المسألة (10): إذا عدل عن الميّت إلى الحي، لا يجوز له العود إلى الميّت.

هل يجوز العود إلى تقليد الميّت ؟

المسألة (10): إذا عدل عن الميّت إلى الحي، لا يجوز له العود إلى الميّت.
يجب تقييد المسألة بما إذا جاز له العدول من الميّت إلى الحي وجاز له البقاء ـ كما قيّده بذلك البعض ـ إذ على القول بوجوب البقاء على تقليد الميّت، سواء مطلقاً، أم مع أعلميته في فرض الاعلمية، أو غير ذلك، فالعود إلى الميّت واجب والعدول كان حراماً، وكذلك على القول بحرمة البقاء، ووجوب العدول إلى الحي سواء مطلقاً أم جزئياً فإنّه لا يحتاج حرمة العود إلى الميّت إلى بيان، والظاهر أنّ عدم تقييد الماتن إنّما هو لكونه قائلاً بالتخيير بين البقاء والعدول.

وجوه الاستدلال لعدم العود

وكيف كان فما استدلّ به لذلك وجوه:


الوجه الاوّل لعدم العود

الوجه الاوّل: إنّه من مصاديق التقليد الابتدائي للميّت، إذ إطلاق حرمة التقليد الابتدائي يشمل صورتي الابتدائي المحض، والابتدائي غير المحض، وقد صرّح بذلك الماتن (قدس سره) في رسالته المسمّاة بـ « سؤال وجواب »(1).
قال ما ترجمته: « التقليد بدوي، وبعد العدول إلى الحي لا يجوز الرجوع إلى ذلك الميّت ».


مناقشة الوجه الاوّل

ويورد عليه: إنّ عمدة الدليل على حرمة التقليد الابتدائي هو الاجماع المدّعى، وظهور الاطلاقات في الحياة.
أمّا الاجماع المدّعى فمع ما أُورد عليه سابقاً من المناقشة صغرى وكبرى، يرد عليه في المقام: إنّ الاجماع دليل لبّي، والمتيقّن منه ـ ولعلّه المتبادر أيضاً كما ادّعي ذلك ـ هو صورة الابتدائي المحض، لا مثل المقام الّذي كان العامي مقلّداً له ثمّ عدل عنه بعد موته، فإنّه ربما يقال بجريان الاستصحاب في حقّه كما سيجيء إن شاء الله تعالى. وقد صرّح المحقّق العراقي بذلك في تعليقته قال: « إلاّ إذا كان ـ أي: الميّت ـ مساوياً أو أعلم، وإلاّ فلا بأس به بعد صدق الشكّ في بقاء أحكامه الظاهرية » والقول بعدم الفرق بين هذا وبين التقليد الابتدائي المحض لعلّه في غير محلّه بعد ملاحظة قصر الدليل.
وأمّا ظهور الاطلاقات في حياة المفتي، فمع تسليمه لا يفرق فيه بين الابتدائي المحض وغيره، ولكن لم يثبت ذلك في محلّه، بل أسلفنا أنّ الامر بالعكس فالاطلاقات أعمّ من الحي والميّت، والعقل يؤيّد ذلك، ولا صارف للاطلاقات إلاّ حسبان الانصراف، لا واقعه.
اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ أدلّة البقاء ـ وعمدتها الاستصحاب ـ تشمل المقام، فيخرج موضوعاً عن الابتدائي كما صرّح بذلك المحقّق العراقي في تعليقته الانفة.
وحيث إنّ عنوان: العدول، أو العود، لم يرد في دليل شرعي لفظي، لذا لا معنى للدوران مداره، بل يجب التماس الدليل على المسألة بالخصوص، وحيث لا دليل عليه بالخصوص فمقتضى الصناعة الفقهية جوازه. وإن كان الاحتياط حسناً على كلّ حال.


استدلال في غير محلّه

ثمّ إنّ بعض من عاصرناهم(2) من شرّاح العروة إستدلّ لاصل المسألة بالاجماع، وهو في غير محلّه، إذ من المستبعد جدّاً ادّعاء الاجماع على عدم جواز العود إلى المعدول عنه بالخصوص، كيف والمسألة من الفروع المذكورة في العصور المتأخّرة، وإنّما اعتبروا ذلك صغرى من كبرى تقليد الميّت، فأشملوه الاجماع المدّعى على الكبرى كما ذكرناه ؟
نعم قد يراد الاجماع: الاولوي، لما يأتي في المسألة الاتية إن شاء الله تعالى: من الاجماع على عدم جواز العدول من الحي إلى الحي، فيكون إلى الميّت أولى، لكنّه في الاصل بحيث يكشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) محلّ إشكال ومنع كبرىً، كما هو كذلك صغرىً ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ فكيف بالفرع ؟

الوجه الثاني لعدم العود

الثاني: دوران الامر بين التعيين والتخيير، والاصل فيه التعيين.
أمّا الاوّل وهو الصغرى: فلانّ حجيّة فتوى الحي الّذي عدل إليه محرزة، وحجّية فتوى الميّت بالنسبة إلى مثله مشكوكة.
وأمّا الثاني وهو الكبرى: فلانّه ولو لم نقل بأصل التعيين في كلّ دوران بين التعيين والتخيير ولكن فيما نحن فيه ـ وهو مورد الطرق والشك في طريقيتها المساوق حكماً للقطع بعدم طريقيتها، لانّ الشكّ في الحجّية هو موضوع عدم الحجّية ـ يجب المصير إلى القول بالتعيين.


مناقشة الوجه الثاني والايراد عليه

وأُورد عليه بأُمور:


الايراد الاوّل

الاوّل: ما تقدّم منّا ويأتي من أنّ مقام التقليد عمدة أدلّته بناء العقلاء الممضى من قبل الشارع بالتقرير، وإن شئت عبّر عنه بالسيرة المكتملة لجهات الحجّية، وكذلك الاطلاقات، ولا يعتبر فيه الحياة لا ابتداءً ولا استمراراً، وحينئذ فلا يكون المورد من قبيل الشكّ في الحجّية ليكون موضوعاً لعدم الحجّية، ولا مجال للدوران بين التعيين والتخيير حتّى يقال بالتعيين فيه، بل الشكّ في تضييق الشارع وهو مسرح أصل العدم.
نعم، الاجماع المدّعى ـ والّذي تقدّم بحثه صغرىً وكبرىً وانطباقاً ـ قام على عدم جواز تقليد الميّت ابتداءً، والمصير إليه احتياط وهو حسن على كلّ حال، لكن شموله للعود محل إشكال أو منع كما تقدّم آنفاً.


الايراد الثاني

الثاني: بناءً على القول بوجوب تقليد الاعلم، أو الاوثق في الفتوى، أو الاورع، أو نحوها من المزايا التي ربما تعتبر ملزمة في مرجع التقليد، لا مجال لاصالة التعيين في تعيين الحي، لو كانت تلك المزايا في الميّت.
مثلاً: لو كان الميّت أعلم من الحي، فعدل المقلّد إلى الحي، ثم أراد العود إلى تقليد الميّت، فلا مسرح هنا للدوران بين التعيين والتخيير وتقديم جانب الحي باعتباره مقتضى أصالة التعيين.
أو كان الميّت أوثق في الفتوى من الحي ـ حيث ذهب إلى لزومه جمهرة من الاعاظم منهم كاشف الغطاء(3)وصاحب الجواهر، والشيخ الانصاري، ولفيف من أجلاّء تلاميذهما، وتلاميذهم: كالمجدّد والشيخ محمّد تقي الشيرازيين، والكاظمين: الخراساني واليزدي، والمحقّقيّن: الرشتي، والنائيني، والعراقي، والحائري وغيرهم (قدس سرهم)(4)ـ لم يكن متعيّناً البقاء على الحي ليكون مورداً لاصل التعيين، وكذا إذا كان الميّت أورع من الحي، أو كان الميّت ذا مروة، بناءً على لزوم مراعاتها في المرجع ونحو ذلك.
فإنّ المقام يكون من الدوران بين التخيير وبين تعيين هذا، وتعيين ذاك، وفي مثله لا يجري أصالة التعيين، بل المحكّم ـ بعد فرض قصر اليد عن الادلّة، ووصول النوبة إلى الاُصول العملية ـ هو التخيير كما لا يخفى.
اللّهمّ إلاّ إذا كان احتمال التعيين في طرف منجّزاً ولو من جهة أصل عملي من باب احتمال الترجيح مطلقاً، أو في بعض الموارد، أو في بعض الوجوه، ومع ذلك فهو لا يكون دائماً بجانب الحي، بل قد يكون بجانب الميّت، فيكون العود إلى الميّت متعيّناً، فتأمّل.


حاصل الكلام

والحاصل: إنّ أصل التعيين إنّما يمنع عن العود إلى الميّت إذا كانت المزايا كلّها بجانب الحي، أمّا إذا كانت بجانب الميّت تعيّن العود إلى الميّت، وإذا كانت منقسمة بينهما دار بين تعيين وتعيين وتخيير، والمرجع التخيير أيضاً.


الايراد الثالث

الثالث: إنّ جريان أصل التعيين في المقام إنّما هو على القول بالتخيير في مقام تعارض الفتاوى ـ كما هو المشهور ـ وأمّا على القول بالتساقط كما ذهب إليه بعض المراجع المعاصرين فيكون المرجع حينئذ: التساقط والرجوع في مقام العمل إلى أصل الاشتغال والاحتياط بين القولين ـ إذا اختلفت فتاوى الميّت والحي ـ.
إذن: فإجراء أصل التعيين في المقام إمّا مخدوش رأساً، أو بالنسبة لبعض الاحوال، أو بالنسبة لبعض الفتاوى.
ثمّ إنّ ذكر بعض الشرّاح أصالة عدم الحجّية في عرض أصالة التعيين في المقام، غير واضح، إذ في موارد الدوران بين التعيين والتخيير، إن لم يجر أصل التعيين، كان المرجع أصل التخيير، فلا شك ـ مع اعتبار أصل التخيير ـ حتّى تصل النوبة إلى أصالة عدم الحجّية، لعدم الموضوع حينئذ لاصالة عدم الحجّية كما لا يخفى.


الوجه الثالث لعدم العود

الثالث: الاستصحاب، بتقريب: أنّه بعد العدول إلى الحي صارت فتاوى الحي حجّة عليه، فيشكّ في التخيير بينها وبين فتاوى الميّت، وبين تعيّن فتاوى الحي عليه، فنستصحب.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّه تمسّك بأصل التعيين المذكور، وليس أصلاً آخر غيره ـ أنّه معارض باستصحاب حجّية فتاوى الميّت له، فإنّ فتاوى الميّت كانت حجّة للمقلّد قبل عدوله إلى الحي، فتستصحب.


إشكالات على الوجه الثالث
الاشكال الاوّل

وأُورد عليه أوّلاً: بأنّه استصحاب تعليقي مبني على حجّيته، لانّه لو لم يعدل إلى الحي كانت فتاوى الميّت حجّة له بالبقاء على تقليده، وسحب الحكم من موضوع في حالة، إليه في حالة أُخرى إنّما هو من الاستصحاب التعليقي.
وفيه: ـ مضافاً إلى عدم بُعد حجّية الاستصحاب التعليقي في بعض صوره التي هذه من تلك ـ أنّه يتصوّر في المقام استصحاب تنجيزي أيضاً.
مثلاً لو مات المرجع، وبقي المقلّد على تقليده برهة من الزمان، ثمّ عدل عنه إلى الحي، فإنّ عوده إلى الميّت في نفس المسائل التي عمل بها حال موت المرجع من الاستصحاب التنجيزي لا التعليقي، وذلك بأن يقال: إنّ هذه الفتاوى كانت حجّة عليه ولا يعلم هل أنّها سقطت عن الحجّية بعدوله أم لا ؟ فالاصل: بقاؤها على الحجّية.
ثمّ يمكن تتميم ذلك فيمن عدل إلى الحي فور موت المرجع قبل أن يعمل بعد موته بفتاواه بعدم الفصل، أو عدم الفرق مناطاً. تخصيصاً للاستصحاب التنجيزي في المقام لقيام الدليل عليه.
وإن كان ربما يقال بالعكس: بأنّ من عدل عن الميّت إلى الحي فور الموت، يكون العود إلى الميّت اعتماداً على الاستصحاب التعليقي غير الحجّة شرعاً، ويتمّ فيمن عدل بعد البقاء مدّة من الزمن بعدم الفصل أو عدم الفرق مناطاً.
ولكن لا يخفى تقدّم الاوّل.


الاشكال الثاني

وثانياً: لا يجري الاستصحاب في المقام لتغيّر الموضوع، لانّ حجّية فتوى الميّت قبل العدول إلى الحي كان لصدق عنوان: البقاء، المفقود هذا العنوان حال العود إليه.
ويمكن أن يجاب عن ذلك ـ مضافاً إلى أنّه ربما يقال: بمساعدة العرف على صدق عنوان البقاء، وإن تخلّله تقليد الحي فتأمّل ـ بأنّ عنوان: البقاء، لم يكن موضوع الحجّية حتّى يدار مداره وجوداً وعدماً، كما أسلفنا ذلك في المسألة السابقة، وعنوان البقاء ورد في كلام الفقهاء، وموضوع الحجّية لفتوى الميّت بعد موته بالنسبة لمن كان مقلّداً له في حال حياته: فتوى مجتهد جامع للشرائط، وذلك للادلّة التي ذكرناها بالتفصيل في المسألة السابقة التي يصحّ بعضها في ما نحن فيه فراجع هناك.


الاشكال الثالث

وثالثاً: إنّ الاستصحاب في المقام غير متّصل فيه زمان الشكّ بزمان اليقين، ومن شرائط جريان الاستصحاب اتّصال الزمانين كما حرّر في الاُصول.
وفيه: أنّه قد حقّق في الاُصول عدم اشتراط اتّصال زماني: الشكّ واليقين، واللازم عدم انقلاب اليقين السابق إلى يقين بالعدم، وهذا يكفي في جريان الاستصحاب لاطلاق الادلّة وغيره ممّا ثبت في محلّه.
مضافاً إلى اتّصال الزمانين فيما نحن فيه، إذ متعلّق اليقين السابق حجّية: فتاوى الميّت، ومتعلّق الشكّ اللاحق: بقاء هذه الحجّية ـ بعد تقليده للحي ـ فالزمانان متّصلان، فتأمّل.


الاشكال الرابع

ورابعاً: إذا تعارض الاستصحابان تساقطا، والمتيقّن الحجّية هو تقليد الحي.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ المتعارضين، الفتويان لا الاستصحابان، ودليل الاستصحاب موسّع لدليل حجّية الفتوى، ولا خصوصية له ـ أنّه لا تعارض بينهما إلاّ في صورة العلم بتعارض الفتويين، وعلى القول بتساقط الفتويين كسائر المتعارضين.

الوجه الرابع لعدم العود

الرابع: إنّه يلزم عدم الانضباط في التقليد إذا كان مقلّداً لزيد، فمات فعدل إلى عمرو، فمات، فعدل إلى بكر، وهكذا، فيجوز له العود إلى كلّ من الاموات، ويعدل عن كلّ منهم إلى الاخر، سابقاً ولاحقاً، ومن يلتزم بصحّة مثل ذلك ؟


مناقشة الوجه الرابع

وفيه نقضاً: بموارد التخيير بين الاحياء المتعدّدين ـ إمّا للتساوي، أو لعدم وجوب تقليد الاعلم والاورع ونحوهما، أو لغير ذلك ـ وبمن قلّد حيّاً يوجب ثلاث تسبيحات فمات فقلّد حيّاً آخر يكتفي بواحدة، فمات، فقلّد من يوجب الثلاث، فجعل يقرأ ثلاثاً، ثمّ واحدة، ثمّ ثلاثاً، وهكذا ونحو ذلك، فما يلتزم به هناك يلتزم به هنا أيضاً.
وحلاً: بأنّ هذا لازم تعدّد الحجّة، والتخيير بينها، ولا استبعاد فيه.
ثمّ لا يخفى أنّ البحث كلّه في المسألة إيجاباً وسلباً، فتوىً واحتياطاً، إنّما هو إذا كان الميّت والحي مختلفين في الفتوى، أمّا إذا كانا متوافقين، أو كانت فتوى الميّت موافقة للاحتياط من جميع الجهات فلا مانع من العود إلى الميّت والاستناد إليه، على ما مرّ من أنّ الاقوى كفاية ذلك، نعم لو قلنا بعدم كفاية ذلك، ولزوم الاستناد إلى الحجّة ـ بالمعنى الفاعلي ـ فيبقى الاشكال.


هنا تنبيهات
التنبيه الاوّل

الاوّل: أوجب بعضهم البقاء على تقليد الميّت مع قيدين: أعلميته من الحي، وكون المقلّد ذاكراً لفتوى الميّت.
وعليه: فيكون المقلّدون لمجتهد عند موته على ثلاث طوائف:
الاُولى: من يعتقد أعلمية الميّت من الحي ويتذكّر فتاواه، فيجب عليه البقاء.
الثانية: من يعتقد أعلمية الحي، فيجب عليه العدول إلى الحي.
الثالثة: من يعتقد أعلمية الميّت ونسي فتاواه، فيجب عليه العدول إلى الحي ما دام ناسياً، فإن تذكّر جاز أو وجب عليه العود إلى الميّت، وكذا إذا نسي البعض وتذكّر البعض.
ويبقى الكلام فيما إذا عرض النسيان والتذكر مكرّراً، بأن كان ناسياً عند الموت ثم بعد سنوات تذكّر، ثمّ نسي بعد ذلك وهكذا، كمن حجّ كلّ عشر سنوات حجّة، فكان أوّلها بفتوى الميّت لتذكّره، ثمّ نسي فقلّد الحي فيه، ثمّ تذكّر وهكذا. وربما يعتبر هذا القائل عدم الفائدة في الذكر بعد النسيان، لانّه ـ كما قال ـ يكون من التقليد الابتدائي فلا إشكال عنده.


التنبيه الثاني

الثاني: لو كان عدول المقلد عن الميّت إلى الحي بتصوّر أنّ الميّت لا فتوى له في هذه المسألة، وبعد ذلك علم بأنّ للميّت فتوى في تلك المسألة، هل هذه الغفلة تؤثّر في تجويز العود إلى الميّت أم لا ؟
صرّح الماتن (قدس سره) في أجوبة مسائله(5): بعدم الفرق بين الغفلة والالتفات، ومقتضاه: عدم الفرق بين الالتفات التفصيلي، والاجمالي، كما أنّ مقتضى ذلك أيضاً: عدم الفرق بين الجهل المركّب والجهل البسيط، أخبره أحد بعدم فتوى الميّت كذباً أم لا، متعمّداً في الكذب أم مخطئاً، بداع عقلائي أم لا، وهكذا دواليك.
ولعلّ الوجه في ذلك كلّه واضح: إذ الحكم بحرمة العود إن كان لصدق التقليد الابتدائي فلا يفرق فيه هذه الاقسام، وكذا الدوران بين التعيين والتخيير، أو الاستصحاب أو غير ذلك ـ ممّا تقدّم ـ.
بل لو كان قد التزم شرعاً بيمين ونحوه: أن لا يعدل عن مجتهده، ثمّ نسي وعدل، أو عصى وعدل، لا يجوز له العود ـ على أصل المبنى ـ وإن حنث بذلك، ووجبت عليه الكفّارة، لانّ التقليد ليس عبادة ـ على الاقوى ـ فيتحقّق ولو بالحرام، لانّه مقدّمة، كما مرّ ذلك مفصّلاً في شرح المسألة السابقة وغيرها، فتأمّل.


التنبيه الثالث

الثالث: لا شكّ في تحقّق العدول بالاستفتاء وأخذ الجواب والعمل به، فإذا عمل، ثم أراد العود إلى الميّت لا يجوز ـ على المبنى ـ.
وإن استفتى وأخذ الجواب للعمل به ولم يعمل به بعد، لم يجز العود أيضاً على قول الماتن في تحقّق التقليد بالالتزام، لانّه إذا التزم بالعمل بفتوى الحي فقد قلّده، فيكون رجوعه إلى الميّت غير جائز.
أمّا إذا استفتى من الحي بقصد أن يأخذ الجواب ويعمل به، فهل هذا عدول، بحيث لا يجوز له العود إلى الميّت ؟
صرّح الماتن (قدس سره) في الجواب الانف من أجوبة مسائله: بعدم كونه عدولاً، قال ما ترجمته: « ومجرد الاستفتاء قبل وصول الفتوى ليس عدولاً حتّى لا يجوز له مع مثله البقاء على تقليد ذاك الميّت ».
ومقتضاه: عدم الفرق بين الالتزام بالعمل بالفتوى عند وصولها إليه، وبين عدم الالتزام قبل الوصول حتّى تصل الفتوى.
مع أنّه ربما ينافي ما سبق منه (قدس سره) في المسألة السابعة: من أنّ التقليد هو الالتزام، وعليه: فيلزم التفصيل بين التزامه بالعمل عند وصول الفتوى، وبين عدم الالتزام بحيث ينتظر حتّى تصله الفتوى ثم بعدها إمّا يلتزم بالعمل بها أو يتركها، بعدم جواز العود إلى الميّت في الاوّل، وجوازه في الثاني، مع أنّ حصول الفتوى لا خصوصية له إلاّ طريقيّة صدور الفتوى غير المنحصرة، مضافاً إلى أنّه لا خصوصية لصدور الفتوى أيضاً، فتأمّل.
اللّهم إلاّ إذا كان منصرف كلام الماتن في أجوبة المسائل هو: الالتزام، كما هو الغالب، فتأمّل.


التنبيه الرابع

الرابع: لو عدل عن الميّت إلى الحي، ثمّ رأى أنّ بعض فتاوى الحي حرجة عليه، هل هذا الحرج يُسوّغ له العود إلى الميّت أم لا ؟
فيه صور: لانّه إمّا قد عمل بفتاوى الحي، أو التزم ولم يعمل، وفي كلّ منهما إمّا أنّ العمل بفتاوى الحي حرج عليه، أو تحصيلها.
والصورتان الاوّليان: مبنيّتان على الخلاف في أنّ التقليد عمل ـ كما اخترناه تبعاً لمشهور المتأخرين ـ أو التزام كما اختاره الماتن ونادر من المتأخرين عنه كما هو واضح.
وأمّا الصورتان الاُخريان: فإن كان العمل حرجاً عليه، كما إذا كانت فتوى الحي وجوب تحصيل الترتيب بين الفوائت حتّى مع الجهل به، وكانت عليه فوائت كثيرة، وكان مريضاً مثلاً، أو كان يرى نجاسة الغسالة، والمقلّد مبتلى ـ في سجن ونحوه ـ بترشّح الغسالة عليه كثيراً ويصعب عليه التطهير دائماً لكلّ صلاة ونحو ذلك. فمقتضى القاعدة: لزوم العمل بمقدار لا يلزم الحرج، وترك ما يلزم من التزامه الحرج، قصراً للضرورات على قدرها، وبمجرد ذلك لا يجوز العود إلى الميّت ـ على المبنى ـ.
وإن كان تحصيل الفتوى حرجاً عليه، كما إذا كان المجتهد الحي لا رسالة له، ومكانه ناء يصعب على المقلّد السفر إليه، فإن قلنا بأنّ كلّ مسألة موضوع للتقليد مستقلاً عن مسألة أُخرى، ففي كلّ مسألة جديدة يكون العامي غير مقلّد لهذا الحي حتّى يكون العمل بقول غيره من ميت أو حي آخر، عدولاً.
وإن قلنا بأنّ من أخذ رسالة مجتهد، وعمل بالعديد من مسائلها عدّ ـ شرعاً وعرفاً ـ مقلّداً لذاك المجتهد حتّى في ما لم يعمل بعد به، فمقتضى القاعدة: عدم جواز العود إلى الميّت ـ على المبنى ـ ووجوب الاحتياط عليه مع عدم الحرج، ومعه الرجوع إلى مجتهد عادل آخر، والله العالم.


التنبيه الخامس

الخامس: بناءً على كون التقليد نفس العمل، وإنّ لكلّ مسألة تقليد مستقل، فمقتضاه: عدم شمول العدول للمسائل التي لم يعمل بعدُ فيها بقول الحي، وجواز العمل فيها بقول مجتهده الّذي مات ولو بعد سنوات من عدوله إلى الحي.
مثلاً: إذا عدل عن الميّت إلى الحي ومضى على ذلك سنوات لم يحجّ فيها وأراد الحجّ، جاز له ـ حتّى على القول بعدم جواز العدول إلى الميّت بعد العدول إلى الحي ـ العمل في الحجّ بقول الميّت، وذلك لعدم تحقّق العدول في الحجّ، ولا صدق العود إلى الميّت في مسائل الحجّ، خصوصاً إذا كان قد عمل بفتوى الميّت في مسائل الحجّ أيّام حياته.
وما في بعض تعليقات العروة من الاشكال في ذلك بأنّ الاستناد في طبيعي العمل لا شخصه، غير وارد على القول المذكور، بل على القول بصدق التقليد في الكلّ إذا عمل في بعض المسائل.


التنبيه السادس

السادس: إذا وجب عليه العدول ـ لاعلمية الحي مثلاً ـ فلم يعدل، كان عمله بفتوى الميّت بلا حجّة، فهو كمن عمل بلا تقليد، فإن مات الحي الاعلم لا إشكال ـ على القول بحرمة تقليد الميّت ابتداءً ـ في عدم جواز تقليده بعد موته، أمّا بقاؤه على تقليد الميّت فهل هو بحكم العود بعد العدول، أم لا ؟ احتمالان:
1. من أنّ بقاءه كان بلا حجّة، فهو كغير الباقي.
2. ومن أنّه لم يتحقّق منه العدول، حتّى يكون البقاء عوداً.
لا يبعد الاوّل، لانّ البقاء بلا حجّة ليس بقاءً شرعاً حتى يستصحب، لانقطاع اليقين السابق بيقين تعبّدي، فيكون ـ بالاعتبار ـ تقليداً ابتدائياً للميت، فهو كمن قلّد حيّاً من غير حجّة ـ مثلاً لكون غيره أعلم منه ـ ثمّ مات المقلَّد ـ بالفتح ـ فهل يجوز البقاء على تقليده ؟
وبالعكس: إذا حرم عليه العدول ـ لاعلمية الميّت مثلاً ـ وعدل إلى الحي، هل يجب عليه العود، أو يجوز، أو يحرم ؟ احتمالات:
1. الوجوب لانّه ـ بالاعتبار الشرعي ـ لم يكن عدوله عدولاً، فيكون باقياً على تقليد الميّت، لا عائداً، فليس تقليداً ابتدائياً، ولا مصداقاً للدوران بين التعيين والتخيير، ولا غير ذلك من الادلّة.
2. والحرمة لانّه عدل فعلاً، فيكون ـ وجداناً ـ عوداً إلى الميّت وتقليداً ابتدائياً.
3. والجواز لعدم إحراز شيء من الالزامين في المقام.
لكنّ الاوّل غير بعيد.
فإن صار الحي ـ بعد فترة ـ أعلم من الميّت، فإن كان عائداً إلى الميّت وجب عليه العدول إلى الحي، وإن لم يكن عائداً صحّ تقليده للحي من ذلك الوقت.
وأعماله خلال تلك الفترة كمن عمل من غير تقليد، وسيأتي حكمه في المسألة السابعة والثلاثين إن شاء الله تعالى.


إيراد غير تامّ

وربما يقال: لا مجال للحرج ونحوه من التخصيصات الشرعية في مثل التقليد من الاحكام العقلية المرتبطة بالمؤمّن، إذ تحصيل المؤمن حكم عقلي، فلا يخصّص الدليل العقلي أصلاً، فكيف بدليل اعتباري ؟
لكنّه غير تامّ، إذ أدلّة نفي الحرج ونحوها من الاعتباريات رافعة لموضوع الحكم العقلي، لا مخصّصة له، إذ موضوع الحكم العقلي وهو من لا مؤمّن له، يرتفع بنفي الحرج، لانّه مؤمّن اعتباري.


إشكال وجواب

فإن قلت: هل أنّ أدلّة نفي الحرج ونحوها تجعل غير الحجّة ـ تقليد الميّت ـ حجة ؟
قلت: كلاّ، بل على المبنى المنصور من الحجّية العقلائية لتقليد الميّت ابتداءً(6) لكنّ الدليل الاعتباري الشرعي ـ من الشهرة المحقّقة، والاجماع المدّعى، ونحوهما ـ هو الّذي منع عنه عند وجود حي جامع الشرائط، وإمكان الرجوع إليه، لا مطلقاً، فمع الحرج للرجوع إلى الحي، يكون الحي ـ اعتباراً ـ غير ممكن الرجوع عليه، فيبقى تقليد الميّت ابتداءً على الحجّية العقلائية غير الممنوعة عنها شرعاً، وطرق الاطاعة والمعصية عقلائية، ما لم يضيّق الشارع أو يوسّع كما حقّق في الاُصول.
وأمّا على مبنى عدم حجّية قول الميّت في التقليد الابتدائي حتّى عند العقلاء ـ كما تقدّم إنّه قول بعض ـ فإنّ عدم الحجّية هذا إنّما يكون مع وجود حي جامع الشرائط يمكن الرجوع عليه، وعدم الامكان الشرعي ـ بالحرج ونحوه ـ كعدم الامكان العقلي.


نقض وإبرام

ثمّ إنّ الكلام في أنّ الادلّة النافية الشرعية ـ كلا حرج، ولا ضرر، ورفع الجهل، ونحوها ـ ترفع الحكم، ولا تثبته، فكيف تثبت بنفي الحرج حجّية تقليد الميّت ابتداءً ؟
والجواب: أمّا على هذا المبنى، فنفي الحرج، رفع وجوب تقليد الحي، فيبقى تقليد الميّت بلا دليل على نفي حجّيته، وهو قول خبير ثقة جامع لبقية الشرائط، فهو حجّة.
هذا إذا لم تكن فتاوى الحي حرجية على المقلّد، ثمّ صارت حرجية، أمّا إذا كانت حرجية من الاوّل ـ سواء علم بها من الاوّل أم لا ـ فاستصحاب حجّية فتاوى الميّت بقاءً جار، غاية ما هناك احتمال كونه من الشكّ في المقتضي الّذي ـ مضافاً إلى منع ذلك صغرى ـ لا يعبأ به كبرى، فتأمّل.
وأمّا على غير هذا المبنى فربما يقال بأنّ الادلّة النافية رافعة ومثبتة معاً.
نقضاً: للنافي بموارد كثيرة في ثنايا الفقه، استند الفقهاء فيها لاثبات الاحكام بالادلّة النافية مثل لا حرج، ولا ضرر، ورفع ما لا يعلمون، ونحوها.
منها: استدلال الجواهر لجواز المسح على الخف لكلّ ضرورة « بعموم ما دلّ على نفي الحرج في الدين »(7)ونحوه غيره وهو كثير، وقد فصّلنا الحديث عن ذلك في الاُصول.
وحلاً: بأنّ ظاهر رفع الحرج ـ ونحوه ـ رفع ما صار حرجياً، لا الامر المتضمّن للحرج، فاشتراط الحياة إن كان حرجياً، يرتفع هذا الشرط الحرجي فقط، دون أصل التقليد، فيكون له ظهور عرفي في جواز تقليد غير الحي.


تأييد وتسديد

ويؤيّد هذا الظهور: ما ورد في خبر عبدالاعلى فيمن انقطع ظفره فجعل عليه مرارة، فقال (عليه السلام): « يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزّوجلّ، قال الله تعالى: (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) إمسح عليه »(8).


استنتاج

إذن: فالعود إلى تقليد الميّت بعد العدول عنه إلى الحي لا إشكال فيه صناعياً، عدا ما يتراءى من شبهة كونه خلاف الاجماع نتيجة احتمال صدق التقليد الابتدائي لمثله، ولذلك فالاحتياط في المقام ممّا لا ينبغي تركه.
ثمّ إنّ بعض المراجع ممّن يوجبون البقاء على تقليد الميّت لو كان أعلم، أو يحرمون البقاء على تقليد الميّت مطلقاً، ومع ذلك لم يعلّقوا على المتن هنا مع أنّه على كلا القولين كان الامر يقتضي التعليق، لانّ المسألة في المتن ـ كما سبق ـ سيقت بناءً على جواز كلّ من البقاء والعدول مطلقاً.
ولاجل هذا وجّه التلميذ في المباني الاشكال في ذلك على منهاج الصالحين وقال: بأنّ العدول إلى الحي إن كان صحيحاً فلا معنى للعود إلى الميّت، وإن كان باطلاً فيجب عليه العود إلى الميّت، فاطلاق حرمة العود إلى الميّت غير تامّ.
وهؤلاء هم علّقوا على المسألة السابقة وهي: جواز البقاء على تقليد الميّت، فحرّمه بعضهم، وخصّه آخرون بصورة الاعلمية وأوجبوه فيها.
اللّهمّ إلاّ أن يكونوا قد اعتمدوا في ترك التعليق في هذه المسألة على تعليقهم في المسألة السابقة، وظهور الحال من السابقة في هذه المسألة.


(1) سؤال وجواب: ج1، ص5 (طبعة بغداد).
(2) السيّد السبزواري (قدس سره) في مهذّب الاحكام.
(3) كشف الغطاء: ص420، طبعة حجرية، قال في كتاب الجهاد: « ولا يجوز الرجوع إلاّ إلى المجتهد الحي حين التقليد... ثمّ الاحتياط، ثمّ الموثّق، ثمّ مظنون الصدق ولو فاسقاً، ثمّ الشهرة والاجماع، ثمّ الروايات مع قابليته لفهمها، ثمّ كتب الاموات ككتاب الاقا ـ نوّر اللّه ضريحه ـ (ويقصد به أُستاذه الوحيد البهبهاني (قدس سره)) والمجتهدين من تلامذته وكتب المحقّق والشهيد الاوّل، ثمّ باقي الفقهاء، ثمّ بعض المتفقّهة... » وهو في هذا الترتيب الخاص غريب.
(4) مجمع الرسائل: أحكام التقليد: المسألة الثامنة ورسائل أُخرى متضمّنة لفتاوى الشيخ الانصاري ـ كصراط النجاة، ومجمع المسائل، وتاج الحاج وغيرها ـ مع تعليقات أجلاّء تلاميذه وتلاميذهم (قدس سرهم).
(5) سؤال وجواب (فارسي): م3، ص8 (طبعة طهران) عام 1376هـ. ش.
(6) إذ العقلاء لا يرون شيئاً شرطاً إلاّ الخبرة والوثاقة ـ في كلّ ما يحتاج إلى الحدس والخبروية ـ فما أضاف الشارع من الشروط مع الامكان فهو، وإلاّ فالمرجع البناء العقلائي غير المردوع، ولذا ذهب بعض الفقهاء بجواز تقليد الفاسق إذا وثق المقلّد به. انظر الجواهر: ج13، ص278، قال: « فاطلاقهم اعتبار العدالة فيه (أي: في المفتي) يراد منه بالنسبة للمستفتي باعتبار عدم وثوقه بما يخبر به من ظنّه، الجامع للشرائط، وإلاّ فلو فرض اطّلاعه عليه جاز له الاخذ به وإن كان فاسقاً » لكنّه محل إشكال بل منع بل لا يفتي به هو في مقام الحكم.
(7) الجواهر: ج2، ص240.
(8) الوسائل: الباب39 من أبواب الوضوء، ح5.