.
(19) جامع احاديث الشيعة: الباب5 من المقدّمات، الحديث1 و2 و13 و14 و19 و20.
(20) الوسائل: الباب4 من أبواب صفات القاضي، ح6.
(21) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح9.
(22) سبق في شرح المسألة الاُولى عند قول الماتن: « أو مقلّداً » وقد مضى عنده بعض البحث عن بناء العقلاء فيما ينفع المقام أيضاً.
(23) جامع احاديث الشيعة: الباب5 من المقدّمات، ح36.
(24) جامع احاديث الشيعة: الباب5 من المقدّمات، ح36.
(25) جامع الشتات: ج2، ص749.
(26) علل الشرايع: ج1، الباب153، ح3.
(27) تقرير بحث شريف العلماء، مخطوط، ص387، وضوابط الاُصول بحث الاجتهاد والتقليد.
(28) المستمسك: ج1، ص20.
(29) التنقيح: ج1، ص114.
(30) مجمع المسائل: المسألة الثانية من باب التقليد، فإنّ متن الرسالة ـ مترجمة بالعربية ـ: « الاقوى عدم جواز البقاء على تقليد الميّت » وجاءت الحاشية ـ مترجمة بالعربية ـ: « لكن الّذي أخذ وعمل فالبقاء فيه واجب » ومقتضى جمع دلالتي: المستثنى والمستثنى منه ذلك، فتأمّل.
(31) مجمع المسائل: التقليد، تعليق الحائري وحاشيته على العروة الوثقى.
(32) تقدّم نقل عبارة الرسالة عند سرد الاقوال قبل ذكر أدلتها.
(33) التنقيح: ص113.
(34) العروة الوثقى / الحواشي.
(35) المحقّق الكركي (قدس سره).
(36) نقل ذلك في المفاتيح للسيّد المجاهد: ص619.
(37) هو من معاصري الشيخ الحرّ (قدس سره) وقد أثنى عليه في أمل الامل.
(38) هو أُستاذ المحقّق الكركي الّذي نقل عنه: أنّه قال في حقّه: « فقيه أهل البيت (عليهم السلام) في زمانه ».
(39) إصلاح العمل: للسيّد المجاهد (قدس سره).
(40) التنقيح: ج1، ص97.
(41) الوافية: ص305.
(42) الاشارات: ج2، ص349.
(43) جامع أحاديث الشيعة: الباب5 من المقدّمات، ح36.
(44) ولكي يتّضح ذلك نذكر نماذج من فتاوى عليّ بن بابويه (قدس سره):
قال في المختلف: « لو شكّ بين الاثنين والثلاث والاربع، فالمشهور أنّه يبني على الاربع ويصلّي ركعتين من قيام وركعتين من جلوس، ذهب إليه الشيخان والسيّد المرتضى وأبو الصلاح، وأكثر علمائنا.
وقال عليّ بن بابويه وابنه محمّد: يصلّي ركعة من قيام وركعتين من جلوس (إلى أن قال): احتجّ بأنّ الركعتين من جلوس تقوم مقام ركعة من قيام فيحصل بهما أو بالركعة التمام على التقادير » ـ المختلف: ج2، ص384، الباب الرابع من التوابع، الفصل الاوّل في السهو ـ.
وفيه أيضاً: « قال الشيخ في النهاية: لا يجوز التقصير للمسافر إلاّ إذا توارى عنه جدران بلده أو خفي عليه أذان مصره... وقال عليّ بن بابويه: إذا خرجت من منزلك فقصّر إلى أن تعود اليه... وحدّ التقصير بلوغ المشاهد للجدران أو سماع الاذان، وقال الشيخ علي بن بابويه: إذا دخل منزله » ـ المصدر: ج3، ص109، الفصل السادس في صلاة المسافر.
وفيه أيضاً: « لو سافر بعد دخول الوقت قال ابن أبي عقيل، والصدوق أبو جعفر بن بابويه في المقنع: يجب عليه الاتمام... وقال المفيد: إذا دخل وقت الصلاة على الحاضر، فلم يصلّها لعذر حتى سافر وكان الوقت باقياً صلاّها على التقصير... وهو اختيار الشيخ علي بن بابويه في رسالته » ـ المصدر: ص117 ـ.
وفيه أيضاً: « وفي تقرير الفدية قولان: قال الشيخ في النهاية يتصدّق عن كلّ يوم بمدّين، من طعام، فإن لم يمكنه فبمدّ... وقال ابنا بابويه: يتصدّق عن كل يوم بمدّ » ـ المصدر: ج3، ص520، كتاب الصوم، الفصل السادس في اللواحق ـ.
وفيه أيضاً: « استحبّ ابنا بابويه صوم الاعتكاف نفلاً في السفر، واختاره الشيخ في المبسوط... احتجّوا بأنّه عبادة مطلوبة للشارع، لا يشترط فيها الحضر فجاز صومها في السفر، ولانّه قد ورد استحباب صوم الحاجة بالمدينة وأن يكون في تلك الايّام معتكفاً » ـ المصدر: ج3، ص585، الفصل السابع في الاعتكاف ـ.
وفي مقنع الصدوق (قدس سره): « إذا ادّعى رجل على رجل عقاراً أو حيواناً أو غيره وأقام شاهدين، وأقام الّذي في يده شاهدين، واستوى الشهود في العدالة، فالحكم فيه أن يخرج الشيء من يدي مالكه إلى المدّعي لانّ البيّنة عليه، وإن لم يكن الملك في يد أحد وادّعى فيه الخصمان جميعاً، فكلّ من أقام البيّنة فهو أحقّ به، وإن أقام كلّ واحد منهما البيّنة فإنّ أحقّ المدّعيين من عدّل شاهداه، فإن استوى الشهود في العدالة فأكثرهما شهوداً يحلف بالله ويدفع إليه الشيء، ثمّ قال الصدوق (قدس سره): هكذا ذكره والدي (قدس سره) في رسالته إليّ » ـ المقنع، باب القضاء والاحكام، ص399 ـ.
ومن هذه النماذج يظهر بجلاء أنّ عليّ بن بابويه (قدس سره) كان يعمل حدسه واستنباطه أيضاً في الفتاوى، ولم يكن يتقيّد بنصوص الروايات أو بترجمتها بالمعنى فقط، والله العالم.
(45) الجواهر: ج33، ص210.
(46) الجواهر: ج33، ص196.
(47) الجواهر: ج33، ص197.
(48) فرائد الاُصول: ص471، الطبعة الجديدة.
(49) شرح التبصرة: ج5، ص231، كتاب الحجّ.
(50) فرائد الاُصول: ج1، ص82، الطبعة الجديدة.
(51) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح4.
(52) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح13.
(53) جامع أحاديث الشيعة: المقدّمات، الباب5، ح26 حتّى36 فإنّها عشرة أحاديث صريحة في هذا المجال.
(54) الوسائل: الباب8 من أبواب صفات القاضي، ح17.
(55) علل الشرائع: الباب153، ح3.
(56) البحار: ج23، الباب1 في الاضطرار إلى الحجّة، ح105.
(57) الخصال للشيخ الصدوق: باب3، ح257.
(58) يونس: 35.
(59) نهج البلاغة: أبواب الحكم، الحكمة147.
(60) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح19.
(61) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح19.
(62) الانبياء: 7.
(63) التوبة: 122.
(64) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح1.
(65) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(66) العروة الوثقى: التقليد، م18.
(67) قوانين الاُصول: ج2، ص128.
(68) الوسائل: الباب1، من أبواب صفات القاضي، ح5.
(69) الوافية: ص307.
(70) مطارح الانظار: ص267.
(71) تقرير بحث شريف العلماء: ص384 (مخطوط).
(72) مجمع الرسائل، وصراط النجاة ومجمع المسائل وحواشيها، بحث التقليد.
(73) مفاتيح الاُصول: ص626، طبعة حجرية.
(74) القواعد الشريفية للجابلقي: ص375، طبعة حجرية.